« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: رواائع التاريخ (آخر رد :احمد2013)       :: القارة المفقودة… غرانيت في أعماق المحيط (آخر رد :النسر)       :: ساحات للرتع (آخر رد :الذهبي)       :: الشاب الذي حبس جريجير بكلمة (آخر رد :الذهبي)       :: حضور القلب في الصلاة (آخر رد :النسر)       :: كاريكاتير مُعبر (آخر رد :النسر)       :: مصر وربيع التقدم (آخر رد :النسر)       :: أخبار الجزائر (آخر رد :النسر)       :: طريق الإستقرار في ليبيا (آخر رد :النسر)       :: ملف العراق الجريح ( قراءات سياسية مميزة ) (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> التاريخ القديم



على خطى الفينيقيين

التاريخ القديم


إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 04-Sep-2008, 12:01 AM   رقم المشاركة : 1
 
الصورة الرمزية أبو سليمان العسيلي

 




افتراضي على خطى الفينيقيين

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

على خطى الفينيقيين


البحر المتوسط الشبكة التجارية الواسعة التي أنشأها الفينيقيون في القرن الخامس قبل الميلاد.

غالباً ما تكتشف أشياء وأغراض في مئات الأماكن المنتشرة حول حوض البحر الأبيض المتوسط وأحياناً تكون غريبة تماماً عن الثقافة والحضارة المحليتين، على سبيل المثال: ماذا تفعل تعويذة مصرية في اليونان؟ أو مزهرية يونانية في أفريقيا؟ اليوم نعيد الأمر إلى العولمة، فاليوم يمكنك أن تجد أي شيء في أي مكان في العالم، وإذا عدنا ثلاثة آلافِ سنة يكون من الصعب الإجابة على هذه الأسئلة، ولكي نفهم الحركة التجارية للشعوب القديمة علينا أن نبدأ من البحر المتوسط ونتتبع أول شعب مَارَسَ العولمة بطريقة منظمة وناجحة على حد سواء، إنهم الفينيقيون والمدافعون عن أول شبكة توزيع تجارية تخطت حدود القومية في قديم الزمان.

سوف نكشف أسرار هذا الشعب وذلك بالإبحار بشكل افتراضي مع قائد فينيقي في القرن الخامس قبل الميلاد سندعوه "عيلام"، سنكتشف أجناساً كثيرة من الناس ونرسو في موانئ حيث كل شيء تتم المتاجرة به وسنذرع البحار مجيئاً وذهاباً حيث كان الفينيقيون سادةً دونَ منازع.

جاء الفينيقيون في الأصل من لبنان الذي هاجروا إليه في شبه الجزيرة العربية قبل ذلك وكانوا منظمين ضمن مدن كان أشهرها مدينة صور التي نرى معالمها الرومانية الآن، وكان أسهل الطرق وأكثرها نفعاً ليزيدوا احتكاكهم بالشعوب الأخرى ويزيدوا ثراءهم هو البحر الأبيض المتوسط، لذا أصبحوا بحارة بارزين وتجاراً أذكياء وصاروا أفضل من الجميع في هذين الأمرين، واستطاعوا من خلال رحلاتهم أن يتعرفوا على شعوب متطورة وأخرى بدائية إضافةً إلى المنتوجات التي كانت تلك الشعوب ترغب بالحصول عليها والمقايضة بها.

وبما أن الفينيقيين كانوا تجاراً وبحارة منذ الألف الثاني قبل الميلاد، فإنهم بدأوا بتأسيس المستودعات والموانئ والمستوطنات لينشئوا شبكة من الطرقات تلامس أطراف بلاد مجاورة مثل مصر واليونان والمستعمرات اليونانية في جنوب شبه الجزيرة الإيطالية إضافة إلى قرطاجة في شمال أفريقيا.

كما أنهم وصلوا إلى سردينيا وشواطئ إسبانيا من جهة البحر المتوسط والمحيط الأطلسي كما توجهوا جنوباً على طول الشاطئ حتى السنغال وشمالاً نحو إنكلترا وإيرلندا، إن قيام نظامٍ يشمل مئات المستعمرات ويتكون من آلاف السفن لا بد أنه كان يعتمد على مهارات تنظيمية كبيرة.

أمضى علماء الآثار سنين عديدة يفكرون بالطريقة التي كان تمكن الفينيقيون بواستطها من التواصل مع بعضهم البعض في تلك الأزمنة الغابرة وكيف كانوا ينظمون المستودعات ويتاجرون بأنواع كثيرة من البضائع.

لقد كان اكتشاف هذا الناووس للملك الفينيقي "أحيرام" الذي يعود تاريخه إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد هو الذي مكن علماء الآثار من فهم الأسباب وراء تلك المهارات التنظيمية وما تراه محفوراً على الناووس هو مثال على أقدم كتابة بالأبجدية لكونها مؤلفة من حروف وليست رسوماً كالهيروغليفية المصرية.

فالفينيقيون كانوا أول من اخترع الأبجدية وهذا كان عاملاً ضرورياً لتأسيس شبكة تجارية واسعة، فأول استعمال للأبجدية كان للتعرف على أسماء البضائع ودفع أثمان الموجودات.

قال تعالى: (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ) [القلم: 4، 5].

ويمكن أن نتبين حسنة هذا الابتكار من هذه المقارنة.

نرى على اليمين رسمين مصريين في اللغة الهيروغليفية وعلى اليسار حرفين من الأبجدية الفينيقية، فالعلوي رمز للحرف "م" أما السفلي فهو رمز لحرف"هـ"، وهكذا كان هناك انتقال من المفاهيم التي كانت تمثلها الهيروغليفية التي كانت تحتاج إلى تفسير إلى نظام لغوي ثابت لا يتغير من حيث المعنى لقارئه أياً كان.

وأصبح الفينيقيون في القرن الخامس قبل الميلاد الحكام الوحيدين لخطوط التجارة البحرية كما أصبح البحر المتوسط مستودعاً كبيراً لهم حيث سادت رايتهم، وربما كانت أول مثال على مفهوم العولمة قبل المسيح عليه السلام، لقد كان البحارة مثل "عيلام"، القوة وراء هذه الإمبراطورية الاقتصادية حيث استعملوا خبراتهم في البحار وفي الأراضي الأجنبية إضافة إلى معرفتهم بفن التجارة.

مثل أي تاجر ناجح كان "عيلام" يُحَمَّلُ سفينته بالسلع الثمينة قبل الشروع برحلته الطويلة وكانت السلعة شجر الأرز الأسطوري من لبنان، خشب رائع لبناء سفن الشحن القوية والسفن الحربية، وكان "عيلام" يشتري الخشب من مدينة بعلبك الواقعة في الجبال التي كانت تشكل الجانب الخلفي للمدن الفينيقية في لبنان، أما في العصور الهيلينية، فكانت تعرف مدينة بعلبك بـ"هليوبوليس" أي مدينة الشمس.

وبعد دراسة معاني هذه الصلبان المعقوفة وأدلة أخرى مثل ألوان الأعمدة تمكن علماء الآثار من اكتشاف أن المعبد الضخم الذي كان يحتل جزءاً كبيراً من المدينة كان قد بني تكريساً لإله الشمس الباطل والذي أخذت المدينة اسمه "بعل" وهو المذكور بقوله تعالى في القرآن الكريم: (أتدعون بعالاً وتذرون أحسن الخالقين) [الصافات: 125].

وفي هذه المدينة عاش نبي الله إلياس عليه السلام، ولكن لماذا كانت الأعمدة قد صبغت بألوان مختلفة؟

يمكن حل اللغز عندما نربط بين الأعمدة والاتجاهات الأربعة، فكانت الأعمدة الداكنة من جهة الغرب أما الأعمدة الفاتحة فمن جهة الشرق، فكانت الأعمدة بذلك تمثل الحياة والموت أي شروق وغروب الشمس.

ها نحن نرى رسماً لجزءٍ محجوب من بناء إله الشمس المزعوم الذي يعود تاريخه إلى عام ستين بعد الميلاد، وكانت المنطقة تضم أربعة وخمسين عموداً بعلو واحد وعشرين متراً وبقطر مترين.

ولنعد إلى دليلنا عيلام، فبعد تحميل جذوع أشجار الأرز على عربات فإنه كان يعود إلى الشاطئ حيث تنتظره سفينته.

إن المصادر السابقة التي لم تسلم من التبديل والتحريف تذكر على لسان حزقائيل أن جبيل المدينة الفينيقية التي تقع في لبنان كانت أكبر حوض للسفن في العالم القديم، وعبور البحار لم يكن أمراً سهلاً حتى بواسطة أفضل السفن لذا كان على عيلام أن يكون كريماً مع الآلهة المزعومة على ضوء الصعوبات التي كانت عادةً تنتظره.

إن هذه التماثيل البرونزية المغطاة بورق الذهب لها قلنسوة غريبة.

إنها اللبادة القبعة الفينيقية النموذجية، ولقد وجدت التماثيل بأعداد كبيرة في مدينة جبيل فلقد وجد الخبراء أنها كانت أشياء منذورة وفاءً للآلهة الخرافية المزعومة عندما كان الناس يتوسلون إليها للتفضل عليهم بشيء ما، وتبين لاحقاً بأن المنطقة كانت واحدة من مناطق العبادة في دين الفينيقيين الفاسد المنحرف وذلك كان معبد المسلات.

وقد تم واكتشاف بقايا سفن تجارية في جبيل ومدن فينيقية أخرى، وكانت سفينة عيلام التجارية بطول عشرين متراً وعرض خمسة أمتار لكي تتسع لكمية كبيرة من شجر الأرز وكميات من الأقمشة المزخرفة الملونة بالأحمر الأرجواني التي كانت تصبغ بلون ثابت يتعذر إزالته كان يؤخذ من صدفة الموركس، حتى أن الفينيقيين كانوا قد أخذوا اسمهم من تلك الأقمشة، فوينكس المشتقة من كلمة "فوين" اليونانية وتعني اللون الأحمر.

هذه الحمولة الثمينة كان يمكن مبادلتها بها في أي مرفأ ولكن عيلام كان يبحث عن سلعة خاصة تساوي وزنها ذهباً مثل الكوروس، إن الكوروس نموذج لمثال التناسب والانسجام في جسد الرجل، وقد وجد الكثير من هذه التماثيل في جزيرة رودوس قرب كاميروس وكانت تعود إلى العهود الغابرة كما أن الحفريات كشفت عن هذه المزهريات المعروفة بمزهريات فيكلورا، ويعني هذا التركيز على الفنون والحرف اليدوية أن رودوس كانت تقع في وسط شبكة خطوط تجارية مهمة.

ولتجزئة الرحلات البحرية الطويلة كانت السفن تبحر من ميناء إلى آخر وكانت رودوس ميناء ضرورياً للزيارة.

وكان عيلام يقدم لليونان خشب الأرز لبناء سفنهم والقماش الأرجواني ليحصل بالمقابل على الفخاريات وأشياء أخرى من جميع أنحاء اليونان، كما أن الفينيقيين كانوا ينقلون البضائع لحساب طرف ثالث كما نقول اليوم، فكان من الممكن أن يكون عيلام قد حَمَّل تماثيل يونانية مثل هذا إضافة إلى البرونزيات التي من صنع المستعمرات اليونانية في جنوب إيطاليا بناءً على طلب مواطن فينيقي غني في مستعمرة بعيدة.

فلقد وجدت خلال الحفريات في مستعمرة فينيقية تماثيل مثل هذا التمثال البرونزي لشاب إغريقي وقد صنع في المستعمرات اليونانية في جنوب إيطاليا أو مثل تمثال موشيا الشابة، لقد بقيت هذه التماثيل مدفونة لعصور في مستعمرة موتيا الفينيقية في صقلية التي نرى الآن حوضها الجاف الذي بقي محفوظاً وسليماً لألف عام، إن التماثيل تدل على مستوى التجارة الفينيقية في منطقة البحر المتوسط والتبادلات التجارية التي أسست تفاعلاً ثقافياً حقيقياً.

وأبحر عيلام إلى جهة لا يعلمها غيره من البشر على ظهر سفينته المحمّلة بالمزهريات والتماثيل والجواهر، وبعد إبحاره من جانب أعمدة هرقل يتوجه بسفينته نحو الجنوب على طول شواطئ الأطلسي في إفريقيا بين المغرب وغينيا، فالفينيقيون ربما كانوا الشعب الجريء الوحيد الذي جازف عبر الأطلسي آنذاك أما الشعوب القديمة فقد كانت تخشى عبور منطقة عواميد هرقل لأنها كانت تؤمن بأن نهاية العالم خلف تلك الأعمدة، فما السبب الذي دفع الفينيقيين إلى تلك المسافة البعيدة ؟ وهنا يذكرنا هيرودوتس بالأسباب التي دفعتهم إلى تلك المجازفة.

كان الفينيقيون ينزلون البضائع ويضعونها على الشاطئ ومن ثم يعودون إلى سفنهم ويبعثون دخاناً في السماء فيرى ذلك أهل البلاد فيصفوا الذهب الذي يقدمونه بجانب البضائع وينسحبون، فينزل الفينيقيون من سفنهم ويتفحصوا الذهب فلو حسبوا تلك الكمية من الذهب وكانت موازية لقيمة البضائع فإنهم كانوا يأخذون الذهب ويرحلون وإلا فإنهم كانوا يعودون إلى سفنهم وينتظرون حتى يرتضوا كمية من الذهب، هذا هو إذن سر عيلام.

إن أهل البلاد الأصليين كانوا يذهلون عند رؤية السلع الشرقية الرائعة ولم يأبهوا للمعدن الأصفر الذي كان يوجد بوفرة فيما بينهم، تلك كانت الصفقة الرابحة بيعهم الفخاريات والحلي والإبحار ثانية محملاً بالذهب، ويبحر عيلام ثانية نحو الشمال وقد أظهرت الحفريات أن الفينيقيين وصلوا إلى إنكلترا وإيرلندا كما أظهرت نتائج كثيرة أن الشعوب الشمالية كانت تعطي معدن التنك مقابل الفخاريات والحلي الرخيصة علماً بأن التنك كان مطلوباً لإنتاج البرونز وسبائك معدنية أخرى كان يحتاجها الفينيقيون واليونانيون، لقد كانت إيرلندا أبعد المناطق التي وصل إليها الفينيقيون في الشمال، وبعد أن كان ينتهي من مقايضة بضائعه كان بإمكان عيلام أن يعود مبحراً نحو بلاده.

ولكن المحيط الأطلسي كان يخبئ لعيلام بعض المفاجآت غير السارة : فعاصفة عاتية كان يمكن أن تتلف السفينة وتضطرها إلى البحث عن مأوى تلجأ إليه، في هذه المواقف كان الفينيقيون القادة يلجأون إلى حماية سفنهم فيربطون أنفسهم إلى حافة السفينة حتى يتمكنوا من الرؤية وتجنب الصخور ومن أماكنهم كانوا يوجهون تعليماتهم إلى البحارة.

وبما أن عيلام تمكن من تجنب العاصفة فإنه كان ينصب أشرعة سفينته مرة أخرى ويتوجه جنوباً إلى مستعمرة قاديز الفينيقية في جنوب غرب أسبانيا، فهناك كان الفينيقيون يشترون الحديد ويدفعون ثمنه ذهباً وكان يكمل رحلته إلى ميورقة كبرى جزر البليار الإسبانية ومن ثم إلى المستعمرات الغنية في سردينيا.

إنه ليس أمراً عادياً أن يكتشف المنقبون منجماً للذهب ولكن الأمر قد حصل في سردينيا، من الواضح أن الحفريات لم تكشف عن عرق ذهب في الصخور ولكنها كشفت عن عدد كبير من الحلي وهي الآن معروضة في متحف للآثار في كاليغاري.

على كل حال لم يكن هناك مخزون من الذهب في سردينيا فهذا المعدن الثمين وصل في الحقيقة من إفريقيا على ظهر سفن فينيقية وهناك في سردينيا كان الفينيقيون يعملون بصياغة الذهب في أشكال فريدة ويصنعون من تلك الأشكال قوالب صغيرة.

لقد كانت سردينيا أكبر منتج للحرف اليدوية الفينيقية في مجال صناعة الزجاج فكانت تصنع قوارير الزيوت لحفظ المراهم والعطور إضافة إلى العقود والتعويذات الوثنية الباطلة لعصور عديدة كان الناس يعتقدون بأن الفينيقيين كانوا أول من اخترع الزجاج وهم بالتأكيد لم يكن لهم نظير في صنع الزجاج على الرغم مِنْ أن العلم في العصر الحاضر لا يؤكد هذه النظرية.

الأقنعة المبتسمة، لقد بقي سبب الابتسامة الغامضة لغزاً لسنين عديدة مثل السبب المجهول وراء الأذرع الطويلة للتماثيل، ولكن معنى ذلك تم جلاؤه بعد سنين من البحث.

فالأقنعة كانت تستعمل بمقتضى عقيدتهم الفاسدة لتبعد الأرواح الشريرة في التوابيت، أما ما يخص أذرع التماثيل فقد تبين أنه كانت لها علاقة بالنواحي الطبية الفينيقية المقصورة على فئة قليلة، فلقد كانت تقدم إلى الآلهة الباطلة للحصول على شفاء سريع من أمراضهم، فكانت اليدان تلامسان المنطقة المريضة حيث الداء كما لو أن المريض يريد أن يذكر الآلهة بمصابه.

الجدران والبحر، إن مجموعة مؤلفة من هذا النوع تعني أننا نعالج موضوع سوق مركزي تجاري فينيقي، ربما يُقَال: أن منطقة تاروس الأثرية في سردينيا لم تعد موجودة ولكنها لا تزال واحدة من أكثر الأماكن بلاغةً في التعبير عن التخطيط المدني.

يمكننا أن نتخيّل عيلام وهو يرسو على هذه الشواطئ، فهنا كان يقايض الحديد والرصاص والتنك والذهب بالجواهر الثمينة لأن تاروس كانت واحدة من أكبر منتجي الجواهر في تلك العصور.

ومن بين الآثار الفينيقية في هذه المنطقة هناك بناء دائري ولكنه غريب كلياً عن المكان، أنه "نراجي" بناء نموذجي من أبنية شعب البلايتس وهم سكان سردينيا القدماء الذين قهرهم الفينيقيون، إن الدراسات وصور الحاسوب تساعدنا كي نرى القرية افتراضياً كما كانت تبدو قبل ثلاثة آلاف سنة، اتبعوني.

إن الحضارة النوراجية قديمة جداً ويعود تاريخها إلى الألف الثاني قبل الميلاد، وكانت مستوطناتهم صغيرة وشوارعها ضيقة وكثيرة المنعطفات هذا السبب جعل الدفاع عن القرية ضد الغزوات أمراً سهلاً، كما أن بيوت الشعب السرديني القديم كانت مجموعة تضم أبراجاً محصنة ومخازن القمح أماكن للعمل إضافة إلى أماكن للعيش في وحدة مؤتلفة، فلم يكن هناك تمييز بين وظائف الأبنية.

لقد كان هناك "النراجي" وهي وحدة سكنية للنشاطات الإنتاجية والأسرية وكانت تلك النشاطات تجري حول موقد الناغر الذي كان المركز الرئيسي للبيت، ولكن ماذا تعني كلمة "نراجي" بالضبط؟

في اللغة القديمة كانت تعني المتراس للاستحكام ضد الآخرين، وهذا القطع الذي يظهر لنا ثلاثة جوانب سوف يساعدنا على فهم السبب.

نرى هنا أن الجدار أكثر سماكة من المنطقة المخصصة للسكن وكان ذلك بسبب تكديس الحجارة الثقيلة فوق بعضها دون أي استعمال للطين، وإنه أمر يدعو إلى الدهشة كيف كانت تصل هذه الأبنية إلى العلو أكثر من عشرين متراً دون أي استعمال للكلس، إن جميع الموانئ الفينيقية مثل هذا الميناء في "نورا" كان فيها شيء مشترك، فجميعها كانت تقوم على نتوءات داخلة في البحر وجميعها كان لها جدران داخلية حيث كان الناس يعيشون في حالة بدائية وفي أبنية أقرب إلى أن تكون مخازن من أن تكون أماكن سكن.

على أي حال استطاعوا إنشاء مرسى أكبر وكانت السفن تتمكن من الرسو على كلا الجانبين، فالأمر الوحيد الذي كان يبحث عنه الفينيقيون هو الرسو السريع على الشاطئ إنهاء الصفقة ومن ثم الإبحار ثانية.

إن الذي نراه الآن أساسات بناء حي سكني فينيقي في"نورا" وهو أبعد ما يكون عن المفهوم الروماني للعيش.

فالحضارة الرومانية كانت تفضّل الأحياء السكنية الفسيحة المنظمة التي كانت مجهزة بجميع أنواع الخدمات والتسهيلات،مثل الحمامات المائية الحرارية، ولكن الحمامات في "نورا" مزينة بالفسيفساء الفنية، من جهة أخرى نلاحظ أن المسرح الذي يعود تاريخه إلى القرن الثاني بعد الميلاد هو أكثر المباني الأثرية الرومانية جمالاً في سردينيا.

من هذا الميناء العسكري الفينيقي الذي يعود تاريخه إلى القرن الخامس قبل الميلاد كان القائد عيلام ينصب شراعه ليبحر ثانيةً محملاً بالحلي والأشياء الثمينة حتى لو لم يكن قد أنهى صفقاته التجارية.

إن أكبر الألغاز الأثرية كان اعتبار ميناء قرطاجة ملكة البحر الأبيض المتوسط،أقوى مستعمرة فينيقية قرطاجية، فالمؤرخ اليوناني آبيان كان له مرفآن للنقل، المرفأ التجاري ذو الشكل المستطيل والمرفأ العسكري وهو دائري وتتوسطه جزيرة.

ولكن لم يكن هناك مكان مشابه لذلك الوصف في العصور الحديثة حتى القرن التاسع عشر الميلادي عندما لاحظ رينيه شاتو بريان بحيرتين قرب خليج "لوكرام" وهو وصف مشابه للمرفأين المذكورين مما جعله يدرك أن تلك المدينة كانت قرطاجة.

أدى هذا الاكتشاف إلى جدل حاد لم ينته إلا مع الحفريات التي تمت في عام ألف وتسعمائة وأربعة وسبعين، ومع الحفريات التي قامت بها بعثة بريطانية على الجزيرة الدائرية وجدت البعثة دليلاً كان حدس شاتو بريان بحاجة إليه وبذلك أثبت البريطانيون أن شاتو بريان كان على حق، وبعد حل اللغز لندخل الميناء القديم والذي تمت إعادة بنائه الافتراضي بالحاسوب.

لقد كان أكبر وأحدث ميناء في العصور السابقة للعهد الروماني، وبسبب قدرتنا التخيلية الآن على العبور من الميناء التجاري إلى الميناء العسكري عن طريق هذا الممر الضيّق الذي نقترب منه فإننا نتمتع بامتياز لم يكن متوفراً للقائد عيلام عندما كان يصل من سردينيا، فالسفن التجارية كانت ممنوعة من تخطي هذه الحدود.

وهنا نتبع مسار سفينة حربية قرطاجية تتجه نحو مرساها، وسنكتشف أكثر الأسرار عمقاً حول القوة القرطاجية.

إن السفينة التي تدخل الميناء تعمل بثلاثة مجاديف مع العلم أن القرطاجيين كان لديهم سفن تعمل بأربعة أو خمسة مجاديف يمكن مقارنتها بالسفن الحربية الحديثة، وقد كانت ترسو هنا جميع السفن العائدة من المهمات الحربية التي تمكنت قرطاجة بواسطتها من السيطرة على البحر الأبيض المتوسط وكانت كذلك تحمي الطرق التجارية الفينيقية.

لقد كان الميناء دائرياً وكانت هناك جزيرة صغيرة مستديرة في الوسط تعرف بجزيرة إمارة البحر أو الأميرالية، كما كان هناك أحواض جافة على كل من الجزيرة المحيط الخارجي للميناء.

وعلى قمة الجزيرة كان يوجد سرادق للأميرالية حيث كان القائد العام للأسطول يعطي الأوامر العسكرية، من جانب آخر،كان هناك بوق واحد ينفخ لينظم حركة السفن في الميناء وعلى جانبه من يعينه بإعطاء إشارات التحذير بواسطة رايات يشير بها للسفن لينظم مرورها ويشير لها إلى أماكن رسوها، يشير البوق لسفينة لتتجه إلى اليسار أما الحوض الذي تعبره السفينة ذات المجاديف الثلاثة فهو بعرض مائة متر، وذلك عرض جزيرة الأميرالية نفسها على يمينك، وهذه الفسحة للمناورة كانت ضرورية لذلك الأسطول الكبير.

لقد كان هناك ثلاثون مرسى في الوسط، ومائة وأربعون مرسى موزعة على شكل مروحة باتجاه الخارج، وإذا عَرَفْنَا أن بعض المراسي الوسطى والعميقة كان يمكنها أن تستقبل سفينتين معاً فإننا نجد أن عدد السفن كان يقارب مئتي سفينة، كان مرفأ قرطاجة العسكري يزدحم بالسفن في فصل الشتاء.

وخلال الجو العاصف كان من الخطر أن تبحر السفن في البحار الهائجة ولذلك فإن القرطاجيين كانوا يميلون إلى تجنب الحرب في ذلك الفصل من السنة، أما في الحالات الضرورية فإن الأسطول كان يبحر من هذه الأرصفة حتى في فصل الشتاء، وكانت السفن تسحب إلى الرصيف عندما يحين وقت صيانتها.

كانت تسحب السفينة إلى منطقة جافة تعلو أرضاً منحدرة قليلاً، وكانت ألواح من الخشب توضع بشكل متعاكس لضمان عدم انزلاق السفن، وكانت الأحواض الجافة تربط بواسطة سلسلة من البوابات.

وعند المدخل كانت أعمدة أيونية تنصب لتعطي شكل رواق من الأعمدة عند مستوى الماء لكي تبدو المنطقة العسكرية أكثر أناقة، حتى السفن كانت تنال اهتماماً جمالياً خاصاً، فلقد كانت ترسم على طرف السفينة الأمامي عين كبيرة لتثير الخوف في نفوس الأعداء.

وتختلف السفينة الحربية عن سفينة النقل من حيث أن لها مجاديف ورجالاً لتحريك المجاديف وهذا مكنها من الإبحار السريع، وبالإضافة إلى كونهم بحارة بارزين فقد كان الفينيقيون يتميّزون ببناء السفن.

كانوا يبنون السفن بأعداد كبيرة ويعوضون سفنهم الغارقة على يد الأعداء بسرعة عالية، فكانت جميع القطع مدموغة بحروف بشكل واضح تحفظ جاهزة وتركب في وقتها, بهذه الطريقة كانوا قادرين على بناء أسطول بأكمله خلال مدة قصيرة.

على كل حال، ربما لم يَبْقَ القائد عيلام هنا ليشاهد السفن الحربية بل ربما ذهب إلى بيرصا وهي قلعة قرطاجة ليبيع الحلي والزجاجيات التي أتى بها من سردينيا كانت مطلوبة كثيراً.

وبعد توجهه إلى البحر ربما أبحر في نهر النيل قبل عودته إلى وطنه، وكان النهر يحمله إلى داخل مملكة الفراعنة، وعلى الرغم من أن الفراعنة كانوا يؤمنون بالحياة الآخرة حسب معتقداتهم فإنهم كانوا يهيمون شغفاً بكنوز الأرض، فكثير من الحلي الفينيقية الصنع وجدت في التوابيت المصرية القليلة قبل أن يتم نهبها.

كان عيلام يقايض الحلي من تاروس بالكتان وهو قماش خشن لم يصنعه سوى المصريين قديماً وكان الكتان ضرورياً للأشرعة القوية على سفن الفينيقيين، وربما اشتري "عيلام" بعض البضائع الغريبة المطلوبة بشكل كبير في البلاط الفارسي مثل القردة والتماسيح.

وفي النهاية كان عيلام يبحر عائداً إلى وطنه، وعند وصوله إلى مدينته "صور" كان يبيع الحيوانات الغريبة للفرس وقماش الكتان لأبناء بلده فيبقى لديه الذهب والفضة ومال وافر يدفعه ثمناً لخشب الأرز في بعلبك، ولكنه لم يكن ليبدد ثروته في شراء البيوت الفخمة.

كان سيبني على الأرجح سفناً أخرى لينشئ أسطولاً خاصاً به ليبقى ذارعاً البحار ذهاباً ومجيئاً، لقد كان ممهداً لأساطيل التجارة الحديثة التي تعد ميزة بارزة في مفهوم العولمة في الألفية الثالثة الميلادية، وهكذا طُوِيَتْ صفحة أخرى من صفحات التاريخ الإنساني بكل ما فيها لتفتح صفحات أخرى.

يقول تعالى: (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [آل عمران: 140].

ولكن يبقى أمر نشوء واختفاء حضارات معينة مثيراً للعقول والأذهان, فهناك عوامل مادية كثيرة تؤدي إلى ازدهار ورقي أية حضارة إنسانية, كما أن هناك عوامل انحطاط وتردي تمحو هذه الحضارات من الوجود ويتبقى علينا أن نأخذ العظة والعبرة, فانتشار الأوبئة الاجتماعية والأمراض الخُلقية إضافة إلى الضلال الديني كل ذلك كفيل بهدم أية حضارة.

قال تعالى:

(وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) [القصص: 58].



المصدر : قناة المجد الوثائقية
http://www.majddoc.com/main.aspx?fun...id=10313&lang=












التوقيع



دعواتكم لأهلنا في سورية

 أبو سليمان العسيلي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
الفينيقيين, خطى, على

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى


الساعة الآن 06:13 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع