« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: ذو القرنين (آخر رد :عاد إرم)       :: نبضات أدبية.. (آخر رد :الهميلي)       :: الأسرى الفلسطينيون ... أرقام ومآسي (آخر رد :أبو محمد المختار)       :: الأسرى الفلسطينيون ... أرقام ومآسي (آخر رد :أبو محمد المختار)       :: الاداره الكريمه عندي شكوى (آخر رد :الذهبي)       :: مؤامرة تقسيم السودان (آخر رد :النسر)       :: السفر (آخر رد :النسر)       :: إيران: هل هي أخطر من إسرائيل؟ (آخر رد :النسر)       :: مصر وربيع التقدم (آخر رد :النسر)       :: فلسطين ................نداء (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> التاريخ الحديث والمعاصر




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 07-Mar-2010, 09:56 AM   رقم المشاركة : 1
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي تكامل قوى المقاومة وحركة التحرر العربية

الزعيم الراحل جمال عبد الناصر





القاهرة- العرب أونلاين- د. محمد السعيد ادريس*:

قد يتصور البعض أن الانقسام الحالي في أوساط الأمة العربية خاصة أوساط ما هو رسمي وما هو شعبي عربي بين خيار السلام وخيار المقاومة هو التحدي الأهم الذي يواجه خيار المقاومة، خاصة في ظل إصرار النظام الرسمي العربي على التمسك بما يسميه خيار السلام رغم كل الفشل الذي يواجه هذا الخيار الذي أصاب النظام العربي بحالة غير مسبوقة من العجز والفشل والتردي، لكن واقع الأمر يؤكد أن خيار المقاومة يواجه أيضاً بتحديات قد تفوق ذلك الانقسام وآثاره السلبية، والتي لا يمكن التهوين من أخطارها.

فخيار المقاومة يبقى خياراً دفاعياً بالأساس، ويبقى محكوماً بمواجهة الاعتداءات التي تتعرض لها الأقطار العربية أو تتعرض لها الأمة جمعاء، ويبقى محكوماً ثانياً بصد الاعتداءات الخارجية وعلى الأخص الاعتداءات العسكرية، أو مواجهة مصادر التهديد العسكرية دون غيرها من مصادر التهديد المتنوعة وخاصة التهديدات السياسية والاقتصادية والثقافية الخارجية إضافة إلى التهديدات الداخلية، وبالذات ما له علاقة بالتهديدات الخارجية وما يعتبر امتداداً لها.

النموذج المباشر لذلك ما يواجه المقاومة اللبنانية من انقسام وطني حول مبررات استمرار المقاومة ومبررات الحفاظ على سلاح المقاومة مع انتفاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية، هذا الانقسام سوف يتضاعف بالنسبة للمقاومة العراقية مع انسحاب القوات الأمريكية وفق ما هور مقرر أمريكياً. فعندها سيطرح السؤال نفسه: مقاومة لمن؟ ومقاومة من أجل ماذا؟

فعلى الرغم من استمرار التحديات، واستمرار أعوان الاحتلال في تنفيذ مشروعه بعد انسحابه، إلا أن كل هؤلاء لا يمكن من منظور المقاومة التعامل معهم على أنهم أعداء يستحقون المقاومة العسكرية. لكن الأهم من ذلك أن المقاومة تواجه مأزقين رئيسيين من شأنهما إغلاق أفق المستقبل أمام المقاومة:

المأزق الأول: هو علاقة المقاومة بالقيود المفروضة عليها كونها تنتمي إلى دولة عربية بعينها، ومطلوب منها أن تبقى محكومة بحدود "المواطنة" ولا تتجاوزها، وأن تلتزم بمبدأ المواطنة في إطاره الجغرافي ولا تتعداه إلى خارج الحدود الجغرافية للدولة التي تنتمي إليها، هذا المأزق يتجلى بالنسبة للمقاومة الإسلامية وأيضاً للمقاومة ذات الهوية القومية، فكلاهما المقاومة الإسلامية والمقاومة القومية لا تعترفان بحدود التقسيم المفروضة على الأمة، وترى أنها ملزمة بحدود الهوية والانتماء وليس بحدود الجغرافيا الضيقة، لكنها، رغم ذلك تواجه بقيود هائلة للخروج من شرنقة الجغرافيا إلى رحابة الهوية كي تمارس مهامها الإسلامية أو القومية بالتصدى لأعداء الأمة خارج الحدود الضيقة للوطن الصغير "الدولة" الذي تنتمى قسراً إليه.

المأزق الثاني: هو تلك التحديات الهائلة المتنوعة التي تواجه الأمة والتي تتجاوز حدود التهديدات العسكرية الخارجية، وتعرض دولة عربية للغزو وآخر للاحتلال الأجنبي. فالأمة ومنذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الماضيين تواجه صراعاً هائلاً مع المشروعين الصهيوني اليهودى والاستعماري الغربي، على نحو ما كتب نجيب عازوري عام 1905 فى كتابه "يقظة العرب" بقوله: "هناك حادثان هامان من طبيعة واحدة، ولكنهما متعارضان، وهما يقظة الأمة العربية والجهد اليهودي الخفي لإنشاء إسرائيل القديمة من جديد وعلى مقياس أوسع، إن مصير هاتين الحركتين هو الصراع المستمر إلى أن تغلب إحداهما الأخرى".

هكذا، الصراع المستمر، والصراع هو مزيج من الحروب والمقاومة والمواجهة، وامتلاك القدرات بين هذين المشروعين إلى أن يتغلب أحدهما على الآخر، بدافع من خصوصية هذا الصراع باعتباره ليس مجرد خلاف في الرأي أو حتى في المصالح بقدر ما هو صراع حول الوجود ذاته.

هذا الوعي المبكر الذي كشف عنه نجيب عازوري لم يأت من فراغ، ولكنه تولد من إدراك لواقع كان يتشكل منذ منتصف القرن التاسع عشر "1850" عندما ظهر مصطلح "الشرق الأدنى" الذى سبق ظهور مصطلح "الشرق الأوسط"، ليس كمجرد مصطلح سياسي أو جغرافي ولكنه كان يعكس مفاهيم محددة لمشروع استعماري استهدف المناطق التي استوعبها وخاصة تركيا وسوريا وفلسطين ولبنان ومصر وجزيرة قبرص، وهي المناطق التى كانت تشملها أغلب أجزاء الإمبراطورية العثمانية، وظهر هذا المصطلح ليعبر عن مشروع يستهدف الاستحواذ على هذه المناطق ضمن مخطط تفكيك الإمبراطورية العثمانية.

وعلى السياق نفسه تطور مفهوم الشرق الأوسط ليعبر عن مشروع استعماري تزامن أو توافق مع ظهور الصهيونية كحركة سياسية عالمية منظمة، ويشمل منطقة تشكل امتداداً للشرقين الأدنى والأقصى وهي أغنى المناطق فى العالم بالنفط والمعادن وتتمتع بمركز استراتيجي هام بين القارات الثلاث: أوروبا وآسيا وأفريقيا، وتشمل بلدان شبه الجزيرة العربية والعراق وإيران وأفغانستان إضافة إلى كل المشرق العربي ومصر، وهو بهذا المعنى أضاف دولاً إلى العالم العربي، واستبعد دولاً عربية، ولم يكن ذلك محض استبعاد أو ضم جغرافي ولكنه كان لصيقاً ﺑ "حرب الهويات" التي باتت تمثل عصب فكرة احتواء "المشروع العربي" وتفكيكه.

فبعد مرور مئة عام على مجئ الحملة الفرنسية إلى مصر والشام 1798، وتحديداً عام 1897، وفى مدينة "بازل" بسويسرا؛ انعقد المؤتمر الصهيوني الأول برئاسة ثيودور هرتزل، وكانت خيوط المؤامرة تحاك ضد الأمة العربية والإسلامية في غفلة منها، حيث تم خلال هذا المؤتمر تحديد معالم وقسمات الحركة الصهيونية وأهدافها، وفي الوقت ذاته تم خلال المؤتمر أيضاً توثيق عرى التحالف بين المخططات اليهودية والمخططات الاستعمارية.

وهو التحالف الذي أسفر عن تزاوج غير شرعي بين المشروع الغربي الاستعمارى والمشروع الصهيوني ضد الأمة العربية، وتمخض عن ولادة دولة "إسرائيل" واحتضانها بالرعاية والمساندة والتأييد حتى الآن، حيث اقتنعت الدول الاستعمارية آنذاك بضرورة إجراء تغييرات على أسلوبها الاستعماري القائم على الغزو الحربي الذي ثبت فشله، إلى أسلوب آخر غير تقليدي، ومن ثم فقد تبنى المشاركون فى المؤتمر وجهة نظر ثيودور هرتزل وخطته التي كانت تقوم على زرع دولة قوية وغريبة في المنطقة العربية- وهي "إسرائيل"- حتى تصبح عضواً من أعضاء الأسرة الإقليمية، وفي الوقت ذاته تكون أداة في يد الاستعمار، وقد خطط هرتزل لكى تقوم هذه الدولة على جثة الشعب الفلسطيني وذلك حينما نادى بإقامة "دولة لشعب بلا أرض في أرض بلا شعب".

ومن ثم فقد التقى الفكر اليهودى مع الفكر الاستعماري، وقد وجد الغرب ضالته في هذا الاقتراح لأنه كان يهدف إلى إقامة دولة تكون بمثابة قاعدة سياسية واقتصادية يحقق بها مصالحه السياسية والاقتصادية، وتعمل هذه الدولة على إبقاء حالة التخلف في العالم العربي، وتحول دون قيام دوله عربية أو إسلامية موحدة، وتفتيت العالم العربي والإسلامي إلى وحدات صغيرة فضلاً عن خلق صور وأشكال عديدة من التناقضات والخلافات البينية داخل علاقات هذه الدول. ومنذ ذلك الحين تكاتفت القوى الاستعمارية فيما بينها- لأسباب ودوافع مختلفة- لكي تقام دولة "إسرائيل" على أنقاض الشعب الفلسطيني.

وقد تأكد هذا التكاتف في المقررات التى صدرت عن المؤتمر الاستعماري الذي نظمه حزب المحافظين البريطانى سراً تحت رعاية وإشراف وزير المستعمرات كامبل بنرمان عام 1905 وامتد لعامين وعرف باسم "مؤتمر كامبل بنرمان"، وامتد هذا المؤتمر حتى عام 1907 بمشاركة دول أوروبية عديدة هي: بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا وأسبانيا وإيطاليا، وصدر عنه وثيقة شديدة الخطورة والأهمية حملت اسم "وثيقة كامبل بنرمان" الذي أصبح رئيساً للوزراء وقت صدور هذه الوثيقة التي جاءت متطابقة تماماً مع مقررات مؤتمر بازل الصهيوني ومع ما كتبه ثيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية العالمية عام 1897 فى يومياته بقوله: "يجب قيام كومنولث شرق أوسطي يكون لدولة اليهود فيه شأن قيادي فاعل، ودور اقتصادي وتكون المركز لجلب الاستثمارات والبحث العلمي والخبرة الفنية".

فقد نصت "وثيقة كامبل بنرمان" على الخلاصة التالية:
"إن البحر المتوسط هو الشريان الحيوي للاستعمار لأنه الجسر الذى يصل الشرق بالغرب، والممر الطبيعي إلى القارتين الآسيوية والأفريقية وملتقى طرق العالم، وأيضاً هو مهد الأديان والحضارات". والإشكالية في هذا الشريان كما جاء في نص الوثيقة هي أنه "يعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية بوجه خاص شعب واحد تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللسان"، ولحل هذه الإشكالية التي اعتبرها المشاركون في هذا المؤتمر مصدر التهديد الأهم للغرب ولمشروعه الاستعماري تم التوصل إلى مجموعة من المهام أو سياسات المواجهة التي تم دمجها في سياستين رئيسيتين:
السياسة الأولى: إبقاء شعوب هذه المنطقة مفككة جاهلة متأخرة وعلى هذا الأساس قاموا بتقسيم دول العالم بالنسبة إليهم إلى ثلاث فئات: الفئة الأولى: دول الحضارة الغربية المسيحية "دول أوروبا وأمريكا الشمالية واستراليا" والواجب تجاه هذه الدول هو دعم هذه الدول مادياً وتقنياً لتصل إلى مستوى تلك الدول.

الفئة الثانية: دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية المسيحية ولكن لا يوجد تصادم حضاري معها ولا تشكل تهديداً عليها "كدول أمريكا الجنوبية واليابان وكوريا وغيرها" والواجب تجاه هذه الدول هو احتواؤها وإمكانية دعمها بالقدر الذي لا يشكل تهديداً عليها وعلى تفوقها.
الفئة الثالثة: دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية المسيحية ويوجد تصادم حضاري معها وتشكل تهديداً لتفوقها "وهي بالتحديد الدول العربية بشكل خاص والإسلامية بشكل عام" والواجب تجاه تلك الدول هو حرمانها من الدعم ومن اكتساب العلوم والمعارف التقنية وعدم دعمها في هذا المجال ومحاربة أي اتجاه من هذه الدول لامتلاك العلوم التقنية.

السياسة الثانية: محاربة أي توجه وحدوي فيها، ولتحقيق ذلك دعا المؤتمر إلى إقامة دولة في فلسطين تكون بمثابة حاجز بشري قوي وغريب ومعادي يفصل الجزء الأفريقي من هذه المنطقة عن القسم الآسيوي والذي يحول دون تحقيق وحدة هذه الشعوب واعتبار قناة السويس قوة صديقة للتدخل الأجنبي وأداة معادية لسكان المنطقة، وهكذا فإن فرض التخلف الدائم وحجب العلم عن هذا "الشعب الواحد صاحب التاريخ الواحد والدين الواحد واللسان الواحد" والعمل على فرض التجزئة والتقسيم عليه والحيلولة دون وحدته، وجاءت التطورات المتلاحقة بهدف تنفيذ هاتين السياستين والتي وجدت من الحربين العالميتين الأولى والثانية الفرص المناسبة لتحقيقها.

كانت البداية بفرض الاستعمار الغربي على معظم الدول العربية، وتصفية الإمبراطورية العثمانية، وتقسيم الوطن العربى إلى دويلات مفعمة بكل أسباب التوتر وعدم الاستقرار "العرقية والطائفية"، وافتعال أزمات الحدود، عبر اتفاقية سايكس - بيكو" ومن بعدها وعد بلفور الذي وضع اللبنات الأولى للدولة الصهيونية في الرسالة التى بعث بها المستر بلفور وزير خارجية بريطانيا في 2 نوفمبر/ تشرين الثانى عام 1917 إلى اللورد روتشيلد ممثل الاتحاد الصهيوني وجاء فيها: "إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وستبذل قصارى جهدها لتسهيل تحقيق هذا الهدف".

ومنذ هذا التاريخ بدأ المشروع الصهيوني في لقائه بالمشروع الاستعماري الغربي يروج لمصطلح الشرق الأوسط كبديلاً للوطن الواحد والشعب الواحد والأمة الواحدة، نظراً لأنه ملتقى القارات الثلاث ويشرف على أهم الممرات المائية كقناة السويس، ومضيق باب المندب، والخليج، وخليج العقبة ومضيق هرمز، ويختزن أكثر من ثلثي احتياطي النفط العالمي. وتخشى الصهيونية والاستعمار من إقامة دولة اتحادية عربية قوية وغنية ومسلحة بالثروة النفطية والقومية العربية والعقيدة الإسلامية.‏

المقاومة وصراع المشروعات
لقد وضع هذا التلاقي بين المشروعين الصهيوني والاستعماري الغربى الأمة العربية هدفاً للسيطرة والهيمنة متخذاً من "تهويد فلسطين" وتحويلها إلى قاعدة صناعية متطورة لتكون حجر الزاوية في المشروع الغربي الاستعماري وإقامة الشرق أوسطي الذي يريدونه على أنقاض الوطن العربي أو الوطن الواحد والشعب الواحد ذو اللغة الواحدة الذي يعتبرونه مصدر كل الخطر على هذين المشروعين الصهيوني والاستعماري الغربي.

وهكذا نستطيع أن نقول أن قيام دولة إسرائيل عام 1948 كان أولى خطوات النجاح الاستعمارية لفرض مشروع الشرق الأوسط كمشروع للهيمنة الغربية الاستعمارية، وبعد قيام إسرائيل توالت الخطط والأفكار والمقترحات من جانب بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية لتفكيك المشروع العربي لصالح مشروع الشرق الأوسط وفي القلب منه المشروع الصهيوني.

لقد كان تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945 خطوة في الطريق المخالف لمسار تطور أحداث مشروع الشرق الأوسط، وهنا تطرح علامة استفهام كبيرة حول الدور البريطاني في المشروعين: مشروع الشرق الوسط والمشروع العربي، لكن طرح علامة الاستفهام هذه يكشف النقاب عن محورية الدور العربي في تأسيس جامعة الدول العربية، أو على الأقل في تحديد هوية وأهداف هذه الجامعة بما يتعارض مع المشروع الصهيوني - الاستعماري للشرق الأوسط بدليل دخول جيوش عربية في الحرب ضد الكيان الصهيوني عام 1948، وبدليل التصدي العربي للمقترحات البريطانية والأمريكية الجديدة لتطوير مشروع الشرق الأوسط على حساب المشروع العربي ابتداء من "مشروع ترومان" عام 1949 الذى عرف فى العالم العربي باسم "مشروع النقطة الرابعة" نسبة إلى المادة الرابعة منه، وتضمن إمكانية تقديم مساعدات سياسية واقتصادية وعسكرية إلى دول منطقة "الشرق الأوسط" الواقعة تحت النفوذ الغربى، ثم مشروع "القيادة الرباعية للشرق الأوسط" فى عام 1951، لإقامة سلسلة من التحالفات السياسية والعسكرية مع دول المنطقة والتنسيق والتعاون بينها.

ثم مشروع "قيادة الشرق الأوسط العسكرية" أو "الحزام الشمالي للمنطقة" التى تضم بعض الدول العربية وبعض دول الحوار فى آسيا، إضافة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وتمخض عن ذلك ما عرف ﺑ "حلف بغداد".

لقد استطاع النظام العربي أن يصمد أمام كل هذه المشروعات لكن قيام ثورة 23 يوليو فى مصر عام 1952 حول الصمود إلى مواجهة وبالذات حول مشروع "قيادة الشرق الأوسط"، أو "سياسة الأحلاف الأمريكية"، وعلى الأخص منها "حلف بغداد".

بداية هذه المواجهة التي تحولت فيما بعد إلى صدام عسكرى أو عدوان ثلاثي بريطاني- فرنسي - إسرائيلي عام 1956 ارتبطت برفض مصر الدخول فى الحلف الدفاعى الذي اقترحته بريطانيا والذي يضم كلاً من بريطانيا والعراق وتركيا وباكستان. فبعد أربعة أيام فقط من توقيع العراق وتركيا على المعاهدة الرسمية المسماة ﺑ"حلف بغداد" فى 24 فبراير 1955 والتي انضمت إليها بريطانيا وباكستان وإيران في أبريل من العام نفسه، بدأت أزمة جديدة فى العلاقات بين مصر والغرب، أشعلها الهجوم الإسرائيلي على مواقع الجيش المصرى فى قطاع غزة.

فى هذه اللحظة بالتحديد، بدأت علاقة مصر بالغرب تأخذ منحنى آخر، فقبل ذلك كان لدى مصر اعتبارات عدة تبرر الأمل في إقامة علاقات ودية مع الغرب، أهمها المرونة التى أبدتها إدارة الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور إزاء قضية الصراع العربي - الإسرائيلي والعلاقات مع مصر، والتى توجت بتوقيع اتفاقية بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية فى عام 1954 تقضى بتزويد مصر بمعونة اقتصادية قدرها 40 مليون دولار.

لكن الهجوم الإسرائيلي على غزة، إلى جانب "حلف بغداد"، اعتبرته مصر جزأ من مؤامرة إمبريالية يدبرها الغرب للقضاء على الثورة والسيطرة على الوطن العربي مرة أخرى، وتمثل ردها على ذلك في قرارين: الأول، الاتجاه نحو شراء سلاح لردع إسرائيل عن شن أي هجمات جديدة. والثاني، تعزيز ترتيبات الأمن داخل الجامعة العربية من خلال إبرام سلسلة من المعاهدات الدفاعية مع الدول العربية الحليفة كسبيل لمواجهة حلف بغداد.

كانت هذه هي البداية الحقيقية لبلورة مشروع عربي نهضوي تحرري تقوده حركة القومية العربية الناهضة بزعامة مصر الناصرية خاضت المواجهة من أجل تحرير الوطن العربي والسعي إلى وحدته وتقدمه ونهوضه، وكان عقدا الخمسينيات والستينيات حافلين بكافة أنواع المواجهة والحروب بين المشروع الإمبريالي الغربي - الصهيوني، والمشروع القومى العربي وهي المواجهة التي وصلت إلى ذروتها في حرب يونيو 1967 لكسر هذا المشروع العربي الذي كان يمثل تحدياً شاملاً للمشروع الغربي الاستعماري فى سياسة فرض التخلف والتجزئة والتقسيم على الوطن العربي.

هذه التجربة النضالية العربية التي فجرتها الحركة التحررية للقومية العربية في عقدي الخمسينيات والستينيات كانت لها خصوصياتها وفي مقدمتها أنها كانت تجسيداً للاستجابة لطموحات ومواجهة تحديات مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ورواسب الحرب العالمية الأولى، وانسجام مع القيم والمبادئ التي ارتكز عليها النظام العالمي الجديد كما هي مدونة في ميثاق منظمة الأمم المتحدة وخاصة مبادئ التعاون الدولي وحل المشاكل والأزمات بالطرق السلمية ونبذ الحروب.

ورفض التدخل في الشئون الداخلية للدول والدفاع عن سيادتها الوطنية، لكنها كانت أيضاً، وهذا هو الأهم، تعبيراً عن واقع سياسي عربي جديد فرضه تفجر الثورة العربية في مصر، وبروز زعامة جمال عبد الناصر التي جعلت من مصر الناصرية قاعدة للنضال التحرري الوحدوي العربي، والتي استطاعت أن تلتقى مع نظم حكم عربية أخرى شاركتها الأهداف والمبادئ، لكن الأهم هو أنها استطاعت أن تلتقى مباشرة مع الشارع العربي متجاوزة حدود التقسيم والتجزئة ودون وساطة من أحزاب أو أنظمة حكم أو حتى جامعة الدول العربية التى بقت إطاراً نظامياً تلتقى فيه نظم الحكم العربية على قاعدة التنسيق الضيقة التى فرضها ميثاقها الذى فرضته اعتبارات التأسيس عام 1945 في ظل خضوع معظم الدول العربية للاستعمار الغربي.

والآن تواجه الأمة العربية تحديات أكثر ضراوة وقسوة فرضتها نتائج سقوط النظام العالمي السابق ثنائي القطبية وظهور معالم نظام عالمي جديد لا تتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادته فحسب، وإنما تسعى إلى فرض نظام إمبراطوري عالمي يؤسس من خلال سيطرتها الكاملة على ما تسميه ﺑ "إقليم الشرق الأوسط الكبير" الذي يهدف إلى فرض الهيمنة الأمريكية الكاملة على مقدرات وثروات هذا الإقليم وفي مقدمتها الثروات النفطية، من خلال السيطرة المباشرة ومن خلال إعادة تقسيم ما سبق تقسيمه بعد الحرب العالمية الأولى ومن خلال فرض ما سمى ﺑ "سياسة الفوضى البناءة" بإشعال الحروب الطائفية والمذهبية لتأسيس هذا النظام الشرق أوسطى على قاعدة الدولة الطائفية والعرقية التي يستطيع من خلالها الكيان الصهيوني القيام بدور القوة الإقليمية العظمى المهيمنة.

لقد كانت الحرب الأمريكية على العراق عام 2003 واحتلاله التى تعمدت بعض دوائر الفكر الاستراتيجي الأمريكي تسميتها ﺑ "الحرب العالمية الرابعة" "اعتقاداً بأن الحرب الباردة كانت بمثابة حرباً عالمية ثالثة" هي البداية لفرض هذا المشروع الإمبراطوري الأمريكي الذى ضرب عرض الحائط بكل مبادئ وأهداف النظام العالمي السابق وكل مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وعلى الأخص احترام السيادة الوطنية للدول.

وهي البداية أيضاً لفرض مبادئ بديلة تجسدها الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التي حملت اسم "استراتيجية الضربات الوقائية" التى تعطى للولايات المتحدة، دون غيرها، حق التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وحق استخدام القوة ضد من تريد، وحق تقسيم العالم إلى معسكرين أولهما تابع للهيمنة الأمريكية تحت مسميات متنوعة أبرزها محور الاعتدال، وثانيهما معارض يحمل اسم "محور الشر".

وعندما قررت الولايات المتحدة غزو العراق تجاوزت الأمم المتحدة والمجتمع الدولى كله، وأصدرت قراراً أمريكياً منفرداً بالغزو أيدته بريطانيا وأسبانيا وفرضته على العالم من أجل تأسيس إمبراطورية الشرق الأوسط الكبير.

فمشروع "الشرق الأوسط الكبير" كان التعبير السياسي المرافق للغزو وللاحتلال الأمريكي للعراق باعتبار أن هذا المشروع وهذه الحرب سوف تؤسسان معاً لفرض الإمبراطورية الأمريكية. ويكمن الغرض من توسيع هذا المشروع الإمبراطوري لإقليم الشرق الأوسط ليمتد إلى وسط آسيا فى حرص واشنطن على فرض سيطرتها الكاملة على أهم منابع النفط فى العالم وفقاً لتطلعات تيار المحافظين الجدد الذي يرى أن هذه السيطرة ضرورية لبناء النظام الإمبراطوري الأمريكي.

وقد عبر الكثير من مفكري هذا التيار عن هذا الطموح على نحو ما أوضح ريتشارد كراوتهامر، وهو أحد أبرز المعبرين عن هذا التيار في شرحه لمطلب التغيير وإعادة رسم الخريطة الإقليمية للشرق الأوسط. فقد قال كراوتهامر أمام معهد " أميريكان انتربرايز": "إن الولايات المتحدة الأمريكية الآن في صراع مع العالم العربي - الإسلامي مثل الصراع الذى خاضته فى سنوات الحرب الباردة مع العالم الشيوعي".

معنى هذا أنه يعبر عن مشروع يضع هذه المنطقة على خط مواجهة معهم، ويعتبرها بتكوينها الحالى مصدر الخطر عليهم، ومن حقهم التدخل فيها لإعادة تشكيلها بالصورة التي يرونها منزوعة الخطر من وجهة نظرهم، من خلال إعادة صياغة المجتمعات والأنظمة العربية والنظام العربي وأغلب العالم الإسلامي، لكنه يتعامل مع المنطقة أيضاً كمصدر للكسب من خلال تجيير كل ثرواتها لخدمة المشروع الإمبراطوري الأمريكي من ناحية ولخدمة إسرائيل، وذلك بالربط بين الديمقراطية والسلام.

ولا يكشف النص الذي حمل اسم "مشروع الشرق الأوسط الكبير" عن جوهر هذا المشروع، فالنص جاء مخادعاً، حاول أن يتستر وراء دعوة الإصلاح الديمقراطي داخل الدول العربية، وحاول أن يتخفى وراء التحليل الصادر عن تقرير التنمية الإنسانية لعام 2003 وذلك من خلال تقديم مبررات مقنعة لأهمية وضرورة الإصلاح السياسي والديمقراطي والثقافي فى دول العالم العربي والإسلامي، ومن خلال تبنى أجندة هذا التقرير المتركزة حول قضايا أو مطالب ثلاثة هى: إقامة مجتمع المعرفة، والحرية، وتمكين المرأة، وهى قضايا قد يراها البعض ضرورية وهذا هو الهدف الأمريكي من تبني هذه القضايا الثلاث، أي إكساب المشروع الأمريكي قبولاً شعبياً عربياً يضمن له النجاح، في حين أن الأهداف الحقيقية التي يمكن استخلاصها من أدبيات هذا المشروع شيء آخر أكثر خطورة من كل ما هو متصور.

بدايات التفكير في هذا المشروع ترجع إلى عملية البحث عن صيغة أفضل للحفاظ على المصالح والأهداف الأمريكية طويلة المدى والتي تتم من خلال تقريري الاستراتيجية الشاملة اللذين تعدهما كل من وزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات كل عقد من الزمان لرسم الخطوط العريضة للاستراتيجيات الأمريكية المستقبلية على ضوء توقعاتهم لخريطة العالم خلال المرحلة التالية.

وإذا كان هذان التقريران لم يركزا بشكل محدد على العالمين العربي والإسلامي، فإن أفكاراً أخرى أهم تم الدفع بها من خلال مساهمات عدد من أهم مراكز البحوث والدراسات التى لها صلات قوية بمراكز صنع القرار فى الولايات المتحدة الأمريكية. فخلال مرحلة ما بعد 11 سبتمبر 2001 بدأت المشروعات تتوالى بداية بما سمى ﺑ "مشروع مارشال جديد للشرق الأوسط" والمعروف باسم "الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية"، وامتداداً لمشروع "دمقرطة العالم العربي" وغيرهما، وكانت أغلبها تركز على ثلاثة محاور أساسية هي: تغيير المنطقة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، على أساس تعريف الولايات المتحدة الأمريكية لمصالحها في محيط هذا الشرق الأوسط الكبير.

مؤسسة راند للأبحاث قدمت تعريفاً مهماً لهذه المصالح يشمل:

حماية بقاء إسرائيل، والتوصل لسلام في الشرق الأوسط، واستمرار تدفق النفط بسعر مناسب، ومنع قيام أنظمة قوية تعادي الولايات المتحدة الأمريكية في أنحاء المنطقة، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، والدفع بعملية إصلاح سياسي واقتصادي ومكافحة الإرهاب. وهناك دراسات أخرى قدمت إسهامات بشأن تلك الأهداف ووسائل تحقيقها، مثل الدراسة التي أجراها المعهد الدولى للدراسات الاستراتيجية والتي أشرف عليها فرانسوا هايبورج وحملت عنوان "أي استراتيجية نتبع من أجل شرق أوسط كبير؟".

أو مثل الدراسة التي أصدرها معهد أبحاث السياسة الخارجية والتي حملت عنوان "الشرق الأوسط الكبير عام 2005" والتي كتبها آدم جار فينكل، وكتاب زالماي خليل زاد بعنوان "مصادر الصراع في القرن الواحد والعشرين - الاستراتيجية الأمريكية ومصادر المناطق" الصادر ضمن مطبوعات راند عام 1998.

بعض هذه الدراسات يروج لمفهوم "الشرق الأوسط الكبير" باعتباره الحل الأمريكي الأمثل من منظور السلبيات والمخاوف، أي أنه الحل الأمثل لمواجهة السلبيات والمخاوف والمخاطر التي تتهدد الولايات المتحدة ومصالحها وأهدافها الاستراتيجية، والبعض الآخر يروج للمفهوم باعتباره الحل الأمريكي الأمثل لتحقيق أعلى درجات المكاسب.

فوفقاً لمشروع معهد أبحاث السياسة الخارجية "الشرق الأوسط الكبير عام 2005" الذي كتبه آدم جار فينكل وساهم فيه كل من وارن رودمان، وآن ارمسترونج، ونورمان أوجيستن، وجون دانس، وجون كالفن، ونيوت جينجريتش، ولى هاملتون، وجيمس شليزنجر، وغيرهم، فإن الشرق الأوسط الكبير هو العالم العربي وإسرائيل وتركيا وإيران وآسيا الوسطى والقوقاز، وهي المنطقة التي تصادف أن تكون حاضنة لأكبر احتياطيات النفط والغاز، وأن تكون مسرحاً لصراعات كل القوى الصاعدة والطموحة فى العالم، وهى المنطقة التى تضم أيضاً حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية الأساسيين ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية الأكثر أهمية وهي نفسها المنطقة التى شهدت أبرز محاولات امتلاك أسلحة الدمار الشامل.

وشهدت آخر الحروب الكبرى التى قادتها الولايات المتحدة الأمريكية لتأكيد وجودها ونفوذها بعد انهيار النظام العالمي القديم، وهي المنطقة الوحيدة في العالم التى شهدت في العقد الأخير تمديد الوجود العسكري الأمريكي المباشر على أراضيها، بغض النظر عما إذا كان هذا الوجود سيمتد أو سيتقلص في المستقبل.

الشرق الأوسط الكبير- وفق هذا المشروع أيضاً- هو المنطقة التي تشكل مصدر الأهمية ومصدر القلق في الوقت ذاته، ليس بسبب الصراع العربي - الإسرائيلي فقط، ولكن أيضاً بسبب عشرات الصراعات الموازية.

وهو المنطقة التي تحتوي على أعلى درجات الاستبداد السياسي والأنظمة الفاشلة غير الفعّالة، وتشكل موطناً للأصولية المسلحة شديدة الخطر على الحضارة الغربية ومجتمعاتها، وهو أيضاً مركز الأنشطة الخارجة عن الشرعية القانونية وبؤر الإجرام في العالم خاصة زراعة وتجارة وتهريب المخدرات، وهو من أهم مراكز تجارة السلاح، وعلاوة على هذا كله هو أرض الصراعات الإثنية والعرقية والطائفية.

والنتيجة التي يراها آدم جار فينكل، هي أن ترك الأمور في منطقة الشرق الأوسط الكبير إلى التطور التلقائي- أي دون تدخل لضبط التفاعلات- سيعقد الأمور كثيراً، أي أن المطلوب هو التدخل الأمريكي لضبط هذه التفاعلات، من أجل درء الأخطار.

المنظور الآخر الذى يفرض الشرق الأوسط الكبير كحل أمريكي بدافع من تعميق المكاسب، طرحه زالماي خليل زاد وهو من أهم خبراء الإدارة الأمريكية الحالية ومهندس الحرب الأمريكية فى أفغانستان وعمل سفيراً في العراق ومندوباً لأمريكا فى الأمم المتحدة.

فهو يستعمل تعبير "الشرق الأوسط الكبير" بوصفه يتعلق بالمنطقة ذات الأهمية المركزية للمصالح الجيوستراتيجية الأمريكية والتي تتعرض فيها هذه المصالح للخطر، وحيث تتصاعد الصراعات، ويحتاج الأمر إلى المزيد من التدخل العسكري الأمريكي. كذلك فإن تطور الأوضاع في هذه المنطقة وتفاقم مضاعفاتها يمكن أن ينتهي- على المدى البعيد- بتأثيرات سلبية بالغة ليس على أصحابها فقط وإنما على الاستقرار والازدهار العالمى، وفي القلب منه المصالح الأمريكية.

ويعتقد زالماي خليل زاد أن تعبير الشرق الأوسط الكبير أصبح ضرورياً لالتقاط ونظم المحاور الأساسية التي تميز البيئة الاستراتيجية المتجانسة لهذه المنطقة والتي تميزها عما عداها، والتي تصبح، يوماً بعد يوم، أكثر أهمية، وذلك لتآكل الحدود الفاصلة بين أمن الشرق الأوسط والأمن الأوروبي والأمن الأوروآسيوى. هذا التآكل حدث نتيجة لتطور وانتشار التقنيات والأنظمة العسكرية الحديثة ونمو التداخل والاعتمادية الاقتصادية والسياسية المتبادلة بين هذه المناطق، وتمدد الظواهر المختلفة مثل الإرهاب العابر للمناطق، وتهريب المخدرات والسلاح، وتدفق اللاجئين.

تحديد ملامح البيئة الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط الكبير- وفق هذه الرؤية- له أهمية كبيرة، ضمن مسعى تمييز أو إعادة تحديد ما يسمى ﺑ"العوالم الاستراتيجية فى هيكلية النظام العالمى الجديد".

الملاحظة المهمة بهذا الخصوص هى وجود تدخل إسرائيلي قوى وملموس فى ضبط مفهوم الشرق الأوسط الكبير والدفع به كخيار أمريكى استراتيجي، ووجود مسعى أمريكي قوى لتوريط أوروبا للانخراط فى تبنى المشروع كاستراتيجية مشتركة للنظام العالمي الجديد.

ففى الوقت الذي كان الأمريكيون منغمسين فيه طيلة السنوات الخمس الماضية للخروج بمفهوم جديد للصراعات القائمة والاستراتيجية المثلى للتعامل معها، ظهر اتجاه موازٍ في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي يؤكد أن "الإسلام السياسي" يمثل عدواً، وأن هناك ضرورات لاستئصاﻠه، خـاصـة ﻓى ظـل تحـولات توجهـات حركة "حمـاس"، وتزامن هــذا الإدراك مـع ما اعتبر كارثة تهدد وجود إسرائيل، وهو العامل الديموجرافي، الذى كانت تأثيراته قد بدأت بالفعل في ظل الانتفاضة الثانية.

لقد سعت إسرائيل إلى إعادة مشروع الشرق الأوسط إلى أصوله الإمبراطورية من ناحية، أي ربطه بالمصالح العالمية الأمريكية، كما سعت إلى تحويله إلى شراكة أمريكية- إسرائيلية من خلال اجتماع واشنطن الذي عقد في الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر 2004 بين مستشاري شارون ورؤساء الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية وعدد من كبار خبراء ومستشاري الأمن القومي والاستخبارات الأمريكية.

كان هدف هذا الاجتماع هو البحث في الخطوات التنفيذية لتطبيق خطة الشرق الأوسط الكبير في أسرع وقت ممكن من خلال مناقشة مذكرتين أعدتا لهذا الغرض، الأولى أمريكية أعدها وليم تومسون رئيس فريق العمل الأمريكي، والثانية إسرائيلية أعدها دانيال ليرانو حام أحد مستشاري رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق آرييل شارون المقربين والتى حملت اسم "الهندسة السياسية لخريطة الشرق الأوسط في السنوات الثلاث القادمة".

أحد أهداف هذه الهندسة السياسية لخريطة الشرق الأوسط هو إعادة توجيه مسار العلاقات العربية باتجاه ربطها بإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ضمن إطار العلاقات الثنائية وعلى حساب العلاقات العربية - العربية والاتفاقيات الثنائية والجماعية للتعاون الاقتصادي والأمني، وقد استطاعت إسرائيل أن تنحرف بالمشروع الأمريكي للشرق الأوسط الكبير أو الموسع مستغلة فشل المشروع الأمريكي في العراق سواء على مستوى فرض الاستقرار والأمن للحكومة العراقية الموالية وتثبيت النفوذ الأمريكي بالعراق أو على مستوى تحقيق الديمقراطية بإقامة عراق جديد ديمقراطي يكون نموذجاً للنظم التى يجب أن تقوم فى المنطقة وفقاً لمشروع الشرق الأوسط الكبير حسب وعود الرئيس الأمريكي جورج بوش.

وإذا كان فشل المشروع الأمريكي في العراق قد أدى إلى ردود فعل كثيرة أخذ بعضها يشكك في جدية الدعوة الأمريكية للديمقراطية، وأخذ البعض الآخر يشكك في جدوى المشروع الإمبراطوري الأمريكي كله، فقد ظهرت ميول لتقليص حدود هذا الشرق الأوسط الكبير أو الموسع، وبدأت محاولات موازية للحديث عن بدائل "عملية" لتحقيق الأهداف نفسها، منها ما عرف ﺑ"الشرق الأوسط الصغير" Tiny Middle East للخروج من المشاكل التى يعاني منها مشروع الشرق الأوسط الكبير عبر تنفيذ الآليات نفسها لاسيما البنود المتعلقة بالإصلاحات الديمقراطية، ولكن عبر مجموعة صغيرة تمثل الدول الأسهل من حيث التزامها بالتنفيذ، ووجود علاقات فعلية بينها، وترتبط أيضاً بعلاقات قوية مـع واشنطـن كضمانـة للتنفيـذ أو عـدم التراجـع.

وحتى هذه الدعوة لم تستطع الصمود أمام المأزق الأمريكي المستحكم في العراق، ومن هنا كانت الحرب الإسرائيلية على لبنان فى يوليو 2006 بمثابة المخرج المناسب لفرض واقع جديد لمشروع أمريكي جديد للشرق الأوسط لم تتردد وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس في الإعلان عنه باسم "الشرق الأوسط الجديد" في ذروة الحرب الإسرائيلية على لبنان وفي ذروة الانحياز الأمريكي الكامل لإسرائيل في هذه الحرب ورفضها لكل مطالب وقفها.

لقد أكدت تطورات هذه الحرب أن الولايات المتحدة كانت طرفاً مباشراً فى التخطيط والإعداد والتنفيذ والرعاية الكاملة كي تحقق أهدافها في لبنان ومن بعدها فى إيران للقضاء على ما يسميه الرئيس الأمريكي ﺑ "محور الشر"، الذي أعلن أن الحرب الإسرائيلية الأخيرة مع "حزب الله" هى جزء من صراع أكبر يشمل سوريا وإيران.

وأكد أن الحرب في لبنان تشكل "جزءاً من معركة أوسع تشهدها المنطقة بين الحرية والإرهاب"، وعبرت وزيرة الخارجية الأمريكية "السابقة" كوندوليزا رايس على أن "شرق أوسط جديد" سيولد من رحم هذه الحرب، وكانت أهم معالم هذا الشرق الأوسط الجديد هي وضع نهاية للصراع العربي - الإسرائيلي من خلال فرض شراكة عربية - إسرائيلية بديلة للصراع تقوم على قاعدة وجود مصالح مشتركة بين العرب وخاصة من هم مصنفون ضمن "محور الاعتدال" أو "الحلف السُنى" وبين "إسرائيل" لمحاربة الإرهاب الذي تدعمه إيران، وفرض إيران عدواً بديلاً للعرب من خلال تفجير حرب طائفية سُنية شيعية تكون مدخلاً للتلاقي مع مشروع الشرق الأوسط الكبير في هدف إعادة رسم الخرائط السياسية فى المنطقة على قاعدة التقسيم العرقي والطائفي، بما يؤكد وحدة المشروع القائم على سياسة الحيلولة دون وحدة العرب وفرض التقسيم والتجزئة والتخلف كمصير أبدى يجب عدم الخروج منه.

وهكذا فإنه بدلاً من المسعى العربي لحركة التحرر العربية في الخمسينيات والستينيات، لإعادة توحيد ما سبق تقسيمه من أرض العرب أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى، يجد العرب أنفسهم الآن أمام مخطط إعادة تقسيم ما سبق تقسيمه بعد إكمال مخطط تفكيك رابطة النظام الإقليمي الرسمي العربي بفرض سياسة استقطاب جديدة على قاعدة محوري "الاعتدال" و"الشر".

هذا الواقع السياسي الجديد يشهد أيضاً تطابقاً بين إنتاج استقطاب طبقى اجتماعى- سياسي جديد على الصعيد العالمى تجسيداً لسياسة العولمة وانطلاق الرأسمالية العالمية المتوحشة لفرض سيطرتها متجاوزة كل الحدود التقليدية للدول ومعتمدة على سياسة التدخل القسري في الشئون الداخلية للدول، وبين إنتاج استقطاب طبقي اجتماعي - سياسي جديد داخل الدول العربية. ومثلما تم تقسيم العالم إلى مجتمعات "وليس دول" غنية مسيطرة ومجتمعات أخرى فقيرة مسيطر عليها، يجرى فرض استقطاب طبقي اجتماعي - سياسي داخل الدول العربية بين طبقات تحتكر السلطة والثروة وطبقات فقيرة محرومة ومعزولة ومهمشة ومسيطر عليها.

الأهم من هذا هو ذلك التلاقي، الذي يصل إلى درجة التحالف، بين قوى الهيمنة الرأسمالية الخارجية التى يقودها النظام الإمبراطوري الأمريكي وحليفه الصهيوني، وبين القوى المسيطرة على السلطة والثروة داخل الدول العربية التي تمارس الاستبداد والفساد وتقود توجهات النظام الرسمي العربي.

هذا التحالف بين قوى الهيمنة العالمية التي يجسدها المشروع الإمبراطوري الأمريكي الجديد وقوى الاستبداد والاحتكار السياسي والاقتصادي فى الداخل العربي ليس وليد تطورات عالمية فقط ولكنه أيضاً وليد تطورات عربية، على مستوى كل دولة عربية وعلى مستوى النظام العربي ككل عندما تراجع ثم اختفى دور دول الثورة ابتداءً من عقد السبعينيات وبالتحديد ابتداءً من نكسة يونيو/ حزيران 1967 وانتصار الثورة المضادة فى مصر وسيطرتها على مقاليد الدولة والسلطة والانحراف بها في اتجاه القبول بالهيمنة الأمريكية أولاً ثم التطبيع مع الكيان الصهيوني ثانياً.













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 07-Mar-2010, 12:21 PM   رقم المشاركة : 2
الذهبي
المشرف العام
 
الصورة الرمزية الذهبي

 




افتراضي

لفت نظري أن عبد الناصر رغم أنها مات في الخمسينات من عمره فإن الشيب ظاهر على جانبي رأسه ؛ مما يعني أنه كان يحمل بعض الهموم .







 الذهبي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 26-Apr-2010, 01:42 PM   رقم المشاركة : 3
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
المقاومة, التحرر, العربية

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى


الساعة الآن 10:21 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع