« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: الليث بن سعد ... عالم أهل مصر الأوحد (آخر رد :حسام حفناوي)       :: الاغالبة (آخر رد :حسام حفناوي)       :: هنا «الفايسبوك»... صوت الثورة الشعبية! (آخر رد :النسر)       :: مصر وربيع التقدم (آخر رد :النسر)       :: أبحاث علمية (آخر رد :النسر)       :: جامع الزيتونة المعمور (آخر رد :النسر)       :: الإسلاميون قادمون.. شاء الغرب أم أبى! (آخر رد :النسر)       :: وثائق نادرة وصور قديمة في "أبوظبي وجهتنا" لنارين أساربوتا (آخر رد :النسر)       :: سوريا تسلك طريق الحرية (آخر رد :النسر)       :: فلسطين ................نداء (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> المكتبة التاريخية




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 22-Mar-2010, 10:40 AM   رقم المشاركة : 1
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي مؤثرات "رباعية الإسكندرية" على الرواية العربية 1/2

تحفة أدبية نادرة


اقتباس:
شوقي بدر يوسف *

الإسكندرية المدينة الروائية التي تعيش سيرتها الذاتية منذ أقدم العصور، والتي حفرت اسمها في سجل الرواية العالمية منذ أن صدرت عنها رواية "رباعية الإسكندرية" "The Alexandria Qyartet" للروائي الأنجليزي "لورانس داريل".

كتب لورانس داريل "رباعية الإسكندرية" بعد أن حضر إلى مصر والتحق بالعمل بوزارة الخارجية الأنجليزية، أثناء فترة الحرب العالمية الثانية، وقد مكث فترة غير قصيرة يجمع المعلومات عن المدينة من مظانها الأصلية حتى هيأ نفسه لكتابة هذه الرواية التي وضعت نفسها وصاحبها على خريطة الرواية العالمية كأحد الأعمال السردية المشعة بوهج الشاعرية والصوفية، والعالم السحري المليء بأسئلة السياسة والعاطفة والخيال، والواقع الممزوج بوعي الذات ووعي العالم، وكل الممارسات الإنسانية المتاحة والممكنة المليئة بالخبرات الدينية والحسية والجنسية والفكرية حيث تتعايش أجناس مختلفة، وحيث الإسكندرية مكان تتخذ فيه رقعة الامكانات البشرية طابعا عاريا لا يعرف الرحمة.

والرواية تتكون من أربعة أجزاء "جوستينJustine 1957" و"بالثازار Balthazar 1958" و"ماونت أوليف Mountolive "1958 والجزء الأخير بعنوان "كاليه Clea1960". وقبل كتابة الرباعية كتب لورانس داريل روايته الأولى بعنوان "الكتاب الأسود" متأثرا فيها بأعمال صديقه وكاتبه المفضل "هنري ميللر"، خاصة روايته "مدار السرطان" الذي أعجب بها داريل وقال عنها: "إن الأدب الأمريكي إليوم يبدأ وينتهي بصدور هذه الرواية". وقد عكست رواية "الكتاب الأسود" مقدار الأثر العميق الذي تركه "هنري ميللر" على إبداع لورانس داريل، حيث حققت هذه الرواية نجاحا لصاحبها جعله يفطن لموهبته وقدراته الأدبية، فكتب رباعية الإسكندرية التي وضعته في مصاف الكتاب العالميين، ثم كتب بعد ذلك خماسية بعنوان "خماسية آفنيون"، كما كتب أيضا رواية "السهول البيضاء".

ويمكن التعرف على ماهية عالم داريل الروائي في "الرباعية الإسكندرانية" كما يطلق عليها في بعض الأحيان، في أكثر من مجال، فعلى سبيل المثال نجد أن طريقته في تناول مدينة الإسكندرية يحمل من الغرائبية والتخييل أمورا كثيرة غير اعتيادية، ومن الممكن أن تنسحب على أي مدينة أخرى، إذ على الرغم من أن داريل يقدم وصفا مسهبا عن المدينة – من خلال مختلف الأماكن والميادين والمواخير والأندية الليلية والأحياء الفقيرة والشوارع الراقية - فان الانطباع العام الذي يتكون لدى القارئ في الختام هو أنها ليست صورة واقعية لمدينة الإسكندرية التي عرفناها، بل إنها تحمل لمسة أسطورية أو وجه سري غير مألوف ولا معروف لدينا نظرا لوجود عالم خارج نطاق الزمان والمكان بالنسبة لـ "داريل" يمكننا أن نطلق عليه انه عالم أزلي أو روحي، تتحكم فيه النسبية إلى حد كبير، تكون فيه الشخصيات كلا واحدا، قد يكون فيها هذا العالم متماسكا له مذاقه الخاص، وقد يكون مفككا يفتقر إلى الصدق، المهم أن شخصيات هذا العالم تمارس فيه كل ما يحلو لها من طبائع تخصها هي وحدها ولا تنسحب على باقي المجتمع المحيط بها، كما أن هذه الشريحة التي انتخبها داريل من عالم الإسكندرية الذي رآه هو من خلال رؤية خاصة، قد تكون هذه الرؤية وليدة عمله بوزارة الخارجية البريطانية، أو وليدة عشقه الخاص للمدينة، أو باحتفائه بما قرأه وتأثر به في الآداب الأخرى خاصة أعمال "هنري ميللر" و ت.س.إليوت، وغيرها من الأعمال التجريبية السردية التي كانت سببا في تطور الرواية المعاصرة . المهم أن الإسكندرية التي رآها داريل تختلف عن هذا المجتمع السكندري الأصيل التي عرفت به المدينة على مر عصورها المختلفة، وقد تعرض لهذه الجزئية بعض النقاد والكتاب رأوا أن الرباعية لا تعبر عن المدينة الا من وجهة نظر الكاتب فقط دون الغوص في جزئياتها الحقيقية المعروف بها المكان السكندري الذي يثير دائما إحساسا بالمواطنة، وشعورا بالائتناس والحميمية الآنية لكل من يتواجد على أرضه.

ويشير داريل إلى أن رباعيتة تعالج في مجملها إشكالية "شخصية الإنسان" في أي زمان ومكان، وأنها تثير الشك في وجود مثل هذه الشخصية أصلا، فهي لا تعدو أن تكون وهما ينسجه الخيال. ويرى داريل أن شخصية الإنسان كشيء ثابت محدد أمر لا وجود له، وأنها في حقيقة الحال لا تخرج عن كونها مجموعة متنافرة من وجهات النظر الثابتة التي تعبر عن حقيقة تائهة تستهدف الحياة والإنسان ونسبية الأشياء والزمن والمكان وكل ما يرتبط بمدلول الحياة وما يدور فيها من سلوكيات وممارسات إنسانية معقدة.

وتتحدث الرباعية أيضا عن مجتمع الإسكندرية كعالم مفتوح تعيش فيه كل الأجناس، وتتجاور فيه العديد من العادات والتقاليد المختلفة والمتنافرة، الحاضرة والوافدة، ويلقي لورانس داريل الضوء على أفكار شخصيات الرواية ومشاعر وأحاسيس تلك الشخصيات التي كانت تعيش في غلالة حـول نفسها، حيث يصف داريل مـن خـلال شخصيات "نسيم" و"جوستين" و"دارلي" وغيرهم من شخصيات الرواية الناطقين برؤاهم، وأفكارهم الخاصة ومشاعرهم الخاطئة وخطيئاتهم المتداخلة مع ممارسات هذا المجتمع السري الغريب، يصف الأماكن السكندرية بعشـق شديد، وحميمية ذاتية، منطقة الملاحات، شارع التتويج، شارع النبي دانيال، محرم بيه، خاصة المنطقة التي كان يعيش فيها بقصره بشارع المأمون، كل هذه الأماكن التي خبرها داريل وسار فيها وتفاعل مع عالمها الخاص قد تواجدت في نسيج الرباعية بعشق وحب وحميمية، مما جعل التفاصيل الغريبة للعالم السري السكندري يبدو وكأنه يغلف المتاهة الإنسانية التي جسدها داريل ووضع فيها رؤيته الخاصة عن هذا العالم العجيب، الذي أبرز من خلال هندستة الخاصة للعلاقات المتشابكة بين المدينة وبين شخوص الرواية في صراعاتهم الإنسانية، واهتماماتهم الخاصة وهي كما يقول عنها الناقد فريزر: "إن الرباعية الاسكندرانية تنقيب أثاري عن الدوافع التي تقوم شخصيات الرواية بممارسة سلوكياتها الخاصة من خلالها، ومن الصعب علينا الوصول إلى الطبقة العميقة من سيكولوجية هذه الشخصيات دون العروج على طبيعة المكان المألوف لنا جميعا "الوجه الحقيقي للمدينة"".

إن طريقة السرد التي عمد إليها المؤلف في "الرباعية" متعددة الأشكال: فهي تفيد من العديد من الطرائق لتقديم هذا العالم الشائك، إن الصفة المثلى لهذا النسق من السرد هو الطريقة المميزة في ترتيب وعرض الأحداث وتقديمها إلى القارئ كما جاءت بشكلها الذي كتبها بها داريل، وكما هو الحال في اعمال اسلافه من أمثال جوزيف كونراد او فورد مادوكس فورد. فان راوي داريل "دارلي" يبدو في أغلب أجزاء الرباعية مشاركا نشيطا في الحدث ومنفتحا على المشاكل التي يواجه بها عالمه المتغير هذا. علاوة على ذلك انه يبدو في كثير من الأحيان غرائبيا وبسيطا، فهو يقدم المادة بصرف النظر عن بعدها الزمني، لأنه يحدد الأسس التي سيعتمدها والتي توفرها كلمة "أهمية". وكما يقول داريل نفسه فإنه يأمل "بتسجيل التجارب الإنسانية للنص، ليس بمقتضي الترتيب الذي وقعت فيه، لأن ذلك معناه التأريخ، بل هو بالطريقة التي أكتسبت فيها أهمية بالنسبة لي" "الرباعية الأسكندرانية ص 79"، ويشعر القارئ اثناء قراءة "الرباعية" بأن المؤلف يتلاعب بمشاعره، ويعتمد ايجاد شيء من التعمية. ففي الروايات الثلاث الأولى "جوستين، بلثازار، مونتوليف" يطرح داريل الأسباب التي تبدو لأول وهلة بأنها معقولة ومقنعة لتفسير واصدار احكام على سلوك شخصياته، لكن في الجزء الأخير "كليه" يورد أسبابا "جديده" أخرى من شأنها أن تزيد من تشابك المواقف وتعقيدها بدلا من توضيح أبعادها، بيد أن هذا التغيير في المنظور ليس مفاجئا تماما كما هو الحال في تكنيك "الخدعة السحرية التي يتبناها كثير من الكتاب الانجليز وعلى وجه التحديد" وليم جولدنج "في رواياته حيث يغير المؤلف في نهاية كل رواية الصورة المجازية الرئيسية للحدث ويحولها إلى "خدع ذكية تغير الاهتمام والتركيز على مجريات الأحداث في الرواية كلها".. غير أن الفكرة التي ألحّت على داريل في تناوله لنصوصه الروائية والشعرية هي فكرة العود الأبدي للذات – للفرد او اسلوب حياته – وهي الفكرة الوحيدة تقريبا التي تضمن للأديب أن يقف على قمة الحياة ويستشرف آفاقها الراحلة والمقبلة على حد سواء. وهذا يفسر إجابة داريل حين سئل عن سبب عدم تعامل رواياته مع الزمن الحاضرقال داريل: "ليس ثمة شيء اسمه الحاضر. اقصد أن الحاضر الذي نعيش ونتحرك فيه وهم مطلق. ونحن جميعا فيه أشباح مرئية وغير مرئية.

وربما لا ندرك هذه الحقيقة الا اذا كنا نياما أو حالمين". هذا المفهوم الشامل للحياة يفسر غربة الشخصيات لا عن بعضها البعض بل غربة كل منها عن نفسه هو بالذات، الشخصيات الأربع هي: جوستين، بالثازار، ماونتوليف، كليا – يضاف إليها العديد من شخصيات الرباعية، بورسواردن المنتحر، وسكوبي الآفاق، وكفافي الشاعر، وعشرات من الشخصيات الغامضة في تاريخ الرواية، غير أن ما يميز هذه الشخصيات الأربع ان كلا منها يرى الأمور ويرويها من زاوية اهتمامه، وبذلك تتألف لدينا أربع روايات من رواية واحدة تحوي داخلها هدف واحد وتخطيط محكم، فهي مشاهد أو مظاهر مختلفة من موقف أو حالة واحدة، تتداخل لحمتها في سداها لتشكل نسيجا بهي الألوان يتجمد الزمن على حوافه، حيث تتقابل الشخصيات وتمارس الجنس بيأس المجانين، بطريقة تظهرهم وكأنهم يطرقون على باب مغلق، وهم مقتنعون أن وراء الباب من يسمع ولا يفتح لهم. فالاستسلام الجنسي، والاغواء المحموم، والخيانات المتبادلة ليست أكثر من تعبير عن يأس فكري، أو شهوات محمومة استحالت إلى مفهومات فكرية، والأصح القول إنها فكر استحال إلى حس مرتعش.

ولقد أحدثت "رباعية الإسكندرية" تأثيرا حادا على الرواية العربية شأنها شأن العديد من الأعمال الروائية الكبيرة التي كان لها تأثير كبير في ساحة الرواية العالمية والعربية على السواء، أمثال "عولييس" لجيمس جويس، "البحث عن الزمن الضائع" لمارسيل بروست، وغيرها من أعمال ديستويفسكي وتوماس مان وفرجينيا وولف وفولكنر وماركيز وكونديرا وكافكا وغيرهم من كبار كتاب الرواية في العصر الحديث.

ولاشك أن التأثير الذي أحدثته الرباعية على الرواية العربية قد ظهر واضحا في أكثر من نص في ساحة الرواية المصرية المعاصرة، خاصة تلك النصوص الصادرة عن كتاب سكندريين، عاشوا سطوة المكان، وبهرتهم تجربة السرد المديني بفضاءاته الواسعة المستمدة من واقع سكندري ينحدر البعض منه من أصول أجنبية كما هو الحال مع الشكل الذي ظهرت عليه الرواية الحديثة. ولا شك أن تفاعلهم مع هذا النص الرباعي المعقد، الذي كتب عن المدينة وحوى داخله مطامح شخوصه، ووقائع الصراعات الاجتماعية والسياسية الدائرة بينهم والذي انتقلت ظلاله لتنعكس على العديد من أعمالهم الروائية وتبصمها ببصمة خاصة مفادها تجسيد طبيعة المكان السكندري الذي كانت تركيبته السكانية وواقعه الخاص هو المحرك الأساسي لكتابة الرباعية وبالتالي ظهرت آثار هذه المنظومة الإبداعية على بعض النصوص السردية الروائية في الساحة المصرية، كذلك احتفاء بعض الكتاب بالشكل الذي ظهرت به الرباعية والتجريب والشاعرية التي احتواها نسيج هذا النص الرباعي المعقد.

ومؤثرات الرباعية على النصوص السردية العربية تختلف من رؤية إلى أخرى ومن نص إلى آخر، ومن خلال اهتمامات الكاتب بما لديه من خبرات سردية متاحة في عالمه الروائي والقصصي.
ولعل التأثير الذي أحدثته رباعية الإسكندرية على أعمال نجيب محفوظ قطب الرواية العربية يظهر في العديد من اعماله الروائية ولكن أهم هذه المؤثرات ربما نجدها في "ميرامار" حيث أطلق عليها بعض النقاد "رباعية الإسكندرية الجديدة"، وفيها يستخدم نجيب محفوظ مجتمعا سكندريا رمزيا حديثا وإن كان يستمد بعض اصوله من نفس الهلسنتية التي استخدمها داريل في رباعيته، كذلك نجد على مستوى الشكل أن الرواية الصوتية وهي مؤثر غير مباشر أحدثته الرباعية في البناء الفني للرواية العربية باستخدام أصوات الرواة في التعبير عن الحدث الذاتي للشخصية وهو ما نجده عند نجيب محفوظ في روايات "أفراح القبة" و"المرايا" وربما في "الحرافيش" أيضا.

وبنسيون "ميرامار" بصاحبته السيدة اليونانية العجوز "ماريانا" الرمز الباقي للاستغلال الأجنبي، هو المكان الأساسي الذي يحتوي الحلم السكندري، والواقع المصري كله بعلاقته المتهرئه وزيفه وشخصياته الممزقة، كذلك المقهي اليوناني القديم القابع أسفل العمارة حيث يجلس الأعيان يدخنون الشيشة ويتذكرون ماضيهم الآفل، وهذا الحشد من الخواجات أمثال صاحب ملهى الجنفواز، والعدد الكبير من القوادات اللائي يقصدهن الفتى الثري في الرواية وهن ما بين مالطية وشامية وإيطالية وسورية، كل هذا العالم الخصب الذي تلتقي فيه الشخصيات المنتخبة من واقع المجتمع الذي يبدو غريبا عن المجتمع المصري الذي ألفناه وعرفناه، والذين كان تقابلهم في هذا العالم عن طريق الصدفة سببا في تشابك العلاقات وتداخلها في واقعهم الأمر الذي أفرز مجتمعا متنافرا وغير متجانس، وعلى الرغم من علاقات التضاد والتشابه والتعاطف والنفور التي تجمعهم، فقد حرص نجيب محفوظ على استخدام وحدة المكان من خلال أربع وجهات نظر تمثل أهم أربع تكوينات في المجتمع المصري في واقعه الذي اختاره له نجيب محفوظ، تماما كما فعل لورانس داريل في طرح وجهات النظر التي تعبرعن شخصيات الرباعية من خلال مجتمعه هو الذي يعرفه، ولعل العلاقات التي تربط شخصيات البنسيون بعضها ببعض هي علاقات قريبة من نفس العلاقات الشاذة التي تربط بين شخصيات رباعية داريل، وكلمة "ميرامار" من أصل لاتيني، وهي بالاسبانية اليوم مكونة من كلمتين الأولى "ميرا" وتعني النظر بإعجاب، و"مار" وتعني البحر، وميرامار هي كل مسكن أو فندق جميل يقع على شاطئ البحر.

وتذهب شبكة العلاقات التي تنمو في عالم "ميرامار" إلى تضييق حدود المكان داخل البنسيون، وتشابك الصراعات الدائرة حول الرمز الذي وضعه الكاتب للتعبير عن ماهية الحياة الذي يبحث عنها الجميع والذي رمز لها بشخصية "زهرة" الفتاة المصرية الريفية البسيطة التي يريد أن يعبث بها الجميع استكمالا لمايحدث على مستوى الواقع، أو المعادل الجديد المغاير لمعادل "داريل" في الجزء الأول من الرباعية "جوستين"، الفتاة اليهودية العابثة الماجنة التي توظف كل إمكاناتها في سبيل القضية المؤمنة بها وهي قضية الصهيونية حتى أنها في نهاية الجزء الأول من الرواية تهاجر إلى اسرائيل لتستكمل العمل الذي بدأته هنا في الإسكندرية هناك في أرض الميعاد كما يطلقون عليها.

كذلك نجد أن تأثير الرباعية أيضا قد امتد إلى رواية "أفراح القبة" وهي رواية صوتية تعتمد على صوت الشخصية في التعبير عن العالم السردي للنص، والرواية مقسمة إلى أربع شخصيات رئيسية، تعبر عن هموم الشارع المصري وزخم العلاقات الإنسانية المتشابكة التي وهج نجيب محفوظ جوانبها في هذا النص وفي غيره من النصوص السردية الروائية.

كما ظهر قالب الرباعية في الرواية الغربية مع ظهور رباعية الإسكندرية في ساحة الرواية العالمية، ظهر نفس القالب في الرواية العربية، وتعددت أساليب الرواية النهرية كما يطلق على الثلاثية أو الرباعية في مجال الرواية، وأشهر الرباعيات التي ظهرت في الرواية العربية هي رباعية فتحي غانم "الرجل الذي فقد ظله". ولعل تأثر رباعية فتحي غانم برباعية الإسكندرية جاء نتيجة احتفاء فتحي غانم أيضا بقالب الشكل الرباعي في الرواية وهو نفس القالب الذي كتب به داريل رباعيته الشهيرة، وإن كان فتحي غانم قد صرح بأنه قد تأثر في كتابته لرباعيته برواية "الصخب والعنف" لفولكنر، بل وأنكر قراءته لرباعية داريل قبل كتابته لرباعيته ولعل عناوين رباعية فتحي غانم قد جاءت هي الأخرى معبرة عن نفس أسلوب داريل في عنونة رباعيته فنجد أن عناوين "مبروكة" "يوسف" "محمد ناجي" "سامية" قد جاءت لتؤكد تأثر فتحي غانم في كتابته لرباعية "الرجل الذي فقد ظله" برباعية داريل.

وتصور الرواية أربع شخصيات فقيرة في مجتمع رأسمالي تحاول كل منهم أن تتسلق لتجد لنفسها مكانا تحت الشمس والأضواء، وتروي كل شخصية من هذه الشخصيات قصة حياتها التي تلتقي بحياة الآخرين فيؤثرون فيها وتؤثر هي فيهم.

ومن خلال واقع هذه الشخصيات تدور الصراعات المختلفة التي تشبه إلى حد كبير ما صنعه داريل في صراعات شخصياته في رباعية الإسكندرية، فلم تكن حياة "مبروكة" و"سامية سامي" و"محمد ناجي" و"يوسف منصور" إلا صور ومشاهدات تعبر عن كنه الحياة التي تحياها هذه الشخصيات بطموحاتها وآمالها وممارسات حياتها، تماما كما صور داريل شخصيات شبيهه في رباعيته الأسكندرانية. ويقول فتحي غانم عن المعنى الذي قصده في رباعيته: "كنت أركز على أن الحقيقة لها أربعة وجوه، كما وجدت أن الصورة تكتمل من خلال حركة الصعود والهبوط خاصة بالنسبة للسلم الاجتماعي، فأردت أن أصور عملية الصعود من خلال أكثر من نموذج، وحتى تكتمل ملامح الصورة، كان لا بد أن يقابل هذا الصعود هبوط".

إن هذه العلاقات المتشابكة المتداخلة بين شخوص الرباعية، هي نفسها ذات العلاقات التي جسدها داريل في رباعيته، مع الفارق طبعا في طبيعة العلاقات بين رباعيته ورباعية فتحي غانم، إلا أن الأخير قد استفاد من البناء الفني والتقنية التي استخدمها داريل في رباعيته فجاءت رباعيته وإن كانت بها تأثيرات رباعية الإسكندرية إلا أنها تختلف عنها في المناخ والمكان والزمان والشخوص والرؤية وإن كانت تجتمع معها في الأداء.

نفس التيمة نجدها في رباعية "الساقية" التي كتبها عبد المنعم الصاوي في الستينات والتي تدور أحداثها في ريف مصر حيث يعالج الكاتب من خلال رباعيته الزمن ورمزه دوران الساقية، ومصير الإنسان المجهول، والقهر الاجتماعي، والحركة الذائبة للزمن، وقد اختارعبد المنعم الصاوي لرباعيته عناوين "الضحية" و"الرحيل" و"النصيب" و"التوبة" كرمز لدوران حركة الحياة مثل الساقية تماما، ولعل احتفاء عبد المنعم الصاوي بقالب الرباعية قد جاء من رغبته في تجسيد تشابك وتداخل العلاقات الدائرة بين شخوص رباعيته، وإبراز عنصر الصراع الدائر في القرية المصرية بين الخير والشر.

كما استخدم قالب الرباعية أيضا محمد جبريل في آخر أعماله الروائية وهي "رباعية بحري" حيث احتفى محمد جبريل بنفس الشكل الذي سبق وأن ظهرت عليه رباعية الإسكندرية، حيث الإسكندرية في وجهها المصري الأصيل بعيدا عن اسكندرية داريل بوجهها السري العنيف، وزمانها النسبي الذي يحمل في طياته ملامح أخرى غير سكندرية ومعالم مختلفة وافدة، ولعل استخدام جبريل للشكل الرباعي في روايته الأخيرة جاء بمثابة تجسيدا لعالمه المفضل الأثير، عالم الإسكندرية الرحب، مسقط رأسه، ولكن من خلال شكل رأى أنه أنسب الأشكال لتجسيد رؤيته المرتبطه بالوعاء الذي يحمل دلالة الحدث المليء بذكرياته وطفولته والتداعي القادم من حياته كلها قديمها وحديثها ولكن بشكل بانورامي رحب واسع يليق برؤيته التي وظف لها الوثيقة والتاريخ والحلم، وأيضا الشكل الرباعي للنص السردي الحديث، من خلال تقنية تحديد المكان كجزء عضوي في الرواية، وشخصيات لها سماتها الخاصة، ونسيج يحتوي العلاقات الإنسانية السامية والمتدنية على السواء.

إن تأثير رباعية داريل على رباعية جبريل تأتي من ناحية التقنية التي استخدمها داريل في رباعيته وانعكست على كثير من الأعمال الروائية المعاصرة، من خلال المونولوج الداخلي والممارسات الإنسانية التي احتفى بها داريل في رباعيته وهو نفس الاحتفاء الذي استخدمته الرواية العربية في كثير من نصوصها السردية، حيث نجد رباعية "الرجل الذي فقد ظله" والتي كانت صدى حقيقيا لتعدد وجوه الحقيقة، حيث عزلة كل شخصية وعدم قدرتها على التواصل مع الآخرين هو قدرها خلال رحلة صعودها وهبوطها ورواية "رباعية بحري" وما تجسده على المستوى العام والخاص هو بعد أبرزته هذه الرباعية لتعيد من خلاله صياغة رؤية جبريل الخاصة عن عالم الإسكندرية كما يراه هو، بعيدا عن رؤية داريل الخاصة وإن كان الشكل الرباعي قد استنفره، فلم يستطع إلا أن يستخدمه في التعبير عن رؤيته هو، حيث كانت العناوين الذي ظهرت بها هذه الأعمال هي عنصر الدلالة الذي يعبر عنه الحدث، وهي الصوت الذي يعبر عن وقائع الحياة وحيويتها، وفي رباعية بحري لمحمد جبريل نجد أن عناوين ""أبو العباس المرسي" و"ياقوت العرش" و"البوصيري" و"على تمراز" وهي أسماء لمتصوفة سكندريين، ويستخدم جبريل في محاور أجزاء رباعيته أقوال ورؤيا هؤلاء الأقطاب في تجسيد الحدث، وإدارة دراما النص، وتحديد ماهية رؤيته، وكذلك يستخدم تقنيات المونولوج الداخلي والفلاش باك والحلم بكثرة في إبراز وتجسيد نفس العلاقات المتشابكة والمتداخلة والمماثلة لما لجأ إليه داريل في رباعيته، حتى أن شخصية "أنيسة" في رباعية بحري تكاد أن تجد لها أبعاد خاصة في شخصية "جوستين" في رباعية داريل، كما أن شخصية "على الراكشي" وشخصية "بورسواردن" تكاد كل منهما تفصح عن نفسها في نصها السردي، حيث شخصية "على الراكشي" هذا الصياد الفقير الذي عاني من ويلات الحياة فتمرد عليها وعلى كل من حوله، واتجه إلى طريق التصوف للبحث عن الحقيقة الكامنة في كل ما يدور حوله، وفي رباعية بحري نجد أن الأحداث المصيرية المتلاحقة في مصر المحروسة خاصة التي تجري على أرض الإسكندرية هي التي تدفع بشخوص الرواية إلى خضم الأحداث، وأن رؤى الأقطاب هي الأساس في كل ما يدور على مستوى الحلم ثم ينعكس بدوره على مستوى الواقع، ويبدو الحدث التاريخي كخلفية أجتماعية يتزامن معها الحدث الرئيسي مثل ذكرى توقيع اتفاقية السودان وما صاحبها من ممارسات لشخصيات الرواية.

تابع












التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
1 or 2, مؤثرات, الرواية

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى


الساعة الآن 12:43 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع