:: أمير علي.. روح الإسلام في الهند (آخر رد :aliwan)       :: جامع الزيتونة المعمور (آخر رد :الجزائرية)       :: سمية عفيفي.. ترجمانة القرآن للروسية (آخر رد :aliwan)       :: ضرب المراة ومشروعيته في الاسلام. (آخر رد :guevara)       :: روتشيلد .. مالٌ يبني دولة! (آخر رد :aliwan)       :: روتشيلد .. مالٌ يبني دولة! (آخر رد :الذهبي)       :: باساييف: مقاتل بلا هوادة (آخر رد :aliwan)       :: اللغة والأدب الجغتائي الأويغوري (آخر رد :الذهبي)       :: آية من صلاة التراويح 2 (آخر رد :ابوهمام)       :: من الرياحين القرآنية آية من صلاة التراويح 1 (آخر رد :الذهبي)      



العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> تاريخ الأمة الإسلامية والعصر الوسيط
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
01-Feb-2010, 03:08 PM   رقم المشاركة : 1
الذهبي
المشرف العام
 
الصورة الرمزية الذهبي





معلومات إضافية
  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :
افتراضي موقعة حطين والطريق إلى بيت المقدس ( 1 ـ 2)

موقعة حطين والطريق إلى بيت المقدس ( 1 ـ 2)

بقلم د / أحمد عبد الحميد عبد الحق
اكتسبت موقعة حطين شهرة عالية ليس في تاريخ العالم الإسلامي فحسب بل في تاريخ العالم أجمع ؛ لأنها مهدت السبيل لفتح بيت المقدس وتحريره من أيدي الصليبيين ، ونحن الآن في أمس الحاجة إلى دراسة وقائع تلك المعركة ومحاولة الاستفادة منها في المعركة المرتقبة لتحرير بيت المقدس من جديد إن شاء الله ..
وبداية نقول : إن تلك المعركة ( حطين ) لم تكن مجرد معركة طارئة مثل مئات المعارك التاريخية ، وإنما تميزت عن غيرها بأنها قد سبقت بمعارك كثيرة كانت بمثابة التمهيد لها ، كما أنها قد سبقت بأحداث عظام على أرض الواقع ، ولولا تلك الأحداث ما تمكن صلاح الدين من الوصول إلى ما وصل إليه من قوة استطاع أن يزلزل بها الأرض من تحت أقدام أعدائه ..
وأبرز تلك الأحداث هي القضاء على نظام الحكم الفاطمي أو العبيدي الذي يمثل أسوأ نظم الحكم في عصره ، هذا الحكم الذي كان سببا في سقوط بيت المقدس من قبل بعد أن اغتصبه الفاطميون من السلاجقة ، ثم تقاعسوا في الدفاع عنه وحمايته ، ولم يكتفوا بذلك بل صاروا يتعاونون مع الصليبيين ضد الحركات التحريرية في السر تارة وفي العلن أخرى ، حتى وصلت البجاحة بشاور ـ الذي كان يمثل الوزير الأعظم المدبر للدولة الفاطمية قبيل سقوطها ـ أن استدعى القوات الصليبية ، وأغراها بالمال الوفير من أجل محاربة جيوش نور الدين زنكي ، تلك القوات التي وهبت نفسها لجهاد الصليبيين .
يقول ابن الأثير : فأرسل شاور إلى الفرنج يستمدهم ويخوفهم من نور الدين إن ملك مصر ، ويطلب منهم أن يساعدوه على إخراج أسد الدين من مصر ، فسارعوا إلى تلبية دعوته ونصرته ، وطمعوا في ملك الديار المصرية، وكان قد بذل لهم مالاً على المسير إليه.. (1)
وذكر هذا الخبر أيضا أبو الفدا في كتابه " المختصر في أخبار البشر " حيث قال : وأرسل شاور إلى الفرنج واستنجدهم،.. وصانعهم على ألف ألف دينار ( أي حوالي 4 آلاف كيلو جرام ذهب ) يحملها إليهم "(2).
وكان من قبل قد أشعل النار في الفسطاط ، فبقيت النار تحرق في قصورها وزروعها ومتاجرها أربعة وخمسين يوماً( 3) ....
كل ذلك من أجل أن يحافظ على ملكه ولا يهمه أن تخرب البلد ، وتحرق ممتلكاتها ، ويجلب لها أعداؤها ؛ كحال الملوك المستبدين الذين طالما بليت مصر بهم على مر تاريخها السحيق ..
وقد صور ابن تغري بردي استبداد شاور هذا بقوله : " وأقام شاور بالقاهرة على عادته يظلم ويقتل ويصادر الناس، وأعطى الفرنج الأموال وأقطعهم الإقطاعات ، وأنزلهم دور القاهرة ، وبنى لهم أسواقاً تخصهم (4).
ولذلك أيقن نور الدين ـ رحمه الله ـ أنه لا يمكن الخلاص إلى بيت المقدس طالما بقيت مصر في أيدي هؤلاء الحكام المستبدين ( العبيديين ) فأصر على أن يحرر مصر منهم ، وبعث أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين الأيوبي لتلك المهمة ..
وفي مصر وجد عامة الناس الفرج في هذين القائدين ، حتى إنهم انضموا لقوة صلاح الدين عندما حوصر في الإسكندرية أربعة أشهر من قبل الصليبيين وجيش الفاطميين على السواء ، وظلوا يقاتلون معه ويقوونه بالمال حتى فك حصره (5).
ولم يقل أحد منهم : إن صلاح الدين وعمه أسد الدين غرباء عن البلد وليسا وطنيين ، ولم يقل أحد منهم : إن الجيش الفاطمي هو الجيش الوطني الذي يجب مناصرته وإن كان باغيا ، وإنما كان الحس الإيماني والشعور بالظلم هو الذي يحركهم ..
وهذا كان دافعا آخر لنور الدين لأن يبذل ما في وسعه للقضاء على العبيديين وحلفائهم ، فكرر حملاته حملة تلو أخرى ، وأمد شيركوه بالجيش تلو الجيش حتى تمكن من دحر جيشهم وحلفاء شاور من الصليبيين ، وأخيرا في محو حكمهم من مصر تماما بعد أن أصدر الأمر لصلاح الدين بخلع العاضد آخر ملوكهم ..
وصارت مصر بعد ذلك مع الأقطار الشامية المحررة جبهة واحدة ضد الصليبيين ، بل صارت بعد وفاة نور الدين الموطن الأول لتلك الجبهة ، حتى تمكنت من دحض الصليبيين والتتار على السواء ..
ولم تكن حكومة مصر الفاطمية هي الوحيدة التي داهنت الصليبيين ووقفت معهم ضد مشروع التحرر ، وإنما كان ثمة بعض الأمراء الشاميين ضعاف الإيمان الذين استهوتهم الدنيا ورضوا بالدنية ، وتحالفوا مع الصليبيين وسالموهم ، وصار بأسهم بينهم شديد .
إلا أن صلاح الدين تمكن من كسب قلوب من بقي في قلبه خير ، ودحر الباقين الذين ظلوا على ضلالتهم ، يقول ابن كثير : فلما تمهدت البلاد ( مصر ) ولم يبق بها رأس من الدولة العبيدية برز السلطان صلاح الدين يوسف في الجيوش التركية قاصدا البلاد الشامية، وذلك حين مات سلطانها نور الدين محمود بن زنكي وأخيف سكانها وتضعضعت أركانها، واختلف حكامها، وفسد نقضها وإبرامها، وقصده جمع شملها والإحسان إلى أهلها، وأمن سهلها وجبلها، ونصرة الإسلام ، ودفع الطغام ، وإظهار القرآن ، وإخفاء سائر الأديان، وتكسير الصلبان في رضا الرحمن، وإرغام الشيطان . (6)..
واشتد صلاح الدين على الأمراء الخونة كما اشتد عليهم نور الدين من قبل حتى خضعوا له جميعا..
وبعد أن تخلص منهم كان لا بد أن يتخلص من مساوئ أنظمتهم أيضا ؛ لأنهم قد وصلوا بالبلاد إلى حالة لا تسمح لها بأن تتولى حركة التحرر وإن كانت الرغبة في الجهاد قائمة في قلوب العوام ، وكان لا بد من إصلاح البيئة التي تنجب المجاهدين ..
فأبطل المكوس والضرائب ، وأحي شعيرة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، ( 7) يقول المقريزي : فلما ملك السلطان الناصر صلاح الدين أمر بإسقاط مكوس مصر والقاهرة ، وكان جملة ذلك في كل سنة: مائة ألف دينار ( 400 كيلو جرام ذهب ) كانت تجبى من الكادحين من الشعب دون مراعاة لأحوالهم (8) .
وذكر ابن أبي طيّ: أن مجموع ما أسقطه صلاح الدين حتى سنة أربع وستين وخمسمائة ما يزيد عن نيف ألف ألف دينار.
وأبشع تلك المكوس التي أسقطها ما كان يفرض على الحجاج بمكة، فقد كان يؤخذ من الحجاج شيء كثير، ومن عجز عن أدائه حبس عن الحج حتى يفوته الوقوف بعرفة ..
وكان ابن جبير الرحالة حاضرا لموسم الحج الذي أصدر فيه صلاح الدين هذه الأوامر ، فأثنى عليه كثيرا ، وقال : ومن مفاخر هذا السلطان التي أبقاها ذكراً جميلاً للدين والدنيا: إزالته رسم المكس المضروب وظيفة على الحجاج مدة دولة العبيديين ، فكان الحجاج يلاقون من الضغط في أدائها عنتاً مجحفاً ، ويسامون فيها خطة خسف باهظة ، وربما ورد منها من لا فضل لديه على نفقته ولا نفقة عنده فيلزم أداء الضريبة المعلومة، ومن يعجز عن ذلك يتناول بأليم العذاب ...
مكوس كانت في البلاد المصرية ، وسواها ضرائب على كل ما يباع ويشترى مما دق أو جل، حتى كان يؤدى على شرب ماء النيل المكس فضلاً عما سواه ، فمحا هذه البدع اللعينة كلها ( 9) .
وقد سعى لإرضاء أمير مكة من ماله مقابل ألا يبتز الحجاج ، وعوضه بمال أقطعه إياه بمصر، وتعهد له بأن يحمل إليه في كل سنة ثمانية آلاف أردب إلى مكة.
ورغم ذلك استغل هذا الأمير فيما بعد غياب صلاح الدين وانشغاله بالجهاد فأعاد ظلمه ، حتى تمنى ابن جبير لو يذهب إليه صلاح الدين ويجاهده قبل المشركين وقال : فأحق بلاد الله بأن يطهرها السيف ويغسل أرجاسها وأدناسها بالدماء المسفوكة في سبيل الله هذه البلاد الحجازية لما هم عليه من حل عرى الإسلام ، واستحلال أموال الحاج ودمائهم (10 ).
ثم حرص صلاح الدين بعد ذلك على تحري العدل بين الرعية ، وكان لا يطمع أحد من خاصته في جاهه ، فقد حضره أحد مماليكه المتميزين لديه بالخطة والأثرة مستعدياً على جمال ذكر أنه باعه جملاً معيباً ، أو صرف عليه جملاً بعيب لم يكن فيه، وهو يطمع أن ينحاز السلطان له ، ولكنه تفاجأ به يقول له : ما عسى أن أصنع لك، وللمسلمين قاض يحكم بينهم، والحق الشرعي مبسوط للخاصة والعامة، وأوامره ونواهيه ممتثلة، وإنما أنا عبد الشرع وشحنته، والشحنة عندهم صاحب الشرطة، فالحق يقضى لك أو عليك ( 11) .
وكان من عادته أن يجلس للعدل كل يوم اثنين وخميس في مجلس عام يحضره الفقهاء والقضاة والعلماء ، ويفتح الباب للمتحاكمين حتى يصل إليه كل أحد من كبير وصغير ، وكان يفعل ذلك سفراً وحضراً ، ولم يرد قاصداً للحوادث والحكومات ، وكان يجلس مع الكاتب ساعة إما في الليل أو في النهار ، ويوقع على كل قصة بما يجريه الله على قلبه ، ولم يرد قاصداً أبداً أو منتحلاً ، ولا طالب حاجة (12 ) ومع كثرة تلك المشاغل يقول ابن شداد الذي كان مرافقا له : إنه كان دائم الذكر والمواظبة على التلاوة ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
[1]ـ الكامل في التاريخ - (5 / 90) .
2ـ المختصر في أخبار البشر - (1 / 339 و340)
3ـ المختصر في أخبار البشر - (1 / 340)
4ـ النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة - (2 / 100)..
5 ـ النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة - (2 / 101)
6 ـ البداية والنهاية - (ج 12 / ص 354).
7 ـ البداية والنهاية - (ج 12 / ص 355) .
8 ـ المواعظ والاعتبار - (1 / 131)
9 ـ رحلة ابن جبير - (1 / 9) ..
10 ـ رحلة ابن جبير - (ج 1 / ص 97)
11 ـ النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية - (ج 1 / ص 8).
12 ـ النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية - (ج 1 / ص 8).
المصدر : موقع التاريخ







 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
01-Feb-2010, 03:10 PM   رقم المشاركة : 2
الذهبي
المشرف العام
 
الصورة الرمزية الذهبي





معلومات إضافية
  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :
افتراضي

موقعة حطين والطريق إلى بيت المقدس ( 2 ـ 2)
بقلم د / أحمد عبد الحميد عبد الحق
بعد أن بسط صلاح الدين ـ رحمه الله ـ العدل بين الرعية شرع في إصلاح الأسوار حول المدن ، وتجديد الأسطول وإصلاح مراكبه وسفنه وشحنه بالمقاتلة ، وأرصد للأسطول من بيت المال ما يكفيه لجميع شئونه، وأقطع الاقتطاعات الجزيلة للغزاة البحريين تشجيعا لهم ؛ كي يجدوا في تدريباتهم وأعمالهم الجهادية ، كما بنى الفنادق على الطرقات ليستريح فيها المسافرون والتجار دون مقابل ، وزودها بكل ما يحتاج إليه النزلاء ، يقول ابن جبير عن أحد تلك الفنادق: وأسرينا الليل كله، فوصلنا خان ( فندق ) السلطان مع الصباح، وهو خان بناه صلاح الدين ، وهو في نهاية الوثاقة والحسن (1).
كما شرع في الاهتمام بالجانب التربوي والتعليمي ، وزاد في المدارس التي تهتم بتعليم الناس أمور الإسلام ، وبنى المستشفيات ، وأوقف عليها الأوقاف الكثيرة .. وهذا يعني أنه استعد للجهاد بشتى طرقه المادية والمعنوية ، حتى يكون الشعب كله مهيأ للجهاد ، وليس العسكريون فقط .
ثم اتجه إلى الصليبيين ، وكانوا من قبل رغم اختلاف ممالكهم بالشام إلا أنه كان يجمعهم العداوة مع المسلمين ، ولذلك اعتادوا على أن يلقوا المسلمين في كل معركة صفا واحدا ، فإذا تعرضت مملكة أو إمارة من إمارتهم للغزو الإسلامي هبوا جميعا لنجدتها ، وإذا أقدم أحد ملوكهم على شن غارة على إحدى المدن الإسلامية أعانوه جميعا ، وإذا ما جاءت حملة جديدة من أوربا انضم الجميع تحت لوائها ..
كانت تحدث بينهم العداوة والشحناء والاختلافات بسبب تقسيم الغنائم التي كانوا يسلبونها من المسلمين ، ولكنهم سرعان ما كانوا يسوون أمورهم ، ويجمعون كلمتهم ليكون التنسيق بينهم قائما ليظلوا متماسكين أمام المسلمين ، كان كل منهم يحرص على الاستقلال بمملكته ، ولكنهم كانوا يعدون ملك بيت المقدس بمثابة الملك الأعظم الذين ينضمون تحت رايته ..
عرف عنهم صلاح الدين هذا ولذا لم يسلك معهم طريقة واحدة في الجهاد ، فمرة يقاتلهم جميعا إذا اتحدوا عليه ، ومرة يقاتل طائفة ويهادن أخرى ، ومرة يقصد في طلعاته الجهادية جهة ويتلاشى أخرى ، يحارب هذه ويسالم تلك ، يقدم مرة ويحجم أخرى ، وكل همه أن يأتي ممالكهم فينقصها من أطرافها ، ويسعى للحيلولة بينهم وبين الاتحاد عليه ، يبذل قصارى جهده لتقطيع أواصرهم ، يضيق عليهم الخناق بقطع الإمدادات الغذائية حولهم ، وفي ذهنه أنهم إذا قلت مواردهم الاقتصادية اضطروا للعودة من حيث أتوا ، يحرق زروعهم ويدمر منشآتهم ـ وإن كانت قد شيدت بأيدي المسلمين ـ كي لا يستفيدوا منها ، سعى لمنع التجار من ممارسة البيع والشراء معهم إلا ما كان ثمة ضرورة إليه ..
وكان يفعل كل ذلك دون استبداد برأيه ، وإنما يستمع لنصح كل عارف أمين ، فقد كان لفرقة الداوية حصن مشيد قرب بانياس، يعرف بمخاضة الأحزان ، جعلوه مرصدا لحرب المسلمين، وقطع طريقهم ، فساومهم لهدمه فامتنعوا إلا أن يبذل لهم ما غرموه عليه ، فبذل لهم ستين ألف دينار فلم يقبلوا ، ثم أوصلهم إلى مائة ألف دينار ، فقال له ابن أخيه تقي الدين عمر : ابذل هذا إلى أجناد المسلمين ، وسر إلى هذا الحصن فخربه، فأخذ بقوله في ذلك ، وكتب إلى التركمان وأجناد البلاد يستدعيهم ، وحمل إليهم الأموال والخيول ، وسار بهم إليهم فتم له النصر ، وتمكن من هدمه(2)..
وأحيانا كان يرى الفتنة تدب بين أمراء المسلمين حوله فيهادن الصليبيين بحكمته ، ويسارع إلى هؤلاء ليصلح بينهم ؛ كي لا يفكر أحد منهم في الركون إلى الصليبيين والاستعانة بهم كما كان يحدث من قبل ..
ولم ينس وهو في غمار الكفاح أنه مسئول عن حماية حمى الديار الإسلامية وإن لم تكن داخل مملكته ، ولم يخطر على باله يوما أن يردد ما يردده الأمراء والحكام بعده الذين ركنوا إلى الحياة الدنيا ، وصار بعضهم إذا عجز عن الجهاد قال : إني مسئول عن شعبي وكفى ، عن وطني وكفى ، عن بلادي وكفى ، وإنما كان يسارع لنصرة الجميع ، ويسعى لحماية كل الديار ، فقد جاءه يوما ـ وهو مشغول بقتال فرق الداوية في حصن مخاضة الأحزان ـ أن صاحب الكرك يحاول أن يجد طريقا لمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه أعد مراكبه في بحر القلزم ( الأحمر ) ليقطعوا الطريق على الحجاج والتجار، فأمر أخاه الملك العادل بأن يرسل الأمير حسام الدين لؤلؤ أمير الأسطول الإسلامي لمقاتلته ، فظفر به، وقتل كثيرا من جنده ، وأمن بذلك طريق الحجاج البري والبحري(3).
وكان وهو يفعل كل ذلك دائم الثقة بالله سبحانه وتعالى ، وأنه لا بد معينه حتى يحرر الأقصى ما دامت نيته لله صافية ، فقد صادف أن مرض أثناء عوده من بعض المعارك مرضا شديدا، فصار يتجلد ولا يظهر شيئا من الألم حتى قوي عليه الأمر ، وتزايد الحال، حتى وصل إلى حران فخيم هنالك من شدة ألمه، وشاع ذلك في البلاد، وخاف الناس عليه وأرجف الكفرة والملحدون بموته، وقصده أخوه العادل من حلب بالأطباء والأدوية، فوجده في غاية الضعف، وأشار عليه بأن يوصي، فقال: ما أبالي وأنا أترك من بعدي أبا بكر وعمر وعثمان وعليا - يعني أخاه العادل وتقي الدين عمر صاحب حماه ، وابنيه العزيز عثمان والأفضل عليا .
وخرج من مرضه وهو أشد تصميما على أن يجد ويسعى حتى يحرر بيت المقدس وكل شبر مغتصب من أيدي الصليبيين ..
وصار لا يخرج من معركة إلا ويدخل في أخرى ، والأيام دول بينه وبينهم ؛ حتى جاءت وقعة حطين التي كانت المحطة الأخيرة لفتح بيت المقدس سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة.. فخرج من دمشق يوم السبت مستهل محرم ، وسير في مقدمته سرية نحو بلاد الصليبيين فحققت مرادها وعادت غانمة ، فكان ذلك بمثابة مقدمات الفتح والنصر ..
ثم اتجه ومعه اثنا عشر ألفا غير المتطوعة ، فلما سمع الصليبيون بقدومه اجتمعوا كلهم وتصالحوا فيما بينهم ، وجاءوا بحدهم وحديدهم ، وقد خوفهم صاحب طرابلس من المسلمين فاعترض عليه البرنس صاحب الكرك فقال له : لا أشك أنك تحب المسلمين وتخوفنا كثرتهم ، وسترى غب ما أقول لك ، فتقدموا نحو المسلمين ، فلم يعبأ صلاح الدين بجمعهم ، وأقبل ففتح طبرية وتقوى بما فيها من الأطعمة والأمتعة ، وتحصنت منه القلعة فلم يضيع وقته أمامها ، وإنما سار فحاز البحيرة في حوزته ، ومنعهم أن يصلوا إلى قطرة ماء منها حتى صاروا في عطش عظيم ..
ثم برز لهم إلى سطح الجبل الغربي من طبرية عند قرية حطين .. فتواجه الفريقان عشية يوم الجمعة ، وبات كل فريق منتظر صباح السبت للقاء الحاسم ، وهيأت الأقدار للمسلمين وجود حشائش في المكان الذي نزل به الصليبيون ، فأمر صلاح الدين أن يلقى عليه النفط فتأجج نارا تحت سنابك خيولهم ، ثم دارت رحى المعركة تعلوها أصوات التكبير لتنتهي بنصر مؤزر ، حيث قتل من الصليبيين ثلاثون ألفا ، وأسر ثلاثون ألفا ، وكان في جملة من أسر جميع ملوكهم سوى قومس طرابلس فإنه انهزم في أول المعركة وفر منها مصابا ليموت بعد قليل من فراره. (4).
ثم أمر بعد جلاء المعركة بضرب مخيم عظيم ، وجلس فيه على سرير المملكة ، وجيء بالأساري تتهادى بقيودهم فأمر بضرب أعناق جماعة من مقدمي الداوية ومن كانوا ذا بأس على المسلمين من قبل ، ولم يترك أحدا منهم ممن كان يذكر الناس عنه شرا ، ثم جيء بملوكهم فأجلسوا عن يمينه ويساره على مراتبهم ، فأجلس ملكهم الكبير جفري عن يمينه ، وأجلس أرناط برنس الكرك وبقيتهم عن شماله ، وجيء إليه بشراب من الجلاب مثلوجا ، فشرب ثم ناول الملك فشرب أولا ثم ناول أرناط صاحب الكرك ، فغضب صلاح الدين وقال له : إنما ناولتك ولم آذن لك أن تسقيه ، هذا لا عهد له عندي ، إذ كان في نيته أن يقتله ثأرا للنبي صلى الله عليه وسلم ، وإسقاؤه معناه تأمينه ..
ثم تحول به إلى خيمة صغيرة داخل تلك الخيمة ، كي لا يقتله أمامهم ، مراعاة لشعورهم ، واستدعاه ، فلما أوقف بين يديه دعاه إلى الإسلام فامتنع ، فذكره بتطاوله على النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال له : نعم أنا أنوب عن رسول الله في الانتصار لأمته ، ثم قتله بنفسه ، وأرسل برأسه إلى الملوك وهم في الخيمة ، فلما علاهم الرعب والخوف لذلك طمأنهم بقوله: لم تجر عادة الملوك أن يقتلوا الملوك . (5).... إن هذا تعرض لسب رسول الله فكان هذا عقابه ..
ثم سار بعد ذلك إلى قلعة طبرية فأخذها عنوة ، واتجه بعدها إلى إقليم الأردن، فتسلم بلاده كلها (6). ثم ارتحل قاصدا عكا فدخلها عنوة أيضا ، واستنقذ من كان فيها من الأساري ، وكانوا زهاء أربعة آلاف نفر ، واستولى على ما فيها من الأموال والذخائر والبضائع والتجائر ..
وتفرقت عساكره بعد ذلك في بلاد الساحل يأخذون الحصون والقلاع والأماكن المنيعة ، ومن بينها نابلس وحيفا وقيسارية وصفورية والناصرة ، ثم سار هو إلى قلعة تبتين الحصينة ففتحها وأسر من بها من المقاتلين ، ثم فتح صيدا وبيروت وعسقلان والرملة وبينا والدارون وبيت جبرين والنطرون .. ثم رجع سائرا نحو غزة ونابلس وبيسان وأراضي الغور، فاسترد ذلك كله ، وكان جملة ما افتتحه في هذه المدة القصيرة خمسين بلدا..
ثم أمر جيوشه أن يستريحوا ، ويرعوا خيولهم ليعود إليها قوتها ونشاطها ، وأذيع في الناس أنه عازم على فتح بيت المقدس، فقصده العلماء والصالحون تطوعا، وجاءوا إليه من كل جهة ، فاجتمع من عباد الله ومن الجيوش شيء كثير جدا، فقصد بهم ـ رحمه الله ـ القدس ..فنزل غربي المدينة في الخامس عشر من رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة - فوجدها قد حصنت غاية التحصين، وكان فيها من عساكر الفرنجة ستون ألف مقاتل أو يزيدون، فأقام السلطان بمنزله خمسة أيام، وسلم إلى كل طائفة من الجيش ناحية من السور وأبراجه، ثم تحول السلطان إلى ناحية الشام لأنه رآها أوسع للمجال والجلاد والنزال، وقاتل الصليبيون دفاعا عن المدينة قتالا هائلا، ولكن ذلك لم يزد المسلمين إلا إصرارا ، وظلوا يرمون سور المدينة الحصين، حتى انهار الجانب الشمالي منه وخر برجه ، فلما شاهد الصليبيون ذلك قصد أكابرهم صلاح الدين ، وتشفعوا إليه أن يعطيهم الأمان، فامتنع من ذلك أولا وقال: لا أفتحها إلا عنوة، كما افتتحتموها أنتم عنوة، ولا أترك بها أحدا من النصارى إلا قتلته كما قتلتم أنتم من كان بها من المسلمين، فطلب صاحبها بالبان بن بازران الأمان ليحضر عنده فأمنه، فلما حضر ترقق للسلطان وذل ذلا عظيما، وتشفع إليه بكل ما أمكنه.. فوافق السلطان على الصلح أخيرا (7).
ودخل بعدها وجنوده مكبرين مهللين ، وكان أول ما فعله هو تنظيف المسجد الأقصى مما كان فيه من الصلبان والرهبان والخنازير، وغسلت الصخرة بالماء الطاهر، وأعيد غسلها بماء الورد والمسك الفاخر ، ثم صليت أول جمعة ببيت المقدس بعد فتحه في اليوم الرابع من شعبان سنة 583 هـ (8). وهو اليوم الذي يتوق كل مسلم إلى عودته ، ويدعو الله أن يزيد في عمره حتى يكون من شهود تحرير بيت المقدس مرة أخرى ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
1ـ رحلة ابن جبير - (ج 1 / ص 108) ..
2 ـ البداية والنهاية - (ج 12 / ص 375)..
3 ـ البداية والنهاية - (ج 12 / ص 385)..
4 ـ البداية والنهاية - (12 / 321)
5 ـ النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية - (ج 1 / ص 60)..
6 ـ النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية - (ج 1 / ص 60)..
7 ـ البداية والنهاية - (ج 12 / ص 396)..
8 ـ البداية والنهاية - (ج 12 / ص 399)..
المصدر : موقع التاريخ







 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!

الكلمات الدلالية (Tags)
موقعة حطين

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي
الانتقال إلى العرض المتطور
الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى


الساعة الآن 08:15 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0