« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: دورة لتعلم اللغة الانجليزية مجانا (آخر رد :hamada.m)       :: سلام من جديد يشرق عليكم بالخير أخوكم عادإرم (آخر رد :ابن تيمية)       :: من اجمل الدروس (آخر رد :القعقاع بن عمرو التميمى)       :: مملكة قيدار (آخر رد :القعقاع بن عمرو التميمى)       :: كاريكاتير مُعبر (آخر رد :النسر)       :: أكل أموال الناس بالباطل مرفوض شرعا (آخر رد :النسر)       :: أبحاث علمية (آخر رد :النسر)       :: هونتر س.طومسون، ملك "الغونزو” (آخر رد :النسر)       :: الروائي أمير تاج السر: التنوع الثقافي سر تميز الأدب السوداني (آخر رد :النسر)       :: العراق تظاهرات غاضبة في جميع المحافظات (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> صانعو التاريخ




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 27-Jul-2008, 02:23 PM   رقم المشاركة : 16



افتراضي

رحمه الله المفكر الكبير عبدالوهاب المسيري وأسكنه فسيح الجنان أنا من المتابعين لمقالاته ؛ وكتاباته يعد جهبذ من جهابذة أمة الإسلام ، وموسوعته حول اليهود واليهودية والصهيونية خير دليل وبرهان .







 أبوهمام الدُّريدي الأثبجي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 27-Jul-2008, 03:24 PM   رقم المشاركة : 17
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

رحمه الله و أعلى مقامه













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 28-Jul-2008, 02:18 PM   رقم المشاركة : 18
عصي الدمع
مصري قديم
 

 




افتراضي

اللهم ارحمه و اغفر له و اسكنه الجنة يا ارحم الراحمين .













التوقيع

البشر عبر التاريخ قسمان القسم الأول يصنع الرؤية و الهدف أما القسم الثاني فيرقب ذلك القسم الأول و يصفق له

 عصي الدمع غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 29-Jul-2008, 09:35 PM   رقم المشاركة : 19
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

آمين













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 25-Jun-2011, 12:57 PM   رقم المشاركة : 20
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: المفكر العربي الدكتور عبد الوهاب المسيري في ذمة الله

الموسوعات الفردية.. المسيري أنموذجًا

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ


. علي إبراهيم النملة

من أعظم المصائب على العقل العربي أن يكون بعض المشتغلين بقضايا الفكر والتفكير أول من يتنكَّر للعمل والحقيقة، فقد اطمأن بعض هؤلاء إلى ما لديهم من بديهيات، وإلى ما هم عليه من استقرار، فسكنوا إلى معارفهم الموروثة، وقعدوا عن البحث والتدقيق والتحقيق، وانفلتوا عن المعرفة والتبصر إلى يقين زائف، وهجعوا إلى نوع من الكسل العجيب، حينما كان الأمر دراسة اليهود واليهودية والصهيونية وإسرائيل... بهذه الكلمات يستهلّ الدكتور علي إبراهيم النملة كتابه الصادر مؤخرًا في الرياض تحت عنوان "الموسوعات الفردية.. المسيري أنموذجًا"، مبينًا أننا في المحيط العربي نفتقر إلى وجود المعلومة الجاهزة والسريعة والكافية في الوقت الذي يتجه فيه العالم إلى الحصول على المعلومة بالقدر المناسب وبالوقت المناسب وبالشكل المناسب، دون النظر إلى الوعاء الذي تحويه المعلومة، سواء أكان وعاءً تقليديًّا أم غير تقليدي.
ويعزو الكاتب ذلك إلى عدة عوامل، منها تفشي الأمية الثقافية، والغموض في مفهوم الثقافة، كما يرى الكاتب أن من أعراض التقصير المعلوماتي في المحيط العربي وقوفه موقف المتفرج المشاهد في الغالب للوعي الثقافي والفكري لدى الآخر بقدر من الانبهار والرغبة في التمثل دون محاولة طرق الأبواب نفسها التي طرقها الآخر من منظور إبداعي من حيث الوسائل، وليس بالضرورة من حيث المحتوى.
ويرى الكاتب أن فكرة الموسوعات أو دوائر المعارف وعاء مهم وفاعل من أوعية المعلومات التي تتيح الاطلاع السريع والرجوع المباشر إلى المعلومة التي يحتاجها الشخص. وعلى الرغم من أننا في الماضي كانت لدينا ترجمات لعلوم ومعارف أغنتنا عن الوصول إليها بلغات أخرى إلا أننا ما زلنا متأخرين في وقتنا الحاضر في الإبداع في مجال الموسوعات. وليس ثمة شك في أن مشروع الموسوعات يعد من الأعمال التي تغذي روح الفريق في الوقت الحاضر، وتعين على الإنجاز العلمي والفكري والثقافي، والعصر لم يعد عصر إعداد الموسوعات التي تقوم على عاتق الأفراد، حتى تلك الموسوعات المتخصصة تعتمد اليوم على روح الفريق، ليسهم بها المتخصصون في فروع التخصصات الفرعية التي يجمعها كلها تخصص أساس. ورغم الجهود المبذولة في بعض القطار العربية والإسلامية فإنه إلى الآن لم يوفق العرب والمسلمون إلى إصدار دائرة معارف إسلامية موثوقة، أو موسوعة عربية مؤصلة، وإنما اعتمدوا كثيرًا على ترجمات موسوعات أجنبية، وتصرفوا فيما له علاقة بالثقافة الإسلامية والعربية.
ثم يرى الكاتب أن ما يظهر بيننا من إسهام عالم من العلماء في مجال تخصصي واحد وتوسيع خبرته فيه أمر محمود، ويصد ق هذا على عبد الوهاب المسيري حين يأتي الحديث عن الموسوعات الفردية، وذلك في موسوعته عن اليهود واليهودية والصهيونية..

الذهنية اليهودية
يرى الكاتب أنه لابد من التمهيد الذهني للأمة التي يراد الكتابة عنها، بصورة موسوعية أو بكتابات مفردة، وهي الأمة التي نشهد اليوم ـ نحن العرب والمسلمين ـ معها صراعًا على مختلف المستويات الحضارية، كان وما يزال له آثاره التي غيرت كثيرًا من المفهومات عن المنطقة العربية وعن الأمة الإسلامية، وتدفع المنطقة العربية والأمة الإسلامية ثمنًا باهظًا لهذه التغيرات الثقافية التي يرى البعض أن لليهود اليد الطولى في تأثيراتها؛ على اعتبار أن اليهود قد تثقفوا ولم يجبلوا على المؤامرة. ويقتضي هذا النهج محاولة فهم الذهنية اليهودية من أجل تحديد موقف واضح منها، كما يقتضي النظر في التفريق بين اليهودية والصهيونية، ومدى ارتباط بعضهما ببعض، ومعرفة أدبيات اليهود، بما في ذلك الاطلاع على كتبهم وأسفارهم المقدسة عندهم، والتي يحرصون على تحفيظها لأولادهم وتكريمهم بحفظهم لها، وبما في ذلك أيضًا الدخول في التلمود؛ إذ يقول مؤرخ الأديان سهيل زكار: إن من لم يقرأ التلمود لا يفهم اليهودية على حقيقتها.
ثم يوضح الكاتب الجهود الموسوعية قبل موسوعة المسيري أو اللاحقة بها، ويرى أن العودة للتاريخ تعطي قدرًا من إمكانية تفهم النفسية اليهودية التي اكتسبتها بحكم ثقافتها، ولم تجبل عليها بحكم إنسانيتها. ويخلص الكاتب إلى أن هناك فرقًا بين النظرة إلى اليهود الذين يمثلون المعتقد وإلى اليهودي الواحد الذي تكون لديه القابلية للهداية، وهذا ما يؤكد عليه عبد الوهاب المسيري، كما يؤكد على التفريق بين اليهودية والصهيونية، فيقول المسيري: نفرق بطبيعة الحال في هذه الموسوعة بين اليهودي والصهيوني، فاليهودي هو من يؤمن بالعقيدة اليهودية، أما الصهيوني فهو من يؤمن بعقيدة سياسية، ومن ثم فهناك يهود غير صهاينة، مثل أعضاء جماعة ناطوري كارتا، وهناك صهاينة غير يهود مثل اللورد بلفور، وكلٌّ لديه القابلية للهداية إذا ما توافرت أساليب الحكمة في الدعوة بالقول والفعل، ونحن اليوم بحاجة إلى هذه الحكمة في الخاص والعام.
ثم تناول حياة وأعمال الكاتب الموسوعي عبد الوهاب المسيري، وأشار إلى بعض ما كُتب عنه، والإشادات به ، كما يشير الدكتور النملة إلى مراجعة الدكتور صخر أبو فخر لموسوعة اليهود واليهودية والصهيونية التي أعدها المسيري في ثمانية أجزاء، ويركز أبو فخر على ما أسماه المسيري الأوهام الخمسة عن اليهود، والتي هي أكثر الأوهام شيوعًا لدى النخب الفكرية في العالم العربي، وهي: العبقرية اليهودية، تهمة الدم، بروتوكولات حكماء صهيون، اللوبي- أو ما يسميه الدهلزة - اليهودي والصهيوني. ويدحض المسيري هذه الأوهام وينقضها بل ويسخفها.
ومما هو جدير بالذكر، أن الكتاب في أصله مجموعة من المقالات والمحاضرات حول جهد المفكر الموسوعي الدكتور عبد الوهاب المسيري، وقد صدر في سلسلة كتاب المجلة العربية التي تصدر غرة كل شهر عربي في الرياض بالمملكة العربية السعودية، وتعد أحد المنارات الثقافية في عالمنا العربي، الذي يحتاج إلى المزيد من الأعمال الجادة والهادفة، التي تشكل الوعي الصحيح في عالم متلاطم الأمواج الفكرية والثقافية.
المؤلف
أما مؤلف الكتاب الدكتور علي بن إبراهيم النملة فهو مؤلف سعودي، ولد في البكيرية بمنطقة القصيم، وتعلم بها. نال إجازة اللغة العربية من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وماجستير المكتبات والمعلومات من جامعة فلوريدا الحكومية، ودكتوراه المعلومات والمكتبات من جامعة كيس وسترن رزرف.
شغل العديد من الوظائف، منها: معيد بكلية اللغة العربية، أستاذ مشارك، وكيل كلية العلوم الاجتماعية، باحث في معهد العلوم العربية والإسلامية بفرانكفورت بألمانيا، مدير الشؤون الدراسية بالملحقية السعودية في واشنطن، عضو مجلس الشورى، وزير العمل والشؤون الاجتماعية، وزير الشؤون الاجتماعية، أستاذ المكتبات والمعلومات بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
وله العديد من المؤلفات عن الاستشراق والدراسات الإسلامية والتنصير والشأن الاجتماعي، منها:
اقتباس:
الاستشراق في الأدبيات العربية، الاستشراق والدراسات الإسلامية، إسهامات المستشرقين في نشر التراث العربي الإسلامي، صناعة الكراهية بين الثقافات وأثر المستشرقين في افتعالها، تأملات في طريق الدعوة: جولات في الزمان والمكان والتحديات، التنصير في الأدبيات العربية، التنصير في المراجع العربية، التنصير: مفهومه وأهدافه ووسائله وسبل مواجهته، ثقافة العبث: سلوكيات عبثية في زمن الفاقة، الجهاد والمجاهدون في أفغانستان، السعوديون: الثبات والنماء، الشرق والغرب: منطلقات العلاقات ومحدَّداتها، ظاهرة الاستشراق: مناقشات في المفهوم والارتباطات، العولمة وتهيئة الموارد البشرية في منطقة الخليج العربي، الصراع العربي في الكويت: فرض الأفكار قسرًا، الفكر بين العلم والسلطة: من التصادم إلى التعايش، فكر الانتماء في زمن العولمة، مراجعات في نقد الاستشراق: مقدمات لرصد وراقي "ببليوجرافي"، مراكز الترجمة القديمة عند المسلمين، مراكز النقل والترجمة في الحضارة الإسلامية، المستشرقون ونشر التراث: دراسة تحليلية ونماذج من التحقيق والنشر، مصادر المعلومات عن الاستشراق والمستشرقين: استقراء للمواقف، مواجهة الفقر: المشكلة وجوانب المعالجة، وبشر الصابرين: كلمات في رجال تركوا أثرًا.














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 25-Jun-2011, 11:15 PM   رقم المشاركة : 21
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: المفكر العربي الدكتور عبد الوهاب المسيري في ذمة الله

جزاك الله خيراً على الإضافة أخي الحبيب













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 13-Jul-2011, 11:15 AM   رقم المشاركة : 22
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: المفكر العربي الدكتور عبد الوهاب المسيري في ذمة الله


"المسيري" يوقد مصباحًا
عبد الصمد الإدريسي



لا يمكن لمن يقرأ للمفكر المصري عبد الوهاب المسيري الذي فارقنا قبل أربع سنوات، إلاّ أن يقف على غزارة فكره وسعة اطلاعه بشكل قلّما يتوفّر مثيله. وتبيّن سيرته التي سمّاها "رحلتي الفكرية في الجذور والبذور والثمر" هذا الأمر، إذ يحسّ القارئ لها -إضافة إلى المتعة- برأسه مثقلاً بمواضيع مختلفة في الأدب و الفلسفة والاجتماع والفن والتاريخ والسياسة.
سيجد نفسه أمام عملاق من عمالقة الفكر والثقافة بعقله الموسوعي والمبدع في نفس الوقت. تظنّ وأنت تقرأ له أنه يمتلك نهرًا من المعرفة الإنسانية يغرف منه متى يشاء. وكما يقول المؤرخ الأمريكي (كافين رايلي): "يقف عبد الوهاب المسيري في مصاف المنظّرين المبدعين..جنبًا إلى جنب مع أسماء مرموقة من قبيل "ابن خلدون" و(ماكس فيبر) و(إميل دوركهايم). وكما فعل سابقوه اللامعون استخدم "المسيري" عقلية واسعة المدى، وتعليمًا أدبيًّا عريضًا، وطاقة هائلة كي يقدم إنتاجًا نظريًّا ثريًّا، ويتناول بعضًا من أهم قضايا عصره.."
إلاّ أنه من خلال هذا التنوّع والتعدّد في المواضيع التي طرقها "المسيري" تظهر الوحدة بشكل ظاهر عند "المسيري" الذي فضّل استخدام النماذج التفسيرية في تحليل الظواهر، والحديث دومًا عن الرؤى و الخلفيات الكامنة وراء الظواهر والأشياء.
ويمكن اعتبار موضوع الإنسان موضوعًا محوريًّا في فكر "المسيري". وهو الذي يعتبر أن الموقف من الإنسان هو حجر الزاوية لكل أفكار العالم. فكل حديث عن: كيف ينبغي أن يحيا الإنسان؟ يقودنا إلى الحديث عن مفهوم الإنسان وأصله. ولذلك فقد جعل "المسيري" من موضوع الإنسان والدفاع عنه مرجعية يعود إليها في كتاباته كلّ حين. واهتمام "المسيري" الخاص بموضوع الإنسان في عالم الحداثة هو ما سنعرض له في هذا الصدد.
أتصور "المسيري" يستعيد صورة الفيلسوف الإغريقي (ديوجين) الذي كان يخرج حاملاً مصباحًا في وضح النهار. وحين سألوه قال: "أفتش عن إنسان". كذا كان "المسيري". فبغض النظر عن كلمة الإنسان التي تتكرر في صفحات كتبه على اختلاف مواضيعها (وهذا أمر دالٌّ أيضًا)، فإنه لا يفتأ يسقط في الحديث عن موقف النموذج الفلاني من الإنسان أو عن معاداة المدرسة الفلانية له.
لقد شكّل موضوع الإنسان قلقًا بالنسبة لهذا المفكر الذي وجد نفسه يومًا ماركسيًّا يستعصي عليه أن يستوعب الكينونة الإنسانية المتفردة بأبعادها المتجاوزة من خلال هذا الفكر المادي. واستمر هذا النزوع نحو الإنسان كبوصلة لم تطبع كتاباته وأبحاثه فحسب، وإنما قلبت خلفيّته الفلسفيّة، وغيّرت مسار حياته الفكرية والنضالية. لينطلق من خلال المنظومة التوحيدية التي آمن بها للدفاع عن الإنسان وقيمته ضد النزعات المادية والنفعية والاستهلاكية المعادية للإنسان.
هذه القيمة المركزية للإنسان جعلت "المسيري يعتبر الإنسان معيارًا لقياس التقدم الذي تدّعيه الحضارة الحديثة. وذلك منذ عصر النهضة الذي ساهمت فيه بقوة الحركة الإنسانية وإلى عصر الحداثة وما بعدها. فقد جعل مفكرو عصر النهضة من الإنسان معيار المعرفة الحقيقية ومركز الفكر وغاية الفعل، ثم لم يلبث أن خرجت الحركة الإنسانية عن مسارها نتيجة فهمها المغلوط للإنسان. وهكذا بدأت الحداثة على النمط الغربي بادّعاء الإعلاء من شأن الإنسان؛ إذ وضعت الإنسان في مركز الكون وتبنّت منظومات أخلاقية مطلقة تنبع من الإنسان باعتباره كائنًا متميّزًا ومختلفًا عن الطبيعة/المادة، سابقًا عليها وله معياريّته ومرجعيّته وغائيّته الإنسانيّة المستقلة عنها. ولكن هذه الرؤية الإنسانية تطوّرت من خلال النسق المادي الذي يساوي بين الإنسان والطبيعة ومن خلال تصاعد معدّلات العلمنة والترشيد الإجرائي حسب مفهوم (ماكس فيبر)، وانفصال العلم والتكنولوجيا عن القيمة، وانفصال كثير من مجالات النشاط الإنساني(الاقتصاد، السياسة، الفلسفة، العلم) عن المعيارية والغائية الإنسانية، إلى أن فقد الإنسان مركزيّته وإطلاقه وأسبقيّته على الطبيعة/المادة وتحوّل إلى جزء لا يتجزأ منها، وأصبح هو الآخر مادة بدون مرجعية ولا غائية ولا إنسانية.
ويصف (ميشيل فوكو) هذه النهاية حين يقول: "لا يسع المرء إلاّ أن يقابل بضحك فلسفي كلّ من لا يزال يريد أن يتكلم عن الإنسان وعن ملكوته وعن تحرّره. فسيضمحلّ الإنسان مثل نقش على رمال الشاطئ تمحوه أمواج البحر. بدأ العالم من دون الإنسان وسينتهي من دونه. وما يتأكد من أيامنا هذه ليس غياب الإله أو موته بقدر ما تتأكد نهاية الإنسان".
إن نبوءة "ميشيل فوكو" بنهاية الإنسان كنقش على رمال الصحراء تمحوه أمواج البحر، في نظر "المسيري"، ليست قضية عارضة على المنظومة الغربية. بل هي من صميم بنيتها الداخلية ونتيجة طبيعية للنموذج الغربي وموقفه من الإنسان. فالمشكلة كامنة في الرؤية المعرفية المتحكمة، والنموذج الكامن في الحضارة الذي يكشف تتبّع مساره أنه كان يطرح مفهوم الإنسان دائمًا على نحو مشروخ، بفواصل واجتزاءات متضادة تنفي إمكانيات التداخل والتمفصل الواجب استحضارها في كل رؤية للإنسان تبتغي الشمول والإحاطة.
فمفهوم الإنسان في المرجعية الدينية الغربية كان يطرح على نحو مجتزأ يفصل بين الروح والجسد، مع استهجان المكون الحسّي واحتقار مطالبه. ثم لمحاولة تجاوز هذا الإشكال تنتهي صيرورة تطوّر الثقافة الأوروبية في لحظتها الراهنة إلى توكيد الغريزة والجسد، فتسقط هي الأخرى في الرؤية التجزيئية القاصرة عن استيعاب الكائن الإنساني في كلّيته وتعدّد أبعاده.
إن هذه الرؤية الناقصة للكائن الإنساني في الحضارة الغربية جعلت الحداثة الغربية عاجزة عن الوفاء بوعدها للإنسان؛ فقد افترضت أن بإمكانها جعل الإنسان قادرًا على التحكم في ذاته وفي واقعه، وأنها ستوصله إلى الحلول النهائية لمشاكله كافة: الاقتصادية والسياسية والفلسفية والنفسية. لكنها بسبب رؤيتها القاصرة لم تحقق وعدها للإنسان في العيش بسعادة أكبر، وإزالة أسباب الشقاء. بل إن هذا الفردوس الأرضي الموعود سرعان ما تحوّل إلى مصدر شقاء للجنس البشري لايزال ينتقص من كينونة الإنسان وقيمته. فوعد الحداثة إذن كان هو تأكيد مركزيّة الإنسان في الكون، ولكن تحقّقها تاريخيًّا أصبح يسير بخطًا حثيثة نحو موت الإنسان.
هل معنى هذا رفض "المسيري" للحداثة الغربية، و فشل المشروع التحديثي ككل؟
يعترف المسيري أن المشروع الحضاري الغربي حقّق نجاحات أكيدة لا يمكن حصرها. وحصل رصيدًا هامًّا من نقاط القوة ومواطن التميّز. التي يمكن اعتبارها إبداعات مهمة، تضمن الإدارة الرشيدة للمجتمع، وتحقيق الحد الأدنى من الرفاه للإنسان الحديث، ووضع العديد من الضمانات الديموقراطية والحقوقية وغيرها، مما يشكل إسهامات حقيقية. فاحتمال إهمالها أو التغاضي عنها أو عدم إعطائها حقها هو احتمال غير وارد على الإطلاق. ولعله حقق هذه الانتصارات الباهرة على المستويين المادي والمعنوي بسبب مقدرته التعبوية والتنظيمية المرتفعة. وكذا بسبب العلمية-التكنولوجية التي يعتبرها (هابرماس) إيديولوجية العصر الحديث بدلاً عن المعتقدات والتبريرات التقليدية.
وبتزايد معدلات التقنية والترشيد والأداتية تحوّل النجاح إلى أزمة خانقة؛ فها هو الإنسان الذي حوّل الأرض بأكملها إلى مادة خام للاستعمال والاستغلال والاستصناع، ونصب نفسه سيّدًا على الواقع، ها هو سائر إلى أن يتحول بدوره -وقد أطلق مارد التقنية من قمقمه بلا حساب- إلى مادة خام. وهذا المأزق هو النهاية الكامنة في الحضارة الحديثة التي يعتبرها "المسيري" مبنية على مرجعية فلسفية واحدية. حيث تطبق الصيغ الكمية والإجراءات العقلانية الأداتية على الإنسان إلى أن يتساوى الإنسان وعالم الأشياء والسلع. فتسقط المرجعية الإنسانية وتصبح الطبيعة/ المادة أو السوق/المصنع هي المرجعية الوحيدة النهائية. فتنتفي إنسانية الإنسان، وتعمل فيه آليات التشييئ والتنميط والتفكيك.
لقد ألحق "المسيري" بمفهوم الحداثة وصفًا آخر لصيقًا بها، فهو يعرّفها بأنها الحداثة المنفصلة عن القيمة. التي يرى أنها هيمنت بالتدريج على كل مجالات الحياة. وأحكمت قبضتها، وأصبحت أساس الخريطة الإدراكية للإنسان الغربي الحديث. فأنتجت لنا إنسانًا جديدًا كل الجدة عن الشخصية التقليدية؛ فصورة الإنسان الكامنة في الحداثة المنفصلة عن القيمة هو الفرد صاحب السيادة الكاملة، مرجعية ذاته، والهدف من الوجود بالنسبة له هو تحقيق النفع الشخصي وتعظيم المتعة وزيادة اللّذة. فهو إما إنسان اقتصادي أو جسماني أو خليط منهما. لا علاقة له بالخير أو بالشر أو بأي قيم تقع خارج نطاق الحواس الخمسة!! وبهذا يفسر "المسيري" ظهور نزعات معادية للإنسان لا تعترف بكينونة بشرية ولا بقيم إنسانية متجاوزة للمادة. تحققت هذه النزعات في جرائم مروعة ضد الإنسان مثل الحرب العالمية وإلقاء القنبلة النووية وأفران الغاز والصهيونية وغيرها..
لم يكن عبد الوهاب المسيري أول من تحدَّث عن مأزق الإنسان في عالم الحداثة وإنما تناوله العديد من الفلاسفة، خاصة أعضاء المدرسة النقديّة؛ فهو يتقاطع في طرحه مع (ماركيوز) و (هابرماس) و (إيريك فروم)، وغيرهم في تشخيص واقع الإنسان الحديث الذي يبحث عن جوهره وكينونته الضائعة في عالم التقنية والبيروقراطية والترشيد الأداتي. إلاّ أنه يختلف عن هؤلاء بإيمانه أن هذه الأزمة لا يمكن تجازوها من داخل المنظومة الغربية نفسها. فهي كامنة فيها ولصيقة بنموذجها المعرفي. كما أن عبد الوهاب المسيري قد أثبتت نماذجه التفسيرية قدرة غير عاديّة على تفسير ظاهرة الإنسان من خلال فكرة التجاوز التي تعترف للإنسان بتجاوزه لأبعاده الماديّة وتشهد بتفرّده.













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 15-Jul-2011, 01:09 AM   رقم المشاركة : 23
guevara
بابلي
 
الصورة الرمزية guevara

 




افتراضي رد: المفكر العربي الدكتور عبد الوهاب المسيري في ذمة الله

رحم الله المفكر الكبير عبد الوهاب المسيري وأسكنه الله فسيح جناته.







 guevara غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 15-Jul-2011, 07:18 PM   رقم المشاركة : 24
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: المفكر العربي الدكتور عبد الوهاب المسيري في ذمة الله

آمين













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 23-Aug-2012, 03:48 PM   رقم المشاركة : 25
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: المفكر العربي الدكتور عبد الوهاب المسيري في ذمة الله


الدكتور عبد الوهاب المسيري
عبد الوهاب المسيري: الأفكار إذ تصبح حياة




ممدوح الشيخ

الكتابة عن الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري مهمة صعبة من وجوه عديدة، أولا لأنه عالم شديد الاتساع والثراء حتى أنه يكاد يكون صاحب مشروع متكامل لإعادة تأسيس العلوم الإنسانية وفق رؤية عربية إسلامية "إنسانية" بعيدا عن تراثها الضخم الواقع في أسر المركزية الغربية، أو بتعبير آخر تأسيس "حداثة إسلامية". والحصيلة إنتاج كبير يجمع بين الغزارة والعمق والتنوع: دراسات في الظاهرة الصهيونية وأعمال في النقد الأدبي والأدب الإنجليزي والعلمانية والتحيز ومناهج البحث، وأعمال إبداعية: دواوين شعر وقصص أطفال...

من ناحية أخرى فإنه مثل اللؤلؤة ذات الأوجه المتعددة، فهو في مرحلة من حياته كان ماركسيا ماديا، وفي مرحلة تالية إسلاميا "إنسانيا"، وهو في مرحلة كان أكاديميا تخصصه الأدب الإنجليزي ثم استقال للتفرغ للكتابة، وفي الوقت نفسه كان عبد الوهاب المسيري محجما بشكل طوعي عن العمل العام ليخرج على قرائه مفكرا موسوعيا ربما لم تشهد الثقافة العربية الإسلامية قامة تطاوله من زمن بعيد، لكنه لم يتوقف عن التغير، فانخرط في السياسة في مرحلة تالية.

ورغم أن المسيري حالة من حالات مراجعة فكرية مماثلة شهدتها مصر بشكل متزامن تقربيا فإنه ينفرد عنهم جميعا بأهمية استثنائية. فموقفه ليس رد فعل لنكسة يونيو 1967 التي دفعت مثقفين لمراجعة قناعاتهم الفكرية تحت ضغط الفشل العسكري المريع ولا بحثا عما يمكن أن يحرك الشارع – كما فعل سياسيون نفعيون نظروا للهوية الإسلامية كورقة رابحة – بل دخل هذه المرحلة من باب التساؤلات الكونية والتأمل في قضايا شديدة العمق.

رحل الرجل بعد أيام من عودتي من بيروت في رحلة قمت فيها بتسليم الجزء الأول من كتاب عن حياته ومشروعه الفكري سيصدر قريبا عن مركز دراسات معروف ببيروت، ويوم الثلاثاء الماضي وبعد عودتي بيومين اتصل بي الأستاذ توفيق شومان يطلب مني أن أنقل للراحل الكبير رغبته في استضافته في برنامجه "حروف" عن كتاب "اليهود في عقل هؤلاء".

وفورا اتصلت بالدكتور المسيري ليخبرني سكرتيره أنه في مستشفى فلسطين، وحصلت على الرقم من الدليل وتكلمت فردت علي زوجته الدكتورة هدى حجازي أستاذ أصول التربية "سابقا" بكلية البنات، وجاء صوتها متفائلا لا ينبئ عن شيء مقلق: "ارتفاع بسيط في درجة الحرارة وبإذن الله نعود للبيت بعد ساعة أو اثنين"، وانتهت المكالمة وفضلت أن أتصل بعد يوم أو اثنين عندما يسترد الرجل عافيته تماما لكن الاتصال تأخر قليلا حتى أيقظتني زوجتي من النوم صباح الخميس لتخبرني بالخبر.

لقد ربطتني بالمسيري علاقة شخصية وثيقة ورأيته عن قرب وتحاورت معه كثيرا، وكثيرا ما اتخذت موقع الناقد لأفكاره فكان واسع الصدر بشكل مدهش.

وقد تعرفت على الراحل الكبير عام 1994 وكنت وقتها مقررا لأمانة الدعوة والتثقيف بحزب العمل وكان أمينه العام الراحل الأستاذ عادل حسين وكانت مسيرته الفكرية تشبه مسيرة المسيري في أنه كان هو الآخر ماركسيا سابقا، وكلفني الأستاذ عادل حسين بالاتصال بالدكتور المسيري تنظيم احتفال بالذكرى السنوية الأولى لوفاة القيادي الفلسطيني الراحل الأستاذ أبو السعيد خالد الحسن، وكان الراحل خالد الحسن مفكرا عربيا إسلاميا كبيرا، ويعد استثناءا بين الرعيل الأول المؤسس لـ "حركة فتح". وعندما صدرت موسوعة "اليهود واليهودية والصهيونية" "1999" كان الإهداء إلى الراحل خالد الحسن.

ومن الملامح المهمة التي عايشتها في علاقتي بالمسيري ملمح الباحث الدؤوب فهو يكاد يقضي يومه من أوله لآخره بين الكتب والأفكار من الاستيقاظ إلى النوم.

ويصف المسيري ذلك بنفسه قائلا: "بدأت كتابة الموسوعة وأنا في الخامسة والثلاثين من عمري، وكنت أعمل فيها ليل نهار. أبدأ أحيانا في السادسة صباحا ولا أنتهي إلا في الثانية عشرة مساء واستمر لمدة أسبوعين دون توقف. ورغم تقدمي في السن، فإن حصتي من النشاط والصحة كانت آخذة في الازدياد بحيث كنت أكثر نشاطا في الثامنة والخمسين مني في الخامسة والثلاثين.

كما أن الله عافاني من أي مرض طوال هذه المدة "باستثناء نوبات المرض الخفيفة المعتادة التي تدوم عدة أيام ولا تعطل عن العمل، وعملية جراحية صغيرة دامت عدة أيام". ولذا حينما كان أحد يحدثني عن التقدم في السن كنت لا أفهم ماذا يقول!".

وعن المرض الذي أصيب به المسيري منذ سنوات يقول: "يوم أن انتهيت من الموسوعة، عرفت نبأ حزينا للغاية "موت زوج ابنتي". وقد لاحظت في ذلك اليوم أنني بدأت أفقد النطق أحيانا. وكنت أظن أنه عيب فى فكي.

وظللت متماسكا مدة شهرين تقريبا، ثم بدأت أشعر بدوار كلما فكرت أو مارست أي أحاسيس، وقد سقطت مرتين أو ثلاثا على الأرض. ويبدو أن مرضي كان في معظمه نفسيا، نتيجة للإرهاق الذي أصابني من جراء العمل المتواصل في الموسوعة ومن جراء الخبر الذي وصل إلي وأنا منهك القوى تماما بعد الانتهاء منها.

فكان جهازي العصبي يتصرف بإرادته مستقلا عني، إذ قرر أن يستجيب لأي شيء ولكل شيء حسبما يعن له، دون تدخل واع مني. ذقت طعم المرض والموت لا كمقولات مجردة وإنما كتجربة عشتها بنفسي، واستوعبتها بشكل وجودي. ولم ينقذني من هذا الزلزال سوى الرضا وتقبل الحدود.

ويضيف المسيري: يبدو أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يرسخ فيّا الإحساس بالمرض والموت. إذ أصبت بمرض يسمى ميلوما Myeloma وهو نوع من أمراض سرطان الدم. ورغم فجائية اكتشاف المرض إلا أنني تقبلت هذا الخبر بكثير من الهدوء والرضا، بل إننا حين كنا في شيكاغو أنا وزوجتي لاستشارة الأطباء، كنا نحدد مواعيد الأطباء بما يتفق مع جدولنا "السياحي".

تعلمت الكثير في مرضي: أنا لم أمرض مرة واحدة تقريبا أثناء كتابة الموسوعة، بل كنت أتحدث عن السيطرة على الجسد من خلال الإرادة والعزم والإصرار، ولذا أعددت عشرات المشروعات البحثية فور الانتهاء من الموسوعة، ولكني تعلمت من مرضي حدود الجسد الإنساني وحدود المقدرة الإنسانية.

وبدأت أتعاطف مع المعوقين أكثر من ذي قبل حيث إنني قضيت بضعة شهور على كرسي ذي عجل وقضيت عاما تقريبا أتوكأ على عصا "وإن كنت اكتشفت كيف أن الإنسان المعوق يعوض نقط النقص فيه من خلال كفاءات أخرى يطورها". وتعلمت ما قاله لي أحد الأصدقاء إنه لا يوجد مرض وإنما يوجد مرضى.

كما غمرني أصدقائي وتلاميذي بالمحبة، فعادني عشرات منهم ووصل إليّ نهر جميل من الأزهار، كان يفيض من غرفتي على بقية المستشفى. وحيث إن التدهور في حالتي الصحية بدأ يوم أن انتهيت من الموسوعة، انتشرت شائعة طريفة في القاهرة مفادها أن الموساد هي التي وضعت فيَّا الميكروبات التي تسببت في هذه الأمراض. وهذا تطبيق كوميدي لنظرية المؤامرة"!

كشفت تجربة المسيري عن حجم معاناة المثقف العربي وضآلة المردود المادي لهذا العمل الراقي، فحينما انتهي من كتابة الموسوعة كان خالي الوفاض تماما فقدم طلبا للحكومة المصرية ليعالج على حساب الدولة، ولم يصله رد أبدا!

ولكن من كرم الله ولطفه أن جاء لزيارته صديق من المملكة العربية السعودية هو الأديب حمد العيسى وعرف بحالته، وبخاصة أنه كان يناقش آنذاك مع زوجته كم من النقود سيقترض من أولاده ومن البنوك. فكتب مقالا في إحدى الجرائد السعودية، فعلم مكتب الأمير عبد العزيز بن فهد بالموضوع، فقاموا هم بتكاليف العلاج. بل عرضوا عليه أن يرسلوا له طائرة خاصة لتقله إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

فمن عبد الوهاب المسيري؟

ولد عبد الوهاب محمد المسيري في 8أكتوبر/تشرين الأول 1938 في مدينة دمنهور، وفي العام 1955 التحق بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب الإسكندرية، وبعد التخرج، وفي عام 1963 سافر لأمريكا للحصول على الماجستير في الأدب الإنجليزي من جامعة كولومبيا، ثم التحق بجامعة رتجرز وحصل منها على الدكتوراه "1969". وفي العام نفسه عاد إلى مصر للتدريس بكلية البنات بجامعة عين شمس.

وفي العام 1970 عُيِّن الدكتور المسيري مستشارا لوزير الإرشاد القومي، وهي وزارة استحدثها ضباط يوليو، وكان وزيرها آنذاك الكاتب المعروف محمد حسنين هيكل الذي ربطت بينه وبين الدكتور المسيري علاقة شديدة الأهمية.

وشهد العام 1972 صدور كتاب "نهاية التاريخ: مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيوني" الذي يصفه المسيري بأنه أول مؤلفاته الحقيقية. وأصدر المسيري أول مؤلفاته الموسوعية عام 1975: "موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية".

وفي العام نفسه عاد المسيري إلى أمريكا ليلحق بأسرته التي سافرت لتحصل زوجته الدكتورة هدى حجازي على درجة الدكتوراه في التربية، وخلال هذه الفترة التي امتدت حتى عام 1979 عمل مستشارا للوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى هيئة الأمم المتحدة.وشغل سنوات أستاذ زائر بجامعة ماليزيا الإسلامية فى كوالالمبور، وبأكاديمية ناصر العسكرية في مصر.

وبعودته إلى مصر عام 1979 عاد للتدريس بكلية البنات بجامعة عين شمس، قبل أن ينتقل إلى السعودية للتدريس بجامعة الملك سعود، ثم إلى الكويت للتدريس بجامعة الكويت عام 1989.

وفي العام 1990 انتهت علاقة الدكتور المسيري بالتدريس حيث استقال من الجامعة وتفرغ للكتابة، وقد بدأت مؤلفاته تتوالى بدءا من عام 1996 بصدور كتابه: "الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ: رؤية حضارية جديدة"، ثم صدرت الموسوعة عام 1999.

وفي يناير/كانون الثاني 2007 تولى الدكتور المسيري منصب المنسق العام للحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية" وهي الحركة المعارضة لحكم الرئيس حسني مبارك وتسعى لاسقاطه من الحكم بالطرق السلمية ومعارضة تولي ابنه جمال مبارك منصب رئيس الجمهورية من بعده.

تلك كانت "معلومات" عن حياة المسيري لكن الأرقام والتواريخ وحدها لا تكفي للإحاطة بسيرته ولا غناء عن استعراض "المعالم"، فإلى جانب العمل الأكاديمي والنتاج الفكري ترك عبد الوهاب المسيري بصمة مهمة في مؤسسة من المؤسسات المصرية المعروفة، فقد شغل منصب رئيس وحدة الفكر الصهيوني وعضو مجلس الخبراء بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام "1970 ـ 1975"، وهو مركز أنشئ ليكون "مطبخا" لصانع القرار السياسي في مصر.

كما أنه المستشار الأكاديمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن "1992- حتى وفاته"، وعضو مجلس الأمناء لجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية في ليسبرج في فيرچينيا بالولايات المتحدة الأمريكية "1993 – حتى الآن". عضو مجلس الأمناء لجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية – واشنطن – الولايات المتحدة الأمريكية "1997 – حتى وفاته"، ومستشار تحرير عدد من الحَوْليات التي تصدر في مصر وماليزيا وإيران وأمريكا وإنجلترا وفرنسا.

وتعكس السيرة الذاتية للمسيري "رحلتي الفكرية: في البذور والجذور والثمر" اعتزازه بأصوله واهتمامه بقضية الهوية بمعنييها الذاتي والعام، وهو يكشف عن أنه مبكرا بحث عن أصل عائلته ويضيف: "وبطبيعة الحال، قيل لنا إننا من الأشراف، من أهل البيت. وكان أحد أعضاء العائلة يحتفظ بشجرة تبدأ فروعها من دمنهور في القرن العشرين وتنتهي عند مكة في أيام البعثة المحمدية".

ويكمل المسيري: "وكانت إحدى علامات الأصالة أن يعرف الإنسان أسماء جدوده ولذا كنت أعرف أن اسمي هو: عبد الوهاب محمد أحمد علي غنيم سالم عز المسيري". وحسب المسيري نشأته جعلته باحثا مثابرا فأبناء البرجوازية الريفية – وأنا منهم – ينشأون في خشونة، خلافا لأبناء البرجوازية الحضرية.

ويضيف المسيري: كان والدي يردد أن لا علاقة لنا بثروته، زادت أم نقصت، وأن علينا أن نعيش في مستوى أولاد الموظفين. وأذكر جيدا أنه حينما امتلك سيارة خاصة، في منتصف الخمسينات، منعنا من ركوبها وكان يقول لنا: اركبوا الترام مثلكم مثل بقية الشباب. كنت أشكو من هذا آنذاك، لكنني تعلمت، فيما بعد، عندما ازددت حكمة، أنه نفعنا كثيرا بذلك، وعندما ذهبت إلى أمريكا ولم يكن عندي أي مصدر دخل إضافي لتغطية نفقاتي، ولم يكن من الممكن تحويل أي أموال من مصر، اضطررت للعمل خفيرا في مصنع في أمريكا، وما كان بوسعي أن أتحمل ذلك دون طريقة والدي في التنشئة".

وقد نشأ المسيري في رحاب أسرة تجارية ثرية ليس عندها اهتمام كبير بالثقافة، وهو يصف علاقته بأسرته قائلا: "كانت هناك دوما مشكلة عند والدي عندما أشتري كتبا جديدة، وكان من المعروف أن أولاد التجار في دمنهور عليهم أن يذهبوا في الإجازة الصيفية إلى محل والدهم لمساعدته في عملية البيع والشراء.

وإذا كان الوالد يمتلك أرضا زراعية فكان الواحد منهم يذهب إلى "العزبة" ليشرف على جمع القطن أو ما شابه من نشاطات مهمة، لكنها ليست لها علاقة كبيرة بعالم الفكر. وهذا كان هو حالي حتى سن العاشرة، إذ قابلت صبيا في مثل عمري اسمه محمد شقير "وهو الدكتور محمد شقير الذي يقيم الآن في كندا" طلب مني أن أصطحبه إلى مكتبة البلدية في دمنهور، ولم أكن قد سمعت حتى هذه اللحظة عن مؤسسة تسمى "مكتبة"، فذهبت معه.

كانت مكتبة البلدية في دمنهور آنذاك مبهجة، وحتى رائحتها كانت طيبة. ويمكن القول إنني دخلتها ولم أخرج منها حتى الآن. وكانت زيارتي الأولى لمكتبة البلدية في دمنهور نقطة تحول في حياتي".

وحينما كان عبد الوهاب المسيري في السنة النهائية في مدرسة دمنهور الثانوية – وهو السادسة عشرة من عمره – بدأت بعض الأسئلة الأساسية تهاجمه بإلحاح شديد، وكان من أهمها أسئلة خاصة بأصل الشر في العالم والحكمة من وجوده، وعن أصل الكون.

وكان هذا العام أول عام يدرس المسيري فيه مادة الفلسفة، وقد خلبت هذه المادة لبه تماما وكان يقضي الساعات في قراءة الكتاب المقرر، وساعده هذا على تنويع الأسئلة وتعميقها وصياغتها بشكل متبلور.

وفي مرحلة الدراسة الجامعية انتقل إلى جامعة الإسكندرية، وكان الأساتذة عبر سنوات دراسته يدعونه لمنازلهم ليتحاوروا. وفي هذه الأيام، كان – كما يقول هو "شيوعيا أصوليا" وكانوا هم من الديمقراطيين الليبراليين "إلا أنهم كانوا يتحملون تحليلاتي الطبقية الاختزالية!"

وفي أمريكا بدأ يتحول من الاهتمام بدراسة الأدب الإنجليزي إلى دراسة الظاهرة الصهيونية التي طرحت عليه، شأنه شأن أي عربي يجد نفسه في أمريكا. وهو يروي هذا الجزء المفصلي من رحلته قائلا: "أتذكر جيدا أنه في عام 64 تعرفت على فتاة يهودية، سألتني عن جنسيتي فقلت لها: مصري.

وسألتها عن جنسيتها، فقالت: يهودية.
فقلت لها: إن اليهودية ديانة وليست انتماء قوميا.
فقالت لي: أنت لا تفهم، اليهودية انتماء ديني وقومي في آن واحد.

"هذه العبارة أربكتني، لأنني خرجت من مصر أعرف أن العلمانية هي فصل الدين عن الدولة، فكيف إذن يمكن اعتبار اليهودية قومية، وكيف يمكن للغرب تأييد دولة تدعي أنها يهودية، وأنا لا يمكن أن أتعامل مع شيء لا أفهمه، ومن هنا قررت أن أفهم القضية، ومن ثم بدأت أقرأ، وبالتدريج بدأت قراءاتي تتعمق وهمشت دراستي الأدبية، حتى أصبحت أقضي 80بالمائة من وقتي في القراءة عن الصهيونية، وبالتدريج أصبحت شغلي الشاغل، ولذا قررت التخصص في الصهيونية".

ويكمل الدكتور المسيري: "فكتبت للملحق الثقافي في السفارة المصرية في هذا الوقت "عام 1965" لتغيير موضوع بعثتي من دراسة الأدب الإنجليزي إلى دراسة الصهيونية والعبرية، لكنه أبلغني أنه من الصعب ذلك، فأكملت الدراسة حتى التقيت بالدكتور أسامة الباز المستشار السياسي في أمريكا فوجد لدي شيئا مختلفا في رؤية وفهم الصهيونية وإسرائيل فشجعني على التخصص في الصهيونية.

وصدر لي في عام 65 كتيبا صغيرا عن الصهيونية باللغة الإنجليزية يسمى إسرائيل: "قاعدة للاستعمار الغربي". وحينما عدت إلى مصر واصلت المسيرة. فكتبت دراسة بعنوان "نهاية التاريخ" حررها الدكتور أسامة الباز وصمم غلافها بنفسه فهو يهوى الخط العربي.

ثم قدمني الدكتور أسامة للأستاذ محمد حسنين هيكل، الذي قرأ المخطوطة، وعينني باحثا بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، وقام بإرسالي إلى أمريكا وأعطاني مبلغا ضخما لشراء مجموعة كتب كانت نواة لمكتبة مركز الدراسات، وبدأت رحلة التخصص في الصهيونية إلى أن استقلت من العمل بالجامعة عام 1990.

وأنا أعتبر نفسي محظوظا بلقائي بالأستاذ هيكل، الذي فتح لي صفحات الأهرام وقدم لي الدعم المادي لشراء الكتب، بالإضافة إلى الدعم الأدبي والمعنوي بمتابعته كل ما أكتب ومناقشتي فيه.

وهذا الأمر مستمر حتى الآن، وأعتبر نفسي محظوظا أيضا بالصداقة التي نشأت بيننا فهو يسمح لي بأن ألتقي به مرة كل شهر. وفي الصيف تتعدد لقاءاتنا أكثر من ذلك". رحل المسيري وبقيت أعماله الجليلة كاتبا وناشطا وإنسانا نبيلا.












التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
المسيري, المفكر, الله, ال

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى


الساعة الآن 04:39 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع