منتديات حراس العقيدة

« آخـــر الــمــواضــيــع »
         :: حكومة موافج تجدد لنفسها (آخر رد :اسد الرافدين)       :: مختارات من معجم التثقيف اللغوي . (آخر رد :أبو خيثمة)       :: همسة للذاكرين وتذكرة للغافلين........ (آخر رد :معتصم بالله)       :: ناديا المودن. nadiya lmawaddane (آخر رد :محمد نينش)       :: ناديا المودن. nadiya lmawaddane (آخر رد :أبو خيثمة)       :: المؤلفات من النساء ومؤلفاتهن في التاريخ الإسلامي (آخر رد :أبو خيثمة)       :: كيف تصبح ملكاً ؟ (آخر رد :أبو خيثمة)       :: لغز فرار الحاج أمين الحسيني من يد الحلفاء (آخر رد :المعز بن باديس)       :: من داخل موقع التاريخ الدكتور محمد موسى لشريف يهنئكم (آخر رد :أبو خيثمة)       :: نعم .. الإسلام ليس هو الحل !! (آخر رد :أبو خيثمة)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> التاريخ الحديث والمعاصر




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم يوم أمس, 08:45 AM   رقم المشاركة : 1
 
الصورة الرمزية المعز بن باديس

 




افتراضي لغز فرار الحاج أمين الحسيني من يد الحلفاء

الحاج أمين الحسيني وفلسطين، كتاب يمزج بين المذكرات والحوار كتبه زهير مارديني من خلال لقاءات جمعته بمفتي القدس ورائد الكفاح الفلسطيني الحاج محمد أمين الحسيني في السنوات الأخيرة من حياته ببيروت، يشتمل الكتاب على وصف تفصيلي لمحطات ومراحل كفاح الحاج أمين، ومساهمته وقيادته للكفاح ضد الصهيونية والسلطات البريطانية المتواطئة معها، وهروبه من فلسطين إلى لبنان، وهروبه من لبنان إلى العراق، و أيضا من العراق إلى إيران لما فشلت ثورة 1941 ودخل الإنقليز بغداد، ومن إيران إلى تركيا لما اجتاحت بريطانيا إيران، وصولا إلى إيطاليا ومن بعد ذلك ألمانيا وكل هذا فرارا من البريطانيين الذين كانوا وراءه في كل مكان ثم يلومون عليه تحالفه مع هتلر !!

الكتاب يتحدث بتفصيل شديد عن هذه المحطات ولكني سأتوقف عند محطة ربما هي الأكثر غموضا في حياة المفتي، وهي قصة هروبه ( مرّة أخرى) من فرنسا، فمع هزيمة النازيين سنة 1945 حاول المفتي اللجوء إلى سويسرا التي رفضت قبوله فألقي عليه القبض من طرف القوات الفرنسية التي دخلت ألمانيا ( لحسن الحظ لم يقع في يد البريطانيين أو الأمريكان) الذين نقلوه إلى باريس ووفروا له فيلا خاصة تحت الإقامة الجبرية مع حرية استقبال من يشاء من ضيوفه، ثم انطلقت الصهيونية العالمية في حملة شعواء لمطالبة فرنسا بتسليمه لمحاكمته كمجرم حرب حليف لهتلر، وضغطت بريطانيا والولايات المتحدة على فرنسا لتسليمه مستغلين حاجة فرنسا للمساعدات وإعادة البناء بعد الخراب والدمار الذي لحقها جرّاء الحرب، وحاولت فرنسا المساومة بورقة المفتي وأظهرت لحلفائها أنها تخشى ردة فعل العالم العربي الذي لها فيه مصالح مهمة، باختصار، نجح المفتي في الهروب بواسطة جواز سفر مزور تحت إسم الدكتور معروف الدواليبي، وسافر على متن طائرة أميركية إلى القاهرة في الوقت الذي كان فيه على قائمة أخطر المطلوبين للأمريكان والبريطانيين، وهذه ميزة لدى المفتي رحمه الله إذ تمكن بفضل ذكاء نادر من مغالطة الحراس والهروب مرات عديدة من أماكن مراقبته، المهم يقول المفتي في مذكراته أن ملك المغرب محمد الخامس قد ساعد في ترتيب العملية، ومن المفارقات أن ليون بلوم مبعوث ديغول إلى واشنطن قد إتفق مع الأمريكان على تسليم المفتي أمين الحسيني مقابل حصة رئيسية لفرنسا من مشروع مارشال الأمريكي لإعادة الإعمار في أروبا ( وهنا الضغط الصهيوني على أصحاب القرار)، وعاد ليون بلوم يوما واحدا فقط بعد هروب المفتي ! الخلاصة أن المفتي نجح في الهرب، ولم يشر في مذكراته وأحاديثه مع زهير مارديني غلى أي تعاون مع الفرنسيين، هنا ظننت أن المفتي ربما يخفي شيئا، وربما لا يريد إحراج فرنسا إن كان لها دور في تهريبه مما قد يؤلب عليها حلفائها، وحاولت ان أبحث عن مصادر أخرى فعثرت على مذكرات الدكتور معروف الدواليبي رجل الدولة السوري والذي تبوأ فيما بعد مناصب وزارية مرموقة، هذه المذكرات نشرتها الشرق الأوسط سنة 2005 وتحدث فيها عن تفاصيل الهروب بطريقة دقيقة، وكيف أن فرنسا (ديغول) في بادئ الأمر اقتنعت بعدم تسليم المفتي وإبقاءه لديها، إلا أن اللوبي اليهودي هناك ضغط على ديغول وأفهمه أن أمريكا لن تساعد فرنسا إلا في حال تسليم المفتي، وعلى هذا الأساس كانت صفقة ليون بلوم وهو يهودي فرنسي مع الأمريكان، وقد تحدث الدواليبي على أنه قام بتسفير المفتي وتزوير الجواز والصورة وحلق لحيته، وتأمين ركوبه الطائرة إلخ، أنا أتساءل هل كانت هناك أوساط في فرنسا كانت على علم بهروب المفتي ؟ هل أن ديغول أراد أن يسدد ضربة للأمريكان ويعلن أن المفتي هرب ولا يتحمل تبعات تسليمه لهم ؟ أسئلة كثيرة جالت في خاطري لأن تهريب شخصية مثل المفتي أمين الحسيني ليس سهلا، في أجواء نهاية الحرب العالمية وسخط الغرب عليه كونه أكبر مناصري هتلر في العالم العربي...

رحم الله الحاج أمين الحسيني، الذي قال عنه أعدائه سوف لن نستطيع التفاوض مع الفلسطينيين إلا لما يموت هذا الرجل، وقد ترك قبل وفاته رسالة لياسر عرفات حول أن أرض فلسطين وقف إسلامي لا يجوز التفريط فيه، رجل جمع بين النسب والدين والسياسة، غامر وعاش حياته متنقلا هاربا متخفيا لأجل قضيته، كان صلبا لا يتزحزح، لم ينفع معه أي شيء ليتنازل قيد أنملة. لا يزال اليهود والغربيون يشوهون صورته ولا يذكرونه إلا وهو مصافحا لهتلر، وهو خيار أجبر عليه إجبارا...







 المعز بن باديس غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم يوم أمس, 08:49 AM   رقم المشاركة : 2
 
الصورة الرمزية المعز بن باديس

 




افتراضي رد: لغز فرار الحاج أمين الحسيني من يد الحلفاء

هذه تفاصيل مذكرات الدكتور الدواليبي رحمه اللهن ويذكر هنا دوره المحوري في تهريب المفتين لمن يريد أن يطلع على تفاصيل هذا اللغز الغامض:
تهريب الحاج أمين الحسيني من فرنسا

* وكنت هرّبت معي أيضاً من ألمانيا سوّاق الحاج أمين الحسيني خالد رمضان، وهو من حمص.

* هل جاء معكم إلى باريس؟

- نعم، هرّبته معي ليساعدني، فكنا أنا وزوجتي وابني (محمد) وخالد رمضان.

* هل كان تهريبه بالطريقة نفسها، بأنه من رعايا دولة تحت الحماية؟

ـ كان يمشي معنا، ومنذ تسلم المراقب (كروز التبغ) لم يعد يسأل، وخرجنا وخرج معنا. وقال لي السفير السوري عدنان الأتاسي: يجب أن تختبئ. فقلت له أنا مختبئ عند يوسف باشا. ولكن المهم أن نبذل جهدنا في تهريب الحاج أمين: قال يا أخي السفراء العرب كلهم يسألون عنه، وفخري باشا بأمر من فاروق يسأل عنه، هو في قبضة العسكريين، ولا يعلم أحد عنه شيئاً، فيئست من عدنان الأتاسي، واتجهت إلى خالد رمضان سواق المفتي، فأعطيته بعض النقود وطلبت منه أن ينزل في فندق، وأفهمته أن مجيئنا بالأصل من أجل معرفة مكان سجن المفتي وتهريبه، ولا توجد طريقة لذلك كله إلا إذا سلّمتك للسلطات فتعتقلك، وفي الغالب إذا اعتقلوك أخذوك إلى حيث يوجد المفتي، وعندئذ ما عليك إلا أن تبعث إليّ بطريقة من الطرق مبيناً مكان وجودكم. بذلك ينفتح لنا الطريق. ونحن على كل حال في قبضة الفرنسيين، وسنبقى في خطر ما دمنا في قبضتهم، وعلينا أن نعمل. أما الطريقة التي سنتّبعها لتسليمك للسلطات فهي الطريقة الآتية: سآخذك إلى رجل اسمه قدّور، لجأ إلى فرنسا، وله صاحب مسؤول من البرابرة، وهو الآن شيخ الجامع، ويعدّه الفرنسيون رئيساً على كل المسلمين في باريس.

* هل هو متعاون مع السلطات الفرنسية؟

ـ نعم، ومركزه في الجامع، ونحن الطلاب كنا مقاطعين الجامع لمعرفتنا به. قلت له: سآخذك إلى قدور هذا شيخ الجامع، فتدخل عليه وتقبّل يده وتقول له: أنا سوّاق الحاج أمين الحسيني، لجأت إليك بصفتك شيخ الجامع لتساعدني بشيء من النقود لئلا يعتقلني الفرنسيون، وتقول له: إنك رجل من علماء الدين، والحاج أمين من علماء الدين، وهو معتقل، وأنا معرّض للاعتقال إذا سمع بي الفرنسيون، لأنني هارب. وقلت له: بهذه الطريقة سوف تُعتَقل في الغالب، وسيأخذونك إلى عند الحاج أمين، ومن هناك تَهرّب لي رسالة فيها مكان وجودكما، فاستجاب الرجل، وأخذته ومعنا أم محمد، لتكون معنا دوماً امرأة تبعد النظر قليلاً عنا، وأوصلته بالحافلة إلى الجامع، وعينت له مكان غرفة الشيخ قدور، وبقيت أنا وأم محمد في موقف الحافلة حتى لا نلفت الأنظار. وبعد عشر دقائق جاء خالد رمضان وقال: لقد فعلت ما رسمته لي: قبّلت يد الشيخ وسردت عليه قصتي، فقال: يا بني أعطني عنوانك، وأنا أتصل بك. ركبنا عندئذ الحافلة، ونزلنا قبل الفندق الذي ينزل فيه بمسافة مائة متر تقريباً، وقلت له: اذهب الآن من هذا الرصيف، وأنا أمشي من الرصيف الآخر، والطريق عريض وبين الرصيفين ثمانون متراً تقريباً، مشيت أنا وأم محمد نراقبه من بعيد، فما إن وصل إلى الفندق حتى خرج إليه رجال الأمن، وسألوه عن هُوّيته، وكانوا قد سبقوه إلى الفندق وأنزلوا حقيبته، وقبضوا عليه، واقتادوه في السيارة إلى السجن. فقلت في نفسي: هذه أول مرحلة. ولبثت أنتظر يومين فثلاثة فأربعة.. فعشرة، ولم يجئني شيء. كنت واثقاً أنه سيصل إلى الحاج أمين، ويهرّب لنا خبراً عنه، وما كان في وسعي أن أفعل غير ذلك; فالسفراء لا يعرفون شيئاً عن مكان الحاج أمين، وأنا مطارد يفتشون عني، وما علينا إلا أن نعمل. لقد نفذنا من ستراسبورغ بحيل ووصلنا إلى هنا، ونحن الآن ندبّر الحيل الأخرى التي توصلنا إلى هدفنا وهو تهريب الحاج أمين. كنت أوصيت خالد رمضان أن يرسل رسالة إلى بوابة البناية، وكنت قد أكرمتها، وأوصيتها إذا جاءتها رسالة من صديق لي أن ترسلها لي إلى عنواني، ووضعنا لهذا الصديق اسماً مستعاراً، وكنت أمر عليها كل يومين فأسألها هل وصل إليك شيء؟ وبعد خمسة عشر يوماً سلمتني رسالة وصلت إليها، ففتحتها فإذا فيها: نحن موجودون على نهر اللوار في جنوب باريس، في قرية صغيرة، في منزل مستقل (فيلا) هي سجن خاص بالمفتي، ومع المفتي راسم الخالدي وابن أخته إسحاق درويش، على مسافة 30 كم تقريباً من باريس، والقرية فيها عدة بيوت، وفيها شرطة.

* هل عينوا لكم اسم القرية حيث كان الحسيني معتقلا؟

- كتبوا اسم القرية، ورقم الفيلا. وللفيلا نوافذ على الشارع، وفي داخلها شرطة وفي خارجها أيضاً، يوقفون كل شخص يمر ويسألون عنه، فانتبهوا واحترزوا. ويطلب الحاج أمين منكم أن تأتوا وتهرّبوا إلينا رسالة، وليكن مجيئكم بعد الاتصال بنا، وكونوا حذرين. فقررت في اليوم الثاني أن آخذ سيارة وأذهب إلى القرية. وحتى الآن ما كنا نقول للعجوز عمة الملك فاروق (ناجية ذو الفقار) إننا نبحث عن المفتي. فلما قررت الذهاب إلى القرية لدراسة وضع سجن المفتي، أجمعت أن أخبر زوجتي والعجوز ناجية ذو الفقار بنيّتي; لأن ذهابي محفوف بالمخاطر، فقد أُعتَقل ولا أعود، فقلت لهما: القصة كيت وكيت. وهنا انفجرت زوجتي بالبكاء، وقالت ناجية ذو الفقار: لا خروج من البيت، وغلّقت الأبواب، فأجبتها: يا أختي لا يجوز أن أتهاون في مسعاي، فقد حملت سائق المفتي على دخول السجن لهذه الغاية، فقالت أم محمد: أنا أذهب. أما أنت فلا تذهب. وفعلاً كان اقتراحها أبعد من الشبهة.

وفي اليوم الثاني، وكان الوقت في حزيران، يبدأ اليوم بصحو، وبعد ساعتين تتكاثف الغيوم وتهطل الأمطار كأفواه القرب، في هذا اليوم خرجت أم محمد ترتدي ألبسة صيفية، وفي منتصف الطريق جاء الغيث وانسكبت الأمطار غزيرة سخية، فبدت المرأة كأنها خارجة من نهر، تقطر ماء من رأسها إلى أخمص قدميها، ومع ذلك تابعت مسيرتها حتى وصلت القرية، وبلغت الشارع الذي فيه المنزل، ووقفت أمامه، ولكن غزارة الأمطار لم تبق لها مكاناً تقف فيه، فلجأت إلى منزل ثانٍ ومعها دراجتها لتستتر من الأمطار في دهليزها. وكان المفتي ومَنْ معه منذ إرسالهم الرسالة الأولى في مراقبة دائمة للطريق من الشباك ليلاً ونهاراً. وكان الحراس لا ينقطعون عن الحراسة والمراقبة ليلاً ونهاراً، ولكن غزارة الأمطار ألجأتهم إلى الدخول. وفي هذه الأثناء كان دور خالد رمضان في المراقبة، والشرطة حوله يجلسون مع المسجونين، فرأى أم محمد، فصاح: أم محمد، أخذته الوهلة، فاستدعى بصياحه انتباه الشرطة فركضوا مستفسرين غير فاهمين معنى أم محمد، وهنا أنقذ المفتي بذكائه الموقف، إذ تبع الشرطة ووقف وراءهم وأشار إليها، وهم يضحكون، وأوحى إليهم أنها امرأة مسكينة، غطّتها المياه من كل جانب، فهي تقطر ماءً من شعرها وملابسها، فأثار استغرابهم لمنظرها، وبعد قليل أغلقوا الشباك وعادوا إلى أماكنهم. أما الحاج أمين فقد صعد إلى الدور الثاني وكتب رسالة، لفّها بعدة أوراق وأشار إلى أم محمد، وكانت لا تزال واقفة والأمطار تهطل بغزارة، وألقى بها إلى أم محمد فأخذتها، والشرطة كلهم في الداخل، وركبت دراجتها وعادت وسلمتنا الرسالة، وفيها أن المفتي بحاجة إلى شيء من المال. وذهبت إلى عدنان الأتاسي وأطلعته على الرسالة بتوقيع المفتي، فبُهِت. وقال: نحن منذ شهر نسأل عنه من دونما جدوى، وأنت لقيته وأتيت برسالة منه في عدة أيام؟ وفتح الخزينة وأعطاني مائة ألف فرنك فرنسي، وقلت له: إن المفتي يوصينا بألا نذهب إليه إلا بعد الساعة الثانية ليلاً، ولذلك أريد سيارتك الدبلوماسية، فهي على الأقل لا توقفها الشرطة أو هي أقل مراقبة من غيرها، فقال: أعطيك السيارة، ولكن لا أعطيك سائقها، فقبلت. وكنت على اتصال بأحد أبناء الشام، اسمه عزت شيعي، وهو تاجر، وكان يربح ويقيم لنا معشر الطلاب سهرات، فباع صفقة سيئة للجيش الألماني فيها غشّ، فقبضوا عليه وكادوا يعدمونه، وجاءتني امرأته تبكي، فاتصلت بالحاج أمين في برلين، فتوسط له وأُفرِج عنه.

جئت إلى هذا الرجل وقلت له: يا عزت الرجل الذي أنقذ حياتك ذات يوم هو بحاجة الآن إلى إمداده بالمال في الساعة الثانية ليلاً، وكنت أعلم أنه ساكن في القرية نفسها منذ مجيئه من سورية قبل عشرين سنة، لأنها بعيدة ورخيصة الأجور، وتسير إليها قطارات وحافلات، فإذا كنت تجيد قيادة السيارة فسأحضر لك سيارة دبلوماسية تقودها إلى قريتك التي تسكن فيها، فوافق الرجل، ولم ينسَ أننا أنقذنا حياته ذات يوم، وذهب معي إلى السفارة السورية، فأخذنا السيارة إلى بيتي، حتى إذا كانت الساعة الثانية ليلاً، ركبنا أنا وأم محمد معه، وسار بنا وهو يرتجف من الرعب، حتى وصلنا إلى القرية، وأوقفنا السيارة في غابة من الغابات. وقالت أم محمد: لا تنزل أنتَ. أنا سأنزل. وجلسنا نحن الاثنين في السيارة، وذهبت هي، وكنا قد وضعنا المبلغ 100 ألف فرنك في صرّة وفيها حجر. وبعد الساعة الثانية حسب الموعد ألقت الصرّة من الشباك، وعادت برسالة من المفتي تقول: إن لديه أشياء يريد أن يكتب بها إلينا، ولكن يخشى من القبض على الرسالة، لأنها تتضمن أسراراً خطيرة لا يجوز كشفها، ولذلك يلحّ عليّ أن يرتّبوا ترتيباً أدخل به السجن.

* أتدخل أنت لتذهب إليهم؟ ـ نعم، وأنا لم أنس بعد، أن بيتي مصادر، وأنا هارب! كان الترتيب أن آتي ليلة 14 تموز بعد الساعة الثانية ليلاً، فأجتاز طريقاً محجَّراً يوصل إلى الباب الداخلي للفيلا، فأدفع الباب، ويكون المفتي جالساً وراءه، فأدخل إليه. ذهبت إلى أحد أصدقائنا المراكشيين المشتغلين بالحركة الوطنية هو عبد الهادي الدوري، وهو رجل كسّاب وهّاب، عنده دار تجارية في باريس، ودار تجارية في بروكسل، ودار تجارية في الرباط، وينفق على الحركة الوطنية، وقلت له: إنني بحاجة إلى سائقك، وهو سائق مأمون; لأن اجتماعاتهم كلها ضد فرنسا، وكنت بحاجة إلى سيارة وسائق; لأن عدنان الأتاسي لم يعد مستطيعاً إعطائي السيارة، وعزت شيعي انقطع عن المجيء، ولا بد لي من سيارة، فقال لي عبد الهادي: أعطيك السيارة والسائق. وفي ليلة 14 تموز خرجت بها أنا وأم محمد بعد منتصف الليل من باريس ولكننا لاحظنا دَرّاجة نارية تتعقّبنا أينما مشينا، يميناً أو شمالاً، وظلت تتابعنا إلى مسافة 30 كيلومترا، لقد لفتنا نظر الدورية، إذ رأت سيارة تخرج بعد منتصف الليل وتخرج من باريس إلى القرية، ونحن في أيام أواخر الحرب. فقلت للسائق: قف مكانك ولا تتكلم، ونزلت إلى الدورية، فأبرزت جواز سفر زوجتي وقلت لهم: نحن فرنسيون، نفد من عندنا البنزين، أرجو أن تساعدونا بإعطائنا ليتراً من البنزين، أو تدلونا على محطة بنزين قريبة، فنحن نسير من مكان إلى مكان ولا نجد مكاناً لبيع البنزين. فأجابوا: ما لك إلا أن ترجع، وتذهب إلى الجهة الفلانية حيث محطة للبنزين. حييناهم، وتركونا وانصرفوا. عدت إلى أم محمد وقلت لها وللسائق: انتبها جيداً حتى أعود. ودخلت في ظلمات الليل إلى المنزل بأقدام ثابتة واجتزت الممشى الحجري، ووصلت إلى الباب الداخلي، دفعته، فخرج الحاج أمين، وكان الدهليز مظلماً، ودخلنا غرفة وراء الباب فيها مذياع (راديو)، وسألته كيف استطعت أنا الدخول، وأين الحرس؟ قال: اطمئن، في ليلة 14 تموز أكرمنا الحرس، وجلس معهم إسحاق درويش، فسقاهم كثيراً حتى أسكرهم، وأخذنا المفاتيح منهم وفتحنا الباب، فاطمأننت، ولكن لم نكد نجلس نتحدث، على صوت الراديو الخفيف، وعلى ضوئه الخفيف أيضاً، حتى سمعنا صوت انغلاق الباب، وهذا معناه أنهم استيقظوا، فطار عقلي من الفزع، ونظرت فرأيت نافذة مرتفعة عن الشارع مسافة ثلاثة أمتار، ولم يبق أمامي إلا أن ألقي بنفسي من الشباك الذي نرسل منه الأموال والرسائل، فلحقني الحاج أمين يريد أن يمسكني، ولكنني تدلّيت متراً ونصف ثم ألقيت بنفسي، ورجعت إلى السيارة.

* هل عرفتم فيما بعد كيف أغلق الباب؟ ـ نعم، عرفنا فيما بعد أن أحد أولئك السكارى حصره البول فانتبه لقضاء حاجته، فرأى باب المنزل مفتوحاً، فطار عقله، ووجد باب الغرفة مفتوحاً أيضاً، ودخل علينا ووجد اثنين في الغرفة، فذهب ليأتي برفاقه ليقبضوا على الرجل الثاني، ولما جاءوا لم يجدوا سوى المفتي; لأنني كنت قد ألقيت بنفسي من الشباك وهربت، فسألوا المفتي: أين الرجل الثاني، فضحك المفتي وقال: أنتم سكارى، خُيِّل إليكم أن شخصاً آخر معي في الغرفة، وأنا وحدي، لا أحد معي، فاتهموا رفيقهم بالتخيل من شدة سكره، وانصرفوا. علمت ان قضية الحاج أمين في يد قونصوه المفوض السامي، وهو سفير في الخارجية الفرنسية، والأوراق السرية المتعلقة بقضية المفتي لا يطلع عليها غيره. فقلت لعدنان الأتاسي السفير السوري: أحب أن أتعرّف على قونصوه، فعرّفني عليه. اجتمعت بقونصوه، وكانت القضية السورية قد انحلّت، وبلغ قونصوه أنني شخص عمل شيئاً في هذه القضية، فقلت له: ما مصلحتكم في اعتقال الحاج أمين؟ لقد كانت إنجلترا تشوّش عليكم في قضية استقلال سورية حتى إنكم ضربتم دمشق، وهي تشوّش عليكم باعتقالكم الحاج أمين. إنها تريد أن يبقى معتقلاً عندكم! قال: أنت مخطئ. إنجلترا وأميركا تطالبان باستلامه ونحن نرفض. قلت: إنهم يكذبون; لأنهم لو تسلموه لقامت عليه ضجّة في العالم، تنتقل منكم إليهم. إن لنا قضيتين، قضية سورية، وقد وصلنا فيها إلى حل، وقضية الحاج أمين، وينبغي أن نصل فيها إلى حل; ذلك أن الحاج أمين زعيم الحركة الوطنية ضد الاستعمار، ليس في فلسطين والعالم العربي فحسب، بل في العالم الإسلامي; لذلك جعلت إنجلترا قضيته نقطة الجرس الذي تلعب فيه. وإذا كنت غير مقنع بما أقول فخذ موافقة الجنرال ديغول فقط، وقل للسفير البريطاني: سنسلمكم الحاج أمين، وانظر ردّة الفعل، قال: يا أخي لا تحملنا على أمر صعب. قلت: والله إنهم يكذبون. قال: ما دليلك؟ قلت: لما استقللنا قامت ثورة في فلسطين سنة 1936 دعمتها سورية. وكان الفلسطينيون يريدون أن يستقلوا بثورة كما استقللنا نحن بثورة. فلما توقفت ثورتنا من أجل المفاوضات توقفت الثورة في فلسطين، وبدأ المفتي يعدّ لثورة ثانية قبيل الحرب. فإذا كانت الثورة ستتفجّر بعد سنة فاعتقال المفتي يفجرّها في اليوم التالي لاعتقاله. ففكر الانجليز أن يشعروه عن طريق ابنه أنه سيعتقل فاضطر للهرب، وبدأت الثورة الثانية، وجاء إلى بيروت، حتى إذا أعلنت الحرب بدأ الضغط من الإنجليز على لبنان لتسليمه، فهرب إلى العراق حيث انجلترا هناك فما اعتقل في العراق، ولو اعتقل في العراق لقامت ضجة ضد إنجلترا في العالم العربي والإسلامي. لقد طلبه الانجليز من لبنان المسيطرة فيه فرنسا، ولما لجأ إلى العراق المسيطرة فيه إنجلترا لم يطلبوه. وهذا دليلي على أن الإنجليز لا يريدون أن يتعرضوا لنقمة العالم العربي والإسلامي، ويريدون ذلك لفرنسا. ذهب قونصوه وحدّث ديغول بالفكرة التي أبديتُها دليلاً على أن إنجلترا لا تريد تسلّم الحاج أمين، فقال له ديغول: جَرِّب. استدعِ السفير الانجليزي وحدّثه بالفكرة، فاستدعى قونصوه السفير الانجليزي وقال له: لقد كلّفني الجنرال ديغول أن أبلغك بأننا بعدما أعلنّا استقلال سورية لم تعد لدينا رغبة في التدخل في الشؤون العربية، وأننا قررنا إطلاق سراح الحاج أمين وتسليمكم إياه، فأجابه السفير الانجليزي بقوله: يا سيدي أرجوك، أنا عندي تعليمات أننا لا نريد أن نتسلّمه، ونريد أن نطمئن ببقائه عندكم. قال له: بلِّغ حكومتك. فبلّغ حكومته، وجاء الجواب: لا، لا نريد استلامه، نريد فقط أن تطمئنونا بأنه لا يخرج من عندكم! وأبلغ قونصوه الجنرال ديغول جواب الحكومة الانجليزية، فزادت مكانتي عند الجنرال ديغول; إذ رأى سداد رأيي في القضية السورية، وفي هذه القضية الثانية قضية المفتي، كما توثّقت صلتي بقونصوه، وأصبحت أتردد على بيته بعد الامتحانات كصديق، وذلك لاعتقاده بصحة الخطط التي أرسمها.







 المعز بن باديس غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم يوم أمس, 08:49 AM   رقم المشاركة : 3
 
الصورة الرمزية المعز بن باديس

 




افتراضي رد: لغز فرار الحاج أمين الحسيني من يد الحلفاء

هذه تفاصيل مذكرات الدكتور الدواليبي رحمه اللهن ويذكر هنا دوره المحوري في تهريب المفتين لمن يريد أن يطلع على تفاصيل هذا اللغز الغامض:
تهريب الحاج أمين الحسيني من فرنسا

* وكنت هرّبت معي أيضاً من ألمانيا سوّاق الحاج أمين الحسيني خالد رمضان، وهو من حمص.

* هل جاء معكم إلى باريس؟

- نعم، هرّبته معي ليساعدني، فكنا أنا وزوجتي وابني (محمد) وخالد رمضان.

* هل كان تهريبه بالطريقة نفسها، بأنه من رعايا دولة تحت الحماية؟

ـ كان يمشي معنا، ومنذ تسلم المراقب (كروز التبغ) لم يعد يسأل، وخرجنا وخرج معنا. وقال لي السفير السوري عدنان الأتاسي: يجب أن تختبئ. فقلت له أنا مختبئ عند يوسف باشا. ولكن المهم أن نبذل جهدنا في تهريب الحاج أمين: قال يا أخي السفراء العرب كلهم يسألون عنه، وفخري باشا بأمر من فاروق يسأل عنه، هو في قبضة العسكريين، ولا يعلم أحد عنه شيئاً، فيئست من عدنان الأتاسي، واتجهت إلى خالد رمضان سواق المفتي، فأعطيته بعض النقود وطلبت منه أن ينزل في فندق، وأفهمته أن مجيئنا بالأصل من أجل معرفة مكان سجن المفتي وتهريبه، ولا توجد طريقة لذلك كله إلا إذا سلّمتك للسلطات فتعتقلك، وفي الغالب إذا اعتقلوك أخذوك إلى حيث يوجد المفتي، وعندئذ ما عليك إلا أن تبعث إليّ بطريقة من الطرق مبيناً مكان وجودكم. بذلك ينفتح لنا الطريق. ونحن على كل حال في قبضة الفرنسيين، وسنبقى في خطر ما دمنا في قبضتهم، وعلينا أن نعمل. أما الطريقة التي سنتّبعها لتسليمك للسلطات فهي الطريقة الآتية: سآخذك إلى رجل اسمه قدّور، لجأ إلى فرنسا، وله صاحب مسؤول من البرابرة، وهو الآن شيخ الجامع، ويعدّه الفرنسيون رئيساً على كل المسلمين في باريس.

* هل هو متعاون مع السلطات الفرنسية؟

ـ نعم، ومركزه في الجامع، ونحن الطلاب كنا مقاطعين الجامع لمعرفتنا به. قلت له: سآخذك إلى قدور هذا شيخ الجامع، فتدخل عليه وتقبّل يده وتقول له: أنا سوّاق الحاج أمين الحسيني، لجأت إليك بصفتك شيخ الجامع لتساعدني بشيء من النقود لئلا يعتقلني الفرنسيون، وتقول له: إنك رجل من علماء الدين، والحاج أمين من علماء الدين، وهو معتقل، وأنا معرّض للاعتقال إذا سمع بي الفرنسيون، لأنني هارب. وقلت له: بهذه الطريقة سوف تُعتَقل في الغالب، وسيأخذونك إلى عند الحاج أمين، ومن هناك تَهرّب لي رسالة فيها مكان وجودكما، فاستجاب الرجل، وأخذته ومعنا أم محمد، لتكون معنا دوماً امرأة تبعد النظر قليلاً عنا، وأوصلته بالحافلة إلى الجامع، وعينت له مكان غرفة الشيخ قدور، وبقيت أنا وأم محمد في موقف الحافلة حتى لا نلفت الأنظار. وبعد عشر دقائق جاء خالد رمضان وقال: لقد فعلت ما رسمته لي: قبّلت يد الشيخ وسردت عليه قصتي، فقال: يا بني أعطني عنوانك، وأنا أتصل بك. ركبنا عندئذ الحافلة، ونزلنا قبل الفندق الذي ينزل فيه بمسافة مائة متر تقريباً، وقلت له: اذهب الآن من هذا الرصيف، وأنا أمشي من الرصيف الآخر، والطريق عريض وبين الرصيفين ثمانون متراً تقريباً، مشيت أنا وأم محمد نراقبه من بعيد، فما إن وصل إلى الفندق حتى خرج إليه رجال الأمن، وسألوه عن هُوّيته، وكانوا قد سبقوه إلى الفندق وأنزلوا حقيبته، وقبضوا عليه، واقتادوه في السيارة إلى السجن. فقلت في نفسي: هذه أول مرحلة. ولبثت أنتظر يومين فثلاثة فأربعة.. فعشرة، ولم يجئني شيء. كنت واثقاً أنه سيصل إلى الحاج أمين، ويهرّب لنا خبراً عنه، وما كان في وسعي أن أفعل غير ذلك; فالسفراء لا يعرفون شيئاً عن مكان الحاج أمين، وأنا مطارد يفتشون عني، وما علينا إلا أن نعمل. لقد نفذنا من ستراسبورغ بحيل ووصلنا إلى هنا، ونحن الآن ندبّر الحيل الأخرى التي توصلنا إلى هدفنا وهو تهريب الحاج أمين. كنت أوصيت خالد رمضان أن يرسل رسالة إلى بوابة البناية، وكنت قد أكرمتها، وأوصيتها إذا جاءتها رسالة من صديق لي أن ترسلها لي إلى عنواني، ووضعنا لهذا الصديق اسماً مستعاراً، وكنت أمر عليها كل يومين فأسألها هل وصل إليك شيء؟ وبعد خمسة عشر يوماً سلمتني رسالة وصلت إليها، ففتحتها فإذا فيها: نحن موجودون على نهر اللوار في جنوب باريس، في قرية صغيرة، في منزل مستقل (فيلا) هي سجن خاص بالمفتي، ومع المفتي راسم الخالدي وابن أخته إسحاق درويش، على مسافة 30 كم تقريباً من باريس، والقرية فيها عدة بيوت، وفيها شرطة.

* هل عينوا لكم اسم القرية حيث كان الحسيني معتقلا؟

- كتبوا اسم القرية، ورقم الفيلا. وللفيلا نوافذ على الشارع، وفي داخلها شرطة وفي خارجها أيضاً، يوقفون كل شخص يمر ويسألون عنه، فانتبهوا واحترزوا. ويطلب الحاج أمين منكم أن تأتوا وتهرّبوا إلينا رسالة، وليكن مجيئكم بعد الاتصال بنا، وكونوا حذرين. فقررت في اليوم الثاني أن آخذ سيارة وأذهب إلى القرية. وحتى الآن ما كنا نقول للعجوز عمة الملك فاروق (ناجية ذو الفقار) إننا نبحث عن المفتي. فلما قررت الذهاب إلى القرية لدراسة وضع سجن المفتي، أجمعت أن أخبر زوجتي والعجوز ناجية ذو الفقار بنيّتي; لأن ذهابي محفوف بالمخاطر، فقد أُعتَقل ولا أعود، فقلت لهما: القصة كيت وكيت. وهنا انفجرت زوجتي بالبكاء، وقالت ناجية ذو الفقار: لا خروج من البيت، وغلّقت الأبواب، فأجبتها: يا أختي لا يجوز أن أتهاون في مسعاي، فقد حملت سائق المفتي على دخول السجن لهذه الغاية، فقالت أم محمد: أنا أذهب. أما أنت فلا تذهب. وفعلاً كان اقتراحها أبعد من الشبهة.

وفي اليوم الثاني، وكان الوقت في حزيران، يبدأ اليوم بصحو، وبعد ساعتين تتكاثف الغيوم وتهطل الأمطار كأفواه القرب، في هذا اليوم خرجت أم محمد ترتدي ألبسة صيفية، وفي منتصف الطريق جاء الغيث وانسكبت الأمطار غزيرة سخية، فبدت المرأة كأنها خارجة من نهر، تقطر ماء من رأسها إلى أخمص قدميها، ومع ذلك تابعت مسيرتها حتى وصلت القرية، وبلغت الشارع الذي فيه المنزل، ووقفت أمامه، ولكن غزارة الأمطار لم تبق لها مكاناً تقف فيه، فلجأت إلى منزل ثانٍ ومعها دراجتها لتستتر من الأمطار في دهليزها. وكان المفتي ومَنْ معه منذ إرسالهم الرسالة الأولى في مراقبة دائمة للطريق من الشباك ليلاً ونهاراً. وكان الحراس لا ينقطعون عن الحراسة والمراقبة ليلاً ونهاراً، ولكن غزارة الأمطار ألجأتهم إلى الدخول. وفي هذه الأثناء كان دور خالد رمضان في المراقبة، والشرطة حوله يجلسون مع المسجونين، فرأى أم محمد، فصاح: أم محمد، أخذته الوهلة، فاستدعى بصياحه انتباه الشرطة فركضوا مستفسرين غير فاهمين معنى أم محمد، وهنا أنقذ المفتي بذكائه الموقف، إذ تبع الشرطة ووقف وراءهم وأشار إليها، وهم يضحكون، وأوحى إليهم أنها امرأة مسكينة، غطّتها المياه من كل جانب، فهي تقطر ماءً من شعرها وملابسها، فأثار استغرابهم لمنظرها، وبعد قليل أغلقوا الشباك وعادوا إلى أماكنهم. أما الحاج أمين فقد صعد إلى الدور الثاني وكتب رسالة، لفّها بعدة أوراق وأشار إلى أم محمد، وكانت لا تزال واقفة والأمطار تهطل بغزارة، وألقى بها إلى أم محمد فأخذتها، والشرطة كلهم في الداخل، وركبت دراجتها وعادت وسلمتنا الرسالة، وفيها أن المفتي بحاجة إلى شيء من المال. وذهبت إلى عدنان الأتاسي وأطلعته على الرسالة بتوقيع المفتي، فبُهِت. وقال: نحن منذ شهر نسأل عنه من دونما جدوى، وأنت لقيته وأتيت برسالة منه في عدة أيام؟ وفتح الخزينة وأعطاني مائة ألف فرنك فرنسي، وقلت له: إن المفتي يوصينا بألا نذهب إليه إلا بعد الساعة الثانية ليلاً، ولذلك أريد سيارتك الدبلوماسية، فهي على الأقل لا توقفها الشرطة أو هي أقل مراقبة من غيرها، فقال: أعطيك السيارة، ولكن لا أعطيك سائقها، فقبلت. وكنت على اتصال بأحد أبناء الشام، اسمه عزت شيعي، وهو تاجر، وكان يربح ويقيم لنا معشر الطلاب سهرات، فباع صفقة سيئة للجيش الألماني فيها غشّ، فقبضوا عليه وكادوا يعدمونه، وجاءتني امرأته تبكي، فاتصلت بالحاج أمين في برلين، فتوسط له وأُفرِج عنه.

جئت إلى هذا الرجل وقلت له: يا عزت الرجل الذي أنقذ حياتك ذات يوم هو بحاجة الآن إلى إمداده بالمال في الساعة الثانية ليلاً، وكنت أعلم أنه ساكن في القرية نفسها منذ مجيئه من سورية قبل عشرين سنة، لأنها بعيدة ورخيصة الأجور، وتسير إليها قطارات وحافلات، فإذا كنت تجيد قيادة السيارة فسأحضر لك سيارة دبلوماسية تقودها إلى قريتك التي تسكن فيها، فوافق الرجل، ولم ينسَ أننا أنقذنا حياته ذات يوم، وذهب معي إلى السفارة السورية، فأخذنا السيارة إلى بيتي، حتى إذا كانت الساعة الثانية ليلاً، ركبنا أنا وأم محمد معه، وسار بنا وهو يرتجف من الرعب، حتى وصلنا إلى القرية، وأوقفنا السيارة في غابة من الغابات. وقالت أم محمد: لا تنزل أنتَ. أنا سأنزل. وجلسنا نحن الاثنين في السيارة، وذهبت هي، وكنا قد وضعنا المبلغ 100 ألف فرنك في صرّة وفيها حجر. وبعد الساعة الثانية حسب الموعد ألقت الصرّة من الشباك، وعادت برسالة من المفتي تقول: إن لديه أشياء يريد أن يكتب بها إلينا، ولكن يخشى من القبض على الرسالة، لأنها تتضمن أسراراً خطيرة لا يجوز كشفها، ولذلك يلحّ عليّ أن يرتّبوا ترتيباً أدخل به السجن.

* أتدخل أنت لتذهب إليهم؟ ـ نعم، وأنا لم أنس بعد، أن بيتي مصادر، وأنا هارب! كان الترتيب أن آتي ليلة 14 تموز بعد الساعة الثانية ليلاً، فأجتاز طريقاً محجَّراً يوصل إلى الباب الداخلي للفيلا، فأدفع الباب، ويكون المفتي جالساً وراءه، فأدخل إليه. ذهبت إلى أحد أصدقائنا المراكشيين المشتغلين بالحركة الوطنية هو عبد الهادي الدوري، وهو رجل كسّاب وهّاب، عنده دار تجارية في باريس، ودار تجارية في بروكسل، ودار تجارية في الرباط، وينفق على الحركة الوطنية، وقلت له: إنني بحاجة إلى سائقك، وهو سائق مأمون; لأن اجتماعاتهم كلها ضد فرنسا، وكنت بحاجة إلى سيارة وسائق; لأن عدنان الأتاسي لم يعد مستطيعاً إعطائي السيارة، وعزت شيعي انقطع عن المجيء، ولا بد لي من سيارة، فقال لي عبد الهادي: أعطيك السيارة والسائق. وفي ليلة 14 تموز خرجت بها أنا وأم محمد بعد منتصف الليل من باريس ولكننا لاحظنا دَرّاجة نارية تتعقّبنا أينما مشينا، يميناً أو شمالاً، وظلت تتابعنا إلى مسافة 30 كيلومترا، لقد لفتنا نظر الدورية، إذ رأت سيارة تخرج بعد منتصف الليل وتخرج من باريس إلى القرية، ونحن في أيام أواخر الحرب. فقلت للسائق: قف مكانك ولا تتكلم، ونزلت إلى الدورية، فأبرزت جواز سفر زوجتي وقلت لهم: نحن فرنسيون، نفد من عندنا البنزين، أرجو أن تساعدونا بإعطائنا ليتراً من البنزين، أو تدلونا على محطة بنزين قريبة، فنحن نسير من مكان إلى مكان ولا نجد مكاناً لبيع البنزين. فأجابوا: ما لك إلا أن ترجع، وتذهب إلى الجهة الفلانية حيث محطة للبنزين. حييناهم، وتركونا وانصرفوا. عدت إلى أم محمد وقلت لها وللسائق: انتبها جيداً حتى أعود. ودخلت في ظلمات الليل إلى المنزل بأقدام ثابتة واجتزت الممشى الحجري، ووصلت إلى الباب الداخلي، دفعته، فخرج الحاج أمين، وكان الدهليز مظلماً، ودخلنا غرفة وراء الباب فيها مذياع (راديو)، وسألته كيف استطعت أنا الدخول، وأين الحرس؟ قال: اطمئن، في ليلة 14 تموز أكرمنا الحرس، وجلس معهم إسحاق درويش، فسقاهم كثيراً حتى أسكرهم، وأخذنا المفاتيح منهم وفتحنا الباب، فاطمأننت، ولكن لم نكد نجلس نتحدث، على صوت الراديو الخفيف، وعلى ضوئه الخفيف أيضاً، حتى سمعنا صوت انغلاق الباب، وهذا معناه أنهم استيقظوا، فطار عقلي من الفزع، ونظرت فرأيت نافذة مرتفعة عن الشارع مسافة ثلاثة أمتار، ولم يبق أمامي إلا أن ألقي بنفسي من الشباك الذي نرسل منه الأموال والرسائل، فلحقني الحاج أمين يريد أن يمسكني، ولكنني تدلّيت متراً ونصف ثم ألقيت بنفسي، ورجعت إلى السيارة.

* هل عرفتم فيما بعد كيف أغلق الباب؟ ـ نعم، عرفنا فيما بعد أن أحد أولئك السكارى حصره البول فانتبه لقضاء حاجته، فرأى باب المنزل مفتوحاً، فطار عقله، ووجد باب الغرفة مفتوحاً أيضاً، ودخل علينا ووجد اثنين في الغرفة، فذهب ليأتي برفاقه ليقبضوا على الرجل الثاني، ولما جاءوا لم يجدوا سوى المفتي; لأنني كنت قد ألقيت بنفسي من الشباك وهربت، فسألوا المفتي: أين الرجل الثاني، فضحك المفتي وقال: أنتم سكارى، خُيِّل إليكم أن شخصاً آخر معي في الغرفة، وأنا وحدي، لا أحد معي، فاتهموا رفيقهم بالتخيل من شدة سكره، وانصرفوا. علمت ان قضية الحاج أمين في يد قونصوه المفوض السامي، وهو سفير في الخارجية الفرنسية، والأوراق السرية المتعلقة بقضية المفتي لا يطلع عليها غيره. فقلت لعدنان الأتاسي السفير السوري: أحب أن أتعرّف على قونصوه، فعرّفني عليه. اجتمعت بقونصوه، وكانت القضية السورية قد انحلّت، وبلغ قونصوه أنني شخص عمل شيئاً في هذه القضية، فقلت له: ما مصلحتكم في اعتقال الحاج أمين؟ لقد كانت إنجلترا تشوّش عليكم في قضية استقلال سورية حتى إنكم ضربتم دمشق، وهي تشوّش عليكم باعتقالكم الحاج أمين. إنها تريد أن يبقى معتقلاً عندكم! قال: أنت مخطئ. إنجلترا وأميركا تطالبان باستلامه ونحن نرفض. قلت: إنهم يكذبون; لأنهم لو تسلموه لقامت عليه ضجّة في العالم، تنتقل منكم إليهم. إن لنا قضيتين، قضية سورية، وقد وصلنا فيها إلى حل، وقضية الحاج أمين، وينبغي أن نصل فيها إلى حل; ذلك أن الحاج أمين زعيم الحركة الوطنية ضد الاستعمار، ليس في فلسطين والعالم العربي فحسب، بل في العالم الإسلامي; لذلك جعلت إنجلترا قضيته نقطة الجرس الذي تلعب فيه. وإذا كنت غير مقنع بما أقول فخذ موافقة الجنرال ديغول فقط، وقل للسفير البريطاني: سنسلمكم الحاج أمين، وانظر ردّة الفعل، قال: يا أخي لا تحملنا على أمر صعب. قلت: والله إنهم يكذبون. قال: ما دليلك؟ قلت: لما استقللنا قامت ثورة في فلسطين سنة 1936 دعمتها سورية. وكان الفلسطينيون يريدون أن يستقلوا بثورة كما استقللنا نحن بثورة. فلما توقفت ثورتنا من أجل المفاوضات توقفت الثورة في فلسطين، وبدأ المفتي يعدّ لثورة ثانية قبيل الحرب. فإذا كانت الثورة ستتفجّر بعد سنة فاعتقال المفتي يفجرّها في اليوم التالي لاعتقاله. ففكر الانجليز أن يشعروه عن طريق ابنه أنه سيعتقل فاضطر للهرب، وبدأت الثورة الثانية، وجاء إلى بيروت، حتى إذا أعلنت الحرب بدأ الضغط من الإنجليز على لبنان لتسليمه، فهرب إلى العراق حيث انجلترا هناك فما اعتقل في العراق، ولو اعتقل في العراق لقامت ضجة ضد إنجلترا في العالم العربي والإسلامي. لقد طلبه الانجليز من لبنان المسيطرة فيه فرنسا، ولما لجأ إلى العراق المسيطرة فيه إنجلترا لم يطلبوه. وهذا دليلي على أن الإنجليز لا يريدون أن يتعرضوا لنقمة العالم العربي والإسلامي، ويريدون ذلك لفرنسا. ذهب قونصوه وحدّث ديغول بالفكرة التي أبديتُها دليلاً على أن إنجلترا لا تريد تسلّم الحاج أمين، فقال له ديغول: جَرِّب. استدعِ السفير الانجليزي وحدّثه بالفكرة، فاستدعى قونصوه السفير الانجليزي وقال له: لقد كلّفني الجنرال ديغول أن أبلغك بأننا بعدما أعلنّا استقلال سورية لم تعد لدينا رغبة في التدخل في الشؤون العربية، وأننا قررنا إطلاق سراح الحاج أمين وتسليمكم إياه، فأجابه السفير الانجليزي بقوله: يا سيدي أرجوك، أنا عندي تعليمات أننا لا نريد أن نتسلّمه، ونريد أن نطمئن ببقائه عندكم. قال له: بلِّغ حكومتك. فبلّغ حكومته، وجاء الجواب: لا، لا نريد استلامه، نريد فقط أن تطمئنونا بأنه لا يخرج من عندكم! وأبلغ قونصوه الجنرال ديغول جواب الحكومة الانجليزية، فزادت مكانتي عند الجنرال ديغول; إذ رأى سداد رأيي في القضية السورية، وفي هذه القضية الثانية قضية المفتي، كما توثّقت صلتي بقونصوه، وأصبحت أتردد على بيته بعد الامتحانات كصديق، وذلك لاعتقاده بصحة الخطط التي أرسمها.







 المعز بن باديس غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم يوم أمس, 08:51 AM   رقم المشاركة : 4
 
الصورة الرمزية المعز بن باديس

 




افتراضي رد: لغز فرار الحاج أمين الحسيني من يد الحلفاء

دعا قونصوه السفراء العرب إلى حفلة شاي، وجئت معهم إلى بيته، وقلت له: أي دولة عربية تطلب تسلم الحاج أمين فسلموها إياه، وستجدون انجلترا ستمنعه من الدخول إليها، وبذلك تكونون أنتم قد أعلنتم للناس قاطبة إطلاق سراحه، ولكن انجلترا هي التي لا تريد الإفراج عنه وتقف في وجه لجوئه. وما كان من السفراء العرب غير فخري باشا عن مصر، وعدنان الأتاسي عن سورية، وفؤاد حمزة عن السعودية، وأحمد الداعوق عن لبنان. وقبل حضور حفلة الشاي ذهبت إلى عدنان الأتاسي وأخبرته بأنهم سيتسلمون اليوم الحاج أمين، فكاد يطير من الدهشة والفرح، وما علم بنبأ الإفراج عن المفتي غيره. ولما تكامل جمع المدعوّين أعلن قونصوه أنه مكلف من الرئيس ديغول بتسليمهم الحاج أمين، وكان الحاج أمين موجوداً في غرفة ثانية، وأي دولة تقبل تسلمه يستطيع اللجوء إليها، وفتح الباب وظهر الحاج أمين، وكانت مفاجأة السفراء جميعاً ما عدا عدنان الأتاسي. وذهب السفراء وأبرقوا إلى حكوماتهم بالنبأ، وجاءت أجوبة الدول العربية مصر وسورية ولبنان إلى عدنان الأتاسي بأنهم كلّفوا رياض الصلح بأن يأتي إلى فرنسا ليرى الحاج أمين. وفي اليوم الثاني طلبت إخراجه من المعتقل إلى بيت خفيّ، إذ لم يعد من الجائز أن يبقى في المعتقل بعد الإعلان عن تسليمه إلى إحدى الدول العربية، وكانت ملاحظة الفرنسيين أنه معرّض للخطر، فقلت: نستأجر له بيتاً خفياً ينتقل إليه، وأنتم تساعدوننا في حمايته. وذهبت إلى خارج باريس واستأجرت بيتاً، وقلت لهم: يلزمنا هوية باسم مستعار لهذا الساكن في البيت، ويلزمنا أيضاً أسلحة، وأنا سأحضر حراساً من عندنا من شمالِ أفريقيا. نقل المفتي إلى بيت خفي

* وتسلّمتُ الحاج أمين، ونقلته إلى البيت الجديد الذي لا يعرف عنوانه أحد سوى قونصوه ورئيس الشرطة العسكرية الذي يعطينا الحماية اللازمة من سلاح فقط، أما فرنسا فنحن مطمئنون لها في عهد ديغول، هكذا جاء التبليغ، ووقفت الأمور عند هذا الحد. وبعد يومين أو ثلاثة كتبت الصحف أن فرنسا خارجة من الحرب محتاجة إلى قرض، وكلفت سفيرها في أميركا أن يطلب قرضاً منها. وبعد شهر تقريباً نشرت الصحف أن أميركا اعتذرت، فتأثر ديغول لذلك، وكان حوله يهود، أشاروا عليه أن يبعث إلى أميركا سفيراً فوق العادة هو ليون بلوم اليهودي، الذي كان رئيساً للوزارة، ووضعت المعاهدة السورية ـ الفرنسية في عهده، فهذا السفير يستطيع الحصول على القرض; لأنه يهودي. واستجاب ديغول لهذه المشورة، وأعلنت الصحف بعد شهرين أن ليون بلوم قد تعين سفيراً فوق العادة، وأنه ذاهب لهذه المهمة التي لم ينجح بها سلفُه. وهنا قلت للحاج أمين: اختاروه يهودياً، وسيستعين باليهود، فإذا حالفه التوفيق فأنت الضحية والثمن. ولذلك دعنا نعد العدّة من الآن للرحيل. كان الحاج أمين لما تسلمناه ودخل البيت الخفيّ خاضعاً لمراقبة شديدة، فالفرنسيون اشترطوا علينا ألا يدخل عليه أحد، سوى المرأة الخادمة التي أرسلوها هم لخدمته وهي تابعة للمخابرات، والطباخ التونسي الذي كان معه في المعتقل، وهو تابع للمخابرات أيضاً. وفهمنا يومها أن هذين للمراقبة، ولذلك كنت أتهيب أي تصرف يؤخذ عليّ، وأمشي في خططي على مراحل. ففكرت بالتخلص من هذه المراقبة الداخلية. وكنت بحاجة إلى صورة للمفتي وهو حليق، لأضعها على جواز مزوَّر، فإذا أقدمت على حلق لحيته لفتُّ نظر المراقبة، وأثرت لديها التساؤل: لماذا حلق ذقنه؟ ولهذا ذهبت إلى أكبر مصوّر أرمني، يعدّ أحد المصورين الستة في العالم، وكنت تعرّفت عليه من قبل، ومعي صورة للحاج أمين، فقلت له: هذه صورة والدي، أود أن أحتفظ بها للذكرى، وأود أن تخفّف اللحية قليلاً بعمل تشذيب (رتوش) أنت قادر عليه بوصفك مصوراً كبيراً. فأجرى الرجل عملية التشذيب (الرتوش) فظهرت اللحية خفيفة. وبعد ذلك انتقلت إلى مصور آخر، وقلت له ما قلته للمصور الأول، على أن تزيل اللحية تماماً بعملية (الرتوش)، ودون عمامة. وبذلك هيأت الصورة المطلوبة. جواز مزور للحسيني

* وكنت قد سرقت جواز سفر من السفارة السورية. أما جواز سفري فقد أخذت عليه تأشيرة خروج بالسرقة أيضاً; لأنني ممنوع من الخروج إلا بإذن خاص. صحيح أنني ما كنت موقوفاً، ولكن تحركاتي مراقبة، وخروجي لا يكون إلا بإذن خاص. وقد دبّرت هذه التأشيرة مع بنت صديقة لأحد إخواننا، كانت الأختام بيدها، بعد أن أكرمناها، فوضعت الموافقة على الخروج من دون استئذان. وجئت إلى الجواز الجديد المسروق وجوازي، وكانت الجوازات الجديدة في ذلك الحين مخروزة خرزاً، ففككت خرزة الجوازين، ونقلت الورقة التي في جوازي وعليها تأشيرة الخروج إلى الجواز الجديد، ولصقت صورة الحاج أمين التي أعددتها كما أسلفت، وهو حليق ودون عمامة. وبذلك كان بيد المفتي جواز سفر عليه صورته، ولكن الاسم: معروف الدواليبي، الذي يؤذن له بالخروج بالتأشيرة التي سبق تدبيرها. وجئنا بعد ذلك إلى تدبير أمر الحجز بالطائرة، وما كان هناك طيران مدني، كل الطيران كان عسكرياً، فرنسياً أو أميركياً. حجزت له بالرشوة والوساطة على الطيران الفرنسي وبلّغتُه فتخوّف; لأن الطيران الفرنسي سيخرج من فرنسا ويمر بتونس إلى ليبيا إلى القاهرة حتى يصل إلى سورية، ولذلك تخوّف من كثرة المراقبة، وعدل عن السفر في الطيران الفرنسي. وأرسلنا شخصاً من إخوان الحاج أمين اسمه أكرم الجاعوني إلى المطارات ليصف لنا المراقبة فيها، فذهب وأبرق لنا: أنه لا توجد مراقبة ولبثنا ننتظر، ونتتّبع الأخبار، إلى أن أعلنت الصحف والإذاعات أن ليون بلوم نجح في مهمته، وحصل على قرض لفرنسا من أميركا، وأنه سيصل إلى فرنسا في يوم كذا. أخبرت المفتي بذلك فانزعج كثيراً، وقلت له: ليس أمامنا إلا الطيران الأميركي، إذ يحسن ألا نلفت الأنظار بالسفر على الطيران الفرنسي بعد أن احتلنا عليهم بواحدة والطيران الأميركي لا يسمح في كل رحلة إلا براكب مدني واحد، فتوجّس المفتي خيفة، ولكنني قلت له: يجب أن تمشي هذه الليلة; وفيها طائرة أميركية مسافرة. وذهبت إلى مكتب الطيران الأميركي، وكان مديره فرنسياً، وقلت له: أنا أريد السفر إلى القاهرة، وبسرعة، لأني رجل أعمال تاجر. قال: يا أخي هذه طائرة عسكرية، ولا يُسمَح فيها إلا بكرسي واحد لمدني، وبإذن من السفارة الأميركية، والأمكنة محجوزة من شهر مايو (أيار) إلى نهاية أغسطس (آب). قلت له: يا أخي أنا عندي صفقة تجارية سأربح منها عشرة ملايين فرنك، إذا وصلت غداً إلى القاهرة، وإني مستعد أن أعطيك مليون فرنك، إذا حققت لي الحجز، وأخرجت له مائة ألف فرنك دفعة على الحساب. قال عد إليّ بعد ساعة. وبعد ساعة عدت إليه فقال: دبّرتُ لك الحجز، على أن تأتي في منتصف الليل، أعطني رقم هاتفك، فأعطيته، وذهبت إلى البيت. كان لا بد لي من التخلص من المراقبين: الخادمة والطباخ، بل كان من الضروري جداً ألا يكونا موجودين حين تحين ساعة الرحيل، ويحلق المفتي لحيته، ويصبغ شعره باللون الأشقر، ويرتدي بزّة (طقماً) ذات لون بُنّي فاتح أشقر اللون، ويضع قبعة على رأسه، وهذا ما كنت أعددته لساعة الرحيل. كانت مراقبة الخادمة والطباخ محكمة مستمرة; فالخادمة تقوم بعملها من الصباح حتى المساء أما الطباخ فكان يأتي في الصباح أيضاً. فكنت أرسلهما أو أرسل أحدهما ليجلب لنا من القرية الفلانية زبدة وجبنة وبيضاً; لأن كل شيء في الحرب خاضع للسوق السوداء، ومفقود، وكنت أفعل هذا بين حين وآخر، وحينما تغيب الخادمة يقوم الطباخ مقامها في التنظيف، وحين يغيب الطباخ تقوم هي مقامه، وبذلك تبقى التقارير من الداخل مستمرة. وقبل السفر بيوم جئت إلى الخادمة وكانت قد نظفت البيت، فأعطيتها مبلغاً من المال، وقلت لها: لا تحضري غداً وسينوب عنك زميلك، وتذهبين إلى القرية الفلانية وتشتري لنا كيت وكيت، وسأعطيك إجازة مدتها خمسة عشر يوماً. وجئت إلى الطباخ وقلت له: لا تأتِ غداً، وزميلتك ستطبخ، واذهب إلى القرية الفلانية وأحضر لنا بعض الحاجات، وهكذا تخلّصت منهما وغيّبتهما عن البيت يوم السفر، لئلا ينكشف أمر تهريب المفتي إلا بعد عودة أحدهما إلى البيت. وأخذت سيارة دبلوماسية من عدنان الأتاسي، وكنت قد تعلمت قيادة السيارة، وخرجت بها في منتصف الليل، ودخلت على المفتي في البيت الذي هو فيه، وأجرينا الإجراءات التي ألمعت إليها آنفاً، وبعد أن ارتدى البزّة ذات اللون البنيّ الفاتح، في سمته الحليق وقبعته وبشرته الحمراء أصبح في هيئة لو فاجأني بها ما عرفته. وقلت للإخوان: الليلة سيكون تهريب المفتي، فإذا براسم الخالدي يبكي ويقول لا أترككم تسافرون حتى أسافر أنا، إذا سافر المفتي فسيعتقلونني غدا. وكنت دبّرت جواز سفر لراسم الخالدي، فقلت له: هيا.. فركب إلى باريس، ومنها إلى مرسيليا حيث يركب الباخرة إلى بلاده.

وكان ترتيبي لهروب المفتي أن آخذه إلى بيتي في الساعة التاسعة، ومن هناك ننطلق إلى المطار، ولكننا ما كدنا نصل إلى البيت حتى رنّ جرس الهاتف يخبرني أن زوبعة هبت في لندن، والطائرة لا تستطيع الخروج إلا في الساعة الثامنة من صباح غد. واضطررنا إلى النوم في بيتي تلك الليلة، وفي الساعة السادسة صباحاً علمنا أن الزوبعة مستمرة، وأن زمن مجيء الطائرة غير معروف ورحنا نراقب محطات الإذاعة، ونستعرض المراحل السابقة التي جرى فيها تهريبه وقُبِض عليه، وما وصلنا إليه الآن من إعداد لتهريبه، فقد هيأت له على مراحل: الجواز والصورة والتأشيرة كما أسلفت، كل مرحلة مستقلة عن الأخرى، كنت أقوم بها بنفسي; لأنه لا يجوز أن يطلع عليها أحد. والشخص الوحيد الذي كان يساعدني هو أم محمد. نقل المفتي إلى روما بطائرة أميركية

* ويسّر الله تسفير المفتي على طائرة أميركية إيطاليا (روما) إلى القاهرة. ولم يكن من الدول العربية السبع دولة مستعدة لاستقباله وحمايته غير مصر. والملك فاروق كان يسعى لحمايته ويحذر من الإساءة إليه. ولذلك فكرنا بنقله إلى مصر، فهرَّبنا رجلاً من جماعة المفتي اسمه أكرم الجاعوني إلى مصر، ليتصل بشخص فيها ممن يعتمد عليهم المفتي من التجار اسمه علي رشدي، ليهيئ مكاناً لاختفائه حين وصوله مصر، على أن يبقى هذا كله سراً لا يعلم به أحد. أما التخطيط لسـفري والــذي أصبح للمفتي فكان الحجز إلى سورية ولكن جوازي مكتوب فيه transite mois أي مرور بالقاهرة بدون إقامة. فغيّرت العبارة إلى troismois، أي إقامة ثلاثة أشهر; وذلك بالاستعانة بالمزيل في طمس الحروف وتعديلها وإزالة الخط من فوق mois، وتثبيت الحروف بلون الحبر نفسه. وبذلك صار لديّ إقامة ثلاثة أشهر في القاهرة بدلاً من ترانزيت، وأخذ ذلك كله المفتي.

* ألم يتخذ الفرنسيون أي إجراء قضائي؟ ـ لا، لأنني لست موظفاً عندهم، وإنما أبقوني في البيت.

* ألم يؤاخذوك بإعطائك جوازك إلى الحاج أمين؟ ـ ما كانوا يعرفون.

* ولما عرفوا بعد شهر من تهريبه ألم توجه إليك تهمة مساعدته على الهرب؟ ـ كانت الأوضاع قد تغيرت، والأفراح أقيمت في العالم العربي، حتى إن ديغول كان في ذلك الحين من أنصار التهريب والعالم العربي قدّر موقف فرنسا. ولا شك أن الرأي العالمي أدرك أن ديغول سـدّد ضربتين لكبرياء انجلترا، عبّر بهما عن كراهيته لها، الأولى إعلان استقلال سورية ولبنان، والثانية تهريب الحاج أمين وإفلاته من يد انجلترا، وقد تم هذا كله بما بذلنا من مساعٍ سلف ذكرها. وجاء التحقيق، وكل ما طلبوه مني إقامة جبرية في بيتي. وأقبل مراسلو الصحف العالمية في أميركا وغيرها على باب البناية التي أسكن فيها، يريدون أن يسألوني كيف خرج المفتي وغادر فرنسا؟ وتضايق الفرنسيون من هذه الزحمة الصحافية، ومنعوا بعض الوفود الصحافية من المرابطة أمام باب البناية، وطلبوا مني أن أخرج إلى بيت آخر يكون تحت المراقبة بعيداً لا يعرفه أحد، فذهبت إلى بعض ضواحي باريس التي تبعد 30 كم عن المدينة، وحجزت غرفة في فندق لي ولعائلتي وأمضينا المدة المطلوبة.







 المعز بن باديس غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
أمين, لغز, الخلفاء, الحاج

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مذكرات الدكتور معروف الدواليبي ...!! محمد المبارك التاريخ الحديث والمعاصر 8 20-Oct-2010 10:31 PM
النص الكامل لرسالة الحبيب بورقيبة إلى المفتي الحاج أمين الحسيني الجزائرية التاريخ الحديث والمعاصر 0 20-Sep-2010 02:14 PM


الساعة الآن 05:50 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع