منتديات حراس العقيدة

« آخـــر الــمــواضــيــع »
         :: حكومة موافج تجدد لنفسها (آخر رد :اسد الرافدين)       :: مختارات من معجم التثقيف اللغوي . (آخر رد :أبو خيثمة)       :: همسة للذاكرين وتذكرة للغافلين........ (آخر رد :معتصم بالله)       :: ناديا المودن. nadiya lmawaddane (آخر رد :محمد نينش)       :: ناديا المودن. nadiya lmawaddane (آخر رد :أبو خيثمة)       :: المؤلفات من النساء ومؤلفاتهن في التاريخ الإسلامي (آخر رد :أبو خيثمة)       :: كيف تصبح ملكاً ؟ (آخر رد :أبو خيثمة)       :: لغز فرار الحاج أمين الحسيني من يد الحلفاء (آخر رد :المعز بن باديس)       :: من داخل موقع التاريخ الدكتور محمد موسى لشريف يهنئكم (آخر رد :أبو خيثمة)       :: نعم .. الإسلام ليس هو الحل !! (آخر رد :أبو خيثمة)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> الكشكول




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 10-Nov-2010, 09:50 PM   رقم المشاركة : 1
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رحالة فرنسي يصف رحلة الحج عام 1894

في مثل هذه الأيام تبدأ محامل الحجاج بالانطلاق عبر الطرق المعروفة منذ العصور الإسلامية الأولى، فمنذ العصر الأيوبي كان محمل الحج الشامي ينطلق من دمشق بعد أن يتجمع من كل مناطق آسيا والقوقاز وتركيا والبلقان. فيما يتجمع المحمل المصري من الأندلس والمغرب وإفريقيا، في حين تنطلق محامل أخرى من اليمن والخليج العربي والهند.

وقد استهوت رحلة الحج العديد من المغامرين الغربيين على مر العصور، فنجح بعضهم بالتسلل إلى قوافل الحج تحت مسميات مختلفة، ووصف، هذا البعض، تفاصيل رحلته للجمهور الأوروبي المتعطش لمعرفة أي شيء عن هذه العوالم المجهولة والمليئة بالكثير من الخرافات والصور غير الحقيقية.
وربما كان الإيطالي فارثيما هو أول رحالة غربي يصل مكة المكرمة عام 1503م بعد أن تظاهر بالإسلام. تلاه داكدرا وهو قبطان إحدى السفن البرتغالية التي كانت تجوب السواحل الإفريقية، أُسِر وجماعتُه في شواطئ مقديشو، وأُرسِل هديةً إلى حاكم عدَن، وظلَّ سجيناً حتى عام 1516م حيث أُطِيح بالحاكم الذي سجنَه، وحدث أن رغِب الحاكم الجديد في أداء فريضةِ الحجِّ، عندها استطاع داكدرا أن يصاحب الحاكم الجديد بعد إعْلان إسلامه. ثم كانت رحلة جوزيف بتس وهو بريطاني أسَرَه القراصنة عام 1678م، وعمره خمسةَ عشر عاماً، حيث أُخِذ إلى تونس حيث اعتِنق الدين الإسلامي وتوجَّه لأداء فريضة الحجِّ مع أحد ساداته، وبعدها تحرَّر «بتس» من العبودية بسبب أدائه فريضة الحجِّ؛ لذا أسرع عائداً إلى إنكلترا، وفي عام 1704م نشر مذكَّراته في مدينة إكسْتَر لتصبح مرجعاً للباحثين الغربيِّين عن الصحراء العربية، وبلاد الحرمين الشريفين، البلاد التي كان كثيرٌ من المغامرين يجهلها. ثم رحلة دومنجو باديا لبليش في عام 1806م، وهو اسباني مثقف من قادش وصل إلى شمال إفريقيا، وأشهر إسلامه، وسمى نفسه «علي بك العباسي»، ومنها أبْحر إلى البحر الأحمر، ومِن ثَمَّ إلى جدَّة، ويبدو أنَّه كان شريفاً ومشهوراً بل ثريّاً؛ لذا استقبله شريف مكَّة استقبالاً لائقاً، وشاركه قبل الحجِّ بأيام في تنظيف الكعبة، وقد اعتاد الخدم من حاشيته وَضْع سجادته المخصصة للصلاة خلف الإمام رأساً، وبالرغم من إجادته الإسبانية والفرنسية والإيطالية، فقد كان حريصاً على التحدُّث بالعربيَّة بطلاقة وسهولة، وضع علي بك مذكَّراته، ووصف بها مكَّة وصفاً بارعاً ومفصَّلاً، أما الرحالة الألماني سيتزن، الذي سافر في أوائل القرن التاسع عشر إلى بلاد العرب، فقد أوْغل في شبه الجزيرة العربيَّة، وأعلن إسلامَه، وأدَّى فريضة الحج، ثم غادر مكَّة إلى اليمن، وهناك بدأ ينسخ النصوص الحميرية المنقوشة على الصخور، وتوفي في ظروف غامضة بصنعاء عام 1811م. أما السويسري فقد حج في عام 1814م بعد أن أعلن إسلامه.
وهناك هولندي يدعى سنوك هيروغرونيه تلقَّى علومَه في جامعتَيْ ستراسبورغ وليدن منذ عام 1874م، وحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة ليدن سنة 1880م، التي حملت عنوان «احتفالات مكَّة». اعتنق سنوك الإسلام، وأطلق على نفسِه اسم «عبد الغفار»، وأجرى عمليَّة ختان، وبدأ بدراسة اللهجة المحلية تَمهيداً لذهابه إلى مكَّة، وبالفعل غادر جدَّة في الواحد والعشرين من شباط 1885م، برفقة مسلم من جاوة، ووصل البلد الحرام مساء اليوم التالي، وهناك تزوَّج فتاةً مسلمةً من جاوة، وبوساطتها اطَّلع على معلومات كثيرةٍ حول الحج ومناسكه، وعادات المسلمين، والحياة الاجتماعية في المدينة، أمضى في مكَّة ما يُقارب ستَّة أشهر، وخلال إقامته، التقط صوراً لمكة وللحجاج القادمين إليها من مختلف أرجاء العالم الإسلامي، وهو من أبرز الذين وثَّقوا مكة بالصورة، ولم يستطِع زيارة المدينة المنورة؛ فقد ظهرتْ خلال إقامته في مكَّة مقالة في مجلة «لوتامب الباريسية» لنائب القنصل الفرنسي في جدَّة، يشير فيها إلى أنَّ الهدف الحقيقي من إقامة هيروغرونيه في مكَّة هو التوسُّط لمصلحة الألمان بِهدف تأمين الحصول على «حجر تيماء»، الذي عُثر عليه خلال التنقيبات الأثريَّة، والذي نشأتْ بسببه في ذلك الحين منافسةٌ قويَّة بين الأوروبيِّين بِهدف الاستيلاء عليْه، وتمَّت ترجمة المقال إلى التركيَّة والعربيَّة، الذي تسبَّب في كشْفِ أمْرِه من قِبل الوالي العُثْماني؛ إذ أمر بنقْلِه إلى جدَّة، حيثُ عاد من هناك إلى هولندا، وقام بنشْر عدَّة أبْحاثٍ عن الحجِّ ومناسِكِه، كما نشر مجلَّدين مصوَّرين، الأوَّل بعنوان «أطلس مكَّة المصور» ليدن.
أما رحلة الرحالة الفرنسي غرفيه كورتلمون المعروف ب- «الحاج عبد الله بن البشير» إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة عام 1894 فقد حازت أهمية خاصة بسبب لغتها العالية ودقة الأوصاف التي قدمها عن مناسك الحج.
ويبدو أن هذا الرحالة قد قام برحلته بقصد الاطلاع وجمع المعلومات عن الظروف التي يعيش فيها الحجاج المغاربة القادمون من مناطق السيطرة الفرنسية، ودراسة الأثر الروحي الذي يحدثه الحج في نفوس الحجاج بعد عودتهم إلى بلدانهم.

مقتطفات من الرحلة ‏
هكذا ترى يا أخي هذه السفينة الغارقة هنا. فقد كانت سفينة بخارية جميلة قدمت من موغادور (الصويرة حاليا) من طنجة. كانت محملة بالحجاج المغاربة: إلا أن الربان الانجليزي. لعنة الله على جنسه!، كان قاسيا ولا إنسانياً مع إخواننا خلال رحلة العبور كلها.. وهكذا، وبمجرد أن أصبحت الأرض المقدسة على مرمى البصر. دفعه الله غصباً عنه نحو الساحل، وذلك على الرغم من كفاءته العالية. لقد نجا جميع الركاب لأن ربك عادل لكن السفينة ضاعت عن آخرها. إن الله على كل شيء قدير وكان في ذلك نعمة غير متوقعة لنا، لأننا حصلنا على مكسب جيد من إنقاذ ما تبقى من حمولتها..
هبت عاصفة كبيرة بينما كان قاربنا يتلوى بين الصخور المرجانية وهو سنبوك (زورق صغير) عتيق، ترنح أحياناً بشكل خفيف مثيراً هلع الشيخين البدويين اللذين ليس لديهما خبرة في ركوب البحر... بعد ذلك كان يجب انزال الشراع والقيام بآخر تحريك للقارب بالمجداف من اجل دفع القارب الغارق إلى منتصفه بين الرمال والوحل لأن الجزر كان كبيرا، ثم بدأ ازدحام النزول على الطريقة المشرقية: صياح وصراخ وتدافع بين الناس تأشيرة الجوازات والمعاناة من إجراءات الجمرك والصحة الخ. لكن الحاج أكلي يعرف جيداً كيف يخرج من هذه الدوامة وبينما كان يقوم بالإجراءات، بقيت في إحدى الزوايا أقوم بحراسة أغراضنا فأثرت انتباه أفراد الشرطة الأتراك الذين اقتادوني دون أي سبب إلى المركز. إنها بداية سيئة، فأنا لا أعرف اللغة التركية، وعربيتي الجزائرية لا يفهمها أحد، وجواز سفري عند الحاج، كل شيء أصبح يتعقد ويختلط ومن حسن الحظ أن مرافقي وصل، فشرح لهم كل شيء ثم قمت بدفع واجبات الصحة، ووضع التأشيرة على الجواز، إضافة إلى البقشيش طبعا، وبذلك أصبحنا أحراراً... إلا أننا بقينا تحت المراقبة.. إلى حدود السكن الذي اخترناه عند عبد الرحمن أفندي.. المترجم المعتمد لدى القنصلية الفرنسية، روقبنا عند أول خروج لنا، إذ كنا نسأل كما لو أن ذلك يتم بالمصادفة في محلات التبضع حيث نشتري بعض الحاجات.. كانت الليلة الأولى حزينة بل كئيبة، أحنى الحاج أكلي رأسه، لا يعرف الموقف الذي يجب اتخاذه ولا المشروع الذي سيقوم به، وبدا له هذا التوقيف الأول الذي تعرضت له نذير شؤم. فأمرني بقص شعري عند اقرب حلاق، وتغيير بذلتي وظل يذهب ويجيء وهو في حالة عصبية يغير مشروعه وأفكاره عشرات المرات في الساعة.. وفي اليوم التالي وبعد ليلة من الهدوء والراحة هدأ روعه. فوافق على مرافقتي للقيام بجولة طويلة في مدينة جدة.

جولة في مدينة جدة ‏
‏جدة.. حيوية موحشة... المدينة مبنية على ساحل البحر في منبسط رملي منخفض ولا يوجد فيها أي تل أو منحدر إنها شاطئ محترق ومجدب مرفأها موحش ووضعها محزن. الإقامة فيها لا يمكن تحملها. ولا يمكن أن تخطر على البال، ينقض عليك لفيف من الناموس ليل نهار، والماء فاسد والحرارة مليئة بالرطوبة ومرهقة ولا يوجد فيها أي اثر للخضرة يمكن أن يبدد كآبة المنظر الحزين المحيط بها، توجد بعض الأشجار الشوكية في باب المدينة، تغطي الأكواخ الفقيرة الموجودة في قرية يسكنها السود، وهذا كل ما يوجد من النبات في هذا البلد الجاف والمقفر. أما الشوارع والبازارات فمملوءة بالحيوية، لأن المدينة مركز تجاري كبير، والبيوت محكمة البناء، جدرانها من الحجر، مزينة بأجمل أنواع المشربيات لكن لا شيء يمكنه أن يخفف من انطباع الموت والفراغ الذي يلح عليك بمجرد الوصول إلى هذه المدينة التي تنتمي إلى زمن آخر، إنها واحة من الصخور ضائعة على هذا الساحل العقيم المفزع.. خرجنا في الصباح الباكر من باب مكة المكرمة، وبعدما قمنا بزيارة قصيرة لضريح أمنا حواء قمنا بجولة حول الأسوار: إنها محوطة بسور قوي يحميها من هجمات القبائل البدوية الموجودة على مشارفها، وخاصة في وقت الانتفاضات إلا أن هناك فتحات تنتشر هنا وهناك على طول السور المهترئ، وخاصة في الجنوب الشرقي حيث توجد بعض الأحجار المنثورة على الأرض كأثر على المكان الذي كان يوجد فيه سور المدينة قديما. أما الحاج اكلي الذي سبق له أن عاين ممارسة عصابات اللصوص في الصحراء فيأسف بمرارة لهذا الإهمال من قبل الإدارة التركية الذي يمكن أن تندم عليه يوما، لأنها في رأيه هي المسؤولة عن هذا التهاون.
التوجه إلى مكة ‏
لم يكن أمامنا سوى وسيلتين للنقل، ويجب أن نختار إحداهما لقطع مسافة الـ87 كلم التي تفصل مكة المكرمة عن مدينة جدة، الجمال أو الحمير، كنت أرغب في امتطاء الجمل الذي أحب خطواته التي تشبه المهد ومشيته الاسترخائية، الجمل هو المطية الحقيقية في هذه الأماكن المقفرة والقاحلة، انه الجمل المثير للسخرية، والمعاند، وعلى الرغم من أن مواقفه غريبة إلا أن قلبه طيب، انه الجمل الذي لا يتوقف عن الشكوى، سواء عند تحميل الأغراض عليه أو عند إنزالها، في الوقوف وفي البروك، لكنه يسير دائماً دون أكل أو شراب، انه حيوان مناسب (أرسلته العناية الإلهية)، خلق للصحراء لمواجهة كآبة هذه البلدان العتيقة الميتة ولعزلتها التي لا نهاية لها. كان علينا أن نقضي يومين في السفر، بينما كنا نستعجل الوصول، فالطريق غير آمنة، لأنها ملأى بالبدو النهابين. ولكون حمير الحجاز مدربة على نقل المسافرين، وأصبحت لها سمعة جيدة في هذا المجال، فإننا سنتمكن من قطع المسافة بين جدة ومكة المكرمة بمرحلة واحدة، بل الأحسن من ذلك هو أننا لن نضطر إلى تغيير رواحلنا ولذا قررنا استئجار الحمير.
أصبح كل شيء جاهزاً للانطلاق، توضأت الوضوء الأكبر، ولبست ثوب الإحرام، وهو اللباس الوحيد الذي يرتديه الحاج، وينحصر في قطعة من الثوب غير مخيطة تلف على الخصر، ويفرض هذا اللباس الفطري بشكل صارم على كل مؤمن يتوجه أول مرة إلى مكة المكرمة، كما يجب أن يلبسه ساكن مكة المكرمة الذي يتغيب عنها أكثر من تسعة وثلاثين يوماً.
هأنذا على الطريق أمتطي حماري، عاري الجذع، حليق الرأس، في الساعة الثانية ظهرا، تحت وهج شمس محرقة، وأنا أعاني من الخوف من ضربة شمس، فتذكرت، واأسفاه! النصائح الكبرى التي زودني بها صديقي القديم الحاج عبد الرحمن، وهي النصائح التي لم يعد في إمكاني أخذها في الحسبان، وبما أنني أخبرت الحاج أكلي بكل ما يجول في خاطري من تخوفات فقد أجابني بخشونة: ألست بين يدي الله؟! فما الذي تخشاه؟.
سرنا في منبسط مرمل نحو 16 كم، ثم ارتفع الطريق بشكل غير ملحوظ، منزلقاً بين جبال الحجاز الجرداء، التي تتابع خلجانها، الشبيهة بالبراكين الخامدة، كحبات سبحة طويلة.
لقد سوت حوافر القوافل، بمرورها على مر السنين، الصخور التي كانت تشكل عوائق على الطريق، فأصبحت الطريق مستوية تشبه تماماً مجرى واد رملي جاف، ينزل الظلام في هذه المنطقة بشكل مفاجئ تقريبا، وفترة الغروب لا تستغرق وقتاً طويلاً، كما أن نور القمر الخافت لا يظهر إلا نحو الساعة الثانية بعد منتصف الليل. تلمع الكواكب في سماء هذا البلد لمعاناً لا نظير له، كما أن بريق النجوم الكثيرة يسطع في عنان السماء، ناشراً حولنا إضاءة خفيفة، ونوراً باهتا وحزيناً، لا يسمح بتمييز الأشياء الموحشة التي تحيط بنا.
كانت كتل من أنقاض مبعثرة، تبدو كأنها تغلق الطريق أمامنا، واقتربنا فإذا هي تبين عن تصدع ينزل فيه الطريق، اقتحمناه، فإذا هو مرة أخرى خليج اسود، دائري وعميق وخطير.
القافلة ‏
لاح لنا من بعيد مركز تركي معلق على ربوة يحجب خياله المشؤوم رؤية الأفق، يلمع فوقه نور أحمر، باهت ينبعث من فانوس، كأنه يريد أن يقول: إننا هنا، أي إن رجالاً مسلحين يوجدون هنا، وهم مستعدون لكل طارئ.
كنا نسير وقلوبنا منقبضة، نتقاطع مع القوافل دون أن نتوقف، ومع صفوف من الجمال التي تسير فوق طبقة الرمال السميكة دون أن تحدث صوتا، تسوقها أشباح سوداء لا تتبادل مع الآخرين أي تحية ولا كلمة سلام، خلافاً للأعراف العربية، يمر خيالهم بمحاذاتك، ثم يبتعد بسرعة واضعاً يداً تلقائياً على الزناد، دائم الاستعداد لخوض معركة أو للتعامل مع أي مكيدة.
نحن الآن في قرية (حدة)، في منتصف الطريق، أنزلنا أغراضنا عن ظهور الحمير، صلينا جماعة، ثم قدم لنا الأكل المكون من بيض قلي بزبدة الضأن، تناولناه بصمت مع سواقي الحمير الذين كانوا يتوقفون كل مرة عن تناول هذه الوجبة الضعيفة للذهاب إلى تقديم العلف إلى حميرهم في حفنات صغيرة بأيديهم.. كما يذهبون لمراقبة حركات وجوه جيراننا في هذه الاستراحة.
هذه الوجوه تزعج سواقي حميرنا، ولعلهم وجدوا فيهم شيئاً مريباً، لأنهم كانوا يحملون أغراضهم على الحمير بشكل مفاجئ وبدل أن نأخذ قسطاً من الراحة بعض الساعات في قرية حدة، كما هو متفق عليه ها نحن أولاً نمتطي الحمير ونسرع الخطا في الليل، وبينما كنا نجتاز كثباناً كبيرة من الرمال إذا القمر يعن في السماء، كان نوره باهتاً جداً، لا يبدو منه إلا الربع (هلال)، ولا يكاد يلمع أكثر من لمعان النجوم، إلا أنه يضيء الأشياء التي ترتسم إلى جانب الأخيلة الطويلة والغريبة بشكل واضح. ومرة أخرى وجدنا أنفسنا من جديد في المنخفضات الدائرية، وهي حفر سوداء بعيدة القرار، فأخذتني سنة من النوم، وبدأت في الحلم.
إنني أعي تماماً أنني أعيش في أحلك اللحظات في حياتي، ماذا سأكون غدا؟ ما المصير الذي ينتظرني؟ عند الفجر سأدخل الحرم الشريف المهيب، ترى هل سأخرج منه؟.. وقد استعرضت حياتي كلها في رؤى سريعة.. تختلط في ذهني ذكريات تافهة من طفولتي بأحلام حب أيام الشباب الأولى، ثم جاءت الأسفار، والركض الأحمق في البلدان التي جبتها، غرناطة، قصر الحمراء، طليطلة وأسوارها القديمة، وغروب الشمس في اشبيلية على برج الذهب، ومالقا.. وطنجة، ولمعان القمر في تلمسان وركض الخيالة في جنوب الجزائر، ثم دمشق، وبورصا واسطنبول والقدس والقاهرة وأثينا. ومجاري المياه الباردة في ضواحي باريس وأودية فرنسا وحدائقها ووردها، ثم الذكريات الأكثر إيلاما، إنها ذكريات عائلتي، ووالدتي الغالية التي لا أشك في أنها تدعو لي كل مساء وهي تفكر فيّ، وأيضاً ذكريات فرنسا: الأصدقاء الذين ودعوني بحزن كبير ظنا منهم أنني ضعت.
أسمع أصوات أجراس الحمير تدندن ليلاً وهي غير آبهة بها، كجلاجل خفيفة، وقلبي يمتلئ أملاً وأنا أرى طريق العودة وفرحة أعزائي وهم يرتمون في أحضاني بعد هذه المعاناة القاسية، نسير ثم نسير من دون توقف، على وقع الرواحل، نسير نحو الهدف الغامض، نحو المجهول.
توقفنا للاسترخاء في مكان ما أجهل اسمه، وقد كنت في حملي، ولم أفكر في السؤال عنه، ومن دون أن ينبس أحد ببنت شفة، تلفع رفاقي بثيابهم الصوفية، وخلدوا إلى النوم على الأرض التي ارتموا فوقها على شكل كتل.. كنت شبه عار، أرتعش فوق الحصير، لا أجرؤ على الكلام أو الحراك، تاركاً رفيقي المنهك بالتعب يأخذ قسطاً من الراحة، كما أنني لا أرغب في إثارة انتباه أحد، ارتعشت طويلاً شارد الذهن تحت برد الشرق القارس في وقت الشروق، برد قارس على الأقل بالنسبة إليّ، إذ لا يقيني منه أي شيء، وأخيراً استيقظنا من النوم وبعد أداء الصلاة، امتطينا الدواب.
دخول الأرض المقدسة ‏
دخلنا حدود الأرض المقدسة فجراً، ويوجد عمودان من الإسمنت إشارة إلى حدود الحرم يشبهان باب مزرعة، يبتعد بعضهما عن بعض أمتاراً قليلة، وهي -كما قيل لي- نقطة بداية تحريم الصيد، إذ بمجرد أن يتجاوز المرء هذه النقطة يحرم عليه قتل أي حيوان بري أو طائر، وفعلاً، فقد شاهدنا مع بداية النهار أسراباً كثيرة من الحجل، وأماكن كثيرة يقيم فيها طائر خطاف الصحراء، وهي تركض أمامنا، من دون أن تكلف نفسها عناء الهروب، كما هي عادتها عند مرور البشر أمامها، لأنهم، أصبحوا لا يمثلون في نظرها أي خطر، ثم جاء دور أسراب الحمام البري التي تحوم حولنا مكونة سحباً حقيقية، كانت تنتقل من حولنا بأعداد كبيرة، وتتوقف تقريباً تحت أرجل رواحلنا بألفة شديدة، كما كانت توجد بعض فراخ الترغلة المتخلفة على الطريق وكأنها تنتظر من يدوسها، فانتفضت رعباً، خشية ارتكاب جريمة قتل من هذا النوع عن غير عمد.
دخلنا فناء الحرم الشريف بعد ترحيب مطوفنا عبد الرحمن بوشناق، بقدومنا، وهو المسجد الكبير والوحيد في مكة المكرمة (توجد مساجد كثيرة ولكن المؤلف لم يعرف منها إلا الحرم) ها هي الكعبة المشرفة تقف شامخة أمامنا بإجلال، محاطة بستارها الأسود المزخرف، والكعبة المشرفة، خلافاً لما هو شائع، ليست هي قبر الرسول صلى الله عليه وسلم (الموجود في المدينة)، إنها بيت الله بالنسبة إلى جميع المسلمين، سرة الدنيا.
الطواف ‏
وعند وصولي بادر المطوف بالقول: «أخي، لا تعتقد أنك تعبد هذا الحجر أو هذا القماش أو الذهب الذي يحيط بها، أنت هنا في مركز الأرض، تتجه نحوها جميع الصلوات في العالم الإسلامي، تتجمع كلها في هذا المكان لترفع مباشرة إلى السماء، أنت هنا أقرب إلى الله، هذا كل شيء».. كانت الساعة تقترب من السادسة، وهناك بصيص نور وردي يضفي على جميع الأشياء مسحة الصباح الندية، فجلسنا في ساحة الحرم الشريف ينتابنا شعور من الإجلال والحب. وبعد برهة من التأمل شرعنا في أداء أولى الصلوات. وشربت بلذةٍ من ماء زمزم الذي كنت أستزيد منه.
يجب العودة إلى السكن والصعود فوق سطح البيت لأداء صلاة العشاء والاستعداد للمبيت. حينئذ سيكون لدي الوقت للعودة إلى أحلامي التي قطعت عني، في هدوء مطلق، وفي ليل صاف وهادئ وتحت سماء تتلألأ بالنجوم.
شقق من دون سقوف تتوافر جميع بيوت مكة المكرمة على سطوح محاطة بأسوار منخفضة مبنية من اللبن المصفوف على شكل مربعات منسقة بينها فراغات، وهذا الوضع يسمح بمرور الهواء بحرية من دون أن يكشف الجار بيت جاره. ولاشك أن المكيين يصعدون كل مساء إلى السطوح ليناموا فيها خلال عدة أشهر من السنة، والسطح هو شقة حقيقية من دون سقوف، وعند الحاجة توضع حواجز صغيرة للفصل بين الأسر، وفصل الحريم أو العبيد. وإذا كان البيت كبيراً، فإن السطح يقسم إلى طبقات، فيصبح على شكل مدرج لجعله أكثر ملاءمة وستراً. والسطح هو المكان الأكثر متعة في البيت، ينام فيه الناس على الحصير، والليالي فيه هادئة ولا يحتاج فيه المرء إلى غطاء، كما يحتفظ بملابس النهار، وغالباً ما يكون اللباس هو القندورة (الثوب) المصنوعة من كتان الموسلين المستورد من طرابزون (ميناء تركي على البحر الأحمر)، أو القفطان المصنوع من القماش أو من القطن المستورد من الهند.
أصبح لي بسرعة عدد من الأصدقاء في المدينة، أولهم عبد الواحد، وهو من أصل مغربي، يشتغل في دباغة الجلود في حي المشرفة، متزوج بهندية، وأب لثلاثة أطفال، وهو يكن لي صداقة حميمة، فهو الذي يرافقني في جولاتي الطويلة خلال المدينة، كما قادني إلى مِنَى بعدما تعذر ذلك على الحاج آكلي الذي منعه مرضه من مغادرة البيت، وبفضله تعرفت على جزئيات المدينة وضواحيها، وبرفقته استطعت التقاط بعض الصور بعدستي المكبرة المدسوسة في سجادة الصلاة التي كنت أتأبطها كما يفعل جميع الناس تقريباً في مكة المكرمة.
صعدنا معاً ذات صباح إلى جبل أبي قبيس، وهو جبل وعر يشرف على المدينة وتوجد في قمته قبة صغيرة أنيقة. قليلون هم الحجاج الذين يذهبون إلى هناك من أجل الاستغفار، أو التعبير عن أمنياتهم، أما أنا فكنت آمل التقاط صورة بانورامية للمدينة المقدسة من هذه النقطة التي تشرف عليها. كانت تلك المرة الأولى التي أحمل فيها عدستي المكبرة. وكان الخطر مضاعفاً في هذا اليوم، من جهة تسلق الجبل الوعر وعدم التوجه إلى الصلاة في القبة. وفي هذا خطر إثارة انتباه حراس الضريح الذين يترصدون دائماً ما يحمله إليهم الزوار. من جهة أخرى لكي نؤدي الصلاة في هذا المسجد كان يجب تسريح السجاد الذي أخفي فيه عدستي المكبرة التي لم يكن بوسعنا إخفاؤها في مكان آخر بالنظر إلى البذلة الخفيفة التي كنت ألبسها وهي قفطان طويل ليس له جيوب.
تساءلت: أأخفيها في الحزام؟ لم يكن بإمكاني التفكير فيه. إذن من المستحيل التوجه إلى قمة جبل أبي قبيس لزيارته أو القيام بأي عبادة.. تسلقنا الجانب الوعر من الجبل بهدوء من دون أن نلتفت وراءنا. وكأننا شخصان مؤمنان لا يشغل بالهما شيء عن الورع والتقوى، وبعد وصولنا إلى أسفل البناية جلسنا أرضاً كما لو أننا نلتقط أنفاسنا -ما أروع المشهد- المدينة كلها تنبسط تحت أقدامنا، وكان الجو صحواً لدرجة يمكن معها أن يرى بوضوح تام أي جسم مهما كان صغيراً في الحرم الشريف الذي كان يوجد فيه بعض المصلين. وكالعادة، فقد كان هناك أناس بلباسهم الأبيض يطوفون بالكعبة المشرفة ذات اللون الأسود.
أعترف أني لم استمر طويلاً في هذا التأمل، إذ انتقلت بسرعة إلى العمل، أخذت آلة التصوير لالتقاط صور بانورامية، فالتقطت المشهد الأول، فالثاني، فالثالث فالرابع فالخامس على التوالي.. التقطت هذه المشاهد كلها وأنا واقع تحت تأثير خاص، كما لو أني فرغت لتوي من إنجاز شيء خارق، بقيت جالساً فترة على الأرض، ثم قمت، فقلت لعبد الواحد لنذهب، ومن دون أن ننبس ببنت شفة. غادرنا هذه المناطق الخطيرة. لقد نجونا... لكن ألم يشعر الحراس بوصولنا، أم تراهم كانوا في الجهة الأخرى عند بوابة الدخول؟ إنه لغز، ومهما يكن الأمر فإن أحداً لم يشاهدنا، ولم يبق لنا سوى النزول بسرعة.
اعتقدت أنه كان يجب عليّ كسر وتيرة الصمت وتقديم شرح لمرشدي.. وفي أول منعرج من ممر النزول قلت له: «أرأيت يا عبد الواحد، إن نظري سيئ لا يسمح لي بالرؤية بعيداً، وبمساعدة هذه الآلة الصغيرة أصلحت بصري فإحدى عينيَّ تبصر بعيداً والأخرى تبصر قريباً، وبهذه الآلة أستطيع الرؤية بشكل أفضل».
- لكن عبد الواحد أجابني قائلاً: إنه يعرف ذلك، فهذه الآلات تلتقط صور البلدان. لقد رأيت آلات تشبهها سابقاً في طنجة.
- فأجبته هل أذنبت يا أخي؟ وفي هذه الحالة سأقوم بتحطيمها فوراً.
- فرد عليّ: لا يا أخي، مادمت لا تصور الوجوه، الأمر سيان، خذ حذرك كثيراً كي لا يراك أحد، سيتهمونك بالتجسس السياسي، وستقتل بلا شفقة ولا رحمة.. وقد حدث هذا كثيراً في موسم الحج. أحسست فعلاً بحجم تهوري وحماقة مشروعي الذي أنوي فيه جمع الوثائق الضرورية لتأليف كتاب مدعم بالصور عن مكة المكرمة. مسكين هذا الحاج آكلي الذي يجهل تقنية التصوير، ظناً منه إن الأمر ينحصر فقط في التقاط بعض الكليشيهات بشكل سري في بعض الأحياء المعزولة، أو تصوير نوافذ بيوت بعض الأصدقاء، أو بعض الأسطح، وهذا سيكون كافياً في نظره.
كان خطر اتهامي بالجاسوسية كبيراً، إلا أنني كنت أتخذ من وجودي في مكة المكرمة خارج وقت الحج حجة لمصلحتي، إذ أكرر على مسامع من يسألني: لو كانت نيتي سيئة، كان بإمكاني أن استغل وقت الحج للتستر وسط الجموع، فأضيع بين الأجانب من كل الأجناس ومن جميع البلدان، ومع ذلك فقد نبهني الشيخ محمد عابد، صديقي المفتي المالكي على أنني يجب أن أهنئ نفسي على مناخ التسامح الكبير الذي أصبح معمولاً به اليوم مع الأجانب الراغبين في الإقامة في المدينة خارج موسم الحج ثم أردف قائلاً: في السابق كان الأمر مختلفاً تماماً، فمنذ ما يقرب من ثماني سنوات كان المسؤولون يفرغون المدينة مباشرة بعد انتهاء موسم الحج. بعد ثلاثة أيام من العودة من عرفات يشرع المنادون في شوارع المدينة المقدسة قائلين: «هيا.. أيها الحجاج لقد حان وقت الرجوع إلى أوطانكم غداً ستنطلق قوافل مصر وسورية. كما أن السفن راسية في ميناء جدة، في انتظار من يرغب في السفر إلى بلده، وقريباً ستبحر وبإذن الله ستصلون إلى بلدانكم سالمين غانمين مشمولين بالبركة».‏













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم يوم أمس, 06:05 AM   رقم المشاركة : 2
قطر الندى
مشرفة



افتراضي رد: رحالة فرنسي يصف رحلة الحج عام 1894

رائعة هذه الكتب وللأسف لا نجدها في معارض الكتب ...
مقطع الكتاب للحاج الفرنسي رائع ووصفه دقيق اتمنى معرفة اسم الكتاب ...

جزاك الله خيراً أخي ابوخيثمة ...







 قطر الندى غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
1894, الجد, يصف, رحلة, رح

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
رحلة الحجّ العرفانية.. تجربة عملية في الرد على المستشرقين الشَّهيد أبو روعة تاريخ الأمة الإسلامية والعصر الوسيط 1 29-Mar-2010 01:53 PM


الساعة الآن 11:53 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع