منتديات حراس العقيدة
الصراع العربي الصهيوني من الغزو الصليبي إلى الغزو الصهيوني و إنهم يعرفون قيمة التاريخ

« آخـــر الــمــواضــيــع »
         :: لماذا نصيب الاسد للاندلس ؟ (آخر رد :النسر الاخضر)       :: من الخرطوم تحية (آخر رد :ضمير متصل)       :: طلب تبادل اعلاني (آخر رد :أَبُو حَسَن)       :: معالم الحضارة الإسلامية في ليبيا (آخر رد :أبو عبدالله الأسد)       :: السياسة الاستطانية للاحتلال الفرنسي للجزائر (آخر رد :السالمية)       :: رسالة إلى مهموم (آخر رد :حروف من نور)       :: السلام (آخر رد :السالمية)       :: الشرطة (آخر رد :السالمية)       :: واخيرا (آخر رد :أبو خيثمة)       :: انتصاراتٌ عربيةٌ بالمُناوَلةِ (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> الكشكول




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 15-Jul-2010, 12:10 AM   رقم المشاركة : 1
رائد ضميدي
مصري قديم



افتراضي وقفة مع التاريخ

مقدمة
إن إعادة إبراز تاريخنا القديم وتقديمه بما أهل به من عظمة يجيء في هذا الوقت كالماء للظمآن، حيث هناك الغيوم السوداء تعتلي فوق رؤوسنا وتجلعنا في حالة من الضياع والاستسلام لما هو كائن وما سيكون، وأصبح إنساننا الذي هو عماد الوجود الحضاري يعيش في حالة من الإحباط في كافة نواحي الحياة، وأمسى مثل الجذع اليابس، لا حول له ولا قوة يجرفه التيار حيث شاء، رغم أن تاريخه فيه من القوة مما يجعله يتقدم في هذا التيار بشكل مبهر ومتألق، آخذاً بزمام الحاضر نحو مستقبل ساطع.
إن عملية التعتيم المتعمدة للتاريخ، وجريمة تزييفه، وأخيراً سرق وانتحال تركتنا الحضارية والثقافية، جعلنا ـ من مفهوم حضاري اجتماعي ـ عبارة عن قبائل بدوية ليس لها عمل سوى النهب والسلب ـ قديماً وحديثاً ـ ومن ثم نفي أي دور لنا سوى الذي وضعه لنا أعداؤنا.
والمسألة الفكرية تبقى بين مؤيد ومعارض ومستحسن ومنفر، لها رجالاتها المتخصصون، وتبقى كذلك إلى أن تتحول إلى فعل يرفع الإنسان أو يسقطه. ولقد تعرضنا قديماً لمجموعة من الهجمات الفكرية والعملية، واستطاع أجدادنا أن يردوها ويعيدوا هؤلاء الغازين إلى مواقعهم الفكرية ـ والجغرافية ـ التي انطلقوا منها، وكان الموقف العملي دائماً هو المحرك نحو مواجهة الخصم، أما إنْ بقيت تلك الأفكار أو العقيدة داخل إطار الحوار والنقاش فلا تواجه بتلك الطريقة العنيفة وتتم عملية الرد عليها بأسلوبها الحواري نفسه، وهذا النوع من الصراع الفكري يوجد حتى داخل المجتمع الواحد، و له من يتناوله من هذه الزاوية أو تلك. وما نتعرض له في الوقت الحاضر من هجمات داخلية وخارجية معاً، يدعونا لنقف في مواجهته بوعي وصلابة.
فالوجود الصهيوني في فلسطين، وتغلغل أفكاره بين مجتمعنا، فرض علينا العودة إلى التاريخ القديم وإعادة النظر فيه، حيث أنهم يزعمون الاعتماد على التاريخ التوراتي لتبرير وتأكيد سيطرتهم على أرض فلسطين من خلال (يهوه) الذي أعطاهم هذه الأرض.
["وقال الرب لأبرام بعد أن اعتزل لوط عنه. ارفع عينيك وانظر من المواضع الذي أنت فيه شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً. الآن جميع الأرض التي أنت ترى، لك أعطيها ولنسلك أيضاً من بعد قم إمش في الأرض طولها وعرضها لأني لك أعطيها" " "].
["وأقيم عهدي بيني وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهداً أبدياً لأكون الهاً لك ولنسلك من بعدك وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان ملكاً أبدياً وأكون إلههم" " "].
إن الكتب والبحوث العربية التي كتبت لصد هذه الأطروحة محدودة جداً، مقارنة مع ما نشر من كتب وبحوث أخرى في الوطن العربي، أو مع ما نشر من كتب إسرائيلية حول هذا الموضوع، وهذا الشح يعود إلى ندرة المواد التي نشرت عنه، خاصة إذا علمنا بأن عدد الكتب والأبحاث التي نشرت حوله في الغرب محدودة جداً، ونحن نعلم بأن نسبة كبيرة من الباحثين العرب يعتمدون على المراجع والكتب الغربية، وكذلك بسبب عدم وجود الكادر المؤهل الذي يتقن معرفة اللغات المسمارية، والأبجديات القديمة، كذلك لعدم وجود مؤسسات تمول هذه البحوث، إذ أن من يقوم بمثل هذه المهام بحاجة إلى دراسة ميدانية وأكاديمية حتى يتمكن من تقديم كل ما هو جديد موثق، وأيضاً عدم احتفاظ متاحفنا الوطنية بالمكتشفات الأثرية، ونقل أغلبها إلى المتاحف الأوروبية، وهذا جعل بلادنا محرومة من تراثها الأثري مما جعل ذهنية علمائنا ترتبط بما يقوله الغربيون، وهكذا تعلق باحثونا بما كتب علماء الغرب عن تاريخنا وأخذوا يستخدمون مصطلحاتهم ونظرياتهم الخاطئة والصائبة بدون تمييز، فاستخدموا كلمة (الساميين) ومن ثم أخذوا بتحليلاتهم لهذا التاريخ.
لقد بدأ الغربيون الخوض في هذا المضمار منذ القرن الثامن عشر، وتوسعت حملاتهم بشكل كبير في القرن التاسع عشر، ومع نهاية النصف الأول من القرن العشرين كانت هناك الإنجازات التاريخية والأثرية الكبيرة التي حققها الغرب من خلال حل اللغة المسمارية والأبجدية الكنعانية، ومن ثم تحديد الفترة الزمنية والإنجاز الحضاري والثقافي لكل دولة من الدول التي ظهرت في منطقتنا.
إننا على يقين بأن الثقافة الغربية ورجالاتها ينتقصون من مقدرتنا في مجال الإبداع والإنجاز الحضاري والثقافي، وهذا الأمر يعمق الهوة بين مجريات التاريخ الحقيقية وبين ما هو مدون عنه من وجهة النظر الغربية، خاصة إذا تأكدنا بأن تلك الكتابات اعتمدت بشكل أساسي على الرواية التوراتية ، وهذه الرواية بعد الاكتشافات الأثرية والتاريخية وجد بأنها لا تملك المصداقية التاريخية بتاتاً، وما هي إلا خليط متناقض من الأحداث التاريخية، ومن هنا جاءت كتاباتهم سلسلة من الأخطاء المجحفة بحقنا وبحق الحقيقة التاريخية المجردة.
ومن الأمور التي دفعت هؤلاء الغربيين إلى تبني الموقف السلبي من إنجازنا الحضاري، هو بدء أعمال الحفر والاكتشافات الأثرية والتاريخية في منطقتنا في وقت كنا فيه أضعف ما يكون في مجال القوى الحربية والعلمية والاجتماعية والحضارية والثقافية، حيث أننا منذ القرن السابع عشر وحتى دخولهم بلادنا لم نقدم أي شيء، وحتى أننا فقدنا صلتنا بالإنجازات العلمية والثقافية التي قدمناها في القرن العاشر وما تلاه، ولهذا نظروا إلينا من زاوية الاستهتار والاستهانة مجبولة بحقد ديني ومصلحة اقتصادية، ومن دوافع هذا الموقف قدومهم إلى منطقتنا وهم في أوج قوتهم العسكرية، حيث كانت بعثاتهم مرافقة للجيوش الغازية وكذلك نجد اهتمام بعض حكامهم وقادتهم بعلم الآثار والتاريخ.
إلا أن الحقيقة تبقى حقيقة رغم أنف المزيفين، ومع تزايد الاكتشافات الأثرية المبهرة والرائعة في منطقتنا، مثل اكتشاف بوابة بابل والأعمال الفنية المتنوعة والألواح المسمارية وترجمة ما فيها من روائع ملحمية وأسطورية وحكم وأمثال وحقائق تاريخية مدونة، تتطرق إلى كل مرحلة من مراحل المنطقة والدول المجاورة لنا، كل ذلك دفع بعض هؤلاء العلماء إلى جادة الصواب والحقيقة التاريخية والعلمية. من هنا بدأ بعض العلماء الحديث عن تاريخنا العريق وإظهار ما فيه من عظمة، ومنهم من خرج من ظلام أفكاره المترسبة وصرح علانية بأن الأحداث التوراتية ما هي إلا أغلاط وتزييف للأحداث التاريخية، ومنهم من تقدم أكثر نحو الحقيقة، فتحدث عن السرقة التي تمت لكل ثقافة المنطقة (الهلال الخصيب) ومن ثم انتحال هذه الثقافة والتركة وإضفاء بعد توراتي مغاير للحقيقة عليها.
لقد كان هؤلاء الباحثون هم الرواد الذين استرشد بهم كتابنا وباحثونا، وجاءت الأبحاث العربية في هذا الموضوع متميزة وناجحة بصورة ملفتة للنظر، وظهر بعض الكتاب كأعلام في مجال التاريخ القديم، لما في كتاباتهم من عمق متجذر في الحاضر المعاش لشعوب المنطقة، فكان هناك طه باقر وفوزي رشيد وأحمد سوسة وسامي سعيد الأحمد وفاضل عبد الواحد من العراق، وفراس السَّواح وتوفيق سليمان من سوريا، ووديع بشور ويوسف الحوراني وأنيس فريحة من لبنان، وظهر بعض الكتاب في مصر لا يقلون أهمية عن نظرائهم الهلاليين، وبعض هؤلاء وغيرهم من الكتاب أصبحت كتبهم وأبحاثهم تترجم إلى اللغات الأخرى لما فيها من تميز وتطوير وإضافات تاريخية حول تاريخ المنطقة.
وبرز من خلال المكتشفات الأثرية التي أكدت بأن اليهود لم يكن لهم وجود تاريخي في فلسطين نظريتين، إحداها تاريخي، يتحدث عن اليهود الذين عاشوا فترة محدودة جداً في فلسطين، ثم طمست مملكتهم نهائياً على يد نبوخذ نصر، وبهذا كانت المملكة اليهودية جزءاً صغيراً جداً من الممالك التي انتشرت في المنطقة عندما ضعفت الدولة المركزية، وتأخذ هذه النظرية ببعض الأحداث التاريخية التوراتية وتنفي مجملها وتؤكد على وجود الأماكن الجغرافية الهلالية المذكورة في التوراة، من هنا جاءت هذه النظرية لتؤكد وجود الأماكن الجغرافية وتتفق أو تختلف مع الحدث التاريخي التوراتي.
والثانية جغرافي والتي تبناها كمال صليبي، تعتمد هذه النظرية على نفي المكتشفات الأثرية لأي تواجد يهودي في فلسطين من جهة، وعلى إعادة أسماء الأماكن التوراتية ـ جغرافياً ـ إلى جذورها اللغوية ومن ثم نسب هذه الأسماء إلى أماكن ما زالت توجد في الجزيرة العربية وتحمل الأسماء نفسها، وهذه النظرية تعتمد على الجغرافيا التي تؤكد على عدم وجود آثار يهودية في فلسطين. ولها ما يؤيدها من الباحثين التاريخيين من خلال الحدث التاريخي الذي يتحدث عن الملك سليمان عندما طلب من ملك صيدا ببعث المهندسين ليبنوا له الهيكل في القدس، ونحن نعلم بأن الكنعانيين جميعاً سواء كانوا في الشمال أو الجنوب، كانوا يتقنون عملية بناء المعابد الكنعانية، من هنا لو كانت المملكة السليمانية في القدس لما طلب من ملك صيدا تقديم المساعدة في عملية بناء الهيكل، وهذا يشير إلى أن تلك المملكة لم تكن في أرض كنعان وإنما خارجها.
ومن الأمور التي ساعدت في إبراز الاهتمام في هذا الموضوع عند كتابنا، هو وجود اتجاهات سياسية دفعت بعض المهتمين بالتاريخ لإظهار تاريخ المنطقة (الهلال الخصيب) ككتلة واحدة متميزة عن المناطق المجاورة لها، وهناك من رأى بأن التاريخ فيه من المتعة والمعرفة الشيء الكثير، ومن هذا المنطلق بدأ الخوض في هذا المضمار، ثم تحول هذا الدافع إلى حب وعشق (تاريخه) أكثر من كونه مجرد متعة ومعرفة للتاريخ المجرد، وأصبح ينظر إلى هذا التاريخ كجزء من ذاته واستمرار وجوده.
من هنا جاء الحديث عن التركة الحضارية والثقافية لسكان المنطقة، والتي ما زالت تتصل بما خلفه الأجداد من إنجازات علمية وفَنيَّه وعسكرية ومدنية وحضارية. فهناك من ربط بين تكرار المقاطع في ملحمة عشتار ومأساة تموز وبين الزجل الشعبي المغنى، وكذلك الأعياد الموسمية التي تقام في بعض مناطقنا وبين الاحتفالات القديمة بأعياد تموز وبعل، ومنهم من أعاد بعض الكلمات التي نستخدمها في الوقت الحاضر إلى عقائد دينية كانت سائدة عند أسلافنا مثل كلمة (بعل)، وهذا معروف بأنه إله كنعاني يرمز إلى الخصب، حيث أن هذا الوصف ما زال يستخدم حتى الآن لتميز الخضار (البعلية) التي تنمو بدون الري المباشر، ومنهم من تحدث عن إنجازاتنا فأصبحنا نعرف بأننا أول من استخدم العجلات وما يتبعها من تقدم صناعي وانعكاس ذلك على المواصلات، حيث استخدم أسلافنا العربات، وكانوا بذلك أول من أحدث ثورة في وسائل المواصلات. كذلك جاء اكتشاف اللغة السومرية كأول لغة مكتوبة في العالم وبذلك كنا أول من علّم وتعلم بلغة مكتوبة، ومن ثم علَّمنا هذا العلم إلى الشعوب المجاورة لينتقل هذا الاكتشاف ـ الكتابة ـ إلى العالم أجمع، ولقد استمر أسلافنا في تطوير هذا الاختراع إلى أن استخدموا الحروف الأوغارتية والتي تعتبر أول حروف أبجدية استخدمت على وجه الأرض، وهذا الأمر دفع المجتمعات الإنسانية إلى ترسيخ وتسريع التقدم الحضاري والثقافي لكل المنطقة، ومن ثم تحديد ثقافة كل مجتمع بشكل متميز عن غيره. وفي القوانين والشرائع كذلك كان لنا دورٌ ملفتٌ للنظر، فاكتشاف قانون (أرغو) في مدينة نيبور يعد أول أقدم قانون مكتشف في العالم، ومن ثم استمر تقدمنا القانوني على بقية الأمم من خلال اكتشاف القوانين الأخرى من قانون أورنامو إلى لبت عشتار وايشنونا وأخيراً جاءت شريعة حمورابي التي تعتبر أكمل شريعة مكتشفة حتى الآن، وكانت أرضنا أرض المصلحين والمشرعين والأنبياء، فقد أظهرت المكتشفات الأثرية في لكش عن (أوكارجينا) الذي يعتبر أول مصلح في المنطقة، وكذلك تم الكشف عن أول أقدم إمبراطورية وجدت على الأرض وهي إمبراطورية (سرجون) الأكادي، الذي أقام دولته الممتدة من البحر الأسفل (الخليج العربي) إلى البحر الأعلى (البحر المتوسط)، وبالنسبة للمدينة وما يتبعها من مقومات، فقد كنا أول من أوجد المدن، من أريحا إلى دمشق وأورك ولكش وجيش وابلا وماري وبابل وآشور ومجدو وعسقلان وجبيل وبعلبك وصور وصيدا وحيفا وعكا واغوريت وقرطاج وقادش وملقا، وهذه المدن كانت مدناً متطورة في زمانها ومرافقها تشابه المرافق العصرية في مدينتنا الحالية، فقد كانت هناك الأسوار المحيطة بها وأنظمة صرف المياه العادمة ونظام خاص بمياه الشرب، وكذلك كان انتظام الشوارع حيث تصل إلى كافة النواحي والمرافق العامة في المدينة، وقد علمنا من الاكتشافات الأثرية والتاريخية بأن معابد أسلافنا كانت عبارة عن مستودعات للأغذية يستخدمها السكان كاحتياطي في حالة القحط أو الحرب، وكان يستخرج ما في هذه المعابد ليتم توزيعه على عامة الشعب. ومن الأمور المبهرة والرائدة اهتمام أجدادنا بالتعليم والعلم، ولهذا أنشأوا المدارس والمكتبات، وقد اكتشف علماء الآثار أضخم وأول مكتبة في التاريخ، وجدت في مدينة نينوى وهي مكتبة (آشور بانيبال) التي تحتوي على عشرات الألوف من الرقم الطينية، وهذه المكتبة تضم بين محتوياتها الإنجازات الأدبية والعلمية المختلفة.
فكانت (الأنوماايليش) أول ملحمة في التاريخ كتبت بالأحرف المسمارية، ثم تبعتها (عشتار ومأساة تموز) ثم جاءت (ملحمة جلجامش) تلك القطعة الأدبية الكاملة التي أبهرت العالم بجماليتها وفنيتها الفكرية، وظهرت كذلك في بلاد الشام ملاحم وأساطير لا تقل أهمية عن الملاحم العراقية، فكانت هناك (ملحمة بعل) وأسطورة (كرت) ثم (أقهات بن دانيال).
وفي الانفتاح على العالم الخارجي كان لنا الدور البارز، فقد كنا أول من استخدم القوارب والسفن في صور وصيدا، وقمنا بإنشاء المدن والبؤر التجارية في ملقا وقادش وقرطاج، وكانت أوروبا وأفريقيا تخضع ولفترة تزيد عن الخمسمئة عام للنفوذ الفنيقي القرطاجي، وقد سُمَّيَ البحر المتوسط قديماً (بالبحر الفنيقي) نسبة إلى الفينيقيين الذين استطاعوا أن يفرضوا قدرتهم التجارية على محيط المتوسط، ولقد اكتشف في أمريكا على قطعة حجرية منقوش عليها باللغة الفنيقية (حتى هذا المكان وصلناه)، وهذا يؤكد المقدرة البحرية التي كانت عند الفنيقيين، أما الحديث عن لغتنا فقد كانت اللغة المستخدمة في دول المنطقة، فقد استخدمت اللغة السومرية في الأناضول وحتى رومانيا حسب المكتشفات الحديثة، وبعدها جاءت اللغة الأكادية لتحل محلها في الاهتمام والاستخدام، وبعد ذلك جاءت اللغة البابلية والتي لا تختلف كثيراً عن الاكادية لتحوي كل التركة السابقة وتضيف تطوراً جديداً على اللغة، والمكتشفات الأثرية في تل العمارنة تؤكد سيادة اللغة البابلية في المنطقة، أما إذا انتقلنا إلى الحديث عن القادة العظام فقد كانت بلادنا منبت هؤلاء من (لوجال كيسي) الذي يعتبر أول محرر لهذه البلاد من الغزو الخارجي، مروراً بسرجون وحمورابي وسنحاريب ونبوخذ نصر وآشور بانيبال وحانون وهاني بعل، الذي كانت تخيف به أمهات إيطاليا أطفالهن كي يخلدوا للنوم، فكان (البعبع) الذي أرهب إيطاليا لفترة طويلة، أما الحديث عن الديموقراطية فقد سادت في أغلب المدن العراقية، وقد أطلق عليها علماء التاريخ (الديمقراطية البدائية) وهناك نماذج مدونة كثيرة تؤكد وجود تلك الديموقراطية، منها تلك النصوص التي تتحدث عن أورك في عهد جلجامش الذي دعا مجلس الشيوخ ثم مجلس الشباب لمواجهة مدينة كيش، أما المدن التي أُنْشِئت في إفريقيا وأوروبا فقد كان هناك مجلس شيوخ في العاصمة قرطاج متماثل مع ذلك المجلس في روما الإيطالية.
إذن كان لنا دور حضاري متميز حققناه في الماضي، لذلك اندفعت أنظار الشعوب المجاورة إلينا ليقتبسوا منا ذلك التقدم، ولقد تكسرت تلك المقولات الخاطئة، ولم نعد أولئك البدو والقبائل المتناثرة المتناحرة التي لا يجمعها شيء، وإنما أمه قدمت للإنسانية أكثر مما قدمت الإنسانية جمعاء.
أما العامل الثاني الذي يدفع بمجتمعنا إلى العزوف عن تاريخنا القديم هو اقتصار البعض على إظهار الإنجازات الحضارية والثقافية التي حققناها في الفترة الثانية من تاريخنا أي العصر الإسلامي، معتبرين ما دون ذلك ليس بذات أهمية، منطلقين من مفهوم شمولية وعالمية الرسالة الإسلامية، وهم بذلك يكونوا قد ألغوا فترة زمنية تقدر بأكثر من سبعة آلاف عام من تاريخنا، وباترين بين حاضرنا وإرثنا الحضاري والثقافي.
لذلك لا بد من العودة للتاريخ لفهم الكثير من الأمور الخافية علينا، ومن هنا اندفع بعض علماء الدين للتغلغل قليلاً في التاريخ القديم، وتحديداً في الفترة البابلية الثالثة وخاصة فترة نبوخذ نصر، ليفسروا بعض آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن سبي اليهود، دون الخوض فيه بشكل متكامل وشامل، ونحن نعتقد بأن التوغل والخوض في التاريخ يوضح ويؤكد صحة ما جاء به القرآن الكريم ولا يتنافى معه، ومثل هذا التوغل سيترك فضاءات تضيء بعض المساحات الداكنة في التاريخ، خاصة إذا علمنا بأن القرآن فيه من المعرفة الشيء الكثير، من هنا فإننا تدعوا الباحثين الإسلاميين إلى الخوض في غمار التاريخ القديم، ونحن على يقين بأن مثل هذه الخطوة ـ من الزاوية الدينية الإسلامية ـ ستساهم في نقض المقولات الصهيونية، وستسهم كذلك في رفع البحوث الإسلامية وستضيف انجازاً علمياً جديداً يسجل للمسلمين.
ومن العوامل الذاتية المتعلقة بالمجتمع، اتجاه الإعلام الرسمي إلى تجهيل المجتمع وصب اهتماماته فقط على (الثقافية) السوقية، أما التعليم المدرسي فتكاد الكتب المدرسية تخلو من ذكر تاريخنا القديم، واقتصرت فقط على رَصْدِ الفترة الإسلامية والرومانية تحديداً، وهم بذلك يكونوا قد ساهموا بشكل فاعل على ترسيخ الشرخ بين ماضينا وحاضرنا، وهناك اتجاه يعمل على محو مرتكزنا التاريخي القديم مما يؤكد الفهم الخاطئ الذي يزعم، أننا لم نكن شيئاً قبل الإسلام.
من خلال ما تقدم يمكننا تفسير ندرة الكتب التي نشرت عن حضارتنا القديمة، واقتصار النشر على الموضوعات الأخرى. إلا أن هناك قطرين عربيين امتازا بالاهتمام في موضوع النشر لهذه الكتب، وهما العراق ومصر، فهناك زخم جيد تم إصداره في العراق لكتاب غربيين وعراقيين، تناولت كافة نواحي التاريخ ومن زوايا متعددة ومختلفة أثرى المكتبة العربية والعالمية بهذا الموضوع، أما في مصر فقد نشرت كتب عديدة عن الحضارة الفرعونية خاصة، وامتازت هذه الكتب بإضافة كل ما هو جديد حول حضارة مصر القديمة لمواكبتها الاكتشافات الأثرية المضطرده، حيث ما زال يرزح تحت أنقاضها كم هائل من الآثار التي تنتظر من يخرجها إلى الحياة من جديد، أما في سوريا فقد كانت هناك نزعة لإصدار مثل هذه الكتب وقد تميزت إصداراتها باهتمام خاص فيما يتعلق بالأسطورة أكثر منها بالتاريخ ومساره، وفي لبنان كتب بعض الأساتذة اللبنانيين ترجمات عن اللغة السومرية والأوغارتيه والبابلية، أما باقي الأقطار العربية فلم يصدر منها إلا النزر اليسير وهذه الإصدارات لم يتم تسويقها بشكل تجاري بل بقيت محفوظة في مكتباتهم الرسمية.







 رائد ضميدي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 15-Jul-2010, 12:12 AM   رقم المشاركة : 2
رائد ضميدي
مصري قديم



افتراضي وقفة مع التاريخ ( 2)

الخطوط البارزة في التاريخ
(الدويلات السومرية)
إن قيام حضارة السومريين في جنوب العراق ترك أثراً في الحضارات التي أعقبتها، لما أسهمت به من معالم حضارية متعددة ومتنوعة، أسهمت في تقدم المنطقة، أما المدن السومرية التي كانت أساساً للحضارات المدنية في العراق، فقد تميزت بمواصفات كاملة لمعنى المدينة، ولم يكن ينقصها أي من مقومات التقدم الحضاري، وكانت كل مدينة تأخذ بزمام الحضارة* كلاً حسب قوتها وموقعها، فمرة كانت بيد كيش وأخرى بيد أورك*، وهكذا استمرت هذه الدول بالصعود بالسلم الحضاري للمنطقة بشكل منفصل سياسياً ولكنه في الوقت نفسه متكامل حضارياً وثقافياً، إلى أن جاء لوجال زاجيزي ووحد هذه الدول تحت رايته، ومنذ ذلك الوقت بدأت تظهر عند الحكام الذين تلوه مفهوم الوحدة السياسية للمنطقة، وخرجوا من مفهوم ملك المدينة الواحدة إلى ملك المنطقة، والذي تطور إلى معنى ملك الجهات الأربع.
والحضارة السومرية حققت إنجازات حضارية ساعدت على تحقيق التقدم الحضاري، فمن استخدام الدورة الزراعيةُ واستخدام أنظمة الري، إلى تدجين بعض أنواع الحيوانات، إلى ظهور التعدين (النحاس، والقصدير)، مما أبقى المنطقة محصنة من التدخلات الخارجية من خلال تطوير معدات الحرب، وكان هناك اختراع الكتابة التي وثقت وحفظت كل الإرث الثقافي والأدبي والحضاري من الضياع وأظهرت ثقافتنا بصورة متميزة عن جيراننا، وكانت الأختام الإسطوانية التي استخدمت بداية للأمور الدينية من قبل الكهنة، حيث كانت هذه الأختام تعبر عن المعتقد الديني للسومريين، وتم تطوير استخدامها من قبل المجتمع لتميز أملاك الأفراد بعضهم عن بعض، وقد ترك لنا هذا العصر من المعتقدات الدينية الشيء الكثير، والتي استمرت حية لأكثر من ثلاثة آلاف سنة، ولم يتم التغيير في هذه المعتقدات إلا بصورة قليلة، مثل تغيير أسماء أو تطوير بعض الأحداث دون الخروج عن الثوابت الأساسية للفكرة الدينية، فقد ظهرت ملحمة الأنوما إيليش التي تفسر كيفية خلق الكون وما فيه من كواكب وما على الأرض من كائنات وظواهر طبيعية. وقد تم تطوير هذه الملحمة من تراكمات فكرية سابقة، حيث تم تبديل أدوار الآلهة من أنليل وأنكي كأسياد لمجتمع الآلهة، إلى مردوخ الذي أصبح المخلص والمنظم للكون، وتراجع أنليل وأنكي إلى المرتبة الثانية، وهناك ملحمة عشتار ومأساة تموز( ) والتي تتحدث عن الجنس والخصب اللذين يصيبان الأرض والأمور المتعلقة بالموت (العالم السفلي) عند السومريين، فمثل هذه المعتقدات بقيت حية حتى العصر الروماني عندما قام الرومان وقبلهم الإغريق باقتباس هذه المعتقدات، فظهرت أفروديت عند الإغريق والتي حملت اسم عشتروت عند سكان المنطقة، أما التركة الثالثة، فكانت الأهم والأعظم في تاريخ المنطقة ألا وهي ملحمة جلجامش، فمن الحديث عن الآلهة وعظمتها انتقلت هذه الملحمة لتحدثنا عن الإنسان وما يحمل من قدرات ومشاعر جياشه، فقلبت مضمون الكتابة من الآلهة إلى الإنسان، الذي طور هذا المضمون فيما بعد ليتحدث عن تاريخ الملوك وأعمالهم أكثر مما يتحدث عن الآلهة، وبذلك تراجعت الآلهة إلى المرتبة الثانية بعد الإنسان ، وتعتبر هذه الحالة أول تحول كتابي في المضمون والشكل أحدث على الأرض، فإذا كان راسين (2) قد قلب أعمال العظماء من البطولة إلى الحب والعشق، فقد جعل كتابنا ما هو أكثر ثورة في مضمون الكتابة عندما وضعوا الإنسان كمنتصر على الآلهة، فكانت الانتصارات تتحقق لهذا الإنسان عندما تم الصلح بين جلجامش وانكيدو، ومن ثم قتل خمبابا حارس غابات الأرز، وبعد ذلك رفضه الاقتران بالربة عشتار وقتل ثورها السماوي وضربها به، ثم وجه لها كيلاً من الشتائم، واستمر هذا الانتصار حتى بعد موت انكيدو، عندما قام جلجامش برحلته الطويلة للبحث عن الخلود، إن أهم ما في هذه الملحمة على صعيد المعتقد الديني، هو وجود نص عن الطوفان الإلهي (أسبابه، الهدف منه، كيفية حدوثه، وصف ردود الفعل ثم سكونه وعودة الحياة إلى الأرض) فهذا النص جاء ليؤكد بعض النصوص السومرية الأخرى التي تتحدث عن الطوفان، ولم يتم سوى إعادة صياغة هذه الأسطورة بشكل أدبي أكثر منه ديني، فتم تحويل اسم زيو سدره أو اتراخاسيس إلى أوبشتيم، كذلك ترك لنا العصر السومري مجموعة رائعة من القطع الأدبية والدينية المختلفة، وإنتاج هائل من الأشكال الفنية المنحوتة، هذا عدا عن القوانين التي تحدد العلاقات الاقتصادية والاجتماعية وكل ما يتعلق بحياة الإنسان.
قبل الحديث عن العصر الذي ساد بعد السومريين، نريد أن ننوه إلى أن ظهور أول سيادة دولة جديدة لم يكن يعني انتهاء أو إزالة الدول الأخرى، بل يعني بقاء تلك الدول تابعة للدولة المسيطرة، ومنها من احتفظ باستقلال خاص وذلك بعد عقد معاهدة صلح، أما عملية التدمير وهدم المدن (الإزالة الجغرافية) لم يكن يمارس بتاتاً في هذا العصر، ولهذا عندما ضعفت الدولة الأكادية كانت هناك مباشرة إعادة ظهور السيادة للمدن السومرية، وهذا يؤكد على أن شعب المنطقة يمتاز بحس حضاري متميز وبعيد جداً عن العقدة الحضارية اتجاه الغير، واعتقد بأن مسألة (الإزالة الجغرافية) جاءت إلى المنطقة من الخارج عندما قام العلاميون بإزالة مدينة أور(1) السومرية، وقد أعاد هؤلاء همجتيهم عندما قام كورش الفارسي(1) بإزالة بابل عن الوجود، وقد تكرر هذا الفعل الهدام على يد الرومان الذين أزالوا قرطاج(2) الفنيقية عن الوجود، ثم انتقل هذا الفعل الرجعي إلى أدبيات بعض التجمعات السكانية كما حصل مع العبرانيين الذين تمجدوا بعبارة [لم يبق فيها نسمة حياة].
(الإمبراطورية الأكادية)
بعد أن استلم سرجون أمور مدينة كيش، انطلق إلى الوركاء(3)حيث كانت معقلاً لوجال زاجيزي، الذي انتصر عليه ومن ثم قام بإخضاع المدن الأخرى، وأسس مدينة إكاد التي كانت بمثابة القلب للإمبراطورية الفتية، ومنها انطلق نحو أماكن التوتر، ويذكر لنا التاريخ حادثة تدور حول رعايا سرجون، الذين تعرضوا للظلم في مدينة بورشخندا على يد حاكم المدينة، مما دفعه للقيام بحملة عسكرية لانتزاع حق هؤلاء الرعايا، رغم وعورة الطريق وبعد المسافة، ولقد تم له ذلك، وبهذا يكون سرجون أول من مارس عملية القصاص ممن هم خارجون عن حكمه لصالح أفراد شعبه.
وعلى صعيد البناء فهو مؤسس مدينة آكاد وعمل على إعادة بناء المدن الأخرى وتوسيع أسوارها، وكانت التجارة في عهده مزدهرة جداً، وانتقلت من بين المدن القريبة جغرافَيْاً إلى ما وراء جبال طوروس وزاغورس، وهذا الأمر يشير إلى اتساع رقعة الإمبراطورية وإلى الأمان الذي تحقق في عهده، أما اللغة الآكادية التي كانت ضمن اللغات الجذرية فقد أصبحت اللغة التي يتراسل بها حكام الأقاليم، وقد استمرت الدولة في الازدهار والرقي والمحافظة على حدودها، حتى أن أحد ملوكها وهو نيرام سين(1) لقب بملك الجهات الأربع، والمتمعن في حدود الاكاديين، يجد بأنها تمتد من الخليج العربي جنوباً، إلى جبال طورس شمالاً ومن البحر المتوسط غرباً، إلى جبال زاغورس شرقاً، وبذلك تكون هذه الدولة قد أكدت اللحمة الحضارية والثقافية للمنطقة، ورغم اختلاف اللغة السومرية عن الآكادية، والجنس السومري عن الأكادي، إلا أن الوحدة الثقافية كانت كافيه لصهرهما معاً، ولقد استمرت اللغة الأكادية كلغة كتابة حتى ظهور السيد المسيح، وهذا يدل على أن هذه اللغة كانت من التطور بحيث بقيت حية لفترة تزيد عن الألفي عام. للتأكيد على عظمة هذه الدولة وعلى استمرار التواصل الحضاري والثقافي في منطقتنا، نرى الدول التي أعقبتها قامت بتسمية ملوكها بأسماء ملوك الدولة الأكدية نفسها، فهناك أسماء سرجون ونرام سين الذين تكرر في الدولة الأشورية رغم البعد الزمني بين هذه الأسماء، وبعد خمسة ملوك حافظوا على وحدة البلاد، بدأت تظهر بوادر الانفصال في الدولة على يد حكام مجموعة من المدن أهمها: أور ولكش، وبذلك تكون بداية انهيار الدولة الأكادية، وإعادت المنطقة إلى حالة من التقسيم والتشرذم، إلى أن ظهرت مدينة قويه استطاعت أن تعيد الوحدة لها من جديد.

عصر الدويلات السومرية // آور
لقد استطاع أور نامو أن يبني دولة قوية موحدة، وأن يضع القوانين والأنظمة التي حافظت على حقوق الأفراد وحدود الأقاليم، وقد سمىَ القانون الذي وضع في آور باسم ملكها الذي يعتبر من أقدم القوانين في العالم، وقد قام بتطوير نظام بناء الزقوره الذي انتشر في جميع المدن العراقية، وأصبح هذا النمط من المعابد نموذجاً يميز المدن العراقية عن غيرها من المدن، أن عملية تحديد صلاحية كل حاكم ووضع الحدود الجغرافية لمنطقته، كان يعتبر بمثابة أعطاء استقلالية ذاتية لهؤلاء الحكام، وكان هذا العمل هو بداية فكرة اللامركزية في الحكم التي انتشرت فيما بعد.
لقد كانت عملية انهيار الدولة في عهد آبي سين الذي يعتبر من أهم قادة المنطقة، رغم انهيار المملكة في عهده، فقد استطاع أن يمدد في عمر الدولة، رغم قساوة الطبيعة التي جعلت الأرض لا تصلح للزراعة بسبب زيادة نسبة الملوحة فيها، ورغم انسلاخ حكام الأقاليم عنه، ومحاولتهم انتزاع عاصمته من بين يديه، فقد استطاع أن يبقي أور صامده، ومن العوامل الخارجية التي ساعدت على انهيار الدولة فوجود العلاميين، الذين كانوا يترقبوا الفريسة حتى ينقضوا عليها، وبذلك انتهى عصر السيادة الوطنية وحل محلها عصر الاستعباد والتخلف، وفي هذا العصر ظهر في مدينة لكش مصلح سياسي اجتماعي ترك بصمات واضحة في التاريخ، وهو كوديا الذي كان مثالاً لرجال الدين في التقوى والورع، ويعتبر هذا الحاكم الرجل الثاني بعد اوكرجينا في الإصلاح الاجتماعي.
الدولة البابلية
لقد اندفعت هجرات متعددة في المنطقة نحو مراكز الأنهار، فكانت حركة المهاجرين تتجه نحو الشرق ـ دجلة والفرات ـ وغرباً نحوه النيل، وهؤلاء قلبوا موازين القوى في المنطقة لما امتازوا به من مقدرة فائقة على ركب سلم الحضارة، ونحن في هذا الموضع سنتحدث عن تلك الهجرات التي حدثت في المنطقة الشرقية ـ الرافدين ـ وسنترك الحديث عن الهجرات الغربية -النيل- في موضع آخر، لقد استطاع هؤلاء القادمون من الغرب (بلاد الشام) أن يفرضوا سيطرتهم على مدينة بابل، وأن يؤسسوا مملكة خاصة بهم، وأن يتعايشوا مع جيرانهم بكل ود وبدون أن يفرض عليهم حظر (الجيتو)، لأنهم كانوا يعتبرون من نفس المنطقة ويحملوا ثقافتها ويتكلموا لغتها، فلم تكن ثقافة المهاجرين تختلف عن ثقافة سكان بلاد النهرين ولغتهم عن اللغة الأكادية، وهذا يؤكد بأن الأكاديين استطاعوا أن يجعلوا لغتهم هي الأكثر انتشاراً ومن ثم اللغة الأكثر تداولاً في المنطقة، إلى أن انتهت دولتهم وأخذت كل مدينة تسير حسب مصلحتها، وانعكس ذلك على اللغة، التي أخذت (اللهجة) في البداية تميز سكان المدن عن بعضهم البعض، ثم تطورت إلى لغات خاصة بهذه المدن، إلا أن تلك اللغات والتي أطلق عليها (جزرية) لا تختلف كثيراً عن بعضها فهي في علم اللغة تكاد تكون واحدة حيث مصدرها واحد.
وعودة إلى مدينة بابل التي سيطر عليها الأموريون الذين يتحدثون بلغة أرض كنعان، فقد كانت هناك فكرة السيطرة على كل المنطقة سائدة خاصة بعد أن احتل العلاميون على قسم كبير منها، ففي عهد الملك حمورابي أخذ في تطبيق هذه الفكرة مرة عن طريق السلم وأخرى عن طريق الحرب، واستطاع هذا الملك أن يعيد اللحمة الجغرافية السياسية للمنطقة، وكان استعمال الأنظمة الرادعة لكل محاولات الانفصال عن المركز أو اتساع رقعة الحكام من الأمور التي ثبتت هذه المملكة، ورغم صرامة القوانين التي وضعت في عهد حمورابي، إلا أنه استطاع أن يحافظ على سير الحياة بانتظام وفق هذه القوانين، وسنتطرق هنا إلى بعض المواد من شريعة حمورابي لتبيان التطور الذي ساد في المنطقة، من خلال وجود القوانين التي تأخذ بالظروف الاستثنائية لأفراد الشعب.
المادة (48):
(إذا كان على رجل دين وخرب إله الأعاصير (ادد) حقله أو دمره الفيضان أو أن الغلة لم تنبت لقلة الماء. ففي هذه السنة لا يعيد الحبوب (التي اقترضها) إلى دائنة ويلغي عقده ولا يدفع فائضاً لتلك السنة)" ".
المادة (56):
إذا فتح رجل الماء وخرب العمل الذي أنجز في حقل جاره فعليه أن يدفع (لجاره) عشرة كور من الحبوب لكل بور (من مساحة الحقل)" ".
المادة (148):
( إذا أخذ رجل زوجة وأصابها مرض خطير، فإذا عزم على الزواج من امرأة ثانية فيمكنه أن يتزوج ولا يجوز له أن يطلق الزوجة المصابة بالمرض الخطير، ولها أن تسكن في البيت الذي بناه ويستمر (الزوج) في تحمل (مسؤولياته) ما دامت على قيد الحياة)" ".
هذا عدا العديد من القوانين التي تضرب بيد من حديد لكل من يتعدى حدود القانون، فمبدأ العين بالعين والسن بالسن هو من المواد الأساسية في هذه الشريعة، وهناك العديد من المواد التي تنظم حياة المجتمع والأسرة. وعلى صعيد العمران استطاعت بابل أن تبقي أجمل وأروع مدينة في المنطقة، خاصة بعد أن أضاف الملوك المتعاقبين عليها العديد من الإضافات ذات الروعة العمرانية فبوابة باب ومعبد عشتار وحدائق بابل المعلقة من المعالم التي بهرت الاسكندر عندما سمع بها، ولذلك حاول إعادة بناء تلك المدينة العظيمة بعد أن خربها الفرس، إلا أنه لم يستطع، وهذا يؤكد بأن بابل كانت مدينة ذات معالم فريدة جداً، واستطاعت أن تجعل من نفسها خالدة إلى الأبد، من خلال حدائقها المعلقة التي تعتبر من عجائب الدنيا السبع حسب الترتيب الإغريقي (1).
الدولة الآشورية
منذ بداية القرن العاشر ق. م أخذت الدولة الآشورية تنافس المراكز القوية في المنطقة لتأخذ مكانها في الصدارة، وتحقق حلمها في القرن التاسع ق . م، وخلال فترة حكمهم كانت آشور هي القوة الكبرى في المنطقة حتى أن قادتها دخلوا مصر وطوعوها لدوائرهم، ولقد تحدث التاريخ عن تلك الجحافل الآشورية وكأنها الإعصار المدمر في المنطقة، لأنها أرهبت كل الدول وفرضت هيبتها على الجميع، وبنفس الوقت كانت هناك عملية بناء معاكسة تجري في المنطقة قام بها الآشوريون. ولتأكيد ذلك سنورد نص آشوري يتحدث عما كان يجري في تلك الدولة:
(امتلكت فن سيدي آدابا: كنزاً لمعرفة الكتابية المكنون بأكمله، علامات الأرض والسماء، ودرست السماوات مع أساتذة زيت التقديس الجهابذة، وأوجدت حلولاً لأسئلة طويلة معقدة في القسمة والضرب، وقراءة الخط الفني السومري واللغة الأكادية الغامضة التي يصعب تعليمها، مستمتعاً بمطالعة أحجار ما قبل الطوفان)" ".
إن هذا النص الذي كتب على لسان آشور بانيبال(2) يعبر عن مجرى الحياة الثقافية والعلمية الذي ساد في المنطقة، فنجد الاهتمام باللغات الأخرى وهذا يشير إلى التواصل الثقافي والحضاري لشعب المنطقة، والوحدة الثقافية الحضارية التي تميزت بها، فلم تكن الثقافة السومرية لتتناقض مع الأكادية والبابلية أو الآشورية، وإنما كانت عملية الإضافة والتطوير لهذه الثقافة هي المتبعة عند سكان الهلال الخصيب، أما فيما يتعلق بالعلوم والمعرفة فإن الاهتمام به كان يسير في نفس اتجاه الاهتمام بالعلوم الأخرى، ورغم قلة وشح المواد المتوفرة حول هذا الموضوع، إلا أن هناك نصوص متفرقة تتحدث عن عملية التعليم التي اتبعت، وينعكس ذلك في الأمثال الشعبية المستخدمة في ذلك الزمن.
فن الكتابة أبو العلماء وأم الخطباء(1)
وإذا تتبعنا الفنون التي أبدعها أسلافنا، لوجدناها تتسم بالوحدة الثقافية، فلم تكن الفنون السومرية لتتناقض مع الأكادية أو البابلية أو الأشورية، وجاءت كل تلك الفنون لتصور لنا المعتقد الديني الذي يتمثل يعين الفكرة.
المدن الشامية
ظهرت في الشام مجموعة متعددة من الممالك والدول ليست بذات توهج عسكري كما هو الحال في العراق، وإنما ذات قدرات تجارية خارقة، استطاعت أن تفتح المناطق المجاورة للنفوذ الهلالي بطرق سلمية، وأن تبقى كقوة تجارية لها هيبتها الاقتصادية المؤثرة، فقد استطاعت مدن صور وصيدا على تكوين سلسلة من المدن على (البحر الفنيقي) فرضت نفسها في الساحل الجنوبي والشمالي للبحر المتوسط، وتم تشكيل إمبراطورية تجارية ضخمة صالت وجالت في محيط المتوسط لفترة تزيد عن أربعمئة عام، فمنذ القرن الرابع عشر ق.م والمدن الفينيقية في ساحل المتوسط، وحتى أنه سُمي باسمها (البحر الفنيقي)، والمكتشفات الأثرية في إسبانية توضح لنا المكانة الحضارية التي استطاع أجدادنا الفنيقيون أن يحققوها، وقد ظهر خلال الفترة الفنيقية قادة عظام لا يقلون أهمية عن أمثالهم العراقيين، فبرز هاني بعل(1) الذي يعتبر من أعظم القادة العسكريين في العالم القديم، لما اتصف به من قدرات متعددة على تحقيق النصر، فكان يتعامل في كل واقعة حربية بصورة تتلاءم مع ظروفها، وكان يبتكر الأساليب الجديدة في حروبه، ففي إحدى المواقع استخدم قرون الأبقار كمشاعل نيران وكرأس حربة ضد الرومان، وقد تحقق له في تلك المعركة النصر، ولم يذكر لنا التاريخ بأن هذا القائد هزم في أي من المعارك التي خاضها بتاتاً، أما على صعيد البناء والعمارة فقد كانت شهرة الفنيقيين واسعة، حتى أن الملك سليمان طلب من ملك صيدا أن يرسل له المهندسين ليخططوا له بناء الهيكل وهذا ما يزعمه اليهود، وكانت مدينة قرطاج من أعظم المدن في ساحل المتوسط، لما اتسمت به من تنظيم واتساع ومواقف عامة، حتى أن القائد الروماني الذي أحرقها قال (لن يرحم الله روما على فعلتها) فهذا الروماني الذي شاهد قرطاج وهي شامخة، ذات الأسوار والميناء التجاري والحربي والمباني والمعابد وصاحبه الهيبة والعظمة البحرية، مجرد تل من الحجارة والبيوت المبعثرة والطرق الوعرة، جعله يندم على فعلته وهذا الأمر يشير إلى العظمة التي كانت عليها قرطاج، أما بقية المدن الفنيقية على سواحل المتوسط، فلم تكن أكثر من ممالك صغيرة تابعة إما للفرعون المصري أو للملك العراقي، وهذا لا ينفي أن يكون بعضها قد أخذ في الاتساع وتحقيق إنجازات عظيمة مثل مدينة أوغاريت الكنعانية، إلا أن هذا التوسع والازدهار لم يدم طويلاً، وكذلك فإن العديد من المدن الشامية لم يتم نبش ماضيها بشكل كامل، وهذا الأمر يجعلها مجهولة التاريخ نسبياً، لكن المؤرخين يتحدثون بشكل عام عن بقائها ممالك صغيرة.
قبل الخوض في هذا الإصحاح، ننوه إلى أننا ارتأينا إلى أن نضيف نصوصاً من المعتقد الديني المصري إلى جانب الهلالي لما فيه من تأثير وتماثل مع المدون التوراتي، ونعتذر للقارئ عن هذا الخروج، ونرجو أن تكون هذه الإضافة فيها من الفائدة والمعرفة المبرر لوجودها.







 رائد ضميدي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
التاريخ, وقفة

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مشكلة كتابة التاريخ ببلداننا.. تاريخ الشعوب أم تاريخ النخب؟ النسر الكشكول 1 18-Apr-2010 12:03 PM
اهمية دراسة التاريخ المتوكل على الله الكشكول 1 07-Apr-2010 01:41 AM
التاريخ والتأرجح بين الذاتية والموضوعية النسر المكتبة التاريخية 0 01-Apr-2010 09:42 AM
أهمية علم التاريخ حمزة ياسين28 التاريخ القديم 0 22-Mar-2010 08:12 PM
التاريخ من بابه الخلفي ( تاريخ ما وراء الحروف ) واو المؤرخين الكشكول 4 04-Feb-2010 02:30 PM


الساعة الآن 04:11 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع