« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: خطبه الجمعه الرائعه للشيخ محمد العريفى (آخر رد :ea_soft)       :: تحميل قرأه صوتية متميزة لجميع الاحاديث النبوية لصحيح البخارى (آخر رد :ea_soft)       :: سمات النخبة السياسية الفلسطينية (آخر رد :أبو روعة)       :: كاريكاتير مُعبر (آخر رد :النسر)       :: لا إله إلّا أنت.. خطاب العبد لربه (آخر رد :النسر)       :: المصحف المرتل لصاحب الصوت الرائع :: ماهر المعيقلى (آخر رد :ea_soft)       :: القران الكريم للشيخ عبدالباسط عبد الصمد (آخر رد :ea_soft)       :: بالفيديو:البلطجية يحرقون مسجد عمر بن عبد العزيز والمصاحف امام الاتحادية (آخر رد :أمان)       :: إنطلاق مشروع دعوة العمالة الهندية الى الإسلام فهل تعرف عامل هندي غير مسلم (آخر رد :ساكتون)       :: الرواية المصرية: سؤال الحرية ومساءلة الاستبداد (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> صانعو التاريخ




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 14-Jun-2010, 10:59 AM   رقم المشاركة : 1
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي أبو القاسم الشابي.. عصفُ حياة خاطفة !

أبو القاسم الشابي.. عصفُ حياة خاطفة !




العرب أونلاين- بسام الهلسه


اقتباس:
"ليت لي قوة العواصف، يا شعبي


اقتباس:

فألقـي إليـك، ثـورة نفسـي ""أبو القاسم الشابي"


نجم تونس الشعري "أبو القاسم الشابي" الذي علا وأضاء خلال سنوات قليلة، لم يخبُ وينطفيء –شأن الكثيرين والكثيرات غيره من نجوم الشعر والأدب- مع عمره القصير "1909-1934" الذي كان برغم قصره كافياً لتقديمه وتخليده كواحد من ألمع شعراء الرومانسية العربية الذين حفظتهم ذاكرة الأمة ورددت الأجيال أشعارهم, أمثال: جبران خليل جبران وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي.

وتتبدى لنا أهمية وجدارة الشابي اليوم، بعد مئة سنة على مولده وخمسة وسبعين عاماً على وفاته، ليس من كونه لم يزل نابضاً حاضراً متداولاً فقط، بل بالنظر إلى إصراره المثابر على الصمود ومواصلة العطاء المغاير للموروث والسائد الشعري.

متحدياً بيئة ثقافية واجتماعية تقليدية محافظة واجهته بالإنكار والمقاطعة، فيما وفرت بيئات مصر والشام والعراق والمهجر ظروفاً أفضل وأكثر مواتاة لشعرائها حملة لواء التجديد الرومانسي المتمردين على تقاليد الشعر القديم وممثليه شعراء الإحياء: البارودي وشوقي وحافظ.

وكانت مصر –الدولة العربية الأولى في النهضة والتحديث- هي المولدة والحاضنة الأهم لقوى وتيارات التجديد الأدبي والفني. وعلى صفحات مجلة "أبوللو" التي كان يرأس تحريرها الشاعر "أحمد زكي أبو شادي" نشر الشابي قصائده ومن بينها "لحن الحياة" التي عرفت في المشرق العربي باسم "إرادة الحياة":
اقتباس:
"إذا الشعب يوماً أراد الحياة ** فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليـــل أن ينجــــــلي** ولا بـد للقيد أن ينكسر"

التي كرسها لتمجيد الحياة والتنديد بالذل والخنوع وتحريض الشعب على النهوض لمقاومة الاستعمار الذي كان يبسط سلطانه على تونس وعموم البلاد العربية.

وقد ذاعت القصيدة واشتهرت، خاصة بعد الاستقلال، حين رددها الطلبة العرب في المدارس وغناها المغنون وضُمِّنت أبياتٌ منها "البيتان السابقان" في النشيد الوطني التونسي.
على أن مقاومة الاستعمار لم تكن وحدها شاغل الشاعر الذي تلقى دروسه الأولى على أبيه القاضي الشيخ الأزهري "محمد الشابي" ثم تابعها ليتخرج من "الزيتونة" و"مدرسة الحقوق".

فمثل الشعراء الرومانسيين -الذين سبقوه وجايلوه ولحقوه- صُدِم الشابي بمدى وعمق الجهل والرجعية المهيمنة على الحياة العربية. وهي عوامل رأى فيها أسباب التخلف والبؤس والهوان، فكتب بمرارة حارقة, يعرفها كل من واجه الواقع العربي باقتراحات ودعاوى القيام والتغيير:

اقتباس:
"إنـي أرى فأرى جُموعاً جمَّة ** لكنهـا تحيـا بـلا ألبابِ

اقتباس:

يدوي حواليها الزمانُ كأنما** يدوي حوالي جَنْدلٍ وترابِ"


ومع غياب الحركة الشعبية العامة الواعية الحاملة لمشروع المقاومة والنهضة، وسيطرة الجمود على العقول والمشاعر، كانت الذات الفردية المتمردة بعواطفها المتدفقة وخيالها الجامح وغنائيتها التلقائية الحزينة وتأملاتها في الوجود والحياة وتعلقها بالطبيعة، هي الروح التي نبع منها شعر الشابي وأطلقته.

وبقدر ما تاق الشابي للحرية ودعا إلى انبعاث الشخصية الوطنية، بقدر ما سخط وثار على خمول الشعب المستكين لأوضاعه وكأنها قدر بدل أن يصنع هو قدره ومصيره, فتساءل مستنكراً:

اقتباس:
"خلقت طليقاً كطيف النسيم ** وحراً، كنور الضحى في سماه

اقتباس:

فمـالك ترضى بذل القيود ** وتحنـي لمن كبَّلوك الجباه؟"


لكن الشاعر الذي امتزج في شعره الغضب والحزن والحب والسخط والأمل واليأس, وامتلأت نفسه بالثورة, بما لها من قوة تجديد عاصفة:

اقتباس:
"ليت لي قوة العواصف يا شعبي ** فألقي إليك، ثورة نفسي"


لم يقوَ جسدُه الشابُ على احتمال ضعف قلبه؛ ولم يقو قلبُه الواهن على احتمال ضرام وأجيج مشاعره المتقدة، فرقد إلى الأبد وهو في الخامسة والعشرين من عمره، مذكراً بالشاعر العربي القديم "طرفة بن العبد" الذي توهج ثم توارى شاباً تاركاً لنا تأملاته الضارية في الوجود والموت، فيما غاب الشابي بعدما أورثنا أغانيه للحياة:

اقتباس:
"وبمجد الحياة والشوق غنيتُ ** فلم تفهم الأعاصير قصدي!"

اقتباس:




Alarab Online. © All rights reserved


نتناول الشخصيه تاريخيا فقط _ النسر













التوقيع

آخر تعديل النسر يوم 02-Mar-2011 في 11:43 AM.
 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 14-Jun-2010, 12:20 PM   رقم المشاركة : 2
ريم
مصري قديم



افتراضي رد: أبو القاسم الشابي.. عصفُ حياة خاطفة !

إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر
موضوع جميل ورائع
تقبل مروري







 ريم غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 28-Jun-2010, 08:46 AM   رقم المشاركة : 3
قطر الندى
مشرفة
 
الصورة الرمزية قطر الندى

 




افتراضي رد: أبو القاسم الشابي.. عصفُ حياة خاطفة !

كود:
 
"خلقت طليقاً كطيف النسيم ** وحراً، كنور الضحى في سماه
فمـالك ترضى بذل القيود ** وتحنـي لمن كبَّلوك الجباه؟"
شاعر وكلمات لها أثر السحر ...
ربما كانت حياته القصيرة سبباً في تمدد شعره وتسربه في نفوسنا إلى يومنا هذا ...

جزاك الله خيراً أخي النسر ...






 قطر الندى غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 28-Jun-2010, 10:42 AM   رقم المشاركة : 4
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: أبو القاسم الشابي.. عصفُ حياة خاطفة !

نعم ابو القاسم الشابي .... لم يطلب طالبا علما الا مر على ابو القاسم













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 26-Aug-2010, 01:38 PM   رقم المشاركة : 5
aliwan
بابلي
 
الصورة الرمزية aliwan

 




افتراضي رد: أبو القاسم الشابي.. عصفُ حياة خاطفة !

السلام عليكم
موضع رائع وجميل أخي النسر
واحب ان اضيف هذا الشعر
أيُّها الحُبُّ أنْتَ سِرُّ بَلاَئِي وَهُمُومِي، وَرَوْعَتِي، وَعَنَائي
وَنُحُولِي، وَأَدْمُعِي، وَعَذَابي وَسُقَامي، وَلَوْعَتِي، وَشَقائي
أيها الحب أنت سرُّ وُجودي وحياتي ، وعِزَّتي، وإبائي
وشُعاعي ما بَيْنَ دَيجورِ دَهري وأَليفي، وقُرّتي، وَرَجائي
يَا سُلافَ الفُؤَادِ! يا سُمَّ نَفْسي في حَيَاتي يَا شِدَّتي! يَا رَخَائي!
ألهيبٌ يثورٌ في روْضَة ِ النَّفَسِ، فيـ ـ‍‍‍‍طغى ، أم أنتَ نورُ السَّماءِ؟
أيُّها الحُبُّ قَدْ جَرَعْتُ بِكَ الحُزْ نَ كُؤُوساً، وَمَا اقْتَنَصْتُ ابْتِغَائي
فَبِحَقِّ الجَمَال، يَا أَيُّأيُّها الحُبُّ أنْتَ سِرُّ بَلاَئِي وَهُمُومِي، وَرَوْعَتِي، وَعَنَائي
وَنُحُولِي، وَأَدْمُعِي، وَعَذَابي وَسُقَامي، وَلَوْعَتِي، وَشَقائي
أيها الحب أنت سرُّ وُجودي وحياتي ، وعِزَّتي، وإبائي
وشُعاعي ما بَيْنَ دَيجورِ دَهري وأَليفي، وقُرّتي، وَرَجائي
يَا سُلافَ الفُؤَادِ! يا سُمَّ نَفْسي في حَيَاتي يَا شِدَّتي! يَا رَخَائي!
ألهيبٌ يثورٌ في روْضَة ِ النَّفَسِ، فيـ ـ‍‍‍‍طغى ، أم أنتَ نورُ السَّماءِ؟
أيُّها الحُبُّ قَدْ جَرَعْتُ بِكَ الحُزْ نَ كُؤُوساً، وَمَا اقْتَنَصْتُ ابْتِغَائي
فَبِحَقِّ الجَمَال، يَا أَيُّها الحُـ ـبُّ حنانَيْكَ بي! وهوِّن بَلائي
لَيْتَ شِعْري! يَا أَيُّها الحُبُّ، قُلْ لي: مِنْ ظَلاَمٍ خُلِقَتَ، أَمْ مِنْ ضِيَاءِ؟













التوقيع

انني اؤمن بحقي في الحرية، وحق بلادي في الحياة، وهذا الايمان اقوى من كل سلاح.
آخر تعديل aliwan يوم 26-Aug-2010 في 01:44 PM.
 aliwan غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 28-Aug-2010, 12:06 PM   رقم المشاركة : 6
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: أبو القاسم الشابي.. عصفُ حياة خاطفة !

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته اشكر مشاركتك الرائعه اخي













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 08-Oct-2010, 02:30 PM   رقم المشاركة : 7
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: أبو القاسم الشابي.. عصفُ حياة خاطفة !


أبو القاسم الشابي.. عاشق متألم في محراب الوجود





العرب أونلاين- شادي زريبي

لم يدُم تغريده سوى بضعة سنين لم يشدُ فيها سوى تقاسيم الكلام وعبير القصائد.. لم يمهله الموت طويلا حتى خطفه من على ربوته العالية التي احتوته وحضنته من لفح الهجير وبرد الشتاء.. صاحب القلب العليل والنبرة الحزينة الخالدة أبدا.. من قلب النخيل أتى وبين ربوع الجنوب التونسي نشأ وترعرع ليكون صوتا غير عاديّ وشاعرا استثنائيا.

أبو القاسم الشابي الذي فتح في القصيد طريقا ليعبر منه إلى دنيا الآفاق الرحبة والوجود القاسي..صوت المضطهدين وباعث الثورة في نفوس المحرومين.. من هناك عند الرُبى الفسيحة والتلال المرتفعة والبساتين الخُصر إرتفعت هامته لتعلو وتعلو إلى أن غطت سنابل الحقول المترامية.

* مولده ونشأته

و لد أبو القاسم الشابي يوم الأربعاء في الرابع والعشرين من فبراير/شباط عام 1909 في بلدة توزر التونسية . والده، الشيخ محمد الشابي، كان رجلاً صالحا، تولى القضاء في أنحاء البلاد التونسية خارج العاصمة لفترة امتدت بين عامي 1910 ، تاريخ توليه القضاء، و حتى وفاته في العام 1929 .

و كان من نتيجة ذلك أن الشاعر لم ينشأ في مسقط رأسه، بل خرج منه في السنة الأولى من عمره مع الأسرة، حين بدأ والده بالطواف في البلدان التي كان يعين فيها للقضاء و كان لهذا الطواف الذي دام تسع عشرة سنة أثره على الشاعر من جميع النواحي . فقد تعرض الطفل الناشئ ، النحيف الجسم، المديد القامة، السريع الإنفعال لجميع أنواع المناخ في البلاد التونسية، من حرّ المدن الساحلية إلى برد الجبال المرتفعة.

كما تعرض إلى الاحتكاك بمختلف العادات و اللهجات بين أهل الشمال و أهل الجنوب،
و بين تلك البيئات والمدن التي تنقل بها الشاعر، ما يقدر بمئات الأميال أحيانا.

نشأ أبو القاسم الشابي في أسرة دينية فقد تربى على يدي أبوه وتلقن روح الصوفية الصحيحة التي كانت سائدة في المغرب العربي، وسددتها دراسته الدينية، وساعده مكوثه في مدينة تونس لدراسة الحقوق أن ينضم للنادي الأدبي وأخذت مواهبه الأدبية تبرز وتعبّر عن نفسها في قصائد ومقالات ومحاضرات، أعلن فيها عن نفسه وهو دون العشرين. ونلمح في عجالة لتجربته الكبرى التي باءت بالفشل لأن طائر الموت اختطف حبيبته وأعقبه بفترة أن أختطف أبوه مثله الأعلى ومربيه ومثقفه.

* نغم في ذاكرة الوجع

كم طالت الليالي المظلمة وكم عانى هذا الجسد الضعيف الحامل لقلب ينبض بعشق الوطن... احترقت مشاعره وانصهرت مع الواقع الأليم في ظلّ استعمار غاشم وظلم أبى ضبابه أن ينقشع.. من هنا كانت الكلمات الرافضة والعبارات المدويّة التي خرجت من أعماق صدر منهك تعب ونفس ملّت الخنوع والاستسلام.. من هنا كان لابدّ لليل أن ينجلي ومن هنا كان لابد للقيد أن ينكسر.يقول الشابي في رائعته"إراة الحياة" التي تُعدّ من أشهر القصائد في الشعر العربي الحديث:


"إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَاةَ
فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَــدَر
وَلا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِــي
وَلا بُدَّ للقَيْـدِ أَنْ يَـنْكَسِـر."

هي الإرادة والتمرّد والثورة على أصنام الجمود... هو العشق للرفض والمناداة بالتحرّك حتى تتزلزل الأرض تحت أقدام الجبروت والطغيان.

* عذبة أنت كالطفولة...

إذا كان تعريف الفراهيدي للشعراء بأنهم" أمراء الكلام"، فإن الشابي يُعدّ من أمراء الشعور والأحاسيس، إن لم نقل أوحدهم ... فهذا القلب الذي خفق للحبّ والعشق قد دارى هيامه ولم يفضحه الهوى فظلّ صامتا متعبّدا في محراب الحسن والجمال حتى فاضت المشاعر فكانت قصيدته الخالدة "صلوات في هيكل الحبّ":


"عذْبة ٌ أنتِ كــالطّفولة ِ، كالأحلامِ
كاللّحنِ، كالصبـاحِ الجديدِ
كالسَّماء الضَّحُوكِ كالليلة ِالقمراءِ
كالورد، كابتســـام الوليدِ
يـا لها من وَداعة ٍ وجمــالٍ
وشبـــابٍ مُنَعَّــم أمْلُــودِ."

كلمات صادقة نابعة من قلب ذاق الهوى، فكان الإبداع الصافي والجمال الخالد.. إنه الشابي عندما يتجسّد له الكون الفسيح فيتعطّر برحيق الكلمة ويرتدي ثوب الراهب في محراب الحبّ.. إنه التماهي في أبهى تجليّاته والفناء في الملكوت الراقي النقيّ.

* نور في قلب العتمة

لقد هرب الشابي من مجتمعه الخانع المستسلم إلى الطبيعة حيث النقاء والحقيقة المطلقة.. حيث الهدوء والسكينة. لقد شكّل شعر الشابي امتدادا للتيار الرومانسي الذي شقّ مسلكه في الشعر العربي بداية من القرن الماضي عندما وجد الأرض الراعية له والتربة الخصبة المستقبلة فنشأ مع جماعة الرابطة القلمية المصرية ونما مع جماعة أبوللو واشتدّ عوده مع نفحات الشابي الذي أثرى الشعر العربي وأحدث فيه ثورة عُدّت من الفتوحات الأدبية عندما راح يبثّ في شعبه المشاعر القوية المعبّرة عن الرفض والحثّ على التحرّك .. إنه النور في قلب العتمة.. إنه الأمل في صدر اليأس.

من قلب الجنوب التونسي صدح عاليا متنقلا في أرجاء الأرض يشحذ الهمم ويحثّ الضمائر الشريفة حتى ضاق به المكان وتحوّل الاندفاع إلى برود ومجرّد أماني قد تتحقق وقد تغدو سرابا أو هباء منثورا في قسوة والواقع المتردّي وظلمته، وهو الذي كرّس حياته خدمة للآخرين.. ناضل طويلا بالكلمة رافعا سلاح التحدّي فاحترق كالشمعة التي تفنى في سبيل إنارة السبيل للآخرين.. صرخ وصرخ وكرّر الصراخ حتى يأس وكلّ وسئم الحياة وما فيها من نعيم ومتعة وهو الذي ما يزال شابا يافعا تفور فيه روح الإرادة والتحدّي وحبّ الفعل والبناء:


" سَئِمْتُ الحيـاة َ، وما في الحياة
ومـــا أن تجــاوزتُ فجرَ الشَّبـابْ
سَئِمتُ اللَّيــــالي، وَأَوجَـــاعَها
ومــــا شَعْشَعتْ مَنْ رَحيقِ بصــــابْ
فَحَطـــّمتُ كَـــأسي، وَأَلقَيتُـها
بــِوَادي الأَسـى وَجَحِيمِ العَذاب."

* رصاصة في قلب الطغاة

إلى متى هذا النداء؟... إلى متى هذا الاستجداء؟.. إلى متى يظلّ الشعب قانعا ومسلّما بالظلم والجبروت.. أما آن للهمّ أن ينزاح من على الصدور؟.. أما آن للطغيان أن يزول؟.. أين أنت يا صاحبي ويا رفيقي؟ ألا تفهم كلامي؟.. كلها أسئلة وخواطر جالت ببال الشابي وهو يعاني من التجاهل من قبل بني وطنه وأمته المرتعدة والخائفة، فأعلنها صراحة أنه لا يخشى العدوّ ولا الطاغية الذي شوّه الجمال وقتل الجمال فزرع الحزن والأسى والشوك وتخضّبت كفّاه بالدماء:


"ألا أيّها الظــالم المستبدّ
حبيب الفنـــاء عدوّ الحيـاه
سخرت بأنّـــــات شعب ضعيف
و كــفك مخضوبة من دمــاه
و سرت تشــوّه سحر الوجــود
وتبذر شوك الأسى في ربـاه."

* ثورة على المسكوت عنه

نادى أبو القاسم الشابي في كتابه "الخيال الشعري عند العرب" بأن يكون الشعر ابن الحياة، وهو الذي صرّح بأنّ " لكلّ عصر حياته التي يحياها ولكلّ حياة أدبها الذي تنفخ فيه من روحها القشيب".

وهو يفصل بين" شعر الحياة الخالد وبين شعر السخافات والتقاليد"، وهو بذلك قد أمعن في تأسيس رؤية للشعر تقترب من إدراك جوهر العملية الشعرية. أليس تهجّمه على الخيال العربي رغم حداثته ويفاعته معيار وعيه وتمكّنه من الأطر النظرية الشعرية؟،أليس كتابه هذا ثورة على السائد والمسلمات؟

لذلك واجه "الشاب" الشابي عديد الانتقادات في تونس وفي المشرق أثارت مواقف ضديّة أساسها مغالاة الشابي وإفراطه في الاندفاع والحماسة والانتصار لرأيه. وفي غير هذا الكتاب يصرّح أبو القاسم علنا في مذكراته " إنني شاعر. وللشاعر مذاهب في الحياة تخالف قليلا أو كثيرا مذاهب الناس فيها. وفي نفسي شيء من الشذوذ والغرابة أحسّ أنا بها حين أكون بين الناس."


* رحيل العاشق المتالم


في غفلة من الزمن وفي رعشة الفؤاد العليل صعدت روح الشاعر الكبير لتنطفئ الشمعة المضيئة وليعمّ الكون الظلام الدامس... لم يحتمل القلب الرقيق المرهف الحساس المرض ولا الواقع القاتم المتردّي المزيّف، فاختار التوقّف عن النبض ليترك هذه الحياة التي أنهكته...رحل الطائر الشادي والعاشق المتألم يوم 09 أكتوبر/تشرين الأول سنة 1934.

سنوات قليلة هي التي دقّ فيها هذا القلب الكبير ولحظات فقط هي التي عاشها هذا الشاعر العظيم ولكنها كانت لحظات بحجم البحر واتساع الكون وامتداد الأفق الفسيح.. رحل الشاعر الاستثائي وترك لنا "أغاني الحياة""ديوان شعر"، و"الخيال الشعري عند العرب""محاضرة ألقاها بالخلدونية"، و"مذكراته""رسائل بينه وبين الحليوي".

يقول أبو القاسم محمد كرّو: "كيف يمكن أن يموت من علّمنا أغاني الحياة وأنار طريق الشباب بالحب والايمان والنضال لا وألف مرة لا إن الشابي لم يمت يوم 9 اكتوبر 1934 وإنما ولد من جديد..".



Alarab Online. © All rights reserved.












التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 24-Oct-2010, 10:38 AM   رقم المشاركة : 8
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: أبو القاسم الشابي.. عصفُ حياة خاطفة !




قصيدة النثر التونسية.. أسطرة الشابي ووهم الحداثة




تونس- المهدي عثمان*: لما نتحدّث عن الشابي "1909 ـ 1934" إنما نتحدّث عن مرحلة من الشعر التونسي الحديث. وعن مرحلة عدّ النقاد فيها الشابي رائدها الأول، بل رائدها الأوحد. وذهب عديد النقاد والشعراء وحتّى العامة إلى اعتبار الشابي شاعر تونس الأوحد. ولولاه لما كان لتونس شاعر/ رمز، على غرار دول المعمورة، كأن نقول درويش "فلسطين" أو الجواهري "العراق" أو شوقي "مصر.." ولأن تونس لم تنجب شعراء عظام، فإن الشابي هو العظيم، على صغر سنّ تجربته الإبداعية.


إن هذا التضخيم والأسطرة "من الأسطورة" على مشروعيته ـ رغم المبالغة المفرطة ـ لا يجعلنا نعتبر الشابي شاعر القديم والحديث والمستقبل، أي شاعر الكلاسيكية بالقوة وشاعر التحديث بالفعل. مما يجعل منه مجدِّدا في شعره وسابق عصره في الفكرة والصورة والشكل. بل عدّه بعضهم كاتب قصيدة نثر.

وإن كنتُ ـ وهذا الموقف شاذا ـ أشك عن وعْي في عدّ الشابي مجددا، معتبرا أنه صنيعة الوضع الراهن عصرئذ، وصنيعة بيت شعريّ هو: إذا الشعب يوما أراد الحياة. بل يذهب المنصف الوهايبي إلى اعتبار نبوغ الشابي مردّه "غياب السلطة الشعرية في نظامنا الثقافي الراهن""1".

بمعنى أن الساحة الشعرية العربية مشرقا، كانت زاخرة بأسماء شعرية لافتة في العراق والشام ومصر.. ولم تشهد الساحة المغاربية عموما تراكما في الأسماء الشعرية، رغم أنها شهدت حضورا لافتا لمجالات التاريخ والفلسفة والفقه.

إنما تضافرت في هذه الفترة أسباب وملابسات معقّدة، نجملها في غياب "السلطة الشعرية" في نظامنا الرمزي، وربما في ثقافة المغرب العربي قديما وحديثا. فقد عرفت هذه البلاد منظّرين كبارا في شتى المجالات من فقه وفلسفة وتاريخ ونقد أدبي "ابن سحنون، ابن خلدون، ابن رشد، حازم القرطاجني.." دون أن تعرف مبدعين كبارا.

ولما تُقارن صورة الشابي بصورة أحمد شوقي مثلا، فإنك لا تجد ما به ترجّح شاعرية الشابي على شوقي، ولا تجد صورا تُعدّ خروجا عن المعجم اللغوي أو المخيالي أو الخيالي المتداول، عدا شذرات يمكن أن يظفر بها كل شاعر.

وعلى قياس عودة فقهائنا وعلمائنا للنص القرآني كلما اكتشف الغرب حدثا علميا أو طبيعيا باهرا .. نعود نحن للتراث الأدبي والصوفي وحتى الجاهلي، بحثا عما به نسْتر عوراتنا من فجائية اكتشاف الآخرين. وكأننا بالأخذ عن الحضارات الأخرى علما وتقنية وفنا .. هو ردّة "وفقا للمعجم الفقهي" واقتداء بالغالب على حد تعبير ابن خلدون.

ونحن لا نخجل أبدا من التهافت المميت على أشكال الحياة الأخرى من لباس ومأكل ومعمار ونظريات في الاقتصاد والسياسة والفنّ ..
والمسألة هنا لا تمسّ الفكر التونسي فحسب، ولكنها تهم كل فكر له عقدة "الهزيمة" و"التآمر" و"تعظيم الآخر".. أو تعظيم الذات.

بين هذا وذاك ظل الصراع قائما بين القديم والحديث. قديم يحيل على "أسئلة الوجود الكبرى""2" وحديث ظل في أكثر نماذجه "مجرد لعبة لغويّة""3" كما يزعم أصحاب الرأي الأول من أمثال الشاعر القيرواني محمد الغزي الذي لا زال يرفض قصيدة النثر، بل هو لا يكتبها. ففي اعتقاده"أنّ الطاقة الروحية التي ينطوي عليها شعرنا القديم، لم يتمثلها شعرنا الحديث. لهذا ظل هذا الشعر الحديث في أكثر نماذجه مجرّد لعبة لغويّة لا تحيل على أسئلة الوجود الكبرى""4"

ظل الصراع وسيتواصل بين القديم والحديث: بين قديم قام على "صور عفاها البلى""5" وحديث " يتجاذبه طرفا الأبولونية "التوازن والتناسب والتناغم" و الديونيزوسية "المصادفة والعشوائية والغرابة" أو هو يراوح في الفسحة القائمة بينهما، شكلا وصورة ودلالة""6" كما يزعم أصحاب الرأي الثاني "الحديث" من أمثال منصف الوهايبي الشاعر القيرواني الذي يراوح في كتاباته بين الشكلين، الموزون والنثر.

وإذا اسْتثنينا الخلاف الحاصل حول شاعرية الشابي أو حول الموقف من أغراض شعره ـ وهو خلاف مشروع نقبل به طالما بقي الإبداع في خانة أنأى ما تكون عن العلمية والاتفاق ـ إذا استثنينا ذلك الخلاف، فإننا لا يمكن أن نقبل بالإسقاطات التي كثيرا ما نُلحقها بظاهرة ما أو فكرة ما، سياسية كانت أو اجتماعية أو ثقافية/ فكرية .. وهو موضوع حديثنا الآن.

وهذه الإسقاطات من الخطورة بحيث لا يمكن السّماح بتنزيلها في غير واقعها. فإن كنا لا نختلف حول اعتبار هذا الشاعر أو ذاك حداثيا ـ باعتبار أنّ الحداثة هي الأشكال الجديدة، ولكن الثابتة للحظتنا الراهنة ـ فإننا نختلف حول اعتبار هذا الشاعر أو ذاك كاتب قصيدة نثر. رغم أنه لم يكتب ذلك الجنس من الكتابة أو لم يقرّ بأنه امتهنه. بل إن نصوصه تلك كتبت قبل أن تظهر تسمية " قصيدة النثر" إلى الوجود مع مجلة " شعر".

وقد صرّح أكثر من شاعر وناقد أن بعض شعرائنا كتبوا قصيدة النثر قبل عشرات السنين من ظهورها مع مجلة "شعر" اللبنانية، بل حتى قبل ظهور كتاب سوزان برنار سنة 1959 مثل محسن بن حميدة وأحمد القديدي ومحمد البشروش وأبو القاسم محمد كرو وحتى مصطفى خريّف.. وإن كان من الممكن أن يكتب مصطفى خريّف قصيدة النثر في ديوانه "شوق و ذوق" الصادر سنة 1965 وكذلك محسن بن حميدة في "قافلة العبيد" وأحمد القديدي في "سنابل الحرية".. باعتبار صدور هذه الدواوين زمنيا بعد ظهور مصطلح قصيدة النثر، خاصة مع تنظيرات أدونيس ابتداء من 1960 وبداية الوعي بهذا الجنس من الكتابة المأخوذ عن الغرب والمنقول بدوره عن الشعر الأمريكي.

قلنا إن كان من الممكن تقبل هذه المسألة، فإنه من غير الممكن تقبلها مع بقية الأسماء، فقد جاء عن لزهر النفطي أنه "وفي تونس نشر أبو القاسم الشابي نماذج من هذا الضرب من الكتابة الشعرية بجريدة الصواب سنة 1928 كما نشر محمد البشروش بمجلة المباحث التي أسسها سنة 1938 بعض المحاولات من هذا النمط الشعري ""7" وأضاف لزهر النفطي بنفس الدراسة" وفي مرحلة الستينات نشر محسن بن حميدة مجموعته الشعرية قافلة العبيد وأحمد القديدي ديوانه سنابل الحرية في هذا النمط من الكتابة الشعرية""8".

ولا أعرف لماذا يصرّ نقادنا وشعراؤنا على مثل تلك الإسقاطات؟ وكأنهم بذلك يريدون نفي التأثر بالآخر المتأثرين به أصلا والآخذين منه كل ما يهم شؤون حياتنا.
ثم أنّ التثاقف والتواصل الحضاري بين الشعوب لم يكف عن التوادد والسجال منذ بداية النوع البشري. فقد أخذ المسلمون والعرب عن اليونان والإغريق، ليأخذ الغرب بعدها من العرب تفاعلا وترجمة، وها نحن الآن نأخذ من الغرب فائض حاجاتهم المعرفية، ولا شيء يمنع ذلك.

إنّ إصرارنا على النبش في قبور تراثنا بحثا عمّا لا أصل لنا فيه، يعد بحق مدعاة للسخرية والتهكم. بل انّ البعض ممن اعتبرهم ناقدنا الجليل لزهر النفطي من رواد من كتب قصيدة النثر التونسية.. رَفَضَ هذا النمط من الكتابة واعتبر أنّ الشعر لا يحتمل النثر ولا يمكن أن يخرج عن الوزن والإيقاع.مناقضا بذلك ما ذهب إليه ـ أيضا ـ سوف عبيد في كتابه "حركات الشعر الجديد بتونس" "سبتمبر 2008" إذ ورد أنّ " محمد البشروش يحذق اللغة الفرنسية بل ويكتب بها أيضا، حيث كان مطلعا عن كثب على أدبها الذي ترجم منه إلى العربية، فلا عجب إذن أن يكتب الشعر النثريّ وفي ذهنه الوعي بمسألة التحرر من النمط الخليلي ""9".

فلماذا كان البشروش واعيا بمسألة التحرر من النمط الخليلي في ثلاثينات القرن الماضي عندما بدأ ينشر نصوصه بمجلات " العالم الأدبي""7 نوفمبر 1932" و"المباحث" " جانفي 1938"؟

ثم تنكّر في تسعينات القرن نفسه لمسألة التنظيرات تلك وقصيدة النثر التي كان يكتبها البشروش واعيا بها، كما قال سوف عبيد ولزهر النفطي. ففي حوار بمجلة المسار التونسية " أكتوبر 1993" صرّح البشروش أنه يمكننا أن نجد في اللغة العربية نثرا شعريّا أي مُحلّى صورا شعريّة ومُشْبعا أحاسيس رقيقة لطيفة، لكن لا يتصوّر أن يكون في اللغة العربية شعر نثريّ، لأن الشعر إذا نثر فَقَدَ صفة الشعر وأصبح كلاما عاديا مجرّد تقليد أعمى لقوالب أعجميّة بعيدة كلّ البعد عن روح اللغة العربيّة في شعرها، لأنّ الشعر العربيّ لا يمكن أنْ يتخلّى عن النغم والإيقاع والوزن مهما كان نوعه""10".

وهذا ينطبق على عديد الشعراء الذين كتبوا في الثلاثينات وحتى الستينات والذين كتبوا نصوصا عدّوها " قصائد نثريّة". و قد تغافل عديد النقاد والشعراء عن أنّ المقصود بذلك هوّ خلوّ النصّ من الوزن. فكلّ ما خلا من الوزن والقافية سمّي "قصيدة نثريّة" أو "قصيدة نثر".

وهذا ما ذهب إليه عز الدين المناصرة بقوله "يرى الكثيرون أنّ مصطلحات "الشعر المنثور" أو "النثر المشعرن" أو "قصيدة النثر" هي مسمّيات لإسم واحد تعني النصّ الذي يخلو من الوزن والقافية بشكل عام وهو يحتمل درجات من الشاعرية "الصورة واللغة" حسب النصّ المكتوب""11" لهذا كانت تُكتب تلك النصوص "الخالية من الوزن والإيقاع" باعتبارها قصيدة نثر، بميكانيزمات تتطابق مع القصيدة الحرّة أو العمودية. بمعنى أنها تتوفّر على تقفية وإيقاع متواتر ومكثف شبيه بالإيقاع الوزني في القصيدة الحرّة والعمودية،" فكانت نصوص الشابي منشدّة إلى الوزن والقافية، تتوسّل بهما خلق موسيقاها وغنائيتها.

إذن، فإنّ قصيدة الشابي لم تبلغ الأوج الذي بلغته التجارب الحديثة في صياغتها لإيقاعاتها الجديدة. صياغة اسْتعاضت عن الوزن والتقفية بأبعاد جديدة كإيقاع الصور الشعرية في تجاوزها وتوالدها. وإيقاع الشخصيات في تصارعها وتماثلها وتقابلها وإيقاع الأزمنة في تناوبها وتعاضدها" "12."

وإن كان صاحب هذا القول غير مقتنع بهذا الكلام الذي يأتي في سياق تفسيره لآراء محمد لطفي اليوسفي حول الشابي، الذي يحوصلها باعتبار الشابي ـ وهو يرسم ما اعتبره النقاد والشعراء قصيدة نثرـ إنما يرسم فلتات نثريّة موقّعة لا علاقة لها بقصيدة النثر وشروطها. ولم يتوفر للشابي مفهوم " القصديّة " باعتبارها ذلك " التعمّد في الإبداع الأدبي وتعطيل دور العبقريّة والإلهام""13".

فكأنّ اليوسفي أراد أن يقول بل هوّ يصرّح علنا أنّ الشابي في علاقة بقصيدة النثر "لم يكن واعيا بها إطلاقا". لهذا يجب أن لا نخلط في علاقتنا بالفكر النقدي بين العبقريّة وشروط النصّ الإبداعي. بمعنى أن عبقريّة شاعر "إذا توفّرت العبقريّة في الشابي" لا تجعل منه كائنا له القدرة على كتابة كل الأجناس الأدبية السابقة واللاحقة والتي لا زالت في علم الغيب" فالخطابات التي حرص أصحابها على تضخيم منجزات الشابي وإعلائها وتمجيدها إنما تمثّل عودة للقدامة" "14"

وإن كان "التضخيم" حسب محمد لطفي اليوسفي لا يُعلي من قيمة الشابي ولا يقلل من قيمتنا. ولكن اعتبار الشابي كاتب "قصيدة نثر" منذ ثلاثينات القرن الماضي، تعدّ محاولة إيديولوجية سافرة ومشبوهة، الغرض منها الالتفاف على منجزات الحداثة والتمسك "بهويّة" مصطنعة و مأدلجة.

إنّ فراغ الساحة الثقافية التونسية من الأصوات الشعرية في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، جعل الشابي يتربع على عرش مملكة الشعر التونسي. وبنيت حوله هالة من عظمة وفخامة مكنته من أن يكون نصّه أحد رموز الحركة الوطنيّة قبل الاستقلال. ولأن نصوصه "الثورية " ـ منذ إذا الشعب يوما أراد الحياة ـ ظلت لفترة طويلة لازمة في كل خطابات الساسة والمناضلين وفاتحة القول لتهييج الجماهير ورصّ صفوفهم... لأنه كذلك ظل الشابي ذلك الرمز الذي لا يمكن التشكيك في شاعريته، كما لا يمكن التشكيك في وطنية فرحات حشاد.

وتواصلت معنا قداسته طوال القرن الماضي وبداية القرن الحالي " وأننا لا نأتي بجديد حينما نقول أنّ الشابي مثّل ولا يزال يمثّل هرما شعريا لا يرتقي إليه أحد في مسيرة الكتابة الشعرية التونسية "..." ولربما سيظل هكذا متربعا على مملكة الشعر التونسي لقرون أخرى قادمة " "15".

كيف إذن نتحدث عن الحداثة الشعرية، وبعض كتابنا ونقادنا لا زالوا في كهوف القدامة يقتاتون من أصنام الشعر بمثل ما يقتاتون من أصنام الساسة.
وهذا ما يجعل مثل هؤلاء يشككون في مسألة التواتر و الصيرورة التاريخية التي تفرض حتما ـ لا نقول هدما أو إلغاء ـ بل بناء على ما هو كائن بحثا عن المنشود. لهذا يرى بعض الجهلة، أنّ أغلب الذين جاؤوا من شعراء "لم ينطلقوا مما بلغه الشابي شعريا" "16" وهذا ما يدفعنا إلى القول أنّ الساحة الشعرية التونسية هي ساحة الشابي، وأنّ ما سبقه وما لحق به ليس شيئا آخر غير تشويه الذائقة وقتل الشعر على حدّ تعبير عمّار العوني وهو يصف حالة التسعينات الشعريّة.

وأعتقد أنه منذ 1974 بدأت نسبة قصيدة النثر للشابي مع كتاب "في الأدب التونسي المعاصر" لأبي زيان السعدي. حيث عرّج على ظهور قصيدة النثر العربية منذ جماعة المهجر الأمريكي مع جبران والريحاني وصولا إلى حديثه عن ظهور قصيدة النثر التونسية منذ الثلاثينات حيث " يبرز أبو القاسم الشابي مجربا لهذا اللون وممارسا له في أكثر من قطعة واحدة وقد امتازت بإشراقة ومتانة التراكيب وتدفقها بأحاسيس النفس الفياضة وما توشّحت به من أردية الأحزان وانقباض الآمال وسط عالم يمتلئ شرورا وآثاما، نفس النغمات الشجيّة التي كثيرا ما طالعناها في قصائد الشابي المنظومة""17".

وتواصل هذا المدّ التاريخي لقصيدة النثر التونسية و ريادتها عند الشابي مع دراسات وكتب أخرى، لعلّ أهمها كتاب " حركات الشعر الجديد بتونس" لسوف عبيد، حيث توفّر على كثير من التهافت و الاعتباطية وجهل بالفروقات بين قصيدة النثر والقصيدة الخالية من الوزن. لهذا عدّ سوف عبيد أبو القاسم محمد كرّو من كتاب قصيدة النثر، إضافة للبشروش والشابي طبعا.

فقد " عُرف أبو القاسم محمد كرو بأعماله النقديّة في الأدب والتاريخ، فهو إلى الكتابات الدراسية أقرب منه إلى الكتابات الإبداعية. غير أنّ هذه القصائد تضعه ضمن روّاد قصيدة النثر في تونس على الأقل، حيث أنّ قصيدته "نجوى الليل" تعود إلى سنة 1946 ""18".

وبين بدايات " في الأدب التونسي المعاصر "1974" لأبي زيان السعدي، وصولا لكتاب سوف عبيد "2008" تواترت جملة من الدراسات والمقالات الصحفية حول قصيدة النثر التونسية ونسبة ظهورها للشابي في ثلاثينات القرن الفارط مع أبو زيان السعدي ومحمد البشروش و كرّو وربما مصطفى خريف.

وربما ستمطرنا الأيام القادمة بدراسات وكتب ومواقف أخرى عن ظهور قصيدة النثر ومدى صحّة نسبتها للشابي أو بالأحرى لمرحلة الثلاثينات مع الأسماء التي ذكرناها.
و بمثل ما يحدث في الساحة الثقافية التونسية، يزعم بعض شعراء قصيدة النثر المصريّة أنّ هذا الجنس من الكتابة وجد ما يشبهه في التراث المصريّ القديم، بل ذهب بعضهم إلى "إرجاع قصيدة النثر المصريّة إلى العهد الفرعوني "
وهو تعنّت الغرض منه سحب البساط من تحت الحداثة الشعريّة العربية، وإعادة مدّ البساط الشعري العمودي والموزون. والبحث عن الآباء الشرعيين في سجع الكهّان وإشارات التوحيدي و إشراقات المتصوّفة ومخاطبات النفري وكتابات نقولا فياض ونثر الرافعي وحسن عفيف،و ربما الإنجيل والنص القرآني.

وإذا استثنينا القلة "أحمد طه ـ ميلاد زكريا ـ وائل غالي .." فإن أغلب الشعراء المصريين والعراقيين والسوريين، بل أغلب النقاد والشعراء العرب يقرون بأسبقيّة قصيدة النثر البيروتية ويعدّنها بداية قصيدة النثر العربية وبداية انتشارها.

ونحن هنا "كمثل علماء الدين الذين ـ وبمجرّد أن يكتشف الغرب حدثا علميا ـ يعودون ليفرّوا وينبشوا في النصّ القرآني ليسْتدلوا على أن القرآن هو الأول والأسبق" "19" بل أنّ بعضهم لا زال يغط في كهف القدامة، ولم ينتبه بعد إلى أنّ قصيدة النثر قد افتكّت اعترافا من الساحة الثقافية العربية و تموقعت كأحسن ما يكون التموقع داخل نسيج هذه الساحة. و أنّ التشكيك في شرعيّة وجود هذا الجنس من الكتابة، إنما هو شبيه بالتشكيك في الحداثة. ولا أزعم ـ هنا ـ أن قصيدة النثر هي الحداثة، بل هي جزء من كيانها أو هي أحد تجلياتها.

ومثل هؤلاء كمثل الذين شككوا في وجود القصيدة الحرّة وحاربوها. وعدّوها خروجا عن الجماعة وفق المعجم الفقهي.
غير أن القصيدة الحرة افتكت شرعية وجودها وانتصرت في النهاية على خصومها الكلاسيكيين.

غير أنّ الفرق هنا، أنّ شعراء العمود لم يعودوا للتراث الشعري ليبرروا عداواتهم للقصيدة الحرة، بل حاربوها باعتبارها تفسخا شعريا وضربا للغة العربية.
في حين أنّ خصوم قصيدة النثر ـ من أمثال عبد المعطي حجازي الجاهل أصلا بمفهوم قصيدة النثرـ اعتبروا أنّ " النصوص النثرية المشتبهة بالشعر قديمة في آدابنا. و لقد ظن الجاهليون أنّ القرآن شعر وأن الرسول شاعر، وذلك لأنّ في لغة القرآن مجازات وإيقاعات نجهلها أقرب إلى لغة الشعر منها إلى لغة النثر ".." وكذلك في لغة التوراة وفي المزامير ونشيد الإنشاد ومراثي إرميا وفي لغة التصوّف نفس شعريّ عميق ""20".

إنّ الساحة الثقافية العربية ـ والتونسية خصوصا ـ تعيش حالة من الفوضى والارتباك جعلتها إلى الآن غير قادرة على أن تحسم مسألة التسمية أو حتى شرعية الوجود... وجود نصيّ منذ 1960 لا زال محلّ شكّ وريبة، في حين أن أشكالا حديثة أخرى من التعبير لم تلق نفس الرفض والتعنت، على غرار المسرح والفن التشكيلي، وهذا مردّه ـ ربما ـ كون الشعر ديوان العرب وأنّ مجرد التفكير في افتكاك الأسبقيّة منهم يجعلهم يفقدون كل شيء. و نحن الذين لا سبق لنا غير الشعر الذي افتُكّ منا، وبات الشعر العربي في مراتب متأخرة بسبب عوامل لا علاقة لها دائما بالإبداع، ولكن لعوامل حضارية وسياسية ودينية.

_________________

* كاتب تونسي

الهوامش:
اقتباس:


1 ـ منصف الوهايبي: أبناء قوس قزح "متخير من الشعر التونسي المعاصر"،وزارة الثقافة والسياحة،صنعاء 2004، ص6.
2 ـ حوار مع محمد الغزي: جريدة الجوهرة الفنية التونسية، العدد 25 ـ أفريل 1996.
3 ـ نفس المصدر السابق.
4 ـ نفس المصدر السابق.
5 ـ منصف الوهايبي: نفس المصدر السابق، ص 21.
6 ـ نفس المصدر السابق.
7 ـ لزهر النفطي : الموروث النقدي ونظرية الأدب المعاصرة في قراءة الشعر،جريدة الجوهرة الفنية التونسية، العدد 25 ـ أفريل 1996.
8 ـ نفس المصدر السابق.
9 ـ سوف عبيد: حركات الشعر الجديد بتونس، سلسلة كتاب الحرية، ط1، تونس 2008، ص 32.
10 ـ حوار مع محسن بن حميدة:مجلة المسار، نشرية اتحاد الكتاب التونسيين، العدد 18ـ أكتوبر 1993، ص 77.
11 ـ عز الدين المناصرة : اشكاليات قصيدة النثر،المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2002،ط1 ،ص 24.
12 ـ مصطفى القلعي: لطفي اليوسفي قارئا الشابي، مجلة الحياة الثقافية، إصدارات وزارة الثقافة التونسية، العدد 141 السنة 28/ جانفي 2003، ص 114.
13 ـ بشرى صالح: الصورة الشعرية في النقد العربي الحديث، المركز الثقافي العربي، بيروت1994، ط 1، ص 82.
14 ـ مصطفى القلعي: لطفي اليوسفي قارئا الشابي، نفس المصدر السابق، ص115.
15 ـ عمار العوني : النص الغائب في المدونة الشعرية الحديثة، جريدة الصباح التونسية، 7ديسمبر 1999، ص10.
16 ـ نفس المصدر السابق.
17 ـ سوف عبيد: نفس المصدر السابق،ص 87.
18 ـ نفس المصدر السابق: ص 51.
19ـ المهدي عثمان:قصيدة النثر أو القصيدة الخرساء لأحمد عبد المعطي حجازي/ أحكام نقدية من موقع، القدس العربي 12 ديسمبر 2008 سلبي جاهز
20 ـ أحمد عبد المعطي حجازي: قصيدة النثر أو القصيدة الخرساء، إصدارات مجلة دبي الثقافية، نوفمبر 2008، ط1، ص46


اقتباس:


Alarab Online. © All rights reserved.












التوقيع

آخر تعديل النسر يوم 02-Mar-2011 في 11:44 AM.
 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 04-Nov-2010, 01:31 PM   رقم المشاركة : 9
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: أبو القاسم الشابي.. عصفُ حياة خاطفة !


رموز الثقافة التونسية في القرن العشرين




العرب أونلاين- حسونة المصباحي

خلال السنوات القليلة الماضية، انشغلت تونس بالاحتفال بالذين صنعوا مجد ثقافتها خلال القرن العشرين، وتركوا أعمالا لا تزال تحظى بإعجاب واهتمام الكثيرين من أبنائها، والبعض منهم لا يزال يتمتع بالشهرة في العالم العربي، مثل الشاعر أبي القاسم الشابي. وجميع هؤلاء من شعراء وكتاب قصة، وفنانين مسرحيين وموسيقيين كانوا ثمرة الحركة الإصلاحية والتحديثية التي بدأت في تونس في منتصف القرن التاسع عشر.

وكان المحرك الأساسي لها المصلح خير الدين باشا "1823- 1890" صاحب كتاب "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" والذي بلور أفكاره النهضوية والإصلاحية والتحديثية على ضوء احتكاكه بالغرب، وبفرنسا بالخصوص، والتي كان عارفا بلغتها وآدابها وقوانينها. ومن الأعمال الجليلة التي قام بها خير الدين بناء "المدرسة الصادقية" التي أتاحت لأبناء تونس التعرف على الحضارة الأوروبية، وعلى العلوم العصرية، وتعلم اللغة الفرنسية.


ومن هذه المدرسة سوف تتخرج النخب التونسية المؤمنة بالتطور والتقدم، والرافضة للتزمت والإنغلاق بجميع أشكاله وألوانه. ومنها سوف يتخرج زعماء سياسيون كبار سوف يلعبون أدوارا مهمة في النضال ضد الاستعمار وبناء الدولة الحديثة بعد حصول تونس على استقلالها عام 1956. من بين هؤلاء يمكن أن نذكر الحبيب بورقيبة الذي حكم تونس من عام 1956 حتى عام 1987 والطاهر صفر ود. محمود الماطري والهادي نويرة وآخرين كثيرين.

وكان للمدرسة الصادقية دور كبير في تحديث الثقافة التونسية على جميع المستويات. فحتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ظل "جامع الزيتونة" المنارة المعرفية الوحيدة في تونس، وفي بلدان المغرب العربي. وكان التعليم فيه يقتصر على تعليم الفقه والعلوم الدينية واللغة العربية وآدابها.

أما العلوم العصرية فلم يكن لها مكان في البرامج التعليمية. وقد حاول المصلح خير الدين باشا إصلاح التعليم الزيتوني معتمدا في ذلك على البعض من شيوخه وعلمائه من أمثال الشيخ محمود قابادو والشيخ سالم بوحاجب والشيخ محمد بيرم.

غير أنه لم ينجح في ذلك إلا جزئيا إذ أن الشيوخ المحافظين والمتزمتين والرافضين لأي نسمة تأتي من الخارج، كانوا لا يزالون يحتفظون بقوتهم وسلطتهم على الطلبة وعلى البرامج. ولم تبدأ هذه الأوضاع في التغير إلا بعد إنشاء "المدرسة الصادقية" التي انجذب إليها عدد كبير من الشبان التونسيين المتأثرين بالأفكار الإصلاحية والتحديثية.

ولم تلبث "المدرسة الصادقية" أن أثرت أيضا في طلبة "جامع الزيتونة"، فأخذوا يثورون وينظمون التظاهرات الكبيرة للمطالبة بـ"تعصير" التعليم و"تحديثه". وهذا ما حدث في ربيع عام 1910.

وابتداء من العشرينات في القرن الماضي، سوف تشهد تونس بروز جيل جديد من الكتاب والشعراء. وجلهم كانوا ثمرة الحركة الإصلاحية والتحديثية التي أشرنا إليها سابقا.

وكان أول هؤلاء الشاعر أبو القاسم الشابي "1909- 1934" الذي احتفلت تونس بمرور مائة عام على ميلاده وذلك عام 1909. وينتمي هذا الشاعر الذي اختطفه الموت مبكرا إلى عائلة عريقة من مدينة "توزر" بالجنوب التونسي. وكان والده قاضيا محترما أمضى الشطر الأكبر من حياته متنقلا بين مختلف المدن التونسية. لذلك سوف يتعرف الشابي مبكرا على العديد من الأماكن التي سوف تنعكس تأثيراتها ومشاهدها الطبيعية على مجمل قصائده التي نجد فيها حضورا قويا للصحراء، ولواحات توزر، ولجبال "عين دراهم" التي أمضى فيها أشهرا طويلة للتداوي من مرض السل الذي أصيب به وهو في سن الثانية عشرة. كما نجد فيها حضورا للبحر ولجنان الليمون والبرتقال في منطقة "الوطن القبلي".

ورغم أنه كان طالبا في "جامع الزيتونة" حيث درس الحقوق، فإن أبا القاسم الشابي تحمس للحركة الإصلاحية والتحديثية، وانتصر لأفكار الطاهر الحداد صاحب كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" الذي دعا في مطلع الثلاثينات من القرن الماضي إلى تحرير المرأة العربية المسلمة من قيود الماضي وتقاليده البالية.

كما انتصر أبو القاسم الشابي لكل الأفكار الداعية إلى التطور والتقدم في جميع المجالات، بما في ذلك مجال الشعر والأدب والثقافة بصفة عامة. وهذا ما عبر عنه في محاضرته المشهورة التي ألقاها عام 1919 في "الخلدونية" والتي كانت بعنوان "الخيال الشعري عند العرب".

وفي تلك المحاضرة التي لم يتم الانتباه إلى أهميتها إلا بعد مرور عقود على إلقائها، انتقد أبو القاسم الشابي الشعر العربي في مجمل مراحله، قبل الإسلام وبعده، وأشار إلى نقائصه، وفقره خصوصا في مجال التغني بالطبيعة وبجمال المرأة. وفي تلك المحاضرة الجريئة، أوحى الشابي لقرائه بأنه ينفي عن العرب أن يكونوا هم وحدهم "أمة الشعر".

وبمساعدة صديقه محمد الحليوي، أصيل مدينة القيروان، الذي كان يتقن الفرنسية، تعرف أبو القاسم الشابي الذي كان يقول إنه "يحلق بجناح واحد" "أي أنه لم يكن يحذق أي لغة أجنبية، على الحركة الرومانسية، وعلى الشعراء الرومانسيين في كل من فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا. ونحن نلمس بوضوح تأثيراتهم على مجمل القصائد التي تضمنها ديوانه الوحيد "أغاني الحياة" الذي لم يصدر إلا بعد وفاته.

وكان الشابي يتابع باهتمام كبير الحركة الأدبية والثقافية في المشرق العربي، خصوصا في مصر ولبنان. وهذا ما ينعكس في الرسائل الكثيرة التي كان يبعث بها إلى صديقه الأقرب إلى قلبه، ووجدانه، محمد الحليوي. وفي تكل الرسائل هو يعبر عن إعجابه بجبران خليل جبران الذي تأثر كثيرا بكتاباته، وبالعقاد وطه حسين، ومن المؤكد أن اهتمامه بالحركة الأدبية والثقافية في المشرق العربي هو الذي شجعه على نشر قصائده في مجلة "ابولو" المصرية.

وإلى جانب ديوان "أغاني الحياة" ومحاضرة "الخيال الشعري عند العرب" والرسائل التي تبادلها مع صديقه محمد الحليوي، ترك أبو القاسم الشابي "يوميات" عبر من خلالها عن هواجسه، وعواطفه، مبرزا فيها العديد من آرائه وأفكاره بخصوص القضايا الأدبية والفنية والثقافية والسياسية التي وسمت مطلع الثلاثينات من القرن الماضي.

وينتمي مصطفى خريف الذي تحتفي تونس هذا العام، 2010، بمرور مائة عام على ميلاده إلى مدينة نفطة الواقعة بمنطقة "الجريد" قرب "توزر" مسقط رأس الشابي. ومبكرا وفد إلى العاصمة وفيها استقر، ودرس في "جامع الزيتونة"، وتعرف على أبي القاسم الشابي وعلى العديد من الشبان الذين كانوا مثله متحمسين للأفكار الإصلاحية والتحديثية.

وانطلاقا من الثلاثينات، شرع يكتب في المجلات وفي الجرائد التي كانت مساندة للحركة الوطنية المناهضة للاستعمار. وكان ينتقد مظاهر الجهل والتخلف والتزمت المتفشية آنذاك في المجتمع التونسي. أما في قصائده فقد تغنى بحبه للحياة، وملذاتها، مستحضرا الشعراء القدامى الذين تأثر بهم من أمثال أبي نواس وبشار بن برد وشعراء الأندلس. وحتى وفاته عام 1967، ظل مصطفى خريف مخلصا للشعر وحده، متحررا من كل القيود بما في ذلك الزواج.

وكان أخوه البشير خريف "1917- 1983" مغرما بالأدب هو أيضا منذ سنوات الشباب. وبالفرنسية قرأ لكبار الكتاب الفرنسيين والروس والأمريكيين من أمثال بالزاك وفلوبير وموبسان وستاندال ودستويفسكي وتشيكوف وغوغول وجاك لندن وهمنغواي وجون شتاينبيك. وبهؤلاء تأثر كثيرا.

ويبرز ذلك في مجمل ما كتب من قصص وروايات مثل "خليفة الأقرع" و"مشموم الفل" و"حبك درباني" و"الدقلة في عراجينها" التي اعتبرها الراحل الكبير الطيب صالح واحدة من أجمل الروايات العربية التي قرأها. ومن الغزو الأسباني لتونس في القرن السادس عشر، استوحى البشير خريف موضوع روايته التاريخية الوحيدة "برق الليل"، وفيها يروي الحياة اليومية للناس في حاضرة تونس خلال الغزو المذكور من خلال عبد زنجي كان يعمل في قصور الأعيان.

وقد برع البشير خريف في استعمال اللغة اليومية وبها كان يطعّم ويغذي اللغة العربية الفصيحة. حتى عناوين قصصه ورواياته كانت مستوحاة من التراث الشعبي التونسي الذي كان ملما به إلماما كبيرا.

ويعتبر محمود المسعدي "1911- 2005" ظاهرة فريدة من نوعها لا في تونس وحدها، بل في العالم العربي. فقد حفظ القرآن طفلا. ثم انتمى إلى "المدرسة الصادقية"، ثم إلى جامعة "السربون" بباريس مطلع الثلاثينات من القرن الماضي.

وخلال السنوات التي أمضاها في العاصمة الفرنسية، اطلع محمود المسعدي على الأدب الفرنسي الحديث متمثلا في كل من جان بول سارتر وألبير كامو وأندريه جيد. كما قرأ بعمق الفلاسفة الألمان خصوصا شوبنهاور. ومن المؤكد أنه تأثر بالفلسفة الوجودية.

وهذا ما سوف يبرزه في أثره الأول "السد" حيث تتحطم عزيمة البطل غيلان أمام جبروت الطبيعة. والجانب المهم والمشرق الذي تميز به المسعدي في كل أعماله- وهي قليلة على أية حال- هو قدرته الفائقة على إعادة الحياة للغة العربية القديمة في صفائها وروعتها ودقتها وعمقها تماما مثلما كان حالها مع أبي حيان التوحيدي وعبد الله بن المقفع والجاحظ والأصفهاني وغيرهم.

وفي أثره البديع "حدث أبو هريرة قال..."، رسم محمود المسعدي صورة آسرة لحيرة الإنسان العربي المسلم في القرن العشرين، قرن الحروب والكوارث والزلازل الكبيرة.

وكان يحب أن يقول "الأدب مأساة أو لا يكون". وقد انقطع المسعدي عن الكتابة في الأربعينات من القرن الماضي لينشغل بالسياسة. وبعد الاستقلال، تقلد مناصب سياسية رفيعة. فقد كان وزيرا للتربية والتعليم في الستينات، ووزيرا للثقافة في السبعينات، ثم رئيسا للبرلمان في التسعينات.

وفي مطلع الثلاثينات، برزت للوجود جماعة "تحت السور". و"تحت السور" كان مقهى شعبيا في حي "باب سويقة" القديم. وكان يرتاده فنانون وشعراء ورسامون وكتاب عاطلون وهامشيون، يميلون إلى الكسل، والشراب، وتدخين الحشيش، واللهو مع الغانيات. وكانوا مطلعين على الأدب الفرنسي، ويعشقون بودلير وفرلين وفيكتور هوغو، وحتى على الشعراء السورياليين. وكانوا ينشرون قصائدهم ونصوصهم التي ينتقدون فيها التقاليد القديمة، والتزمت الديني، و"الثقافة الصفراء" في أغلب الصحف والمجلات التي كانت مشهورة في تلك الفترة.

وقد أثارت تلك النصوص وتلك القصائد حفيظة رجال الدين في "جامع الزيتونة" وغضبهم أكثر من مرة. لذلك عاش جماعة "تحت السور" منبوذين، ومطاردين، ومهانين. وبسبب إسرافهم في المجون، وملذات الحياة، ماتوا جميعا وهم في ريعان الشباب. وهذا ما حدث لعلي الدوعاجي "1909- 1949" رائد القصة التونسية، ومحمد العريبي الذي انتحر في باريس في الليلة الفاصلة بين عام 1946- 1947.


Alarab Online. © All rights reserved.












التوقيع

آخر تعديل النسر يوم 02-Mar-2011 في 11:46 AM.
 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Jan-2011, 03:29 PM   رقم المشاركة : 10
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: أبو القاسم الشابي.. عصفُ حياة خاطفة !

للرفع













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 02-Mar-2011, 11:43 AM   رقم المشاركة : 11
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: أبو القاسم الشابي.. عصفُ حياة خاطفة !



الشاعر التونسي الخالد أبو القاسم الشابي
غربة المثقف المركبة




العرب أونلاين- عبد الغني فوزي

يغلب ظني، أن التحركات والتغييرات التي تعرفها بعض الأقطار العربية، تهم العالم العربي ككل، بكل شرائحه واهتماماته. ومن ذلك الكاتب والكتابة الأدبية اليوم: في معناها ووظيفتها. فالساحات ـ في تقديري ـ دوما تدفع إلى طرح علائق الأدب بالكاتب والواقع والقارىء.أولا، أن تكون كاتبا اليوم وهنا ،يعني معاركة الأسئلة الحقيقية في الكتابة وبها. ومن هذه الأسئلة سؤال " الثورات "الحالية التي تلقن درسا بالغا وبليغا للأدب والكاتب العربي . لكي يبحث هذا الأخير عن تواصل ظل و يظل معطوبا.

لكن هذا لا يحجب عنا التراكمات الأدبية في مختلف الأشكال الإبداعية اللصيقة بروح الشعب والمصغية للنبض الداخلي ، إنها بشكل من الأشكال تعمل في الوجدان والمخيال الجمعي . في هذا الخضم ،هناك الكثير من المقطوعات الشعرية "على سبيل التمثيل" تتغنى بها الجموع الآن بكيفية عفوية للعديد من الشعراء " الشابي ، أمل دنقل، درويش ، أحمد فؤاد نجم..."، مقطوعات غنية بشعريتها ورسالتها أيضا . لكن هذه الجموع لو أدركت أن الشعر والأدب في جوهره استنهاض وعدم مهادنة ، لكن بلغة أدبية ، لانفتحت على الأدب كسند رمزي . وفي المقابل ، فالأمر يقتضي من الكاتب أن يعمق سؤال الواقع في الكتابة في اتجاه الإنسان ، لأنه طاقة داخلية لا تنتهي .

كلما تدفقت الأمواج البشرية في الساحات، تتدفق بيانات المثقفين في حدود الوصف والتضامن دون فعالية تذكر. وهذا راجع في تقديري إلى المؤسسات الثقافية العربية الهشة والمفرغة والمخترقة، مؤسسات ثقافية تابعة ومقنعة ، منشغلة بأصول البقاء دون امتدادات وتأطيرات مدنية ، مؤسسات لا تلعب دور الوسيط الحقيقي بين الكتاب والناس . وكثيرة هي المؤسسات والوسائط العربية المختلة التي لا توصل الكاتب إلى المجتمع إلا بشكل مبتور . هذا جانب ،ومن جانب آخر فالكاتب يكتب قصة أو قصيدة.. وكفى ، أي لا يدلي بالرأي في القضايا الشائكة للحياة والوجود . ويالتالي يبحث عن قصة أوقصيدة عصماء تقفز علوا دون مظلات . الشيء الذي يضاعف من غربة المبدع والمثقف.

بهذا التوصيف، فالمثقفون متعددون، منهم الفاعل بالطرح والرؤية، ومنهم المتواري، ومنهم التائه في دهاليز السلطة . على العموم، فالكثير من التحركات السياسية أو العفوية تبقى بدون خلفية ثقافية؛ لأن المثقف العربي لا يلعب دوره التنويري والطليعي الحقيقي.الشيء الذي يسقط هذا المثقف في انتظارية قاتلة،وبدوره يبقى معرضا للثأتر . وهي دعوة لإعادة النظر في الأدوات والوسائط وخلق سجال دينامي وحركي يشارك فيه الناس في تفاعل متكامل لكل حلقات المجتمع.

أظن أن دوري في هذا الدور المركب، ليس بالمعنى المباشر من خلال كتابة على صلة بالواقع والأفق,ولكن أعتبرالدور الجماعي "في الرأي"أجدى. ولا يتأتى هذا الأخير دون إعادة النظر في الأسئلة القديمة ـ الجديدة : سؤال المؤسسة الثقافية العربية التي ينبغي دمقرطتها،حتى يتم نحر فكرة الرئاسة والأوهام، لتجديد دم سؤال المثقف العربي والتحديات.

ولا تفوتني هذه الورقة دون تقديم ملاحظة أساسية وهي أن التواجد كتابة في قلب المجتمع، لا يعني فقدان الكتابة لشعريتها؛ ولكن ينبغي صيانة ضوابط وشعرية الكتابة في سعي دؤوب لتوضيح حقيقة الأدب للناس، حقيقة تقيم بين الوجدان والمخيال. وفي هذا السياق ، أظن أن الكتابة تدخل في التراكمات المحفزة .طبعا، وبكل موضوعية ،قد يصيبنا نوع من الخجل من أدوارنا المعطوبة والمتناقضة أحيانا،لأن لا مؤسسة ثقافية حقيقية تسندنا ولا إعلام حر ومستقل.. ولا.. ولا ..وبالتالي إذا لم يدخل المثقف لكل بيت عربي، يبقى دوره جزئيا وهامشيا.

أتمنى أن تدفعنا هذه التحركات في العالم العربي إلى استيعاب الدروس، لكي تكون الكتابة غير مفارقة للمصير الفردي والجماعي في أبعاده العدة، ومنها البعد الإنساني.













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 04-Mar-2011, 06:56 PM   رقم المشاركة : 12
 
الصورة الرمزية موسى بن الغسان

 




افتراضي رد: أبو القاسم الشابي.. عصفُ حياة خاطفة !













التوقيع


اذا لم تضف شيئ الي الحياة فاعلم انك زائد عليها !

 موسى بن الغسان غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
أبو, الشابي, القاسم, خاطف

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
محمد بن القاسم ... فاتح بلاد السند !! السلطان بايزيد صانعو التاريخ 4 29-Mar-2010 02:55 PM


الساعة الآن 01:26 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع