« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: ثورة ليبيا وسقوط القذافي (آخر رد :النسر)       :: اكتشافات أثرية جديدة في سوريا - أبو خيثمة (آخر رد :مسلمة)       :: تاريخ كلمات غيرت التاريخ (آخر رد :مسلمة)       :: ذو القرنين (آخر رد :مرتقب المجد)       :: إنفلونزا الحكام (آخر رد :مرتقب المجد)       :: ثلج الصبر ... و ... جمرة المصيبه (آخر رد :معتصمة بالله)       :: أرجو الدخول من جميع الباحثين..........هام (آخر رد :معتصمة بالله)       :: ما هو الماجستير ؟ (آخر رد :معتصمة بالله)       :: أسس توثيق رسائل الماجستير ورسائل التخرج: (آخر رد :معتصمة بالله)       :: الدنيا ليست لأحد، حتى أنت ليست لك (آخر رد :معتصمة بالله)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام العامة
> محاورات تاريخية




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 12-Oct-2008, 03:07 PM   رقم المشاركة : 1



افتراضي بوفيس فانسون وقراءة القرآن الكريم

بوفيس فانسون وقراءة القرآن الكريم --------------------------------------------------------------------------------

(( أظن أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة المالية إلى قراءة القرآن بدلاً من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها ما حلت بنا الكوارث والأزمات وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري.
(بوفيس فانسون-رئيس تحرير مجلة تشالنجز موجهاً كلامه لبابا الفاتيكان)
[ المصدر: محمول عبدالهادي بن أحمد بن عبدالهادي الدُّريدي الأثبجي -5222islam1 توقيت الإرسال الساعة 9:41 م -التاريخ 11/ 10/ 2008م ] .

......................................
مع تحيات وتقدير
أخوكم في لله ومحبكم في لله
أبوهمام عبدالهادي بن أحمد الدريدي الأثبجي التونسي الحجازي
((ابن طيبة الطيبة))







 أبوهمام الدُّريدي الأثبجي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 13-Oct-2008, 01:15 AM   رقم المشاركة : 2



افتراضي تقرير/ حقيقة الأزمة المالية العالمية د. عبد الحميد الغزالي 11/10/1429

حقيقة الأزمة المالية العالمية

د. عبد الحميد الغزالي 11/10/1429
11/10/2008


لا شك أننا نعيش الآن بوادر أزمة مالية عالمية، والتي بدأت بشكل حاد في التجربة الأمريكية، ثم بصورة أقل حدةً في التجارب الأوروبية المرتبطة بها، ثم التجربة اليابانية وتجارب دول جنوب شرق آسيا، ثم الصين وروسيا، وأخيرًا بقية دول العالم، وهي الدول النامية.
ولكي نتفهَّم حقيقة هذه الأزمة ومدى خطورتها، يتعين أن نتعرف على بعض الحقائق الأساسية المرتبطة بها، وهي:

أولاً: يقوم النظام الرأسمالي على مبدأ الحرية الاقتصادية، والدولة الحارسة، أي التي تقوم أساسًا بالخدمات العامة الرئيسة، وهي: الدفاع والأمن والقضاء، ولا تتدخل بصورةٍ مباشرة في النشاط الاقتصادي.
أما ما يحدث الآن فهو تدخل شديد الوضوح؛ ليس من السلطات النقدية- أي البنوك المركزية- وإنما من رأس الأنظمة الرأسمالية ووزارات ماليتها أو خزانتها.
والدليل على ذلك أن خطة الإنقاذ الأمريكية سُمِّيت باسم وزير الخزانة الأمريكي، وهي خطة "بولسون".

ولذلك وقَّع أكثر من 50 اقتصاديًّا أكاديميًّا أمريكيًّا على وثيقة ترفض هذا التدخل، وترفض هذه الخطة على أساس أن النظام الرأسمالي من وجهة نظرهم لديه المقومات التي تُصحح مساره بدون تدخلٍ حكومي.
ثانيًا: أن بنك الاتحاد الفدرالي- أي البنك المركزي الأمريكي- لم يقم بدوره كبنك مركزي في مراقبة جادة للنظام المصرفي، واكتفى باستخدام سعر الفائدة كأداةٍ لإدارة النشاط الاقتصادي بعامة، وهذا الجهاز بخاصة.
بينما نجد أن كثيرًا من وحدات هذا الجهاز أخذت تعمل خارج الطريقة النظامية؛ أي ما يُسمَّى بالنشاط خارج الميزانية، أي بعيدًا عن ميدان الرقابة.
وهذا النشاط الخارجي يعادل 6/7 من مجمل النشاط المصرفي الأمريكي، أي إن 1/7 فقط من هذا النشاط هو الذي يراقبه البنك المركزي، بينما بقية النشاط خارج نظام الرقابة، ويُقدَّر هذا النشاط بـ600 تريليون دولار، ولعل هذا هو مكمن الأزمة الحالية.
ثالثًا: إدارة النظام المصرفي بصفةٍ عامة تتلخَّص في كفاءة إدارة- أي تنفيذ- السياسات المصرفية، وهي: إدارة السيولة والربحية، وإدارة مخاطر الائتمان، وإدارة كفاية رأس المال.
ونجد أن السبب الرئيس للأزمة الحالية يتمثَّل في أن وحدات الجهاز المصرفي الأمريكي ثم الأوروبي ثم بقية الأجهزة في العالم لم تتقيَّد بهذه السياسات بشكلٍ كافٍّ، أو بالمرة.
ذلك لأنها ركَّزت على الربح السريع الضخم عن طريق الإقراض غير المسئول وغير المنضبط بالقواعد المصرفية المعروفة، خاصةً في قطاع العقارات، أي التمويل العقاري.
ومن ثم أهملت في الوقت ذاته- ولا أقول أهدرت- اعتبار السيولة أو الثقة، ولم تقم بإدارة رشيدة لمخاطر الائتمان أو كفاية رأس المال.
هذا بجانب أن الربح السريع والضخم صاحبه فسادٌ في قمة إدارة هذه المؤسسات؛ فمثلاً بلغت مرتبات ومخصصات الرئيس التنفيذي لبنك "ليمان براذرز" 486 مليون دولار في العام الماضي (2007م).

رابعًا: أن خطة الإنقاذ وما سبقها من محاولات إنقاذ وحدات مصرفية، مثل شركة التأمين العالمية الأمريكية، وصلت إلى ما يقرب من تريليونَي دولار، وتحديدًا 1.8 تريليون دولار؛ منها بالطبع 700 بليون دولار كخطة إنقاذ مباشرة.. هذا في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها.
هذه الخطة في الواقع لا تعالج الجذور ومسببات الأزمة، وإنما تعالج مظاهر الأزمة، وبالتالي لم ولن تُحدث الأثر المطلوب على الأقل في فترةٍ وجيزة.
ونعني بالجذور دراسةَ قواعد عمل الوحدات المصرفية في الجهاز الأمريكي، وأيضًا دراسة أدوات الرقابة على هذه الوحدات، وقبل ذلك وبعده محاسبة المسئولين عن هذا الانهيار.
ثم بعد ذلك العودة- إن أمكن قبل الانهيار الكبير الذي قد يحدث- إلى سياسات مصرفية منضبطة حول السيولة والعائد، وإدارة مخاطر الائتمان، وكفاية رأس المال.
ونحن هنا لا نتكلم عن "بازل 1 أو بازل 2"، وإنما نتكلم عن بازل جديد تمامًا، وليكن بازل 100، أو حتى سويسرا 100، أي ترتيبات جديدة تضمن إدارة جيدة للجهاز المصرفي في أية دولة.
ولعل القمة الأوروبية المُصغَّرة التي عُقدت 4/10/2008م بباريس، والتي نادت بعقد مؤتمر دولي عاجل لوضع أسس مجابهة هذه الأزمة، يشير إلى هذا الاتجاه الذي ذكرناه حالاً.
خامسًا: إذًا هناك بوادر انهيار؛ حيث إن الثقة- وهي أساس التعامل في مجال المال- تكاد تكون مفقودةً الآن في الاقتصاد الأمريكي عمومًا، وفي سوق المال بصفة خاصة (وول ستريت)؛ بدليل انخفاض مؤشر (داو جونز) بعد إقرار خطة الإنقاذ من ناحية، وارتفاع مؤشرات الركود من ناحية أخرى؛ حيث سجَّل شهر سبتمبر فقط فقدان 160 ألف فرصة عمل بالاقتصاد الأمريكي.
سادسًا: وصل النظام المصرفي الأمريكي إلى حالة التجمد الائتماني؛ فلا يوجد إقراض يُذكر لقطاع الأعمال أو المستهلكين، ومن ثَمَّ توجد حالة شلل يكاد يكون كاملاً في التيارات النقدية التي هي بمثابة الدم في جسد الإنسان بالنسبة للاقتصاد، خاصةً إذا أضفنا إليها إحجام المستهلك عن الإنفاق تخوفًا من المستقبل، وهذا هو بداية الانهيار الكبير؛ ليس في سوق المال فقط، وإنما في أساسيات الاقتصاد.
سابعًا: النظام الرأسمالي لا شك- كما أكدنا في بداية هذا المقال- قد دخل جو الأزمة؛ ليس في الاقتصاد الأمريكي فقط، وإنما من خلال التشابك بين دوله؛ في الاقتصاد الأوروبي والياباني واقتصاديات دول جنوب شرق آسيا، وأخيرًا الدول النامية.
وعملية الخروج من هذه الأزمة بمجابهتها بإجراءاتٍ جادة لن تحتاج إلى شهور، وإنما قد تستغرق عددًا من السنوات.

ثامنًا: فقَد الاقتصاد الأمريكي في يومَي الإثنين والثلاثاء- أي 29-30/9 فقط في (وول ستريت)- تريليون دولار في صورة هبوط في قيمة الأوراق المالية المتداوَلة.
وعمليات الإنقاذ في التجربة الأمريكية والعالم تجاوزت حتى الآن رقمًا غير مسبوق، وهو 3 تريليونات دولار؛ اثنان منها في التجربة الأمريكية كما سبق أن ذكرنا.
تاسعًا: النظام الرأسمالي الآن يعد استمراره محل جدل كبير، بل شك أكبر، لدرجة أن أحد الاقتصاديين الغربيين قال: "يتعين أن نُطلق على الولايات المتحدة الأمريكية (الولايات المتحدة الأمريكية الاشتراكية)؛ بسبب التدخل الحكومي الذي جاء في الواقع متأخرًا للغاية، وبسبب شلل الأجهزة الرقابة العادية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي؛ أي البنك المركزي الأمريكي".
عاشرًا: ما العلاج؟:

يمكن أن نجيب عن هذا التساؤل الصعب بالخطوات التالية:

1- وقف المضاربات؛ أي المقامرات، وبالذات التعامل في المشتقات، وهي: الخيارات والمستقبليات والتحوطات لتغيرات سعر الفائدة.

2- محاسبة المسئولين عن الجهاز المصرفي بعامة والوحدات التي انهارت بخاصة.

3- تشديد رقابة السلطات النقدية؛ وعلى رأسها البنك المركزي، في ممارسة العمل المصرفي بعامة وضخ الائتمان بخاصة.

4- اعتماد السياسات المصرفية بحزم وصرامة، خاصةً فيما يتصل بإدارة السيولة والربحية وبإدارة مخاطرة الائتمان وبإدارة كفاية رأس المال.

5- الاستمرار في ضخ سيولة في شرايين الاقتصاد؛ حتى لا تنهار أساسيات القاعدة الإنتاجية، وندخل في كساد عالمي عظيم.

6- أخيرًا وليس آخرًا.. التفكير الجاد من قِبل المُنظِّرين الغربيين ومتخذي القرار في الغرب في دراسة تطبيق النظام الإسلامي البعيد عن سعر الفائدة الربوية، والقائم على معدل الربح كأداة لإدارة النشاط الاقتصادي المعاصر، والذي يستند- أي هذا النظام- على استثمار حقيقي لتوسيع القاعدة الإنتاجية، وليس على أساس استثمار مالي قوامه المضاربات؛ أي المقامرات والمغامرات والاستغلال والفساد.
http://www.islamtoday.net/albasheer/...76&artid=14374







آخر تعديل أبوهمام الدُّريدي الأثبجي يوم 13-Oct-2008 في 01:23 AM.
 أبوهمام الدُّريدي الأثبجي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 13-Oct-2008, 01:18 AM   رقم المشاركة : 3



افتراضي الأزمة المالية الرأسمالية .. فرصة إسلامية مزدوجة

الأزمة المالية الرأسمالية .. فرصة إسلامية مزدوجة

أتى على المسلمين حين من الدهر، فقدوا أكثرهم لا كلهم - البوصلة اليقينية التي أكرمهم الله - عز وجل - بها، والتي كانت تحدد لهم الاتجاه الصحيح في عصور التزامهم الذهبية.

فقد ساد الانبهار الأعمى بالغرب المتفوق عليهم مادياً وتقنياً، بسبب قراءتهم الخاطئة لمفاهيم الحضارة والتقدم، ونتيجة تفشي الجهل المطبق بحقائق دينهم، فانتشرت البدع وعمّت الخرافة وسيطرت الشعوذة على جموع جائعة وجاهلة.

وازدادت الصورة قتامة بتأثير نخبة متغربة كانت شر رائد للآخرين، ولا سيما عندما استخدمت القوة الفاجرة لفرض التغريب على الأكثرية غير المتعلمة التي لم تمنعها أميتها من إدراك حجم الشر المرافق للعلمنة الاستفزازية، فثارت ببقايا فطرتها على القيم الزائفة الوافدة.

فقبل نحو نصف قرن من الزمان، كان الوعي الإسلامي المُخَدّر منقسماً بين الاشتراكية الكافرة والليبرالية المتهتكة اللامبالية، وكان لكل من المدرستين الإفساديتين علماء سوء عليمو اللسان معتلّو القلوب، يختمون للمستبدين بختم شرعي مفترى وفقاً لأهوائهم ومصالح سادتهم.

لكن الصورة شهدت تبدلاً مهماً قبل أقل من عقدين عندما انهارت المنظومة الشيوعية وسقطت معها شعاراتها الكاذبة عن فردوس أرضي مزعوم للطبقات الكادحة! ولم تكتمل مسيرة عودة الوعي لدى كثيرين، إذ انساقوا وراء أكذوبة نهاية التاريخ وانتصار الرأسمالية المتوحشة انتصاراً نهائياً.

وخرجت أفراخ الليبرالية على الناس تمارس وقاحتها بلا استحياء إذ توهمت أن سادتها سوف يسحقون مناعة الأمة بعد أن تفرغوا لها عقب زوال العدو السوفيتي الأحمر.

وسرعان ما سقط القناع عن هؤلاء الخونة على الصعيد الفكري والسياسي نتيجة انحيازهم الوضيع إلى جانب الأعداء ضد أبناء دينهم وبني جلدتهم، في سائر القضايا الكبرى، وبخاصة لدى انطلاق الحملات المسعورة للتطاول على المقدسات الإسلامية كافة.

وبقيت كذبة واحدة مرروها على البسطاء وهي إشاعة أسطورة استحالة التقدم الصناعي والعلمي خارج نطاق اقتصاد السوق بحسب الرؤية الأمريكية المتطرفة. وقد استغل أعضاء الطابور الخامس هؤلاء قيام منظمة التجارة العالمية وثورة الاتصالات والمعلومات، فربطوا ربطاً مفتعلاً بين تلك الإنجازات وبين مبادئ التيه الفكري اللاأدري المشفوع باقتصاد يقوم على الربا الفظيع.

ولذلك ترى أولئك العملاء في أشد أحوالهم سوءاً وهم يتابعون أنباء الكوارث المتلاحقة التي تعصف بالمؤسسات المالية الغربية العملاقة، والتي يجلب عليها زعماء الغرب بخيلهم ورجلهم، في مسعى يائس لتقليص خسائرها الفادحة وانهياراتها التي يشبّهها عقلاء في الغرب نفسه بسقوط أحجار الدومينو.

ومن الجلي حتى الآن أن المسألة مسألة حياة أو موت وليست خللاً عابراً ولا غلطاً طارئاً، لأن جذور الأزمة ترجع إلى الربا الفاحش الذي توعد ربنا - سبحانه وتعالى - أهله بالحرب.

وإذا كانت مكابرة القوم تمنعهم من الإقرار بهذه الحقيقة الدامغة، فإن التردي المستمر في أوضاعهم الاقتصادية والمالية سوف يرغمهم على تجرع كأس السم، حتى لو سمّوه بغير اسمه، مثلما اضطرتهم دياناتهم المحرفة المنافية للفطرة إلى القبول بالطلاق وقد ظل محظوراً قروناً متطاولة، لكنهم أبوا أن يعترفوا بأنهم تداووا بعلاج طالما تطاولا على الإسلام الذي أقره بضوابطه وشروطه الحكيمة.

إن المأزق الرأسمالي الراهن يعد فرصة ذهبية لأمتنا الإسلامية، من وجهين، أولهما: المبادرة إلى الخروج عاجلاً من مستنقع الربا المحلي والعالمي ـ الذي يهيمن عليه اليهود والصليبيون ـ لإصلاح ما بينهم وبين الله - تعالى -، وتدارك الأضرار العظيمة التي سوف تفتك بمن يستمر في التعاطي معه أو القبول به.

وأما الوجه الآخر فهو تقديم ترياقنا ذي المصدر الإلهي الصافي إلى الناس جميعاً، باعتباره مدخلاً دعوياً عملياً رائعاً.

وباختصار يمكن القول: إنها ساعة الانتقال إلى أفضل وسيلة للدفاع وهي الهجوم، والهجوم هنا حضاري وأخلاقي يبث الخير وينشر ما ينفع البشر وما يُسْعدهم في الدنيا والآخرة. فهل نحن فاعلون؟



10/10/1429هـ

http://www.islamselect.com/mat/32950







 أبوهمام الدُّريدي الأثبجي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 13-Oct-2008, 01:20 AM   رقم المشاركة : 4



افتراضي أمريكا .. في أي الأودية تسقط ؟! عصام زيدان

أمريكا .. في أي الأودية تسقط ؟!

عصام زيدان



كثرت التوقعات منذ فترة ليست بالبعيدة عن قرب انهيار النظام السياسي الأمريكي الذي قاده المحافظون الجدد، وظهر جليًا واضحًا على الساحة الدولية منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، واقتربت تلك الصورة من التبلور رويدًا بعد انحسار المد والتأييد الشعبي عن الجمهوريين، خاصة بعد الفشل الجلي في السياسة الخارجية وخوض تجارب فاشلة سواء في أفغانستان أو العراق.

وصاحب هذه التوقعات، بالسقوط الأيديولوجي لأحد رافدي السياسة الأمريكية، أخرى ترتكز على عدة عوامل تراها مؤذنة بتبدلات دولية، ستسفر في النهاية عن سقوط الولايات المتحدة كدولة من عرش التفرد الدولي والهيمنة إلى عهد الشراكة الدولية، التي تتساوى فيها الرءوس بين أكثر من قطب دولي، وتعود إلى حجمها ومكانتها الطبيعية بين الدول.

وتستند هذه التوقعات على الخسارة العسكرية البينة للقوات الأمريكية في أفغانستان، والفشل المذل في تحقيق أي نتائج مرضية على المستوى الحربي في العراق، إلى جانب صعود القوة العسكرية الروسية التي استعادت قدرًا من عافيتها وثقتها بنفسها بعد حرب جورجيا.

ولم يكن هناك في الأفق القريب أو البعيد من يفكر في نهاية تراجيدية للقوة الأمريكية، خاصة في جانبها المادي والاقتصادي، أو يفكر في نهاية عصر هيمنة هذه القوة، غير ما ورد في خطابات القاعدة من رغبة في تدمير البنية الاقتصادية الأمريكية بالاستنزاف بعيد المدى في حرب طويلة من الكر والفر، على غرار ما وقع للاتحاد السوفيتي في ثمانينات القرن الماضي عقب خسارته لحرب طويلة في أفغانستان.

وقد وصلت درجة الغرور والصلف بالداخل الأمريكي، والنظريات التي يتبناها، ومدى قدرتها على الصمود في وجه التغيرات والتقلبات العالمية، إلى حد غير متوقع من المخالفة للأصول والقواعد العلمية المتعارف عليها بالنص الصريح والمباشر والحتمي على "نهاية التاريخ"، ووصول البشرية إلى درجة من التطور والرقي المعرفي الذي ليس من بعده من شيء، وهو ما نحا إليه ونحته وصاغه المفكر الأمريكي فرنسيس فوكوياما في كتابة المشار إليه آنفًا.

وهذا الفيلسوف الأمريكي فوكوياما حقيقة لا يعبر عن ذاتية منبتة اعتراها تضخم الذات، والشعور بالغرور المتناهي، بل يعبر حقيقة عن الشعور الأمريكي العام بالتفوق والعلو على كافة الأجناس الأخرى بفضل ما توصل إليه من فكر وممارسة على كافة الأصعدة، خاصة في المجالين السياسي بتبني الخيار الديموقراطي، والاقتصادي بابتداع النظام الرأسمالي.

وهذا الشعور الكامن في النفس الأمريكية والذي وجد مثل فوكوياما من يخرجه إلى الإطار النظري والمعرفي، كان هو الدافع في الحقيقة لمحاولة الأمريكان فرض النموذجين السابقين على البشرية جمعاء، لا لأن هذه الجموع البشرية تستحق هذا التطور، ولكن لكونهما عند فرضهما يقللان من المخاطر والأضرار التي قد تصيب الفرد والمواطن والوطن الأمريكي.

ومع هذا الشعور بالاستعلاء الأيديولوجي، على المستوى الفكري والنفسي، أتت حوادث الانهيار الاقتصادي في الولايات المتحدة لتحدث الصدمة على المستويين معًا...

فعلى المستوى الفكري كانت الصدمة أكبر من المتوقع، فالنظام الذي تم تسويقه على أنه الغاية في التطور البشري، الذي لا يحتاج البشر بعده إلى تفكير في أنظمة أخرى، اتضح بصورة جلية أنه واهن... وأنه يحمل في طياته وبين جوانحه عوامل فشله وانهياره... وأنه كذلك ليس بحال أفضل من الاشتراكية التي انهارت من داخلها، ولم يملك أصحابها من الأمر شيئًا حينما هوى صنمها.

بل والعجب أن يلجأ متشددو الرأسمالية وروادها إلى آليات اشتراكية لتصحيح الخلل والعوار الظاهر في النظرية الرأسمالية، وهي ـ أي الاشتراكية ـ كانت إلى وقت قريب هي الفساد بعينه عند الرأسماليين، وكان مجرد التعرض لها ذكرًا ضربًا من التخلف الاقتصادي والغوص في كهوف الدجل الفكري الذي لا يعود على أصحابه إلا بالخبال والضياع.

وعلى المستوى النفسي، فقد زلزلت تلك الحوادث الاقتصادية، ثقة المواطن الغربي بالعموم والأمريكي بالخصوص بأنظمته التي ألبسوها زورًا وزينوها بهتانًا بمسوح القداسة والعصمة، كأنها دين منزل لا يلحقه النسخ أو يعتريه القصور والضعف.

فالمواطن الأمريكي، على وجه الخصوص، وإلى وقت قريب، كان يصدق بهذه النظرية، على اعتبار أنها تحقق له الأمن الاقتصادي في أعلى درجاته، وتسمح له بأن يصل إلى المدى الذي تمكنه منه قوته، لا يعوقه عائق، ولا تصده قيود، ولا تضبطه أخلاق أو قيم مجتمعية، وحينما سقطت الاشتراكية وبقيت إلى حين النظرية الرأسمالية انتعش عنده الأمل بأنه بحق يملك الحق المطلق غير القابل للانكسار.

فماذا يمكن أن يكون عليه حال هذه النوعية من البشر، وكيف تنظر إلى الدولة التي أذهبت مدخراته، وأضاعت له ماضيه ومستقبله، وأعطت ظهرها لهذا النظام الذي روجت له، وولت وجهها شطر الاشتراكية مجددًا، بعد أن لفظها أصحابها.

إن المشكلة في الولايات المتحدة، ليست إذن مشكلة عارضة، أو خللاً يحتاج إلى خطة إنقاذ بمليارات الدولارات واستنفار الهمم للخروج منها بأقل الخسائر الاقتصادية والمالية الممكنة، المشكلة في الحقيقة في سقوط عمود الفسطاط على رأس أصحابه، وعدم قدرة النظام الرأسمالي على معالجة اختلالات هو وحده السبب الرئيس فيها، ووقوفه عاجزًا مع تطورات الأزمة وامتدادها إلى خارج النطاق الجغرافي الأمريكي إلى الغرب الأوروبي.

والمشكلة كذلك في فقد ثقة المواطن الأمريكي في أصل النظرية، وكونها توفر له الحرية المنشودة غير المؤطرة بالقيود والمعارف الأخلاقية، والتي لا تحدها إلا المصلحة الذاتية، ومن ثم في قدرة الدولة على توفير الأمان الاقتصادي الذي هو الرابط الرئيس الذي يجمع بين الطرفين، وما يستتبع ذلك من انكسار نفسي، وتراجع عن الاستعلاء الذي طالما اتسم به الأمريكي شعورًا وممارسة في تعامله مع الآخر على اختلاف أيديولوجيته وواقعه.

ويضاف إلى ذلك تخلي الولايات المتحدة وأوروبا واقعيًا عن النظرية الرأسمالية والهرولة ناحية التدخل المباشر في تصحيح المسار الاقتصادي، وهو ما يعني تحولاً حقيقيًا ناحية الاشتراكية واعترافًا مقنعًا بفشل هذه النظرية، والاقتباس من أخرى هي في عرف التاريخ قد انهارت وتلاشت بعد أن أخذت دورتها في الحياة.

وهذه الثلاثة مجتمعة تجعل السؤال الذي يتوجب طرحه عن موعد وليس إمكانية سقوط هذا الصرح القائم على أعمدة خاوية... ثم هو يطرح تساؤلاً آخر عن أي تلك الأودية المهلكة التي سيسلكها هذا المغرور الأمريكي ليلفظ فيها أنفاسه، وهي قد تعددت وتنوعت ما بين سياسية وعسكرية واقتصادية...

إن النسر الأمريكي وقف على قمة ظنها قامة لا تبلغها عقول البشر فأعماه الغرور، وبلغ به الطيش مبلغه وبات قريبًا من التردي من هذه القمة المتوهمة الزائفة، ومع ترديه ستسقط نظرية "نهاية التاريخ" بعد أن عاد فوكوياما إلى الواقعية معترفًا بأن "مفاهيم الرأسمالية" سقطت مع الانهيار الأخير في أسواق المال، وأن الولايات المتحدة لن تنعم بوضعها الذي ظلت تتمتع به حتى الآن كقوة مهيمنة على العالم.



9/10/1429 هـ

10-10-2008 م

http://www.islamselect.com/mat/12386







 أبوهمام الدُّريدي الأثبجي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 13-Oct-2008, 01:35 AM   رقم المشاركة : 5



افتراضي سنن الله في الآفاق والأنفس وعلاقتها بالمجتمع أ. د. محمد أمحزون (*)

سنن الله في الآفاق والأنفس وعلاقتها بالمجتمع

أ. د. محمد أمحزون (*)



• مقدمة:

السنن في مجال الطبيعة هي: القوانين التي سنَّها الله - عز وجل - لهذا الكون، وأخضع لها مخلوقاته جميعاً على اختلاف أنواعها وتباين أجناسها[1]: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 83]. فما في الكون من ذرة أو مادة أو حيوان أو نبات إلا له قانون يسير وَفْقه ويتحكم في جزئياته.

وفي الميدان الاجتماعي: هي القوانين التي يخضع لها البشر في تصرفاتهـم وأفعـالهـم وسلـوكهم في الحيـاة، وما يكونون عليه من أحوال، وما يترتب على ذلك من نتائج كالرفاهية والضيق في العيش، والسعادة والشقاء، والعز والذل، والرقي والتخلف، والقوة والضعف[2].

وفي حقل التاريخ: هي القوانين التي تتحكم في مسيرة التاريخ البشري، وفي حركته وتوجيه أحداثه.

والسنن مرتبطة أساساً بالله - سبحانه وتعالى -، بمعنى: أن كلّ ناموس من نواميس الكون يستهدف ربط الإنسان بالقوانين العلمية والموضوعية للكون، فهو - سبحانه - الذي خلق الكون، وخلق كل شيء فيه، وقدّر العلاقات المختلفة بين عناصره ومفرداته، وجعل السنن على هذه الصورة البديعة المتناسقة، وأوجد أسبابها، وقدّر نتائجها، وجعل العلاقة بين السبب والمسبَّب أو النتيجة قائمة وَفْق نظام مطرد، قابل للتكرار كلما توفرت شروطه وانتفت موانعه.

فلولا ثبات السنن على هذه الشاكلة لما أمكن للبشر أن يسخروها أو يستفيـدوا منـها، ولما كان فـي هـذا الوجـود ـ أصلاً ـ توازن، ولا استقرار، ولكانت الفوضى حينئذ هي سِمَة الخلق.

ومن هنا تتجلى حكمة الله ـ جلّ ثناؤه ـ في صياغة نظام الكون على مستوى القوانين الثابتة، وعلى مستوى الروابط المطردة، كما في قوله - تعالى -: {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} [فاطر: 43].

ولـمّا كان التعامل مع الكون المحيط بنا لا يتم بصورة صحيـحة إلا بعـد فـهـم السنن الإلـهـيـة، الـتي جعـلها الله - عز وجل - مفاتـيح للتعامل مع موجودات هذا العالم، وتتـيح للإنســان فرصة الاستفـادة من كنوزه وثـرواته الـتي لا تُعــدّ ولا تحصى في آفاق الطبيعة والمادة والنفس والإنسان والمجتمع؛ لهذا فإن الهدف التي تسعى إليه العلوم قاطبة هو معرفة السنن التي تحكم مفردات هذا الكون؛ لأن معرفة السنن أو الأسباب التي تؤدي ـ عادة ـ إلى حدوث الظواهر سواء كانت مادية أو إنسانية؛ تفيدنا في التحكم بهذه الظواهر؛ بمعرفة شروطها وأحكامها وموانع حدوثها، وتجعلنا قادرين على تسخيرها لصالحنا والاستفادة منها وتوظيفها في تصريف شؤون حياتنا، مما ييسر لنا مهمة الاستخلاف في الأرض وبناء الحضارة.



• أولاً: السنن الطبيعية وعلاقتها بالمجتمع:
إن القرآن الكريم لم يكتفِ بتأكيد موضوع السنن نظرياً، بل ربط عملياً إمكانية الإنجاز الحضاري بمعرفة الأسباب، وكشف السنن التي تحكم الكون وعالم الحياة والأحياء، وقدّم (ذا القرنين) أنموذجاً متجسداً للخبير المسلم الذي يستخدم العلم الصناعي في مصلحة البشرية.

ويمكن القول: إن الكشف عن السنن الطبيعية قد أثَّر إلى حدٍّ كبير في حياة البشرية، التي أخذت تقترب بخطى حثيثة من فهم العالم المحيط بها، وتسخيره بصورة أكثر فاعلية.

إن حياة المجتمع واستمراره وتقدُّمَه تعتمد على الكشف عن قوانين الكون وأسراره، وهذه العملية تتطلب صبراً وتحدِّياً واستجابةً ودَأْباً وإبداعاً.

فمن جهة: هناك الحاجة إلى معرفة الأسباب التي تفيد ـ عادة ـ في التحكم بالظواهر الكونية المختلفة، وتجعلنا أكثر قدرة على تسخيرها لصالحنا، ودَرْء أخطارها عنّا ـ بإذن الله - تعالى -ـ.

ومن جهة ثانية: هناك المعرفة اليقينية بعناصر الظاهرة الكونية؛ فلا يصح أن ندّعي أنّ عندنا علماً بظاهرة من الظواهـر الكونـية ما لـم نكـن قد عرفنا السُّنة التي تحكمها، وأخذنا في الحسبان أن معرفة السُّنة التي تحكم ظاهرةً ما تعني بالضرورة: معرفة كل العوامل والشروط المتعلقة بالظاهرة والمحيطة بها، وتعني كذلك: القدرة على إعادة تشكيل الظاهرة من جديد انطلاقاً من تلك العوامل والشروط.

ونصل من خلال ذلك إلى أمرين:

الأول: القدرة على التنبُّؤ بنتائج الظاهرة تنبُّؤاً يقينياً.

الثاني: القدرة على تسخير الظاهرة نفسها من خلال تهيئة شروطها وأسبابها التي سبقت المعرفة بها[3].

وهذا هو العلم اليقيني النافع الذي لا يدانيه شكّ، ويمكن تسخير الأشياء به، والاستفادة من معطياته وثمراته في تصريف شؤون الحياة، وازدهار المجتمعات، وعمارة الأرض على الوجه الذي أمر الله ـ - عز وجل - ـ به.

أما ثمار الكشف عن السنن الطبيعية: فإنها تتجلّى في فسح المجال للإنسان باستخدام نتائج البحث العلمي في تطوير أساليب العمليات الإنتاجية، واستغلال البيئة المحيطة بالإنسان، وتطويع ما فيها من مواد وطاقة لإشباع مصالحه الاجتماعية: الضرورية والحاجية والتحسينية. وبصورة عامة فهي توفر مجموع السبل التي تتيح للمجتمع حياة مادية آمنة ومرفهة.

لكن ينبغي الإشارة إلى الفارق الكبير بين موقع العلم التجريبي في المشروع الحضاري الإسلامي وموقعه في المشروع الغربي؛ فرق في المنطلقات والغايات، وفرق في الضوابط والآليات، وفرق في التوجيه والتطبيق.

فالمنطلقات والغايات عند المسلمين عبادية وإنسانية، تقوم على تنفيذ إرادة الله ـ - تعالى -ـ وأوامره في النظر في الكون والآفاق؛ من أجل الوصول إلى السنن أو القوانين التي تحكم الموجودات والمخلوقات.

وهذا يفيد من جهتين:

الأولى: تعميق الطاقة الإيمانية عند الإنسان المسلم، إذ تؤدي العلوم الطبيعية إلى مزيد من الخشية لله ـ - تعالى -ـ: {إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].

والثانية: الانتفاع بالمعرفة السُّننية في التطبيقات العلمية (التقنية والصناعية)، وهو الأمر الذي يؤدي إلى أن يكون المجتمع المسلم هو الأقوى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً واجتماعياً وتعليمياً وصحياً[4].

وهذا شرط رئيسي للقيام برسالة الإنسان؛ لأن التنمية الشاملة بجوانبها ومكوناتها كافة لن تتحقق إلا إذا جُعل الإنسان محور أهدافها.



• ثانياً: السنن التاريخية وعلاقتها بالمجتمع:
لأهمية السنن التاريخية قدّم القرآن الكريم تلخيصاً وافياً ودقيقاً عنها؛ حيث نبّه المسلمين إلى أهمية التعرف على السنن التاريخية بعرضه قصصَ الأمم السابقة؛ للإفادة منها في الاعتبار، وبناء الحضارة، وكيفية المحافظة عليها من السقوط.

إن هــذا الكـون ـ بمـا فيـه الإنســان وفـعله ـ هـو خلق الله - تعالى - فلا بد إذاً من الرجوع إلى الخالق لفهم هذا الخلق: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْـخَبِيرُ} [الملك: 14].

وإذا رجعنا إلى الوحي المنزَّل من الخالق - جل وعلا - لهداية البشرية نجد الاتجاهات محددة، وهي تدعو إلى الاهتداء بالسنن في ثباتها وصرامتها واطرادها، ومعرفة الأطوار التاريخية التي مرت بها الأمم والدول في تقلّباتها ومصائرها، والسنن الربانية التي حاقت بها[5].

فمن خلال السنن الإلهية في كتاب الله - تعالى - وسنة نبـيه - صلى الله عليه وسلم - نفهـم التـاريخ، ونفسِّر أحداثه تفسيراً ينفعنا في تقيـيم حاضـرنا وبنائه، واستشراف المستقبل؛ إذ نعـرف عوامـل البـناء والأمـن والاسـتـقرار والصـحة والرفـاهـية، كـما فـي قـوله - تعالى - : {وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا} [الجن: 16]، فـربـطـت الآيـة الكـريـمــة ها هـنا بـين وفـرة الإنتاج وعدالة التوزيع. وقوله - تعالى -: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} الآية [الأعراف: 96].

فالحفاظ على القيم العليا في المجتمع والحرص على تطبيقها لا بد أن يؤدي إلى عمارة الأرض، وترقية الحياة ونمائها، وهذه كلها مؤشرات الرفاه والازدهار التي وعد الله - تعالى - بها عباده المؤمنين المتقين.

كما نعرف عوامل الهدم والخوف والجوع والمرض، كما في قوله - تعالى -: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الأنفال: 53]، فتبدُّل الأحوال الذي يحدثه الله - عز وجل - في المجتمع من الصحة إلى السقم، ومن الغنى إلى الفقر، ومن الأمن إلى الخوف، ومن العزّة إلى الذلّة...مرتبط بإرادة الناس وسلوكهم وأفعالهم السلبية المخالفة لما أمر الله - تعالى - به.

ونضع أيدينا على أسباب الاضمحلال والسقوط، في مثل قوله - تعالى -: {وَإذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16]، إذ ربطت هذه السُّنة بين أمرين: بين تأمير الفسّاق والمترفين في المجتمع، ووضع آليات التوجيه ودواليب السلطة في أيديهم، وبين دمار ذلك المجتمع وانحلاله. فمتى وُجد الشرط وُجد الجزاء، ومتى كانت المقدمة سيئة كانت النتيجة مخيبة للآمال.

وعليه؛ فإن انتقال المجتمع من حال إلى حال لا يحصل عشوائياً؛ بل يحصل وفق سنن ربانية تحكم مساره وتضبط وجهته، حيث حدثنا القرآن الكريم عن مجتمعات مختلفة: منها من عاش حياة رغيدة آمنة، ومنها من ذاق لباس الجوع والخوف، ومنها من باد وهلك بعذاب الاستئصال.

ولقد كان البيان القرآني جليّاً حين قرّر أن ازدهار المجـتمـعـات أو اضـمـحـلالـها رهيـن بتطـبيـق شـريـعـة الله ـ - تعالى -ـ أو النَّأْي عنها؛ ففـي بـاب: وفـرة الـنعم وبسطها؛ يقول - تعالى - : {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} الآية [المائدة: 66].

وفــي بــاب: الـشــدة والـجـوع والوبـاء والـعـذاب؛ يقول - تعالى -: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإذَا هُم مُّبْلِسُونَ} [الأنعام: 42 ـ 44].

إنها سُنّة ماضية في كل المجتمعات التي تحيد عن منهج الله - تعالى - وتأبى الخضوع لحكمه.

والقرآن الكريم حين لفت أنظار الناس إلى أحوال الأمم السابقة وعواقب الأمم البائدة، إنما أراد بذلك أن نستخلص العبر ونستجلي العظات؛ لبناء مجتمعات مؤمنة سليمة، قوية وعادلة.

وللاعتبار ربط الكتاب العزيز بين ثبات السُّنة والسير في الأرض، كما في قوله - تعالى - : {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْـمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137].

ومن نافلة القول أن تفسير التاريخ الإنساني وَفْق قواعد منهجية كهذه وغيرها، التي وجّه القرآن الكريم نظر الإنسان إليها، ووَفْق سنن صارمة مطردة تتحقق آثارها كلما تحققت أسبابها ـ بإذن الله - تعالى -ـ ويستطيع الناس ملاحظتها، وبناء تصوّرهم للمقدمات وسحب النتائج عليها، ومعرفة مراحلها وأطوارها، كان هذا التفكير السُّنني برمَّته في تفسير التاريخ شيئاً جديداً على العقل البشري، إذ كان قصارى ما يُروى من التاريخ وما يُدوّن من الأخبار مجرد مشاهدات أو روايات عن الأحداث والعادات والناس، لا يربط بينها منهج تحليلي سببي يحدد نسق التسلسل بين الأحداث، كما يحدد نسق الترابط بين المقدمات والنتائج، وبين الأسباب والمسببات، وبين المراحل والأطوار، فجاء المنهج القرآني لينقل المجتمعات البشرية إلى الأفق الرحب، ويحدّد لها منهجاً للنظر والاستقراء والاستدلال في معالجة التاريخ الإنساني والفعل الاجتماعي عبر الماضي والحاضر والمستقبل.



• ثالثاً: السنن الاجتماعية وعلاقتها بالمجتمع:
في صدد الحديث عن السنن الاجتماعية وعلاقتها بالمجتمع سنعرض سُنّتين؛ للأولى أثر كبير في إحداث التفاعل الاجتماعي والسير بعملية البناء الحضاري نحو الأحسن، وللثانية صلة بشلِّ وظيفة المجتمع عندما يخرج أفراده عن النظام العام، ولا يحصل بينهم الانسجام والتكامل المطلوب، فينتهي المجتمع إلى الاضمحلال والزوال.



السُّنة الأولى: سُنّة التغيير:

من المعلوم أن هذه السنة عظيمة القدر؛ لأن أهم شيء يحث عليه القرآن، ومن أجله أنزل الله - تعالى - الكتب وأرسل الرسل - عليهم السلام - هو تغيير المجتمعات من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام.

ولهذا جاء الإلحاح في الكتاب العزيز لينظر الناس إلى العلاقة العضوية بين تغيير ما بداخل النفس وتغيير الواقع الاجتماعي في قوله - تعالى -: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: 11]. فالآية توحي بقانون صارم ثابت يحكم العلاقة بين المحتوى الداخلي النفسي للناس، وتغيير حال المجتمع إيجاباً أو سلباً، نحو الأحسن أو نحو الأسوأ.

على أنه من منطلق هذه السنّة ترتفع المجتمعات وتنخفض، وعلى أساسها يكافئ الله - عز وجل - ويعاقب.

ولأنها سنة عامة فسيتناول حديثي الجانب الإيجابي منها، وهو التغيير نحو الأحسن، حيث قضى الله - تعالى - أنه لا يغيِّر واقع مجتمع حتى يبدأ أفراده بتغيير ما بداخل أنفسهم؛ من مفاهيم وأفكار، ونظرة للكون والإنسان والحياة، ويصلحوا أحوالهم وأوضاعهم، فيغيِّر الله ـ - تعالى -ـ آنـذاك ما بهم، ويأخذ بأيديهم إلى برّ الأمان.

ومن المعلوم أن التغيير لا بد أن يرتكز على ثلاثة مقومات أو تتوفر فيه ثلاثة شروط:

أولها: العقيدة: فالإيمان بالله - تعالى - يُـعدّ شـرطاً أوّلياً لبسـط النعـمة، أو بالمـصطلـح المعاصـر: «الحضــارة» أو الرفاهية والرخاء. والعمل الصالح الذي يترجم هذا الإيمان إلى سلوك هو صِمَام الأمان للحفاظ على هذه النعمة أو الحضارة[6].

وثانيها: الإنسان: وهو محور التغيير؛ لأنه اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، فلا بد من تزكيته وتربيته وتهييء إرادته للعمل والإبداع عن طريق شحذ قوته الداخلية: الروحية والعاطفية والنفسية والعقلية، ليمتلك رصيداً ضخماً في مجال المبادرات الحضارية.

وثالثها: الزمن: بكونه عاملاً رئيساً لإنضاج عملية التغيير، ذلك أن التغيير النوعي في المجتمع يتطلّب فترة زمنية كافية حتى يكتمل، ويؤتي ثماره يانعة سائغة.

وفي نطاق سُنّة التغيير تبدأ الظواهر الاجتماعية ـ في العموم ـ بالمقررات الفكرية التي تولّد الغايات، ثم الاتجاهات النفسية التي توجّه الإرادات، إلى أن تنتهي بالممارسات العملية التي تفرز الإنجازات المتقدمة أو المتخلفة في ميادين الحياة المختلفة[7].

وحتى يكون التغيير مثمراً ينبغي أن يبدأ في محتويات الأنفس بتربية المجتمع على «مثل أعلى» يضحي من أجله، وبذا يكون المجتمع في أعلى درجات الصحة، حيث يكون الولاء لـ «المثل الأعلى»، وهو المحور الذي يتمركز حوله فكر وإرادة وسلوك الأفراد وعلاقاتهم وسياسات المجتمع، وفي هذه الحالة يتسلّم مركز القيادة الأذكياء المخلصون الذين يحسنون (فقه القيادة) واتخاذ القرارات المناسبة؛ لأن حالة القوة تولد حين يتزاوج عنصران هما: الإخلاص في الإرادة، والصواب في التفكير والعمل[8].

أما عندما تتشكل شبكة العلاقات في المجتمع طبقاً لمحاور الولاء الفردي والعشائري والمذهبي والحزبي، وطبقاً للدوران في فلك (الأشخاص) و (الأشياء)؛ فإن الإنسان يصبح أرخص شيء داخل المجتمع وخارجه، ويدور الصراع داخل المجتمع نفسه، ويمزقه إلى شيع وطوائف وأحزاب يذيق بعضها بأس بعض[9]، ثم يكون من نتائج ذلك الفشلُ الذريع وذهاب الريح والسقوط الحضاري.

وخلاصة القول: إنه بتدبُّر هذه السُّنة، وتقصّي أبعادها، وسَبْر آثارها في النفس والمجتمع ـ والتي لا يسع المقام للإحاطة بها ـ يمكن التوصل إلى إقامة قواعد لمنهج علمٍ اجتماعي قرآني، يُتوصل به إلى تقنين سنن تحضّر الأمم، وتحريك طاقاتها الإنسانية المتنوعة على المستوى النفسي ثم الاجتماعي ثم الحضاري.



السُّنة الثانية: سُنّة الأجل الجماعي:

ينبغي العلم أن المجتمع الذي عبّر عنه القرآن الكريم بأمة له حياة، وله حركة، وله شيخوخة، وله احتضار، ثم له موت: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34].

ولا يمـكن أن نفـهم موت أمـة أو مجـتمع، مـا لم نفـهم ما هو المجتمع أصلاً. إن المجتمع ليس مجموعة أفراد، بل هو شبكة علاقات تنظم نشاط الأفراد. ولذا؛ فإن وضع الشبكة المرتخي أو المشدود، وحالها النشيط أو الخامل، يتعلق بالأفراد الذين يحفظون هذه العلاقات أو يدمِّرونها[10].

ويتجلّى المرض الاجتماعي في نوع العلاقات بين الأفراد، وأكبر دليل على ذلك ما يصيب (الأنا) عند الفرد من تضخُّم ينتهي إلى تحلل الجسد الاجتماعي مع مرور الوقت[11].

وما ضربُ الأمثال في الكتاب العزيز للإنسان من عالم الطبيعة إلاّ لاستخلاص العبر والدروس؛ لمنحه القدرة على التكيف مع السنن الاجتماعية وتوظيفها على أكمل وجه لمصلحة المجتمع: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلاَّ الْعَالِـمُونَ} [العنكبوت: 43].

المثال الأول: إنّ معدن الألماس اللامع الرائع الصّلد مكوَّن من ذرات الفحم الأسود (الكربون) المضغوط بشكل جبار، لكن الذي منح اللّمعان واللألأة لتلك الذرات السوداء: هو التركيبة الداخلية لذرات الكربون بتماسكها القوي وتراصّها الشديد. وكذا المجتمع فهو (طبيعة تراصّ) بين أفراده. فإذا بقي ذرات أو عناصر لا رابط بينها كان سُخاماً أسودَ قاتماً عرضة للاندثار والموت. أما إذا تراصّت عناصره تحوّل إلى طاقة هائلة تصنع الأحداث، وتؤثر في مجرى التاريخ[12].

المثال الثاني: من جسم الإنسان: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21]، حيث يترابط ما يزيد عن مئة مليار خلية عصبية (النورونات) في الدماغ من خلال نسيج عصبي كثيف، كل خليّة مزودة بحوالي ألف ارتباط، وتتعاون هذه (النورونات) من خلال نظام التحام كل خلية وأخرى، تسري فيها سُيَالة عصبية تعبر هذا النسيج من أقصاه إلى أقصاه، بحيث تحيل الدماغ في النهاية إلى وحدة عمل مركزية مبدعة.

أما إذا شُدَّ خيط عصبي أو توتَّر بشكل زائد لمصلحة إحداث العُقد، نتج عن ذلك ما يطلق عليه (الظاهرة الورمية في الدماغ)[13].

ولكي يبقى المجتمع نابضاً بالحياة، مستمراً في تفاعله وعطائه الثرّ، حثت النصوص الشرعية على التكافل والتعاون والتكامل، وتبادل المنافع بين الناس، وبناء مجتمع العدل والقوة من منطلقات فكرية وعملية قويمة، تحمل ميزاناً دقيقاً للحقوق والواجبات، حتى يبقى المجتمع المسلم متوازناً معطاءً ومتجدداً. فشبّه النبي - صلى الله عليه وسلم - المجتمع السليم بالبنيان المتراصّ في قوله: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً» ثم شبَّك - عليه الصلاة والسلام - بين أصابعه[14].

كما شبَّهه بالجسد الذي تتجاوب أعضاؤه وتتفاعل: «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادّهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمّى»[15].



• الخاتمة:
وفي الختام يمكن القول: إنَّ سنن الله - تعالى - تتّسم بالثبات والشمول والصرامة؛ فلا تحابي فرداً على حساب فرد، ولا مجتمعاً على حساب مجتمع آخر، فالنتائج التي قد يتطلّع إليها على وجه الأرض أكثرُ المؤمنين إيماناً وأشدهم ورعاً وتقوى سوف يجنيها أكثر الكافرين كفراً وأشدهم فسقاً وفجوراً وعتوّاً؛ إذا وافق المقدمات الصحيحة المؤدية إليها، وربط الأسباب بمسبباتها. بينما ينتظرها المسلمون في هذا العصر ارتكازاً على إيمانهم وحده، دون أن يطلبوها من مقدماتها التي خلقها الله - عز وجل - طريقاً إليها، فأنَّى يُستجاب لهم؟ [16].

ومرجع ذلك إلى أن السنن الربانية في الحياة البشرية دقيقة كل الدقة، صارمة منتظمة أشد الانتظام، لا تحيد ولا تميل، ولا تحابي ولا تجامل، ولا تتأثر بالأماني وإنما بالأعمال، وهي في دقّتها وانتظامها وجدّيتها كالسنن الكونية الطبيعية سواء بسواء.

ومن هنا تأتي أهمية ربط بناء المعرفة ثم القوة والحضارة بالجهد والعمل، والتخطيط والنظام، والانضباط والإتقان: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} [الفتح: 23].



• أهمية علم السنن:
إن سنن الله - تعالى - أو القوانين التي يخضع لها الكون ثابتة وشاملة لا تتغير مهما تغيّر الزمان والمكان: {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} [فاطر: 43].

ولقد نجم هذا الثبات وذلك الشمول عن أمرين:

الأول: استبعاد عنصر المصادفة تماماً، إذ لا يمكن للمصادفة أن تثبت نظاماً أو تجعله شاملاً.

الثاني: أن الثبات والاطِّراد والشمول جعل قيام العلم أمراً ممكناً، إذ لو تغيّر نظام الوجود وخصائص الأشياء من مكان إلى آخر أو من زمان إلى آخر لما قامت حقائق علمية، ولما كان هناك تقدّم وحضارة.

ولـمّا كــان دور العلــم أن يبصّرنا بآيات الخـالق ـ جلّ عُلاه ـ في الكون وبنظامه الرائع البديع، كان اطِّراد هذا النظام وسيلة إلى اكتشاف السنن الاجتماعية والتاريخية وقوانين المادة التابعة الصارمة التي لا تعرف التغيير والتبديل، مما يساعد الإنسان على معرفتها ثم التكيّف معها وتوظيفها في عمارة الأرض وبناء الحضارة.

والأمر الأهم في السنن أنها:
• من الناحية الاجتماعية والتاريخية تكاد تلتحم مع أحكام الهداية القرآنية التي يمكنها بطبيعتها الإيمانية أن تشحن الطاقة الروحية للإنسان، وتجعل من إرادته وقدرته قوة محركة لسنن الأنفس والتاريخ والمجتمع، مما يغيّر الموازين والمقاييس الوضعية المتعارف عليها.

• ومن الناحية الطبيعية تفجر طاقاته الإبداعية، وتوجّه قدراته نحو الكشف والتطوير وتسخيرهما في تجارب الحياة وتطويع الطبيعة والأشياء.

ومن هذا المنظور علينا أن نعيد إلى عقيدتنا حيويتها وفعلها الاجتماعي الذي ينهض بالأمة ويدفع بها في مسار الحضارة.



• العلم بالسنن من فروض الكفاية:
ومن نافلة القول أن سنن الله - تعالى - المبيَّنة في القرآن الكريـم وفـي السنّة الشريـفـة جـديـرة بالدراسة والفـهم؛ لأن دراستها وفهمها من الأمور المهمة جدّاً والواجبة شرعاً وديناً، إذ هي جزء من معرفة الدين، ومن جملته معرفة أحوال الأمم مع أنبيائهم، وما حلّ فيهم بسبب سلوكهم معهم وفقاً لسنن الله - تعالى -.

كما أنها تبصّرنا بكيفية السلوك الصحيح في الحياة؛ حتى لا نقع في الخطأ والعِثَار والغرور والأماني الكاذبة، وبذلك ننجو مـما حـذّرنا اللـه - عز وجل - منـه، ونظفـر بما وعد الله - تعالى - به عباده المتقين[17].

«والعلم بسنن الله - تعالى - من أهمِّ العلوم وأنفعها، والقرآن يحيل إليه في مواضع كثيرة، وقد دلّنا على مأخذه من أحوال الأمم، إذ أمرنا أن نسير في الأرض لأجل اجتلائها ومعرفة حقيقتها..

ولا أشك في أن الصحابة كانوا مهتدين بهذه السنن وعالمين بمراد الله - تعالى - من ذكرها... إنهم بما لهم من معرفة بأحوال القبائل العربية والشعوب القريبة منهم، ومن التجارب والأخبار في الحرب وغيرها، وبما منحوا من الذكاء والحـذق وقـوة الاسـتنباط؛ كانوا يفهمون المراد من سنن الله - تعالى - ويهتدون بها في حروبهم وفتوحاتهم وسياستهم للأمم التي استولوا عليها... »[18].

• أثر السنن في تطوّر العلوم:
ومن المعلوم أن الله - عز وجل - منح الإنسان القدرة العقلية ليتمكن بها من استكشاف العالم وتمييز السنن التي تتحكم في المخلوقات المختلفة، ومنحه القدرة المادية التي تمكّنه من تسخير هذه المخلوقات في شؤونه وحاجاته، حيث أثّر ذلك في مجرى الحياة الإنسانية وتطورها تأثيراً عميقاً وجذرياً.

ويمكن الإشارة هنا إلى أمثلة من سنن كثيرة أثّرت في حياة البشرية وتمكّنت من إحراز تقدُّم هائل في مضمار المدنية، نظراً لاستجابة العلماء لداعي البحث في هذا العلم وإدراكهم وجوب الاهتمام به وأهميته في تقدُّم المعرفة؛ لأن الهدف الذي تسعى إليه العلوم قاطبة هو معرفة السنن التي تحكم مفردات هذا الكون.

ومن نماذج السنن التي أثّرت في حياة البشرية ودفعتها أشواطاً بعيدة في مجال تطور العلوم:

أ ـ تلك السنة التي تنبّه لها العالم الرياضي الشهير (نيوتن)، والتي صاغها فيما عُرف باسم (قانون الفعل وردّ الفعل)؛ فقد تمكّن الإنسان بعد أن يسّر الله - تعالى - له الظروف والإمكانيات المواتية أن يستفيد من خصائص هذه السنّة في مجالات عديدة، من أبرزها: اختراع المحركات النفاثة التي تساهم في تقدم صناعة الطائرات والصواريخ مساهمة فعالة، حتى أوصلت الإنسان إلى سطح القمر الذي كان في الماضي حلماً بعيد المنال[19].

ب ـ الطاقة الذرية أو النووية: فقد تمكّن الإنسان خلال سنوات قليلة أن يسخر هذه الطاقة الهائلة في أغراض شتى مدنية وعسكرية، بعد أن عرف السنن التي تتحكم فيها، ولم يكن ممكناً له ذلك من قبلُ حين كان يجهل هذه السنن جهلاً تاماً.



• السنن وسيلة للتحكم في الظواهر الاجتماعية والطبيعية:
وعلى الصعيد الاجتماعي؛ فإن الاستفادة من السنن وملاحظة الأمثلة والأحداث تقدِّم للناس بصراً ومعرفة نظرية وعملية؛ حتى لا يقعوا فيما وقع فيه مَنْ قبلَهم من المحاذير والمثُلات، أو تنقذهم إذا هم وقعوا فيها، وعلى أقل تقدير تكسبهم صلابة موقف من يدرك السنّة؛ لأنَّ موقف من يرى السنن يختلف عن نظر وموقف من يجهل مصدر الأحداث، فإن حيرة وخوف من يجهل غيرُ بصيرة وطمأنينة من يعلم.

بل مثل من يعلم سنن الاجتماع والتاريخ ومن يجهلها، كمن يمشي في مفازة على خريطة وبوصلة، لا كمن يضرب في تيه الأرض دون معرفة أو دليل[20].

ولذلك يجب على المسلمين أن يركزوا في معارفهم العامة والمتخصصة على الدراسات التي تمكن من الإحاطة بمفردات هذا العلم، وضبط الآليات التي توجههم للاستفادة في ميدان التطبيق من مختلف السنن (القوانين) التي تتحكم في المساحات الكونية، إذ هي التي تؤدي عادةً إلى حدوث الظواهر؛ سواء كانت مادية (طبيعية) أو إنسانية (اجتماعية)، وتفيدنا في التحكم بهذه الظواهر بمعرفة شروطها وأحكامها وموانع حدوثها، وتجعلنا أكثر قدرة على تسخيرها لصالحنا، وتوظيفها في تصريف شؤون حياتنا، مما يفسّر لنا مهمة الاستخلاف في الأرض وبناء الحضارة.

وإن انطلاق المسلمين لاستيعاب علم السنن لامتلاك أسباب القوة في جميع مجالات العلوم تجريبية وإنسانية؛ لحماية دينهم وأوطانهم ومكتسباتهم الحضارية؛ ما زال فريضة شرعية غائبة إن لم يقم بها بعضهم أثموا جميعاً وسئلوا عنها يوم القيامة بين يدي الله - عز وجل -.



• ثمرات اكتساب علم السنن وفوائده:
من الثمرات التي نجنيها من فهمنا لطبيعة السنن ثمرةُ الإيمان، بأن ندرك ـ مثلاً ـ أن هذا الكون ما كان له أن يقوم على هذه الصورة البديعة من التناسق والجمال والتوازن والاستقرار لو لم يكن خالقه ربّاً واحداً وإلهاً حكيماً عالماً، مريداً، خبيراً، قوياً، عظيماً، محيطاً بكل شيء، وقادراً على كل شيء - سبحانه وتعالى –[21].

هذا من جهة. ومن جهة ثانية؛ فإن التوجيهات الإلهية للمؤمنين للتدبر والتفكر في سنن الوجود، هي توجيهات دقيقة للعقل المؤمن؛ ليتفتح على رصد الوقائع واستقراء الظواهر لمعرفة قوانين المادة والكشف عن أسرار الكون، إذ ما ينبغي أن يعرض عن ملاحظة دقيق صنع الخالق - جل وعلا - في الأرض والسماء، بعد أن أمره بذلك ليتعرف على كمال الله - تعالى - ودقيق صنعه، فيعبده على بيّنة وعلم، وليتعامل مع عالم الشهادة بإدراك قوانينه وتسخيرها. ومن ها هنا كان العقل المسلم فاعلاً متوهجاً توّاقاً للمغامرة العلمية، والريادة في رصد الأفلاك، وتشريح الأعضاء، ودراسة الظواهر، في العصر الإسلامي الذهبي[22].

وثمّة ثمرة طيبة أخرى يمكن أن نقطفها من فهمنا الصحيح لعلاقة السنن بحياتنا، ذلك أن إيماننا بأن كل أمر في هذا الوجود خاضع لسنّة سوف يعين المسلمين على الخروج من متاهة الاختلاف والنزاع والضعف والتشتت؛ لأنّ كشف السّنة التي تحكم أمراً من الأمور، سيجعل النظرة إلى هذا الأمر نظرة واقعية وموضوعية، وينقل التعامل معه من نطاق الفرضيات والنظريات القابلة للأخذ والردّ والاختلاف إلى آفاق العلم الذي لا جدال فيه ولا اختلاف[23].

فائدة هذا العلم في معرفة أحوال الأمم كفائدة علم النحو والبيان في حفظ اللغة.

ومن الثمرات التي نجنيها من التفاعل مع هذا العلم، أننا حين ندرك إدراكاً عميقاً أن كل شيء في هذا الوجود خاضع لسنن لا تتبدَّل ولا تتحوَّل، ثم نترجم هذا الإدراك إلى نتاج عملي من خلال تعاملنا الواقعي مع سنن الله ـ - تعالى -ـ في الخلق؛ فعندئذ نصبح ـ بعون الله - تعالى -ـ قادرين على تسخير الكون من حولنا وَفْق الطريقة القويمة التي أمرنا الله - عز وجل - بها.

وبهذا نتمكن من أن نخرج من أزمة تخلّفنا، وهي نتيجة طبيعية لغفلتنا عن العلاقة بين الجهد البشري وسنن الله - تعالى - في الخلق[24].

وكذلك من الفوائد التي يجنيها الإنسان بتعامله مع السنن ثمرةُ الحرية، فبفهمه لطبيعة بعض السنن استطاع أن ينفذ من الأرض إلى السماء ويكتسب هامشاً جديداً من الحرية، إذ تحرر من قيد الجاذبية الأرضية، وتحرّر من قيد السرعة التي منحت له فطرةً، وهي سرعة مشيه على قدميه، فأصبح قادراً على الحركة بسرعة مذهلة تتجاوز سرعة الصوت[25].

ذلك أن السنن هي بمثابة حواجز تحدّ من حرية الإنسان في هذا العالم، وتقيد حركته، نلمس ذلك في قوله - تعالى -: {يَا مَعْشَرَ الْـجِنِّ وَالإنسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إلاَّ بِسُلْطَانٍ} [الرحمن: 33].

ولذا يرجّح أن السلطان المذكور في الآية هو سلطان العلم ومعرفة السنن الإلهية التي تعين الإنسان على الطيران للنفاذ من أقطار السماوات والأرض؛ والله أعلم.



• السنن تتيح إمكانية تحويل الأفكار بسرعة إلى فعل:
ولأهميــة هذا العلم أصبح العلماء في العصر الحاضر ـ بفضل تعمّقهم في فهم السنن الكونية ـ قادرين على كشف أسرار المخترعات الجديدة بصورة أسرع بكثير مما كان يجري في الماضي. كما أتاح لهم فهمُ السنن التعجيلَ في تحويل أفكارهم الفطرية إلى تطبيقات عملية.



----------------------------------------

(*) عضو هيئة التدريس في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مكناس ـ المغرب.

[1] أحمد محمد كنعان: أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق، ص 52.

[2] عبد الكريم زيدان: السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد، ص12.

[3] أحمد كنعان: أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق، ص 114 ـ 115.

[4] نبيل السمالوطي: التنمية بين المشروع الحضاري الغربي والمشروع الحضاري الإسلامي، ص 44.

[5] محمد بن صامل السلمي: كيف نفسر التاريخ؟ ص 95 ـ 96.

[6] أحمد كنعان: المرجع السابق، ص 149 ـ 153.

[7] ماجد الكيلاني: هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ص 21.

[8] المرجع نفسه، ص 22 ـ 23، 330، بتصرف.

[9] ?المرجع نفسه، ص 23.

[10] خالص جلبي: هل يموت المجتمع؟ ص 55.

[11] خالص جلبي: هل يموت المجتمع؟ ص 56.

[12] خالص جلبي: هل يموت المجتمع؟ ص 56، بتصرف.

[13] خالص جلبي: هل يموت المجتمع؟ ص 55.

[14] أخرجه البخاري في جامعه الصحيح، كتاب: الأدب، ج 7، ص 80.

[15] المصدر نفسه، ج 7، ص 77.

[16] محمد عبد الهادي المصري: أهل السـنة والجماعة: معالم الانطلاقة الكبرى، ص 202.

[17] عبد الكريم زيدان: السنن الإلهية، ص 16 ـ 17.

[18] رشيد رضا: تفسير المنار، ج 4، ص 139.

[19] أحمد كنعان: أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق، ص 40.

[20] جودت سعيد، حتى يغيّروا ما بأنفسهم، ص 173.

[21] أحمد كنعان: أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق، ص 105.

[22] أكرم العمري: الإسلام والوعي الحضاري، ص 107.

[23] أحمد كنعان: المرجع السابق، ص 35. ?

[24] أحمد كنعان: المرجع السابق، ص 35.

[25] أحمد كنعان: المرجع السابق، ص 108.



http://www.albayan-magazine.comالمصدر:
http://www.islamselect.com/mat/59835

......................................
مع تحيات وتقدير
أخوكم في لله ومحبكم في لله
أبوهمام عبدالهادي بن أحمد الدريدي الأثبجي التونسي الحجازي
((ابن طيبة الطيبة))







آخر تعديل أبوهمام الدُّريدي الأثبجي يوم 13-Oct-2008 في 01:38 AM.
 أبوهمام الدُّريدي الأثبجي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
القرآن, الكريم, بوفيس, فا

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى


الساعة الآن 08:09 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2011, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع