قناة الدكتور محمد موسى الشريف

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: فلسطين ................نداء (آخر رد :النسر)       :: المغرب والملك (آخر رد :النسر)       :: مؤامرة تقسيم السودان (آخر رد :النسر)       :: الإسلاميون قادمون.. شاء الغرب أم أبى! (آخر رد :النسر)       :: مصر وربيع التقدم (آخر رد :النسر)       :: ملف العراق الجريح ( قراءات سياسية مميزة ) (آخر رد :النسر)       :: سوريا تسلك طريق الحرية (آخر رد :النسر)       :: العربي التائه! (آخر رد :النسر)       :: "ملكوت هذه الارض".. سيرة وطن لم يتحقق (آخر رد :النسر)       :: حمص تتحدث عن نفسها (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> صانعو التاريخ




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 25-Nov-2010, 11:39 AM   رقم المشاركة : 1
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




(iconid:31) الزعيم التونسي الدكتور محمود الماطري من خلال مذكراته

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

الدكتور محمود الماطري

الزعيم التونسي الدكتور محمود الماطري من خلال مذكراته




العرب أونلاين- حسونة المصباحي


ليلة 13 ديسمبر/كانون الأول 1972، وبعد يوم هادئ مارس خلاله الأعمال والنشاطات التي كان قد تعوّد على القيام بها، أحسّ الدكتور محمود الماطري الذي كان آنذاك في الخامسة والسبعين من عمره، بألم في قلبه، فأخبر السيدة زوجته بذلك. ولأن الأطبّاء الكبار المختصّين في القلب كانوا مدعوين إلى القصر الرئاسي بقرطاج، فإن الدكتور محمود الماطري ارتأى أن يفحص نفسه بنفسه، ماسكًا بنسخة من القرآن الكريم.

وعلى ذلك الوضع أدركه الموت الذي كان يتمنّاه، ويتمنّاه كل إنسان، أي موت هادئ، بلا آلام، ولا احتضار طويل. وهكذا رحل عن الدنيا واحد من كبار الشخصيات التونسية التي لعبت أدْوارًا هامّة وخطيرة في تاريخنا الوطني خصوصًا خلال فترة الاستعمار.

ولعلّه مضى وهو مطمئن النفس إذ أنه كان قد أنجز عملاً طالما رغب في القيام به خصوصا بعد أن تقدم به العمر، والمتمثل في كتابة مذكراته باللغة الفرنسية، وفيها استعرض جوانب مهمّة من مسيرته النضالية خلال فترة الكفاح الوطني، مسلّطًا الأضواء على رفاقه في النضال، وعلى الأحداث التي كان من صانعيها، ومن الفاعلين فيها. ولعلّه انتقل إلى العالم الآخر أيضا وهو مرتاح النفس والضّمير بعد أن دفع عن نفسه عبر رسالة مقترحة وجّهها إلى الرئيس الحبيب بورقيبة، تُهَمًا خطيرة، مُعيدًا لنفسه الاعتبار، ومكتسبًا من جديد احترام النّاس وتقديرهم له إنسانا ومناضلا وطنيّا ظل وفيّا حتى النهاية للمبادئ التي آمن بها منذ سنوات شبابه الأولى.

ففي مطلع خريف عام 1972، وبمناسبة الذكرى الثلاثين لإبعاده إلى "برج البوف" "برج بورقيبة الآن" وذلك يوم 3 سبتمبر/أيلول 1972، ألقى الرئيس الحبيب بورقيبة خطابا استعرض فيه كما هي عادته غالب الأحيان، ذكريات الكفاح الوطني، متّهما الدكتور محمود الماطري بـ"التخاذل" وبـ"التعامل" مع السلطات الاستعمارية خصوصا بعد أحداث أبريل/نيسان 1938 التي سقط خلالها مئات الشهداء، وأدلى بشهادة ضده كادت تؤدي به إلى ما لا يحمد عقباه.

وبالأخلاق العالية والنّبيلة التي كان يتمتع بها في كل الأحوال والمناسبات، وأيضا بذلك الإتزان الذي يختصّ به من واجهوا المحن والمصاعب بصبر وشجاعة، ردّ الدكتور محمود الماطري على رفيقه القديم في النضال الوطني عبر رسالة مفتوحة نشرتها جريدة "لاكسيون" في عددها الصادر يوم 6 سبتمبر، وفي مطلعها خاطبه قائلا: "رئيسي العزيز..." ثم أضاف قائلا: "لقد أزعجني خلال السنوات الأخيرة أن أجد نفسي في عدد من خطبك محلّ انتقادات ظالمة... ليس لها مبرّر".

وكان الرئيس الحبيب بورقيبة قد زعم في الخطاب الذي ألقاه يوم 3 سبتمبر/أيلول 1972 بمسقط رأسه المنستير، أن الدكتور محمود الماطري طلب منه الكف عن القيام بالجولات التي كان يقوم بها عام 1938، وبالتخفيف من حدة الخطب التي كان يلقيها أمام الجماهير في تلك الفترة، لا بـ"مبادرة شخصية منه"، وإنما "بتحريض من المقيم العام الفرنسي". وبهدوئه المعتاد، ردّ الدكتور محمود الماطري قائلا: "الصحيح أني نصحتك بالفعل، لا مرة واحدة، بل عدة مرات خلال فترات عصيبة "وكان نصحي لصالح الحركة الوطنية التي كنّا نقودها معا، بألاّ تكثر من الجولات والاجتماعات العمومية، وبأن تتجنّب بالخصوص العنف اللفظي الذي من شأنه أن يوفّر لخصومنا ذرائع لعرقلة حركتنا، أو بل لشنّ حملة قمع ضد مناضلينا".

وكأن بورقيبة أراد أن "يغرس السكين في العظم" بحسب تعبير التونسيين، أضاف في نفس الخطاب قائلا بأن الدكتور محمود الماطري أدلى بشهادة ضده أثناء محاكمته عقب أحداث أبريل/نيسان1938. وبحسب رأيه كادت تلك الشهادة تؤدي به إلى "الحكم بالإعدام".

ومواصلا الدفاع عن نفسه لدحض التهمة الخطيرة التي وجّهها له بورقيبة، ذكّر الدكتور محمود الماطري بالشهادة التي أدلى بها أمام قاضي التحقيق خلال المحاكمة المذكورة، والتي جاء فيها ما يلي: "سألت بورقيبة قبل حوادث 9 أبريل/نيسان بمدة قليلة عن الأقوال المنسوبة إليه بشأن الإضراب عن الجبابة والخدمة العسكرية وتخريب وسائل الاتصال، وهي أقوال أعلمني بها السيد المقيم العام على أساس تقارير بلغته من سلطة الإيالة. فأنكر بورقيبة أن يكون تلفّظ بمثل تلك الكلمات".

ومخاطبا الرئيس بورقيبة في الرسالة المفتوحة، أضاف الدكتور محمود الماطري قائلا: "ولو أردت الإساءة إليك حقا لنقلت إلى قاضي التحقيق الكلمات التي قلتها لي أثناء زيارتي لك يوم 9 أبريل/نيسان، والتي ارتجفت لسماعها: "لا بدّ أن يسيل الدم! أجل لا بدّ أن يسيل الدّم!". ومن المعلوم أني أقسمت أمام قاضي التحقيق أني أقول الحق، كل الحق، ولا شيء غير الحق. غير أني رغم ذلك القسم لم أقلْ تلك الحقيقة ولا بضع الحقائق الأخرى التي كانت من شأنها- دون سواها- أن تقودك إلى المشنقة.

ومستنكرا مغالطات بورقيبة، واصل الدكتور محمود الماطري مخاطبته قائلا: "الحقيقة هي أنّ ما كان يتسبّب في الإعدام "وذاك من المبالغات" بل في عقوبة صارمة، إنما هي مغالاتك اللفظية في ظروف كان ينبغي لك فيها، كزعيم، رباطة الجأش وتوخّي الحذر، إنما هي تعليماتك الموجهة من دون حيطة إلى مناضلين لم يكونوا كلهم من الموثوق بهم، إنما هي وثائق الحزب وضعها تهاونك رهن أي عملية تفتيش، وإنما هي الرسائل المثيرة الموجهة إلى الهادي نويرة وسليمان والكثيرين غيرهما، حتى تمّ حجزها عند المرسل إليهم واستعمالها بكامل السهولة لإثراء ملفات الاهتمام.

تلك هي الوقائع في بساطتها. وليس من خدمة التاريخ في شيء تشويهها أو تقديمها تقديما مغرضا. إنما ذلك تزييف للتاريخ".

وبوقار الحكيم، ورصانته، ختم الدكتور محمود الماطري رسالته المفتوحة قائلا: "رئيسي العزيز، قد بلغ كلانا الشيخوخة، فحان الوقت لنسيان بعض الأحقاد المكبوتة، وحان الوقت لوضع حدّ للالتباسات وخرافات دامت أكثر ممّا ينبغي. وتفضّلْ بقبول تحيات من لا يزال- رغم كل شيء- أحد أصدقائك الأصدق إخلاصًا لك، بالخصوص الأكثر نزاهة".

والحقيقة أن بورقيبة كان قد أخذ في ذلك الوقت، أي بعد أن أصبح حاكما مطلقا للبلاد، يقرأ التاريخ، ويفسّر أحداثه ووقائعه مثلما يبتغي ويريد. وفي أغلب الخطب الرسمية التي كان يلقيها في المناسبات الوطنية، كان يحاول دائما وأبدا أن يبرز نفسه كـ"قائد أوحد" خلال الكفاح الوطني، منتقصا من شأن بقية رفاقه، وحاطا من قيمة الأدوار التي لعبوها.

وهذا ما أراد أن يفعله مع الدكتور محمود الماطري رغم أن هذا الأخير كان قد انسحب بهدوء من الحياة السياسية، وأبدا لم يتدخل في أي شأن من شؤون البلاد منذ نهاية الخمسينات من القرن الماضي. ولو اقتصر بورقيبة على الإشارة إلى الخلاف بين رؤيته ورؤية الدكتور محمود الماطري لاستراتيجية النضال الوطني- وهذا هو واقع الحال- لكان الأمْر مقبولاً. أما أن يحاول إلصاق تهم باطلة به، وتقزيم دوره، والإساءة إلى ما كان يسمّيه بـ"الرفيق الأول" فهذا دليل آخر على أنه- أي بورقيبة- كان يرغب في أن يكون الصانع الوحيد للتاريخ. وهذه المغالطة الخطيرة هي التي فضحها الدكتور محمود الماطري في رسالته المذكورة...

نشرت مذكرات محمود الماطري التي كتبها بالفرنسية أول مرة عام 1992. وفي عام 2005، قامت دار "الشروق" المصرية المرموقة بإصدارها في ترجمة عربية قام بها الراحل حمادي الساحلي، وقدم لها الدكتور عزالدين قلوز. ويمكن القول إن هذه المذكرات التي تغطي أحداثا هامة وقعت بين الحربين العالميتين تعدّ وثيقة أساسية لا للإحاطة بشخصية الدكتور محمود الماطري، والتعرف على آرائه وأفكاره حول العديد من القضايا، وإنما لإعادة قراءة مرحلة هامّة من تاريخنا الوطني، والتعرف على صانعيه والفاعلين فيه.

في مذكرة مختصرة، حرّرها بنفسه، أشار الدكتور محمود الماطري إلى أنه ولد بالعاصمة، بنهج "عبا" بقلب المدينة العتيقة أواخر ديسمبر/كانون الأول 1897، أو أوائل يناير/كانون الثاني 1898. وقد توفيت والدته بعد أن وضعته. وبعد مرور عشرة أشهر على رحيلها، التحق بها والده. وهكذا نشأ الطفل يتيما. ولعل هذا اليتم المبكر هو الذي سيكسبه عزيمة فولاذية سوف تلازمه طوال حياته.

وفي نفس هذه المذكرة، يشير الدكتور محمود الماطري إلى أنه بالرغم مما يدل إليه لقبه، فإن عائلته لا تمتّ بأية صلة إلى مدينة ماطر "الطيّبة" بحسب تعبيره. فقد كان جدّه انكشاريًّا تركيا، أو بالأحرى يونانيا تركيا، أصيل جزيرة "كوس" التي كانت تسمى باللغة التركية "اسكتنكواي". وقد جاء إلى البلاد التونسية حوالي سنة 1680، أي في عهد محمد باي الثاني المرادي. أما الوالدة فتنتمي إلى عائلة "فارح" التي قد تكون من أصول أندلسية. ولعلها قدمت إلى البلاد التونسية أوائل القرن السابع عشر ليحترف أفرادها صناعة "الشاشية".

وبحسب المذكرة، كان جدّ الدكتور محمود الماطري، ويدعى أحمد الماطري، مدرّسًا حنفيا بجامع الزيتونة، في حين كان والده، المختار الماطري، إماما خطيبا بجامع "القصر" الحنفي.

والشيء الذي ظل ثابتا في ذاكرة الطفل محمود الماطري هو تلك الغرفة الصغيرة في البيت الكبير والتي علقت على جداريها المتقابلين صورتان: الأولى تمثل الجنرال التركي أدهم باشا الذي انتصر على الجيش اليوناني عام 1889.

وأما الثانية فتمثل "مينيليك" إمبراطور الحبشة الذي انتصر على الجيش الإيطالي عند غزوه لبلاده. وقد لاحظ الطفل الصغير أن الناس كانوا يشيدون بشجاعة الإمبراطور الحبشي، وأيضا ببطولة اليابانيين الذين سحقوا الروس في الحرب التي دارت بينهم مطلع القرن العشرين. وكان تعاطف الناس مع اليابانيين يبرز بالخصوص خلال شهر رمضان عندما يشرع "دكان خشبي وضيع" بساحة "الحلفاوين" في عرض أشرطة قصيرة أمام آلاف المتفرجين، وفيها تظهر أفواج الأسرى الروس وقد أحنوا رؤوسهم من جرّاء المذلّة التي ألحقت بهم. وفي تلك السن المبكرة، أدرك الطفل محمود الماطري أن تقدير الناس لإمبراطور الحبشة واليابانيين الذين ألحقوا بالروس، "أعداء الإسلام" هزيمة نكراء، يعود إلى أنهم عثروا على الدليل القاطع الذي يثبت زيف الإدعاء الذي يقول إن الأوروبيين لا يقهرهم إلاّ الأوروبيون!

وفي البداية، انتمى الطفل محمود الماطري إلى المدرسة القرآنية الكائنة بالشارع الذي ولد فيه ليحفظ كلام الله، ثم التحق بالمدرسة الصادقية التي ظلّ فيها إلى أن أحرز على شهادة ختم الدروس. بعدها عمل معلما بالمرسى على مدى سنتين. ولم يمنعه عمله هذا من الإحراز على شهادة الباكالوريا في الرياضيات عام 1919.

وقد فتحت له هذه الشهادة أبواب السفر إلى فرنسا لمواصلة دراسته في الطب في مدينة "ديجون". وبسبب ضيق ذات اليد، وعدم تمتعه بمنحة دراسية، كان على الشاب الطموح محمود الماطري أن يعمل قيّما بمبيت المعهد الثانوي بالمدينة الفرنسية المذكورة، ثم بالمدرسة التطبيقية للتجارة والصناعة "حيث كان العمل أخف وطأة".
بعد أن أمضى ثلاثة أعوام في مدينة "ديجون"، انتقل الشاب محمود الماطري إلى باريس وذلك عام 1923 لينتمي إلى كلية الطب. وإلى جانب الدراسة مارس مهنا مختلفة جعلته يتعمّق في فهم الحياة الفرنسية، ويكتسب تجارب سوف تكون نافعة في ما بعد.

وفي مذكراته لا يحدثنا الدكتور محمود الماطري عن الأعوام الثمانية التي أمضاها في فرنسا. وهو يقول إنه انتمى إلى تنظيمات سياسية مختلفة مثل "رابطة حقوق الإنسان"، و"الحزب الاشتراكي" و"الحزب الشيوعي". كما أنه ساهم بالكتابة في العديد من النشريات مثل "تقدم ساحل الذهب" و"الدعوة الاشتراكية" و"جريدة باريس الشعبية".

وفي "الوضوح"، أسبوعية هنري باربوس الذي كان شيوعيّا متعاطفا مع الثورة البلشفية، كتب العديد من المقالات التي انتقد فيها سياسة فرنسا الاستعمارية في تونس، وفي البلدان الأخرى التي كانت واقعة تحت سيطرتها.

ما يمكننا أن نستنتجه من كل هذا أن الدكتور محمود الماطري كان من أوائل أبناء المستعمرات الذين حذقوا لغة موليير وتمكنوا من شواردها تمكنا أهّلهم للكتابة بها في كبريات الصحف، واستعمالها كوسيلة لانتقاد سياسة فرنسا الاستعمارية.

الشيء الثاني الذي نستنتجه هو أن الدكتور محمود الماطري اقتحم عالم الصحافة من بابها الواسع. فرغم صغر سنه، إذ كان آنذاك في الخامسة والعشرين من عمره، لم يتهيّب من الكتابة في صحف كان بعض من يكتبون فيها من النجوم الساطعة في عالم الأدب والفكر والسياسة من أمثال رومان رولان الذي كان من أشد المعارضين للحرب الكونية الثانية، والكاتب الكبير اناتول فرانس الحائز على جائزة نوبل للآداب.

وأما الأمر الثاني الذي يمكننا أن نستنتجه هو أن الدكتور محمود الماطري لم يكن ليتوصّل إلى الكتابة في الصحف التي ذكرنا، وإلى جانب أعلام الأدب والفكر والسياسة، لو لم يكن عارفا بالثقافة الفرنسية، وبآدابها وفلاسفتها.

والواضح أنه كان قد تعمّق حتى قبل أن يذهب إلى فرنسا في دراسة أعمال ومؤلّفات كبار الأدباء والشعراء والفلاسفة والعلماء الفرنسيين، وتعرف على التاريخ الفرنسي، خصوصا على تاريخ الثورة الفرنسية التي أطاحت بالنظام الملكي عام 1789. ومعنى كل هذا أن الدكتور محمود الماطري لم يكن هدفه فقط خلال السنوات التي أمضاها في فرنسا الحصول على شهادة عليا تخوّل له أن يخدم بلاده عند عودته إليها في أفضل الظروف، وإنما فهم فرنسا بوجوهها المتعدّدة، وبجوانبها الأدبية والفلسفية والعلمية والسياسية والاجتماعية وغيرها. وهو ما توصّل إليه على أبدع وأروع صورة.

والشيء المؤكد أن الدكتور محمود الماطري كان قد بدأ يخطو خطواته الأولى في عالم السياسة قبل أن يغادر تونس. والواضح أنه كان قد قرأ كتاب الشيخ عبد العزيز الثعالبي "تونس الشهيدة" الذي صدر في باريس عام 1919، أي في نفس السّنة التي نال هو فيها شهادة الباكالوريا في الرياضيات.

وربما كان وهو معلم في المرسى قد بدأ يتعرف على خفايا الحياة السياسية في هرم السلطة إذ أنه كان قد اعتنى بتقديم دروس خاصة لأحد أبناء الأمير منصف باي. ولعله في الآن نفسه كان قد تعرف على بعض الشخصيات الوطنية التي كانت فاعلة في الحياة السياسية في البلاد آنذاك.


Alarab Online. © All rights reserved.












التوقيع

  النسر متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 02-Dec-2010, 12:20 PM   رقم المشاركة : 2
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: الزعيم التونسي الدكتور محمود الماطري من خلال مذكراته

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

شارل نيكول كان له الفضل الكبير في التحاق الماطري بالمستشفى الصادقي
الزعيم التونسي الدكتور محمود الماطري من خلال مذكراته




العرب أونلاين- حسونة المصباحي

في باريس التقى الدكتور محمود الماطري بشبان تونسيين كانوا قد قدموا مثله إلى العاصمة الفرنسية لمواصلة تعليمهم العالي من أمثال الحبيب بورقيبة ومحمد بدرة والطاهر صفر والبحري قيقة والهادي نويرة وآخرين. وكان الدكتور محمود الماطري قد تعرّف على الحبيب بورقيبة أيام الدراسة في المدرسة الصادقية، وتحديدا عام 1915.

وهو يصفه خلال لقائه الأول به وهو في العاشرة من عمره قائلا: "كان له عينان لونهما رمادي أخضر، تبدوان واسعتين في وجهه النّحيف". ويثير الدكتور محمود الماطري إلى أن الطفل الحبيب بورقيبة الذي كان مصحوبا دائما بأخيه "سي محمود"، كان "يسلّي" مجالسهم بـ"دفق من الثرثرة تتخللها من حين لآخر ملاحظات وأفكار تفوق صغر سنه".

وكان الدكتور محمود الماطري في باريس لما التقى مرة أخرى بالحبيب بورقيبة. حدث ذلك في يوم "شديد الضباب". وفي ذلك الوقت كان الدكتور محمود الماطري يسكن غرفة صغيرة في شارع "بيلبور" "PELLEPORRT" كانت الجريدة الأسبوعية النقابية قد اتخذها مقرّا لها. وفجأة ظهر الحبيب بورقيبة، وكانت ملامحه "قد تغيّرت عن ملامح المراهق".

وفي نص كتبه، ونشرته جريدة "الاكسيون" في عددها الصادر يوم 4 أوت 1958، روى الدكتور محمود الماطري تفاصيل ذلك اللقاء قائلا: "تعانقنا وتوثقت بيننا منذ ذلك اليوم عرى صداقة خالصة ثابتة لم تمس منها الفوارق بين مزاجينا ولا طول الافتراق المريرة".

عاد الدكتور محمود الماطري من باريس عام 1926 حاصلا على شهادة الدكتوراه في الطب بملاحظة مشرف جدّا. وكانت البلاد التونسية تعيش آنذاك الخيبة المرة التي كانت تعيشها الشعوب المستعمرة "بتفح الميم" بسبب الإخلال الوعود التي كان أطلقها الرئيس الأمريكي ويلسون بعد الحرب الكونية الأولى والتي تقرّ بـ"حقّ الشعوب في تقرير مصيرها". وكانت الحركة النقابية التي نشطت على مدى سنة كاملة "1924- 1925" قد تلَقّت ضربة قاسية من قبل السلطات الاستعمارية التي كانت قد أوقفت الزعيم النقابي محمد علي الحامي وجميع رفاقه لتحكم عليهم بالنفي خارج البلاد.

وإجمالا يمكن القول إن الحياة السياسية كانت معطلة، فقد كان الشيخ عبد العزيز الثعالبي مؤسس الحزب الدستوري خارج البلاد، يطوف في بلاد الشرق متعرّفا على أحوالها، وملقيا دروسًا في جامعاتها، ومتحدثا إلى زعمائها، وفقهائها. أما رفاقه الآخرون في الحزب فكانوا يقتصرون على تنظيم اجتماعات لا فائدة ترجى من ورائها.

وفي البداية، اهتمّ الدكتور محمود الماطري بعمله كطبيب راجيا من خلال ذلك اكتساب مكانة في مجتمعه، والتعرف على أحوال البلاد من خلال المرضى، والتزود بما يكفي من التجارب التي يمكن أن تخوّل أن يلعب الأدوار الهامة التي كانت تنتظره.

وآنذاك كان "المستشفى الصادقي" الذي كان قد "ألفه منذ نعومة طفولته" هو الوحيد المؤهل لاقتبال المرضى المسلمين. وكان الدكتور محمود الماطري يرغب في العمل به كطبيب مساعد، غير أن الإدارة الفرنسية لم تستجب لطلبه بحجّة أنه "لا يوجد مكان شاغر". بعدها تعرف على الدكتور شارل نيكول الذي كان آنذاك رئيسا لـ"معهد باستور".

وعن لقائه به كتب في "المذكرات" يقول: "ولا أنسى أبدًا الاقتبال الذي خصّني به ذلك العلاّمة الشهير. على أن تلك الشخصية البارزة لم تكن غريبة عنّي. فكثيرا ما سبق لي أن لمحت الدكتور شارل نيكول في عهد طفولتي وهو يعبر ساحة المستشفى الصادقي باحثا عن بعض المرضى قد يستفيد من فحصهم في أبحاثه".

وبمساعدة الدكتور شارل نيكول، تمكن الدكتور محمود الماطري من العمل في "المستشفى الصادقي" حيث تعرف على العديد من الأطباء الفرنسيين البارزين من أمثال الدكتور ارنست كورناي الذي كان مساعدًا للدكتور شارل نيكول.

وقد فتح له هذا الأخير أبواب مصحّته المتخصصة في الأمراض المعدية "على مصرعيها". ومن خلال عمله كطبيب مساعد في "المستشفى الصادقي" تعرف الدكتور محمود الماطري على الأمراض الخطيرة في البلاد التونسية. وبسبب إخلاصه في العمل، وتفانيه في خدمة المرضى، حصل على تقدير زملائه، وعلى احترام المواطنين من جنسيات مختلفة،وأصبحت له بينهم "سمة لا يمكن أن ينازعه فيها منازع سواء من الناحية الأخلاقية أو من الناحية المهنية".

غير أن العمل الجاد والمضني الذي كان يقوم به، لم يمنع الدكتور محمود الماطري من الاهتمام بالأوضاع السياسية في بلاده. ففي عام 1927، دعته اللجنة التنفيذية للحزب الدستوري الذي كان يتابع أعماله منذ أن كان طالبا في فرنسا، لحضور الاجتماع السنوي، فلبّى الدعوة من دون أي تردّد.

لكنه سرعان ما أصيب بالخيبة والإحباط. فقد حضر الاجتماع خمسون شخصا على أقصى تقدير! وكانت الخطب والكلمات التي ألقاها زعماء الحزب الدستوري، أي أحمد الصافي، وصالح فرحات، ومحي الدين القليبي مملّة ورتيبة وخالية من أي حماس وطني. وبعد انقضاء نصف ساعة، انفضّ الاجتماع، وظلّت القاعة فارغة، موحشة. وقد علّق الدكتور محمود الماطري على ذلك قائلا: "فلم أر في ذلك النشاط الضعيف غاية الضعف ما يشجعني على الانضمام إلى ذلك الحزب الموهوم.

وخرجت من ذلك الاجتماع مقتنعًا أكثر من أي وقت مضى بضرورة تكوين نخبة مثقفة عريضة تفي بقيادة الحركة التحريرية، وبما تحتاج إليه تونس الغد من كفاءات".

ولعل "ما تحتاجه تونس من كفاءات" هو الذي دفع بالدكتور محمود الماطري إلى إنشاء لجنة لمساعدة الطلبة التونسيين الذين يواجهون صعوبات مادية ومعنوية لمزاولة دراستهم العليا. وكان ذلك عام 1928. وسوف تكون تلك اللجنة عنصرًا أساسيا في ارتفاع أعداد الطلبة المتوجهين إلى فرنسا لمواصلة دراستهم العليا.

وفي صيف عام 1927، عاد الحبيب بورقيبة إلى تونس مصحوبا بزوجته الفرنسية "ماتيلد" التي سوف تسمى "مفيدة" منذ أن وطأت قدماها أرض البلاد التونسية، وأيضا بابنه الصغير "الحبيب" الذي سوف يشتهر باسم "بيبي". وقد أخذ الدكتور محمود الماطري يتردد على بيت صديقه القديم ليتناقش معه ومع أصدقاء آخرين الأوضاع السياسية في البلاد، محاولين إعداد خطة تضمن النجاح للمعارك التي لا بدّ من خوضها من أجل التحرر والاستقلال.

وكانت أول حركة قام بها الدكتور محمود الماطري والحبيب بورقيبة ورفاقهما الآخرون من الشبان المتحمّسين للنضال الوطني هي معارضتهم للمؤتمر "الافخارستي" الذي انتظم في تونس 1930 والذي كان الهدف الأساسي منه "الدوس على الهوية الوطنية والدينية" للتونسيين، والتأكيد على أن البلاد التونسية "تفرنست" وأصبح أهلها "مستسلمين خاضعين". ومُعلّقًا على النشاط الذي قام به الشبان الوطنيون الجدد، كتب الدكتور محمود الماطري يقول: "لقد كان عددنا صغيرا، لكن الشعب الذي كان خامِلاً لحدّ ذلك التاريخ، بدأ يستيقظ، ويشعر بحاجة إلى قادة جدد. بل حتى الحزب الدستوري بدأ يتحرك من جديد".

بعد المؤتمر "الافخارستي"، تعاظم نشاط الدكتور محمود الماطري ورفاقه. فقد كان الشاذلي خير الله، وهو أحد أعلام النخبة التونسية المستنيرة في ذلك الوقت، يصدر باللغة الفرنسية جريدة أسبوعية أطلق عليها اسم: "صوت التونسي". وكان هدفه من وراء ذلك "إذكاء الروح الوطنية لدى الشباب". وأكثر من مرة طلب الشاذلي خيرة الله من الدكتور محمود الماطري الكتابة في جريدته، فلم يتوفرّ له ذلك.

فقد كان الطبيب الشاب يبتغي أن يحصل على "مكانة أوسع ونفوذ أقوى بين مواطنيه" لكي يكون صوته مسموعًا، ورأيه مأخوذا بعين الاعتبار. لكن بعد أن داهمت الشرطة مقر "لجنة إعانة الطلبة التونسيين" لأن نشاطها لم يرض السلطات الاستعمارية، قرر الدكتور محمود الماطري أن يقتحم السياسة من بابها العريض، فكتب مقالا في "صوت التونسي" ندّد فيه بما قامت به الشرطة الفرنسيّة تجاه "لجنة إعانة الطلبة التونسيين".

فكان لذلك المقال "وقع كبير على القراء". ونفس الشيء حدث بالنسبة للمقالات التي تلته. عندئذ فكر الدكتور محمود الماطري ورفاقه في تحول "صوت التونسي" إلى جريدة يومية. فتمّ لهم ذلك، وصدر العدد الأول من الجريدة المذكورة يوم 16 فيفري 1931. وفي "المذكرات" علّق الدكتور محمود الماطري على ذلك قائلا: "فكان ظهورها- "أي صوت التونسي" بمثابة انفجار أيقظ التونسيين من سباتهم وكدّر راحة الفرنسيين الاستعماريين".

ويضيف الدكتور محمود الماطري قائلا: "وقد تميّزت الجريدة بِنَفَسٍ وأسلوب لم يكونا معهودين من قبل. وكان القراء من تونسيين وفرنسيين على حد السواء، يتخاطفون أعدادها من أيدي الباعة، ويتهافتون على قراءة افتتاحية الشاذلي خير الله الممتازة والمقال الرئيس الذي كان يكتبه كل يوم واحد منا يعالج فيه بدقة متواصلة إحدى أمهات المشاكل: السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية والإدارية والعدلية، وغيرها ممّا يهمّ بلادنا "..." فيحق لنا القول إن الحركة الوطنية قد شهدت آنذاك انطلاقة جديدة وحازمة".

وبسبب لهجتها الوطنية الحازمة والمتحمّسة، أثارت جريدة "صوت التونسي" حفيظة السلطات الاستعمارية وغضبها، فقامت بتتبّعها عدليًّا بأمر من المقيم العام الفرنسي "ما نصرون" الذي كان "ضعيف الشخصية" بحسب تعبير الدكتور محمود المارطي. وقد أحدثت تلك التتبعات العدلية "ضجة كبيرة" في البلاد، فباتت الجريدة المذكورة تحظى بتعاطف شعبي لا مثيل له.

غير أن الأحوال سرعان ما ساءت بالنسبة لجريدة "صوت التونسي" على المستوى الداخلي والخارجي، فارتآى الدكتور محمود الماطري ورفاقه تأسيس جريدة جديدة أطلقوا عليها اسم "العمل التونسي". وكانت لجنة تحريرها تتألف من الحبيب بورقيبة والدكتور محمود المارطي ومحمد بورقيبة والبحري قيقة. وقد صدر العدد الأول من هذه الجريدة أول نوفمبر 1932.

وفي ربيع عام 1933 انفجرت "قضية التجنيس" مرة أخرى، فازدادت الأوضاع السياسية سوءا في البلاد. وأمام تصاعد الغضب الشعبي، اختارت السلطات الاستعمارية تعيين مقيم عام جديد يدعى مارسب بيروطون الذي وصل إلى البلاد التونسية يوم 8 أوت 1933 ليجدها في وضع "ينذر بالانفجار". وربما للإطلاع عن كثب على ما كان يدور في تونس من أحداث سياسية وغيرها، دعى المقيم الفرنسي الجديد إلى مكتبه في شهر أكتوبر 1933 وفدا دستوريا ضمّ كل من أحمد الصافي وصالح فرحات ومحي الدين القليبي وعلي بوحاجب والبحري قيقة والمنصف المستيري. بعدها دعا الدكتور محمود الماطري على انفراد فـ"قدم له عرضا سريعا عن الوضع" مركزا فيه على "ما يعانيه السكان المسلمون من تردّ اقتصادي متفاقم، وعلى تصاعد التجاوزات الناجمة عن السياسة الاستعمارية المتبعة في البلاد".

ولم تلبث الخلافات أن دبّت بين أبناء الجيل القديم وأبناء الجيل الجديد من الدستوريين، وازدادت استفحالا بعد أن تمّ رفت البحري قيقة من الحزب بدعوى أنه أفشى سرّ المحادثة التي أجراها الوفد الدستوري مع بيروطون. أما الحبيب بورقيبة الذي كان قد قاد وفدا من أهالي المنستير إلى قصر الباي للاحتجاج على ما تعرض له سكان تلك المدنية خلال أحداث أوت 1933 والتي أسفرت عن قتيل وبعض الجرحى، فقد وجّهت له اللجنة التنفيذية للحزب توبيخا الشيء الذي جعله يسارع بتقديم استقالته.

وهكذا بات الباب مفتوحا للقطيعة المنتظرة. وفي الثاني من شهر مارس 1934 انعقد بـ"دار أحمد عيّاد" بقصر هلال، مؤتمرا أسفر عن بروز الحزب الحر الدستوري الجديد المنشق عن الحزب القديم، وانتخب الدكتور محمود الماطري رئيسا له. أما الحبيب بورقيبة فقد انتخب كاتب عامًّا.

ولمواجهة الوضع الجديد، اختارت السلطات الاستعمارية سياسة التصعيد. وفي الثالث من سبتمبر 1934، قامت الشرطة باعتقال زعماء الحزب الجديد. وكان الدكتور محمود الماطري واحدًا منهم. وفي البداية تمّ إبعاده إلى "بن قردان" ثم إلى "برج البوف". وبدقة الروائي يصف الدكتور محمود الماطري في مذكراته الأشهر العصيبة التي أمضاها مع رفاقه في الصحراء الموحشة حيث البق والقمّل والعواصف الرملية والأطعمة الرديئة.

كما يروي بالتفصيل من كان يدور من أحداث يومية، ومن مناقشات سياسية وفلسفية وأدبية، متعرضا لسلوك كل سجين من رفاقه. وبالنسبة له، هو يشير في مذكراته إلى أنه كان مواضبا على مطالعة المجلات الطبية التي كان مشتركا فيها. ولتوسيع معلوماته التاريخية، أقبل على قراءة تاريخ الشعوب العربية الإسلامية، مركزا على تاريخ شمال إفريقيا. وفي "المذكرات" يكتب قائلا: "وقد كنت أخجل قبل ذلك بعض الخجل من كوني أعرف عصر أغسطس أو عصر لويس الرابع عشر أحسن من معرفتي لتاريخ الحفصيين وتاريخ انجلترا أحسن من معرفتي لتاريخ مغربنا الغربي.

فكانت تلك ثغرة واسعة يتعيّن عليّ سدّها دون إضاعة الوقت". وهكذا قرأ مؤلفات ابن خلدون وجرجي زيدان وأحمد أمين "فجر الإسلام وضحى الإسلام" وابن دينار.

كما قرأ "إتحاف" ابن أبي الضياف. وبعناية خاصة درس القرآن الكريم بأكمله مستعينا لفهمه بترجمة من العربية إلى الفرنسية. ومتحدثا عن رفاقه الآخرين، يثير الدكتور محمود الماطري كان يحب أن يقرأ عليهم فقرات من كتاب "الأغاني" أو ينشد بعض الأبيات من أشعار بشار بن برد وأبي نواس والمتنبي وابن رشيق. أما الحبيب بورقيبة فكان مغرما بالشعراء الفرنسيين الكلاسيكيين من أمثال لامارتين والفريد دوفنيييه والفريد دو موسّيه وبالخصوص فيكتور هوغو الذي كان "ينزله منزلة خاصة متميّزة".

ويقول الدكتور محمود الماطري إنه قرأ ورفاقه في "برج البوف" كتاب "MEIN KUMPH" للزعيم الألماني النازي أدولف هيتلر في ترجمة فرنسيّة. وقد دعتهم قراءتهم لهذا الكتاب إلى "تأمّلات مطولة". ويضيف الدكتور محمود الماطري قائلا: "وكان يحدث في أغلب الأحيان أن تجري بيننا مناقشات بشأن بعض مطالعاتنا أو الشخصيات التي تعترضنا فيها. فبخصوص الخلفاء مثلا، كنت أفضّل عمر بن الخطاب، في حين كان الحبيب بورقيبة معجبا بالغا الإعجاب بمعاوية بن أبي سفيان". وبأسلوب فني رفيع المستوى، يصف الدكتور محمود الماطري حياته وحياة رفاقه في "برج البوف" قائلا: "أمّا المناخ فكنا نتحمله بيسر رغم أن الحرارة كانت ابتداء من شهر ماي، كثيرا ما تفوق الأربعين درجة.

وحتى الليالي لم تعد معتدلة الحرارة، فكنا نخرج أفرشتنا من غرفنا كل ليلة لننام في الهواء الطلق. وقد كان ذلك يتسبّب لنا أحيانا في اكتشافات مزعجة، كعثور الواحد منا على جرذون أو عقرب أو حتى ثعبان. بين طيات غطائه. وتلك لعمري اكتشافات من شأنها أن تثير فينا بعض الجزع".

وفي مذكراته، لم يترك الدكتور محمود الماطري كبيرة أو صغيرة إلاّ وتطرق إليها فيما يتعلق بـ"برج البوف". فهو يعترف هنا وهناك بلحظات الضعف التي اعترته وهو يفكر في زوجته الشابة، وفي ابنه وابنته الذين تركهما رضيعين. وهو ينقل لنا أن شقيق الحبيب بورقيبة، محمّد بورقية كان غالبا يتضايق من عناد أخيه، ومن مزاجه المتقلب قائلا عنه: "هو- أي الحبيب بورقيبة- رجل عصبيّ متشنّج لا يدري ماذا يفعل. إني أعرفه أكثر منكم جميعًا. فقد رّبيته مثل ابني. إلى متى سنستمرّ بالإقتداء بهذا "المهبول؟".

وكان صالح بن يوسف الوحيد من بين الجماعة، الذي ينام إلى الضحى. فإذا ما حاولوا رفاقه إيقاظه، أجابهم بالشخير. ويقول الدكتور محمود الماطري إنه كان يُفرض عليه غسل أواني الأكل عقابا له على كسله.

وأما الطاهر صفر الذي كاد ذات مرة أن يحترق في الخيمة التي نصبت للمساجين في "برج البوف"، فقد كان، مثل الحبيب بورقيبة، متقلّب المزاج. وبحسب الدكتور محمود الماطري، كان كثيرا "ما يستغرق في مطالعاته أو تخيّلاته، فيندفع أحيانا بحماس في استطرادات فلسفية أو أدبية طويلة". وحده كان البحري قيقة مُتماسكًا، لا يتكلم إلا قليلا بل "يهمس همسًا متكتما بعض التكتم".

وفي مذكراته، يشير الدكتور محمود الماطري إلى أن البحري قيقة كان يميل إلى المناقشات الفلسفية العميقة، وكان "يقوم بانضباط بجميع الأعمال المناطة بعهدته". إلى جانب ذلك كان "يحذق مبادئ فن الطبخ، ويعرف كيف يذبح أو يسلخ الخروف أو الجدي". وهذا ما أثبته لرفاقه في "برج البوف" في عيد الأضحى عند حلوله في شهر مارس 1936.

ولم ينس الدكتور محمود الماطري أن يصف للحظات المؤتمر في "برج البوف". فمرة كان الحبيب بورقيبة يقرأ على رفاقه فقرة من رواية الكاتب الألماني ريمارك التي حملت عنوان: "لا شيء يحدث على الجبهة الغربية"، وإذا به يجهش بالبكاء من شدّة التأثر.

انتهت محنة "برج البوف" عام 1936. وعند عودته إلى بيته في حيّ "السيدة المنّوبية"، استقبل الدكتور محمود الماطري الآلاف من الزوار الذين جاؤوا لتهنئته. وكان عليه "يصافحهم ويعانقهم فردا فرادا حتى الساعة الواحدة صباحا".

وكان الدكتور محمود الماطري من ضمن المناضلين الدستوريين الذين استقبلوا الشيخ عبد العزيز الثعالبي عند عودته إلى تونس أواخر شهر جوان 1937. وكان سعيدا بذلك إذ أنه كان قد تعرف عليه وهو طفل حيث كان الزعيم الشيخ يجتمع بالمناضلين في دكان أحد أعمامه، وهو الشيخ عمار الماطري بـ"سوق البركة".

ومحاولاً إصلاح ذات الشأن بين المناضلين الدستوريين القدماء والجدد، أقام الدكتور محمود الماطري مأدبة عشاء في بيته بـ"السان جرمان" "الزهراء الآن". في نهاية السهرة أعلمه الشيخ الثعالبي أن "الاتفاق لم يعد بعيد المنال".

Alarab Online. © All rights reserved.












التوقيع

  النسر متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
مذكراته, محمود, الماطري

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مذكرات الدكتور معروف الدواليبي ...!! محمد المبارك التاريخ الحديث والمعاصر 10 19-Nov-2010 01:46 PM
ابو الريحان البيروني وعلاقته بالسطان محمود الغزنوي حكاية تاريخ صانعو التاريخ 3 10-Aug-2010 01:03 AM
الى السماء يا علماء السنة بالعراق اسد الرافدين التاريخ الحديث والمعاصر 3 06-Aug-2010 11:35 AM
نور الدين زنكي. guevara صانعو التاريخ 5 17-Jul-2010 07:53 PM


الساعة الآن 10:33 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع