منتديات حراس العقيدة

« آخـــر الــمــواضــيــع »
         :: حكومة موافج تجدد لنفسها (آخر رد :اسد الرافدين)       :: مختارات من معجم التثقيف اللغوي . (آخر رد :أبو خيثمة)       :: همسة للذاكرين وتذكرة للغافلين........ (آخر رد :معتصم بالله)       :: ناديا المودن. nadiya lmawaddane (آخر رد :محمد نينش)       :: ناديا المودن. nadiya lmawaddane (آخر رد :أبو خيثمة)       :: المؤلفات من النساء ومؤلفاتهن في التاريخ الإسلامي (آخر رد :أبو خيثمة)       :: كيف تصبح ملكاً ؟ (آخر رد :أبو خيثمة)       :: لغز فرار الحاج أمين الحسيني من يد الحلفاء (آخر رد :المعز بن باديس)       :: من داخل موقع التاريخ الدكتور محمد موسى لشريف يهنئكم (آخر رد :أبو خيثمة)       :: نعم .. الإسلام ليس هو الحل !! (آخر رد :أبو خيثمة)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> الكشكول



حكيم آل مروان

الكشكول


إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 10-Nov-2010, 11:18 PM   رقم المشاركة : 1
hisham88
مصري قديم



افتراضي حكيم آل مروان

حكيم آل مروان





بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير خلقه
أما بعد
فمن عجائب تاريخنا ومن معالم إعجازه ، امتلاكه القدرة على شحذ الهمم باتجاه واحد لا ثاني له يلاحظ ذلك من وعاه وعرف مناط الإعجاز فيه ، ألا وهو دفع الفعل الإنساني باتجاه العلم ، لا ليكون العلم هدفا بحد ذاته وليكون الحصول عليه غاية بعينها ، بل عد طلب العلم وسيلة لتحقيق غاية لن يتمكن البشر من الوصول إلا من خلاله حيث يستحيل تسخير الكون بالشكل الذي يخدم مصلحة الإنسان إلا بواسطته 0
والعلم هو حالة كانت ولا تزال قائمة في حياة رجالات هذه الأمة وفي شتى عصورها 0 حتى وإن لم يكن البعض عنصرا فاعلا فيه ، فنجده حاضا عليه داعماً له ، حتى غدت الأمة وستعود بإذن الله رائدة على الصعيد الإنساني بامتلاك ناصية العلم بكل صوره وأشكاله ، وباعتقاد يقيني أنه الوسيلة الوحيدة للريادة الإنسانية وتبوء المكانة التي يتحقق من خلالها التسخير الأمثل لهذا الكون الذي لن يمنحنا الخالق مفاتيح تسخيره إلا من خلال ناصية العلم بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى 0
فملايين الكتب وفي كل الميادين تشكل أثر أمة كان العلم لها منهاجاً ووسيلة للرقي الإنساني 0
ولعلي أستطيع تسليط الضوء على شخصية ليست بالعادية في بنائها الاجتماعي بل هي تحمل جملة من الصفات قد تثير العجب في تكوينها ، فالقلة مثلا ممن يتبوؤن سدة السلطة أو ممن يبتغون الوصول إليها يغمرهم هاجس العلم فلا يغيب عنهم ليظهر ملازما للعمل السياسي المناط بهم ، ولنا أن نلاحظ ذلك في شخص عبد الملك بن مروان والمأمون وأبي الفداء ، وغيرهم من أمراء هذه الأمة إلا الكثرة منهم انشغلوا بالقضايا السياسية وإن كانوا وراء كل عالم يقدمون له الدعم النفسي والمعنوي والمادي 0
إلا أن الشخصية التي نحن بصدد التعريف بها قد جمعت بين رغبتها في السلطة وحبها للعلم لتكون السلطة خادما العلم لا سيدا عليه ، إضافة لجملة من الصفات التي تضافرت حتى لا تكاد فيها اللحمة تميز عن السدى ، فهي في حالة من التناغم البعيد عن الازدواجية والتناقض0
رزانة في العقل مع فصاحة اللسان وجزالة القول مقرونة مع موهبة الشعر التي طوعت اللفظ ليصبح عذبا جذلا في مبناه عميقا في معناه 0امتزجت مع صفات أخرى لتضيف لتك الشخصية صفات إنسانية راقية ، غنمت من موقعها الاجتماعي أشياء كثيرة منحها تكوينها وطعما خاصاً بألوان شتى كلها يشدك كأنك في حديقة دمشقية من عهد بني أمية تتجلى أمامك الدار الخضراء التي وصفت حينها بسرة الدنيا وقبلتها0
فنحن أمام أب محاور هادئ وصاحب همة بل وعاشق مبتعد عن المجون 0كما أنه طالب علم موسوعي الصفة وإن كان ذلك شيء قد غلب على أبناء هذه الأمة حتى لتكاد العلوم كلها تجتمع في شخص رجل واحد كالشافعي مثلا ، وربما جمع الفضل في طلب العلم بين حكيم آل مروان رحمه الله وبين الشافعي رضي الله عنه وإن اختلفت المكانة والأسلوب والاتجاه ، لتبقى الهمة في طلب العلم رابطا وهاجسا يربط بين طلاب العلم والمعرفة من أبناء هذه الأمة0
لم يكن التوسع المكاني هو الهدف الرئيس لقادة وأبناء الفتح العربي الإسلامي ، بل كان الرقي والسمو بدلالة العلم ولدحر الجهل وتجميل الدنيا بتاج العلم على اختلاف صوره وتعدد أشكاله هو الشغل الشاغل لهم 0
لقد أدرك الأولون ما أريد منهم ولهم ، فكان التوجه الأول من كلام الباري ( اقرأ ) دافع لطلب العلوم كافة لتكون الترجمة إحدى هذه التوجهات فانطلقت حركة لا تهدأ لنقل علوم الأمم الأخرى عملا بقول النبي e الحكمة ضالة المؤمن فأين وجدها فهو أحق بِهَا[1] ولتكون الانطلاقة الأولى في زمن بني أمية ثم لتترسخ في العهد العباسي مشاركة في إنماء التراث الإنساني في شتى مجلاته وعلى اختلاف صعده لقد لمع في سماء حركة النقل والترجمة أسماء لأعلام أمثال قسطا بن لوقا البعلبكي : الطبيب الحاذق النبيل المنجم العارف بالحساب والهندسة عاش في أيام المقتدر بالله العباسي وكان فصيحاً باللغة اليونانية جيد العبارة بالعربية توفي بأرمينية عند بعض ملوكها[2] ويؤكد ابن النديم البغدادي ما ذكر ويضيف إليه معرفته بالأعداد والموسيقى[3] وينقل أبي عثمان الدمشقي كتاب العقل والمعقول في سبع مقالات من اللغة السريانية وكتاب الاسطقسات و كتاب أخبار الفلاسفة[4] كما ينقل عبد المسيح بن عبد الله الحمصي كتاب أقليدس والذي أصلح نقله فيما بعد ثابت بن قرة الحراني ابن ناعمة[5]
إلا أن خالد بن يزيد بن معاوية إن لم يكن الأول في رعايته لحركة النقل والترجمة فهو من الأوائل فيها ، فابن النديم صاحب كتاب الفهرست يسمي خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان حكيم آل مروان ويقول كان فاضلا في نفسه وله همة ومحبة للعلوم خطر بباله الصنعة ( والمقصود هنا الكيمياء ) فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونانيين ممن كان ينزل الفسطاط بمصر وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي وهذا أول نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة[6]
ويؤكد هذه المقولة أبو الهلال العسكري بقوله : هو أول من تُرجم له في الطب والنجوم ويضيف فيقول وكان شاعراً فصيحاً جوادا قيل له جعلت أكثر شغلك في هذه الصنعة ( الكيمياء ) ، فيعلل خالد بن يزيد سبب اهتمامه هذا فيقول: أطلب بذلك أن أغني الأخوان وأصل الأقارب والجيران ، إني طمعت في الخلافة واختزلت دوني ، فلم أجد منها عوضاً إلا أن أبلغ آخر هذه الصنعة ، فلا أحوج أحداً عرفني أن يقف بباب سلطان رغبة أرهبة 0
ويذهب ابن خلكان نفس المذهب فيقول : أبو هاشم : خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي كان من أعلم قريش بفنون العلم وله كلام في صناعة الكيمياء والطب وكان بصيرا بهذين العلمين متقنا لهما وله رسائل دالة على معرفته وبراعته وأخذ الصناعة عن رجل من الرهبان يقال له مريانس الراهب الرومي وله فيها ثلاث رسائل تضمنت إحداهن ما جرى له مع مريانس الراهب المذكور وصورة تعلمه منه والرموز التي أشار إليها حسن التصرف مع سعة العلم[7]
ومن شعره في العلم قوله :


هَلْ أنت مُنْتِفعٌ بِعلــ مك مَرّةً والعِلــم نافِعْ





ومِنٍ المُشير عليك بال رأي المُسدَّد أنت سـامِع





الموت حَوْض لا مَحا لةَ فيه كلُّ الخَلْق شـارع





ومِن التُّقَى فازْرَع فإن ك حاصِدٌ ما أنتَ زارع[8]



كما يصفه الأمام الذهبي بالعلم والدين والعقل[9]ولربما تكفيه شهادة أداها فيه عمرُ بنُ عبد العزيز رحمه الله تعالى حيث قال : ما ولدتْ أُميةُ مثلَ خالد بن يزيد[10] 0
وهو عالم تجريبي الصفة ذكر أنه كان في مجلس عبد الملك بن مروان فذكروا الماء وعلاقته بالنبات فقال خالد بن يزيد : منه من السماء ومنه ماء يستقيه الغيم من البحر فيعذبه الرعد والبرق ؛ فأما ما يكون من البحر فلا يكون له نبات وأما النبات فما كان من ماء السماء وقال : إن شئت أعذبت ماء البحر . قال : فأمر بقلال من ماء ثم وصف كيف يصنع به حتى يعذب[11] لقد نسب أصحاب التراجم والسير عدداً من التصانيف في الكيمياء لخالد بن يزيد . منها السر البديع في فك الرمز المنيع، كتاب الفردوس ورسائل أخرى[12]
وإذا عدنا للوراء قيلاً لنتذكر أحداث مرت في سني طفولته فلقد تنازل أخاه معاوية بن يزيد عن الخلافة ، لينقسم الناس بين مولاة ابن الزبير رضي الله عنهما أو مولاة الأمويين ، ليُظهر هذا الاضطراب براعة هذا الرجل منذ نعومة أظفاره وفي الموطن الحرجة من الأمور فعندما يقف الضحاك بن قيس الفهري وهو - زبيري المذهب- خطيبا في دمشق وقد ضج الناس بين مؤيد للأمويين ومعارض ليظهر فجأة غلام يصعد مرقاتين من المنبر وقد اعتلاه والضحاك بن قيس فيتكلم خالد بن يزيد بكلام أوجز فيه لم يسمع مثله فتسكن قلوب الناس وينزل الضحاك لصلي بالناس الجمعة في أمن وطمأنينة [13]
ويشب خالد بن يزيد لتتجلى عنده صفات أخرى فنراه صاحب فراسة وبعد نظر فمما رواه أبي الأعين قال كنت في صحن بيت المقدس مع خالد بن يزيد بن معاوية إذ أقبل فتى شاب فسلم على خالد فاقبل عليه خالد فقال الفتى لخالد هل علينا من عين قال فبدرت فقلت نعم عليكما من الله عين سميعة بصيرة فترورقت عينا الفتى ونزع يده من خالد ثم ولى فقلت لخالد من هذا قال أما تعرف هذا هذا عمر بن عبد العزيز أخو أمير المؤمنين ولئن طال بك وبه حياة لتراه إمام هدى [14] ، ونراه مرة أخرى حسن الخيار بعيد النظر فلما استخلف عبد الملك بن مروان طلب من خالد بن يزيد بن معاوية شراء الدار الخضراء وهي دار الأمارة بدمشق فابتاعها منه بارعين ألف دينار وأربع ضياع بأربعة أجناد الشام اختارهن فاختار من فلسطين عمواس ومن الأردن قصر خالد ومن دمشق أندركيسان ومن حمص دير زكى [15]
ويرغب عبد الملك بن مروان في جعل الطوامير في صورة جديدة بإضافة قل هو الله أحد وذكر النبي e فيكتب ملك الروم: إنكم قد أحدثتم في طواميركم شيئاً من ذكر نبيكم، فاتركوه، وإلا أتاكم في دنانيرنا من ذكره ما تكرهون، فعظم ذلك في صدر عبد الملك، فأرسل إلى خالد بن يزيد بن معاوية فقال: يا أبا هشام ، أجدني بباب طبق، قال: أفرج الله روعك يا أمير المؤمنين، حرم دنانيرهم ، واضرب للناس سككاً فيها ذكر الله تعالى، وذكر نبيه e، ولا تعفهم مما يكرهون، فضرب الدنانير سنة خمس وسبعين ، فتقدم عبد الملك بذلك واستمر.[16]
وهو مع هذه الفطنة شجاعاً جريئاً تجلى ذلك في مناظرات عديدة جرت بينه وبين عبد الملك ابن مروان ، فلقد تهدده مرةً بالسطوة والحرمان فقال له: فقال له خالد يا أمير المؤمنين أتهددني ويد الله فوقك مانعة، وعطاؤه دونك مبذول؟
وأجرى أخوه عبد الله بن يزيد الخيل مع الوليد بن عبد الملك فسبقه عبد الله ، فدخل الوليد على خيل عبد الله فنقرها[17] ولعب بها فجاء عبد الله إلى أخيه خالدٍ فقال: لقد هممت اليوم بقتل الوليد بن عبد الملك، فقال له خالد: بئس ما هممت به في ابن أمير المؤمنين وولى عهد المسلمين، قال: إنه لقي خيلي فنفرها وتلاعب بها، فقال له خالد: أنا أكفيكه فدخل خالد على عبد الملك وعنده الوليد وقال له يا أمير المؤمنين: إن الوليد بن أمير المؤمنين لقي خيل ابن عمه عبد الله فنقرها وتلاعب بها فشق ذلك على عبد الله.
فقال عبد الملك: إن الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوا وجعلوا أعزة أهلها أذلةً، وكذلك يفعلون.
فقال له خالد: وإذا أردنا أن نهلك قريةً أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً. فقال له عبد الملك: أما والله لنعم المرء عبد الله على لحن فيه.
فقال له خالد: أفعلى الوليد تعول مع اللحن. فقال عبد الملك إن يكن الوليد لحاناً فأخوه سليمان. قال خالد: وإن يكن عبد الله لحاناً فأخوه خالد.
فقال عبد الملك: مدحت والله نفسك يا خالد.
قال: وقبلي والله مدحت نفسك يا أمير المؤمنين
قال: ومتى؟
قال: حين قلت أنا قاتل عمرو بن سعيدٍ، حق والله لمن قتل عمراً أن يفخر بقتله
قال: أما والله لمروان كان أطولنا باعاً
قال: أما إني أرى ثأري في مروان صباح مساء، ولو أشاء أن أديله لأدلته؟
قال ما أجرأك علي يا خالد خلني عنك.
قال لا والله ، وذكّرَهُ بقول الشاعر :


ويجر اللسان من أسلات[18] الـ حرب ما لا يجر منها البنان



فقال عبد الملك: يا وليد أكرم ابن عمك، فقد رأيت أباه يكرم أباك، وجده يكرم جدك.[19]
تزوج خالد بن يزيد أكثر من أمرة ، ترفع إحداهن بشرفها من هان شرفه ، منهن أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وآمنة بنت سعيد بن العاصي بن أمية، ورملة بنت الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي[20] ولكن الأخيرة كانت ذات حظوة لديه وفيها يقول خالد :


تخيرتها من سر نبع كريمة ... موسطة فيهم زبيرية قلبا



ويروي صاحب المختصر في تاريخ دمشق أن عبد الملك بن مروان حج وحج معه خالد بن يزيد وكان عظيم القدر عنده فبينا هو يطوف بالبيت إذ بصر برملة بنت الزبير بن العوام فعشقها عشقا حديدا ووقعت بقلبه وقوعا متمكنا فلما أراد عبد الملك القفول هم خالد بالتخلف عنه فوقع بقلب عبد الملك تهمة فسأله عن أمره ؟ فقال : يا أمير المؤمنين رملة بنت الزبير رأيتها تطوف بالبيت فأذهلت عقلي والله ما أبديت إليك ما بي حتى عيل صبري ولقد عرضت النوم على عيني فلم تقبله والسلو على قلبي فامتنع ؛ فأطال عبد الملك التعجب من ذلك وقال : ما كنت أقول إن الهوى يستأسر مثلك ! فقال : إني اشد تعجبا من تعجبك مني ولقد كنت أقول : إن الهوى لا يتمكن إلا من صنفين من الناس الشعراء والأعراب ؛ فأما الشعراء فإنهم ألزموا قلوبهم الفكر في النساء والغزل فمال طبعهم إلى النساء فضعفت قلوبهم عن دفع الهوى فاستسلموا إليه منقادين وأما الأعراب فإن أحدهم يخلو بامرأته فلا يكون الغالب عليه غير حبه لها ولا يشغله شيء عنها فضعفوا عن دفع الهوى فتمكن منهم . وجملة أمري فما رأيت نظرة حالت بيني وبين الحرم وحسنت عندي ركوب الإثم مثل نظري في هذه ؛ فتبسم عبد الملك وقال : أو كل هذا قد بلغ بك ؟ فقال : والله ما عرفتني هذه البلية قبل وقتي هذا . فوجه عبد الملك إلى آل الزبير يخطب رملة على خالد فذكروا لها ذلك فقالت : لا والله أو يطلق نساءه فطلق امرأتين كانتا عنده إحداهما من قريش والأخرى من الأزد وكانتا كريمتين عنده . وظعن بها إلى الشام وفيها يقول :


أليس يزيد الســوق في كل ليلة وفي كل يــوم من حبيبتنا قربا





خليلي ما من ســاعة تذكرانها من الدهر إلا فرجت عني الكربا





أُحِبُ بنــي العوام طرا لحبها ومن أجلهـا أحببت أخوالها كلبا





تجول خلاخيل النسـاء ولا أرى لرملة خلخـــالا يجول ولا قلبا





أحن إلـى بيت الزبير وقد علت بي العيس خرقا من تهامة أو نقبا





إذا نزلت أرضــاً نحبب أهلها إلينا وإن كانت منــازلها حربا





وإن نزلت مــاء وكان قليبها مليحا وجدنا شــربه باردا عذبا





أقلوا علـــي اللوم فيها فإنني تخيرتها منهم زبيريــــة قلبا





أحب بنــي العوام طرا لحبها ومن حبها أحببت أخــوالها كلبا[21]



وتقوده رحلة الحج مرة أخرى لزواج شاعرة من كلب فبينما كان عائداً من رحلة الحج أورد إبله على ماء شيخ من كلب ومعه ابنة له كأنها ظبية عيطاء[22] تعينه على سقي الإبل من أتم النساء ما بين قرن إلى قدم وهي في بردتين لها قد اتزرت بواحدة وتدرعت الأخرى . فرأى شيئا لم ير مثله فقال لمولى له : انطلق إلى هذا الأعرابي فاخطب علي ابنته وأعطه ما سأل . فتزوج إياها على مئة من الإبل وأهديت إليه في البردتين كما رآها فلم يزدد إلا سرورا فكانت تسامره وتنشده أشعار قومها وتفتخر فلما أغاظته قال : أنسيت البردتين ؟ فأعرضت عنه طويلا ثم أنشأت تقول : من الطويل


أخالد مهـــلا لا يعير بالفقر ... فكم من فتى نذل الخليقة ذي وفر





وآخر محمود الخليقــة معوز ... من المال لا يزري به لازم الفقر





ومن ذات بعل في حلي مظاهر ... وترفل في بز العراق وفي العطر





مذممة الأخلاق والغدر همـة ... وإن مزجت منها البشاشـة بالبشر





حصان لها خلق ودل مبتــل ... هضيم الحشـا حوراء آلفة الخدر



فلما قدم الشام تلقاه عبد الملك بن مروان فسأله عن سفره فأخبره وحدثه بحديث الأعرابية وبردتيها فانصرف عبد الملك إلى نسائه فحدثهن بذلك فقلن : يا أمير المؤمنين أن لو بعثت إلينا ببردتيها حتى ننظر إليهما . فسرح رسولا فلما أتى خالدا الرسول قالت : ما كنت لأفعل حتى أوجه إليه بأبيات فإن استحسن أن ينظر إليهما فهو أعلم . فسرحت إليه : من الكامل


يا ابن الذوائب من أميــة والذي ... أفضت إليه خلافة الجبـــار





فيم اســـــتفزك خالد بحديثه ... حتى هممت بأن ترى أطماري





مهلا أمير المؤمنين فما الـــذي ... أحببت من ذاكم علي بعـــار





فلئن رأيت سحيق شـملي باليا ... إنــــي لمن قوم ذوي أخطار





صُبرٌ على ريب الزمـان أعزةٌ ... لا يخفرون بذمـــــة وجوار





غُلبٌ إذا حمي الوطيس وجدتهم ... صُبراً لــدى الهيجا بني أحرار





فاترك مقالة خالـــد وحديثه ... واحفظ مقالة معشــــر أخيار



فوجه إليها عبد الملك بألف دينار وقال : إنما أردنا استخراج هذا الشعر منك[23]
ومما عرف عن خالد بن يزيد حبه للحديث فهو لا يألف الصمت بل يمقته ويلجأ للجواري أحياناً وهو يعلم أن الحديث معهن لا يروي غليله فيقول إني لأعلم أنكن لستن له بأهل يريد بذاك الحفظ[24]
ومن جميل حواره مع أحد الرهبان قال خالد بن يزيد كانت لي حاجة بالجزيرة فاتخذتها طريقا مستخفيا قال فبينا أنا أسير بين أظهرهم فإذا أنا بشمامسة[25] ورهبان وكان رجلا لبيبا لسنا ذا رأي فقلت له ما جمعكم ههنا قالوا إن شيخا سياحا نلقاه في كل يوم مرة في مكانك هذا فنعرض عليه ديننا وننتهي فيه إلى رأيه قال وكنت رجلا معنيا بالحديث فقلت لو دنوت من هذا فلعلي أسمع منه شيئا أنتفع به قال فدنوت منه فلما نظر إلي قال لي ما أنت من هؤلاء قلت أجل قال من أمة محمد أنت قلت نعم قال من علمائهم أو من جهالهم قال قلت لست من علمائهم ولا من جهالهم قال ألستم تزعمون في كتابكم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون قال قلت نعم نقول ذلك وهو كذلك قال فإن لهذا مثلا في الدنيا فما هو قال قلت مثل هذا الصبي في بطن أمه يأتيه رزق الرحمن بكرة وعشيا لا يبول ولا يتغوط قال فتربد وجهه وقال لي ألم تزعم أنك لست من علمائهم قال : قلت بلى ما أنا من علمائهم ولا من جهالهم قال لي ألستم تزعمون أن أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا ينتقص مما في الجنة شيء قال نقول ذلك وهو كذلك قال فإن لهذا مثلا في الدنيا فما هو قال فقلت مثل هذا مثل رجل أتاه الله علما وحكمة وعلمه كتابه فلو اجتمع جميع من خلق الله فتعلموا منه ما نقص من علمه شيء قال فتربد وجهه فقال ألم تزعم أنك لست من علمائهم قال قلت أجل ما أنا من علمائهم ولا من جهالهم 0000والحوار له بقية [26]
وهو حكيم أيضا في مقولاته وحتى في شعره ومن أقواله عندما سئل ما أقرب شيء؟ قال: الأجل. قيل: فما أرجى شيءٍ؟ قال: العمل. قيل فما أوحش شيء؟ قال الميت. قيل فما آنس شيء؟ قال الصاحب المؤاتي.
وقيل له: ما الدنيا؟ قال ميراث. قيل: فالأيام؟ قال دول.قيل: فالدهر؟ قال أطباق والموت يكمل سبيله، فليحذر العزيز الذل، والغنى الفقر، فكم عزيزٍ قد ذل، وكم من غنى قد افتقر.
وقال أيضاً: إذا كان الرجل ممارياً لجوجاً معجباً برأيه فقد تمت خسارته. أو شامت بنكبة؟
ومن جميل قوله أيضاً في عكرمة رحمه الله مولى ابن عباس رضي الله عنهم : صاحب رجل عالم وبئس صاحب رجل جاهل أما العالم فيأخذ ما يعرف وأما الجاهل فيأخذ كل ما سمع [27]
ومن شعر خالد بن يزيد في الحكمة قوله :


أتعجب أن كنت ذا نعمةٍ وأنك فيها شريف مهيب؟





فكم ورد الموت من ناعمٍ وحب الحياة إليه عجيب





سقته ذنوباً من أنفاسـها ويذخر للحى منها ذنوب[28]



ومن قوله:


هَلْ أنت مُنْتِفعٌ بِعلــ مك مَرّةً والعِلــم نافِعْ





ومِنٍ المُشير عليك بال رأي المُسدَّد أنت سامِع





الموت حَوْض لا مَحا لةَ فيه كلُّ الخَلْق شارع





ومِن التُّقَى فازْرَع فإن ك حاصِدٌ ما أنتَ زارع[29]




والحديث عن الشجاعة يفترض الحديث عن صفة الكرم فهما صفتان متلازمتان فمن اتصف بالشجاعة اتصف بالكرم والعكس صحيح ، وهما صفتين لازمتا خالداً حتى وفاته 0
فهو القائل: من جاد بماله فقد جاد بنفسه، لأنه جاد بما لا قوام لنفسه إلا به.[30] وقيل: أن شاعراً قصد خالد بن يزيد، فقال له: إني قد قلت فيك بيتين ولست أنشدهما إلا بحكمي، فقال له قل، فقال:


سألت الندى والجود حران أنتما؟ فقالا بلــــى عبدان بين عبيد





فقلت ومن مولاكما فتطاولا علي وقالا خـــــــالد بن يزيد



فقال له تحكم بماذا . فقال : مائة ألف درهمٍ، فقال : يا غلام أعطه مائة ألف درهم وقل له : إن زدتنا زدناك فأنشد يقول:


كريم كريم الأمــهات مهذب تدفق يمناه الندى وشـــمائله





هو البحر من أي الجهات أتيته فلجته المعروف والجود ساحله





جواد بسيط الكف حتى لو أنه دعاها لقبض لم تجبه أنــامله



فقال يا غلام: أعطه مائة ألف درهم وقل له: إن زدتنا زدناك، فأنشد يقول:


تبرعت لي بالجود حتى نعشـتني وأعطيتني حتى حســبتك تلعب





وأنبت ريشاً في الجناحين بعـدما تسـاقط مني الريش أو كاد يذهب





فأنت الندى وابن الندى وأخو الندى حليف الندى ما للندى عنك مذهب



فقال يا غلام: أعطه مائة ألف درهم وقل له: إن زدتنا زدناك، فقال: حسب الأمير ما سمع،وحسبي ما أخذت وانصرف. [31]
وهو في الختام فخالد من رواة الحديث الشريف عن رسول الله e وروى عنه الزهري وغيره وقيل عنه أن صدوق[32] ففي مسند الأمام أحمد عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى هِلاَلٍ عَنْ عَلِىِّ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِي مَرَّ عَلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَسَأَلَهُ عَنْ أَلْيَنِ كَلِمَةٍ سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ e فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ e يَقُولُ « أَلاَ كُلُّكُمْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ شَرَدَ عَلَى اللَّهِ شِرَادَ الْبَعِيرِ عَلَى أَهْلِهِ ».
لزم خالد بن يزيد بيته في نهاية حياته فقيل له : كيف تركت مجالسة الناس وقد عرفت فضلها ولزمت بيتك ؟ ! فقال : وهل بقي إلا حاسد على نعمة أو شامت بنكبة[33]
توفي رحمه الله في سنة تسعين [34]


*******************



المدرس هشام كرامي



[1] سنن الترمذي

[2] الوافي في الوفيات صلاح الدين أبو الصفا خليل بن أبيك بن عبد الله الصفدي [ جزء 1 - صفحة 3244 ]

[3] عيون الأنباء في طبقات الأطباء موقف الدين بن العباس أحمد بن القاسم بن خليفة ج: 1 ص: 329

[4] الفهرست ج: 1 ص: 354

[5] عيون الأنباء في طبقات الأطباء ج: 1 ص: 280

[6] الفهرست ج: 1 ص: 338

[7] وفيات الأعيان ج: 2 ص: 224

[8] العقد الفريد بن عبد ربه 917

[9] العبر في خبر من غبر محمد بن أحمد بن قتيماز الذهبي 1 ج: 1 ص: 105

[10]العقد الفريد بن عبد ربه 917

[11] مختصر تاريخ دمشق [ جزء 1 - صفحة 1046 ]

[12] معجم الأدباء ياقوت الحموي2357

[13] تاريخ الطبري ج: 3 ص: 380

[14] حلية الأولياء أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني ج: 5 ص: 256

[15] أخبار وحكايات أبو الحسن محمد بن الفيض الغساني ج: 1 ص: 26

[16] الأوائل أبو هلال العسكري 391/392

[17] النقر جاءت الخيل أثابي زمرا/ لسان العرب ج: 5 ص: 231

[18] أسلات ألسنتهم وهي جمع أسلة وهي طرف اللسان وفي حديث مجاهد إن قطعت الأسلة فبين بعض الحروف ولم يبين بعضا يحسب بالحروف أي تقسم دية اللسان على قدر ما بقي من حروف كلامه التي ينطق بها لغته فما نطق به فلا يستحق ديته وما لم ينطق به استحق ديته لسان العرب ج: 11 ص: 15

[19] معجم الأدباء ياقوت الحموي2353 /2355

[20] الكامل في اللغة والأدب للمبرد

[21] مختصر تاريخ دمشق [ جزء 1 - صفحة 1175 ]

[22] امرأة عيطاء طويلة العنق لسان العرب ج: 7 ص: 357

[23] مختصر تاريخ دمشق [ جزء 1 - صفحة 3991 ]

[24] تاريخ دمشق [ جزء 16 - صفحة 305 ]

[25] الشماس من رؤوس النصارى الذي يحلق وسط رأسه ويلزم البيعة قال ابن سيده وليس بعربي صحيح والجمع شمامسة ألحقوا الهاء للعجمة أو للعوض لسان العرب ج: 6 ص: 114

[26] تاريخ دمشق [ جزء 16 - صفحة 307 ]

[27] سير أعلام النبلاء ج: 5 ص: 29

[28] معجم الأدباء ياقوت الحموي2357

[29] العقد الفريد ابن عبد ربه ص 917

[30] ربيع الأبرار ونصوص الأخيار الزمخشري 2406

[31] المستطرف في كل فن مستظرف محمد بن أحمد بن منصور الأبهشي المحلي أبو الفتح ص794

[32] تهذيب الكمال وسف بن الزكي عبد الرحمن أبو الحجاج المزي [ جزء 8 - صفحة 203 ]

[33] مختصر تاريخ دمشق [ جزء 1 - صفحة 1046 ]

[34] تاريخ الإسلام [ جزء 1 - صفحة 692 ]












التوقيع

muaaz

آخر تعديل hisham88 يوم 10-Nov-2010 في 11:32 PM.
 hisham88 غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم يوم أمس, 07:59 AM   رقم المشاركة : 2
 
الصورة الرمزية اسد الرافدين

 




افتراضي رد: حكيم آل مروان

احسب ان الاخ هشام هو المدرس كاتب الموضوع ولي عودة عليه باذن الله وعلى باقي مواضيعك.
شكري لك












التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ
نعتزّ بهذا التوقيع ولا ننسى مناسبة اهدائه

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ
العراق في ضمائر المُخلصين
يا أمة تتداعى عليها الأمم متى ستكون النخوة قبل الندم؟

  اسد الرافدين متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
مروان, مروانحكيم, حكيم

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الجاهلية .. وعصور الخلافة بعد البعثة المحمدية السعيد شويل التاريخ القديم 1 01-Jun-2010 12:36 AM
"دهيد يا جوانكثان" اسد الرافدين تاريخ الأمة الإسلامية والعصر الوسيط 3 18-Feb-2010 01:55 AM


الساعة الآن 11:53 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع