« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: هنا «الفايسبوك»... صوت الثورة الشعبية! (آخر رد :النسر)       :: مصر وربيع التقدم (آخر رد :النسر)       :: أبحاث علمية (آخر رد :النسر)       :: جامع الزيتونة المعمور (آخر رد :النسر)       :: الإسلاميون قادمون.. شاء الغرب أم أبى! (آخر رد :النسر)       :: وثائق نادرة وصور قديمة في "أبوظبي وجهتنا" لنارين أساربوتا (آخر رد :النسر)       :: سوريا تسلك طريق الحرية (آخر رد :النسر)       :: فلسطين ................نداء (آخر رد :النسر)       :: اخبار اسرائيل (آخر رد :النسر)       :: كاريكاتير مُعبر (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> صانعو التاريخ



شفيق جبري شاعر الشام

صانعو التاريخ


إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 13-Dec-2010, 02:35 AM   رقم المشاركة : 1
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي شفيق جبري شاعر الشام

شفيق جبري: شاعر الشام - إبراهيم محمود الصغير ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

حلمٌ على جنبات الشام أم عيدُ
لا الهمّ همٌّ ولا التسهيدُ تسهيدُ
أتكذب العين والرايات خافقةٌ؟!
أم تكذب الأذن والدنيا أغاريدُ؟!
ويل النماريدِ لا حسنٌ ولا نبأٌ
ألا ترى ما غدت تلك النماريدُ؟
كأن كل فؤاد في جلائهمُ
نشوان قد لعبت فيه العناقيدُ (1)

هذه الأبيات الرائعة وما بعدها، والتي مازال يرددها الكثير من أبناء الشعب في سورية، والتي انبثقت كالبركان الهادر من أعماق «الشاعر شفيق جبري» عام1946 لدى خروج القوات الفرنسية المستعمرة من الأراضي السورية، وإعلان الاستقلال التام لكل سورية، لا تدل على فرحة الشاعر العظيمة، وبهجته العارمة فقط، وإنما تدل على حبه الدافق وعشقه الصاخب لسورية وشعبها وأرضها وتاريخها، هذا الحب العظيم الذي حمله لسورية، والذي ظل معه متجدداً دافقاً طوال حياته، هو الذي جعله يتغنى بها وبأمجادها وتاريخها، مسجلاً غرر القصائد في بطولاتها وثوراتها ورجالها الأشاوس. وهو ينطلق في حبه من مدينته الخالدة «دمشق» لتشمل كل بلاد الشـام آنـذاك. وفي ذلك يقول عنه «الدكتور حسين جمعة»: «فالشاعر نسج قصائده الرائعة للشام، أحبها وأحبته، وأفعم بحب الوطن، فكان يريد للمجد أن يزهو في جنة الله في أرضه، بما حباها الله من فيحاء المساحة، وجمال الطبيعة المزدانة بالأشجار العظيمة والكثيرة المتنوعة، وبما خصّها من مياه عذبة، أنهاراً وعيوناً وآباراً، وبما منحها من أدباء وأعلام يعزفون أشعارهم على قيثارة المحبة والتضحية والحرية والاستقلال»(2). فلا عجب إذاً أن يطلق عليه أدباء عصره لقب «شاعر الشام» وهو لقب يستحقه عن حق وحقيق، وكان الأجدر أن يطلق عليه لقب «عاشق الشام» لأنه لا تمر قصيدة من قصائده، مهما كان موضوعها، إلا وفيها ذكر للشام أو إشارة إليها. كما أنه عاش طوال حياته عازفاً عن الزواج، وكأنه اكتفى بالشام حبيبة وعشيقة، ومن يطلّع على شعره يجده خالياً من قصائد الغزل الحقيقية المتعارف عليها، وإنما نجد غزله الحقيقي يفوح في ثنايا قصائده للشام.
فمن هو شاعر الشام، شفيق جبري هذا؟
حياة شفيق جبري:
ولد شفيق درويش جبري في دمشق عام (1898) وقيل في عام (1897) في حي الشاغور، وهو من أحياء دمشق الشعبية القديمة والعريقة والمشهور بنضاله وبروحه الوطنية وفروسيته، وبرجالاته المشهورين بالشهامة والبطولة والكرم، ولا يزال هذا الحي إلى الآن محتفظاً بنفس صفاته ومآثره وأخلاقه وعمارته.
كان «والد شفيق جبري» تاجراً ميسور الحال، أرسله إلى (الكتّاب) فحفظ القرآن الكريم وتعلم القراءة والكتابة والحساب، ثم أدخله مدرسة (الآباء العازريين) الخاصة بدمشق، وحصل فيها على الثانوية العامة عام(1913).
خلال فترة دراسته وما بعدها، تفتحت عيناه على المآسي الفظيعة التي لحقت بمدينة دمشق وبقية بلاد الشـام، والتي زادت من حقده على الحكام الأتراك الذين كانوا يوقعون شتى صنوف الاستبداد والظلم والقهر على الشعب بلا شفقة ولا رحمة ومنها إعدام المناضلين الأحرار، وخيرة رجالات الشام وبأمر من الحاكم التركي «جمال باشا السفّاح» في السادس من أيار عام (1916)، وكانت البلاد آنذاك تعاني أيضاً من ويلات الحرب العالمية الأولى من ظلم واضطهاد وفقر وجوع ونهب لخيرات البلاد وغِلالها وتجنيد قسري للشباب السوريين من قبل الحكام الأتراك، وهذا جعل «والد شفيق جبري» يرحل مع أسرته إلى فلسطين ثم إلى الإسكندرية متتبعاً شؤونه التجارية، ثم العودة إلى دمشق عام (1917).
ظهر على الشاعر النبوغ والتفوق في سن مبكرة، وقال الشعر ما بين عامي (1917) و(1918) كما ذكر في أحد كتبه، وامتلك ناصية الكتابة والشعر بشكل جيد، ولعلّ الأحداث الدامية والمأساوية التي شهدها خلال تلك الفترة هي التي فجرّت شآبيب الشعر والكتابة لديه، فأصبح بعد ذلك يكتب القصيدة تلو القصيدة ومعظمها في الأمور الوطنية والقومية والاجتماعية.
في عهد الحكومة العربية في دمشق، والتي ترأسها «الملك فيصل» ما بين عامي (1918) و(1920)، تقلّد الشاعـر عمـلاً في دائرة المراقبة، ثم في دائرة المطبوعات. وعندما أنشئت وزارة الخارجية عيّن فيها أميناً للسر، وكان «الوزير الدكتور عبد الرحمن الشهبندر» و«المستشار جميل مردم بك». وفي عام (1920) كان أصغر الأعضاء سناً في جمعية أدبية يرعاها «الملك فيصل» اسمها «الجامعة الأدبية» وكـان من أعضـائها: «خير الدين الزركلي والشيخ فؤاد الخطيب ويوسف حيدر والشيخ رضا الشبيبي ونجيب الأرمنازي».ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ
اختاره الأستاذ «محمد كرد علي» رئيساً لديوان وزارة المعارف، عندما استلم وزارة المعارف في منتصف عام (1920) حين دخل الفرنسيون دمشق، وقد رشحه «محمد كرد علي» لعضوية المجمع العلمي العربي فأصبح عضواً فيه عام (1926).
في عام (1929) أنشئت في الجامعة السورية مدرسة (الآداب العليا) فعيّن وكيلاً لمديرها وأستاذاً فيها، حيث ألقى فيها محاضرات كثيرة دارت حول زعماء الشعر العربي ونثره، وبقي محتفظاً برئاسة ديوان وزارة المعارف وفي هذه الفترة أصدر كتابيه المشهورين (المتنبي) و(الجاحظ).
ثم ألغى الفرنسيون وظيفته في وزارة المعارف، وألغوا مدرسة (الآداب العليا) فانصرف إلى المطالعة، ونشر مقالاته وقصائده في الصحف والمجلات ومنها مجلة المجمّع في دمشق والثقافة في مصر.
وعندما أنشئت الجامعة السورية سنة (1947) عمل فيها أستاذاً في كلية الآداب بجامعة دمشق، ثم عميداً لها عام (1948)، وأعيد انتخابه لهذا المنصب أربع مرات حتى بلغ الستين وأحيل إلى التقاعد عام (1958). وفي هذه الفترة أصدر كتابيه (دراسة الأغاني) و(كتاب أبي الفرج الأصبهاني)، وانتخب عضواً في مجمّع اللغة العربية بالقاهرة عام (1950)، وكان أيضاً مقرراً للجنة الشعر في المجلس الأعلى للفنون والآداب حتى تقاعده وقد كلفه معهد الدراسات العربية العالية في القاهرة أن يلقي محاضرات فيه ما بين عام (1950) إلى عام (1960) فكانت محاضراته مادة لكتابيه الآخرين المشهورين (أنا والشعر) و(أنا والنثر)، كما عمل أستاذاً زائراً في جامعة الكويت لعام (1969) ثم صار عضواً مؤازراً في المجمع العلمي العراقي عام (1970).
كان يتقن اللغة العربية ومثلها اللغة الفرنسية بل أكثر، ثم تعلم اللغة الإنكليزية واطلّع على الأدبين الفرنسي والإنكليزي بلغتيهما.
توفي رحمه الله سنة (1980) ودفن في مقبرة (باب الصغير) والواقعة في حيّه، دون أن يترك وراءه أسرة أو ولداً(3).
شفيق جبري الشاعر والأديب:
تميّز «شفيق جبري» بالنباهة والرهافة منذ نعومة أظفاره، وقد أحبّ الثقافة والأدب منذ وقت مبكر، فأقبل على قراءة التراث فعرف «ابن المقفع والجاحظ والمتنبي والبحتري والشريف الرضي وابن خلدون وغيرهم..».
كما عرف من المحدثين والمعاصرين «أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران والزهاوي..» وشعراء سورية المعاصرين له بالإضافة إلى شعراء المهجر، ومن الأجانب عرف «فيكتور هوغو وأناتول فرانس ولوتي ولامرتين..وغيرهم كثير».
ومن خلال قراءاته ومطالعاته، وصحبته لأدباء وشعراء عصره، ومن خلال تجاربه وأسفاره الكثيرة، ومن خلال المآسي التي مرّت بها البلاد أثناء الحكم التركي ومن ثم الاحتلال الفرنسي، كل هذا صقل موهبته وفجّر الإبداع الشعري والأدبي لديه، فأصبح واحداً من الشعراء السوريين المشهورين في ذلك الوقت من أمثال: «خليل مردم بك ومحمد البزم، وخير الدين الزركلي وبدوي الجبل وبدر الدين الحامد وأنور العطار ومحمد الفراتي وعمر أبو ريشة.. وغيرهم».
وقيل إنه نشر أول قصيدة له في جريدة (سورية الرسمية) عام (1920) وكانت في رثاء صديق لوالده، بيد أن الديوان حوى قصائد قيلت قبل هذا التاريخ، علماً أنه أنشد في 7/5/1920 قصيدة كان قد رثى فيها شهداء السادس من أيار عام (1916) ومنها:

دمشق الشام هل نفذ القضاءُ

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ
فزلزلت الكواكب والسماءُ؟
لقد جلّ العزاء فلا عزاءٌ
وعز الصبر وانقطع الرجاءُ
ثوى في ظلمة الأجداث قومٌ
يمل غداة يومهم الثواءُ
من العرب الذين لهم نفوسٌ
تلازمها المدائحُ والثناءُ(4)
وشهد معركة (ميسلون) ورأى اندفاع جحافل جيش الاحتلال الفرنسي بقيادة الجنرال «غورو» تزحف لتقهر وطنه، بعد أن سقط البطل «يوسف العظمة» ورفاقه شهداء في ميسلون في 24/7/1920. ولما استشهد صديقه الثائر «إبراهيم هنانو» رثاه بقصيدة: منها:
أمة تنشد الحياة وماضٍ
ملأ الأرض من دوي وثابهْ
سحب المجد كالخضم على الأرض
فضاقت فجاجه بانسحابهْ
حجب الله كيدهم عن مغانيها
فعاشت منيعة في حجابهْ(5)
إن المتابع لشعر «شفيق جبري» يجد شعره يفوح بالوطنية الصادقة، وبالقومية النابعة من أعماقه وهو ما عبرّ عنه «الدكتور شكري فيصل» في تقديمه لديوان «نوح العندليب» قائلاً: «على أننا ونحن نتحدث عن الجوانب المتميزة في شعـر «جبـري» لا نملك أن نهمل الموضوع الذي استبد به والذي ملك عليه أكثر جوانب شعره، ذلك هو شعر الوطنية. وهو شعر اتسع أحياناً ليكون شعر القومية، وضاق أحياناً ليكون شعر الوطنيـة، وامتزج بعضه في بعض فكان هذا الشعر الذي يتآلف فيه الحديث ويتّحد عن الشرق والعروبة وبلاد الشام»(6).
ويقول الدكتور «حسين جمعة» أيضاً حول هذا الموضوع: «لهذا كله تركزت موضوعات شعره في الجانب الوطني والقومي أكثر من غيره، إذ كان يستفيض في الحديث عن حالات الصراع مع الاحتلال الفرنسي، فما عرض لمناسبة، أو لفقيد رثاه إلا أنشد فيهما شعراً يتركز حول ذلك»(7).
ووطنيته وقوميته تمتزجان أحياناً لتشكلا ثالوثاً موحداً في شعره. هذا الثالوث هو: دمشق والشام والعروبة. فقد عشـق مدينتـه عشقاً لا حدود له، كما عشق غوطتيها ونهرها حتى الثمالة، وسكب روحه فيها نبعاً ثراً، وشعراً وجدانياً صادقاً مشبوباً على العاطفة المتوهجة، كما عاش للشام بجوارحه وعقله وآماله ورغباته. فصارت دمشق والشام كل منهما جزءاً من نسيج لحم الآخر، وقطرة من قطرات دمه، فلا مراء أن يتحول إلى حبة من ترابها في مقبرة (باب الصغير) بعد أن كان ذرة من مائها يوم ولد.
إنه ابن سورية الرائعة التي توجتها عروبة الزمان عنفواناً وأصالةً وألقاً. فما استكانت لقهر الظلمة وعبث العابثين ووحشية القتلة، ودمشق عاصمتها وغار مجدها التليد، ظلت رافعة الرأس، عزيزة قوية(8).
لقـد شـارك الشاعر مدينته دمشق ووطنه الكبير الواسع كل الآلام والمحن والنكبات، بكل اقتدار وشجاعة، وهو يخاطب مدينته قائلاً:
ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ
وطني دمشق وما احتويت ظلالهُ
يا دهر إنك قد أطلت نزالهُ
ماذا جنى؟ حتى شددت عقالهُ؟
بالله حـُُلَّ إن استطعت عقالهُ
ما راعني إلا شتيت رجالهُ
فمتى تضم المكرمات رجالهُ؟(9)

والشاعر يرى أيضاً مدينته دمشق، أنها رمز للعروبة ومركز ثقلها حين يقول:

ظل العروبة وارف في جلق
متمكن في أرضها وسحابها(10)
ثم يذكر صمود دمشق ونضالها ضد الاحتلال الفرنسي الغاشم فيقول:

رفع الشعوب على الحديد قلاعهم
ودمشق ترفع بالرفات حديدا
صمدت لريب الدهر ملء رجالها
لم ترهب التهويل والتهديدا
صحفٌ بأحمر قانئٍ مكتوبةٌ
ضَمِنَ الزمان لأهلها التخليدا11)
ويلتفت نحو بلاد الشام ويهتف مواسياً لها ومشجعاً وملء قلبه الحب والوفاء لها:

فمروج الشام تشكو ضيمها ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ
أين من يكشف عنها المحنا؟
وطني كيف أرجي بيعه؟
ذُلّ من راح يبيع الوطنا
أيها الطامع في حوزته
لست أرضى بالثريا ثمنا
أيها القوم أفيقوا ويحكم
وثب الدهر فما هذا الونى؟(12)
والشاعر في كفاحه ونضاله ضد الاستعمار الفرنسي كان دائم التطلع إلى الحرية والخلاص له ولبلاده العربية، فغنى لثورة الشام بمثل ما غنى لثورة مصر أو العراق. ولم يركن له بال أو يهدأ له لسان، على الرغم من أن الاستعمار الفرنسي جهد في كمّ الأفواه، ومارس كل صنوف الإذلال والاستعباد. فكانت القومية رائده دائماً في شعره، وهو القائل: «إننا معاشر أهل الشام نفضل الشعر الذي نرى عليه آثار القومية وآثار الوطنية لأننا في زمن غلاب ونضال. إننا نستخدم الشعر حتى يقوي فينا هذا الغلاب وهذا النضال»(13). وبهذا الشأن أيضاً يقول عنه «الدكتور سامي الدهان»: «فراح يجمع في ألفاظه ومعانيه أماني العرب جميعها، لا يقتصر على قطر دون قطر، ولا يقف عند بلد دون بلد. وهذا شعار الثورة العربية، والشعر القومي، يسعى في امتداح العرب والفخر بهم، ورسم اليقظة الكبرى للوحدة الشاملة»(14). ويؤكد على هذه الفكرة أيضاً «الأستاذ سامي الكيالي» فيقول: «أعطى «شفيق جبري» الأدب الشامي قصائد بالغة الروعة وأكثرها ولاسيما ذات طابع قومي»(15).
ولكن الشاعر كان يتألم ويحزن لحالة التفرق والضعف والانقسام التي كان يعاني منها العرب آنذاك، لذلك كان يدعو وباستمرار إلى الوحدة العربية بقلبه وعقله، وحثّ جميع العرب على الوعي والأخذ بأسباب التقدم والحضارة ونبذ الخلاف والتفرق، وهو يخاطبهم قائلاً:
فيم التباين والأنساب تجمعنا؟
إنا نمتُّ إلى أحياء عدنانا(16)ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ
ويقول أيضاً في موقع آخر:

ما رابني إلا شتيت قلوبهم
فمتى أرى التأليف والتوحيدا؟
إن يجمعوا الشمل المفرق بينهم
ردوا إليهم طارفاً وتليدا(17)
كما يطالب بأن يكون الشعر عربياً بجوهره ومعناه وشكله ومن هنا كان قوله في إحدى قصيدتيه عن المتنبي:

فمن العرب وحيه وهواه
وإلى العرب خالد إخلادهْ
وإذا القلب لم يكن عربياً
أوشك الشعر أن يشيع فسادهْ(18)
ولما نشأت حالة الصراع مع الكيان الصهيوني لم يكن ليهمل ذلك، فكان أحد أولئك الشعراء الذين أسهموا في المعركة بسلاح القصيدة، ولا شيء أدل على هذا من قوله:

فهذي فلسطين تنوح من الأذى
فما نضحت عنها عيون النوائحِ
فهل صيحة في العرب تبعث ملكهم
إلا ربما هبوا بصيحة صائحِ(19)
شعره وأسلوبه:
إن كل مدقق عارف بأصول الإبداع والبحث العلمي يدرك بجلاء أن «شفيق جبري» كان علامة مضيئة في الحياة الأدبية والثقافية والنضالية لهذه الأمة. فهو الإنسان الذواقة المرهف الذي مزج الحياة بالثقافة، فالتصق بالتراث العربي مستلهماً إياه دون أن يتأطر فيه. وانفتح على المعاصرة فقرأ ثقافة الآخر دون أن يستلب عقله وفـؤاده. إنـه واحد من هؤلاء الأفذاذ الذين حملوا الأمة في قلوبهم وعقولهم فنسجوه إبداعاً بلغة شفافة بديعة، ظهر عليها حلاوة اللفظ وجماله، وبهاء العبارة ورونقها، وعفوية التعبير وصدقه، وامتلأ شعره بشحنة عالية من الألم والحسرة وبث اللواعج الصادقة(20).
غلب شعر المناسبات على شعره، إلا أنه كان يستجيب لعواطفه الجياشة بحب الشام فكان شعره قوياً صادقاً يحمل نبضات قلبه، وهمسات جوارحه، ونسائم روحه، لقد كان يتلذذ بقول الشعر ويهيم بقصائده هيام العاشق المتيم. كان شعره قطعة منه؛ شعراً يلتزم قضايا أمته ووطنه، وليس شعراً للشهرة وإظهار الذات وتزجية الفراغ.
إنه شعر تقليدي، رومانسي، نسج على منوال القدماء، وعني بوحدة القصيدة ووصف الطبيعة، ويحمل نوعاً من التجديد، ما يعني أن الشاعر أصيل في عروبته، مخلص في انتمائه إلى الشام، فكان واحداً من عمالقة الأدب الملتزم في القرن العشرين.
«اشتهر الشاعر بحب العزلة عن الناس، وبحبه للطبيعة وهو في ذلك شاعر رومانتيكي غنائي يعير المشاهد من نفسه ما يثور في نفسه. فإذا سمع هديل الحمام رأى فيه البكاء والأشجان، وإذا نظر إلى البحر رأى فيه الثورة والعنف والهيجان»(21).
شفيق جبري والتجديد:
كان الشاعر حريصاً على أن يستجيب شعره لنـزعات التجديد التي بدأت بوادرها في عهده، ثم نمت وتطورت فيما بعد على يد غيره من الشعراء اللاحقين. ولعل معرفته باللغة الفرنسية واتصاله بالثقافة الفرنسية وقراءاته في الشعر الفرنسي، ومن ثم الإنكليزي عندما تعلم اللغة الإنكليزية فيما بعد، ومحاولاته لترجمة بعض هذا الشعر، ثم اتصاله بشعراء مصر ولبنان والعراق والاطلاع على تجاربهم، ومحاولاتهم الشعرية الحديثة، كمدرسة (أبولو) الشعرية في مصر.
لعلّ كل ذلك كان جديراً أن يقوده إلى نوع من التجديد الذي كان يتطلع إليه، والذي يخالف غيره من الشعراء، وكان جديراً أن يقوده إلى بناء فني للقصيدة مخالف للمألوف العربي، يخرج بالقصيدة عن إطارها التقليدي المعروف. ولكن الظروف الثقافية العامة في بلاد الشام، وفي سورية خاصة، ما كانت تسمح له بذلك. فلم يكن أمامه فرصة الخروج على الوزن، ولا فرصة الخروج على البناء العام للقصيدة العربية. ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ
كان الذوق العربي المتمكن في سورية يستهجن ذلك ويقاومه. وقد عانى الشاعر، كما يبدو، من هذا الصراع بين رغبته في التجديد، وبين غلبة الأجواء المحافظة من حوله عليه»(22).
ويبدو أن هذه الأجواء المحافظة، والمترعة بالشعور القومي والوطني كانت تؤثر حتى على كتابته للشعر، فهو يكتب مثلاً عشرة أبيات عن (نوح العندليب) وهي قصيدة رومانسية عاطفية تثير كثيراً من التساؤلات الوجدانية العميقة ولكنه في النهاية ينهيها نهاية وطنية عندما يضيف البيت الأخير:
أتبكي العنادل أوطانها
ولا يندب المرء أوطانه؟(23)
ويفسر الشاعر سبب هذا التحول قائلاً: «ولكن على الرغم من هذا كله غلب على النفس في آخر القصيدة حالة مصـدرها البـلاد نفسها، فانقلبت القصيدة من شعر غنائي أصور به شعوري وعاطفتي، وأبكي فيه آلامي، وأتغنى بآمالي، إلى شعر وطني فختمتها بهذا البيت»(24).
وأخيراً هذا هو «شفيق جبري»، العندليب الحزين، الذي يبث أشجانه حسرة وألماً كلما رأى الشام جريحة متألمة، وينشدها فرحاً وألقاً كلما وجدها عزيزة كريمة، فالشام كلمة حلوة ممزوجة بالشهد، يرددها الشاعر على أنغامه الرائعة بعاطفة مشبوبة بالمحبة، والمتوهجة بالعشق، والمملوءة بكراهية المحتل الفرنسي، لأنه أذاق بلاد الشام الويل، فتراه يكرر كلمة الشام عشقاً وهياماً بالوطن، وكأنه يتغزل بمحبوبته بل أكثر.
فلا مراء أن يكون بعد هذا شاعر الشام. فالشام مثلت لديه آية الشعر والقداسة، والعشق والحرية، ولهذا نراه بقصيدة «فرحة الجلاء» يخصها بدمشق الشام قبل غيرها على اعتبار أنها رمز النضال والحرية منذ جابهت همجية المتوحشين الذين دنسوا أرضها. وبذلك كان ينتقل بنا إلى آفاق رحبة من الدلائل الفريدة في الإيحاء، ينثرها بشعور متوقد، وهو يستوحي فرحة الجلاء التي غمرته يوم راح يشاهد آخر جندي يغادر وطنه عام (1946)(25
الهوامش:
1- ديوان نوح العندليب – شفيق جبري – مجمع اللغة العربية بدمشق – 1984 - ص/67/ ديوان.
2- مختارات من نوح العندليب – اختيار فادية غيبور – اتحاد الكتّاب العرب – الكتاب الشهري (23) دمشق 2008 – ص/18/.
3- أخذت المعلومات عن سيرة حياة الشاعر من المصادر الأربعة المذكورة في آخر الهوامش.
4- ديوان نوح العندليب – شفيق جبري – مجمع اللغة العربية بدمشق – 1984 – ص/125/ - ديوان.
5- المصدر السابق – ص/288/ - ديوان.
6- المصدر السابق – ص/45/ - مقدمة.
7- مختارات نوح العندليب – اختيار فادية غيبور – اتحاد الكتّاب العرب – الكتاب الشهري (23) – دمشق 2008 – ص/27/.
8- المصدر السابق – ص/16/.
9- ديوان نوح العندليب – شفيق جبري – مجمع اللغة العربية بدمشق - 1984 – ص/11/ - ديوان.
10- المصدر السابق – ص/137/ - ديوان.
11- المصدر السابق – ص/150/ - ديوان.
12- المصدر السابق – ص/15 – 16/ - ديوان.
13- الشعراء الأعلام في سورية – سامي الدهان – منشورات دار الأنوار – بيروت ط/2/1968 – ص/199/.
14- المصدر السابق – ص/191/.
15- الأدب والقومية في سورية – سامي الكيالي – جامعة الدول العربية – القاهرة – 1969.
16- ديوان نوح العندليب – شفيق جبري – مجمع اللغة العربية بدمشق – 1984 – ص/50/ - ديوان.
17- المصدر السابق – ص/156/ - ديوان.
18- المصدر السابق – ص/191/ - ديوان.
19- المصدر السابق – ص/223/ - ديوان.
20- مختارات من نوح العندليب – اختيار فادية غيبور – اتحاد الكتّاب العرب
21- الشعراء الأعلام في سورية – سامي الدهان – منشورات دار الأنوار – بيروت ط/2/1968.
22- ديوان نوح العندليب – شفيق جبري – مجمع اللغة العربية بدمشق – 1984 - ص/40/ مقدمة.
23- المصدر السابق – ص/5/ - ديوان.
24- المصدر السابق – ص/47/ - مقدمة.
25- مختارات من نوح العندليب – اختيار فادية غيبور – اتحاد الكتّاب العرب – الكتاب الشهري
26- ديوان نوح العندليب – شفيق جبري – مجمع اللغة العربية بدمشق – 1984 – ص/67/ - مقدمة.



المصدر : الباحثون العدد 41 - تشرين الثاني 2010













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
الشام, جبري, شاعر, شفيق

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
خانات الشام مقاصد التجار أبو خيثمة الكشكول 0 13-Dec-2010 02:08 AM
الخليفه عبدالله بن الزبير امجاد الامه صانعو التاريخ 0 25-May-2010 11:16 PM
دراسة لشمال سورية في القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين حلب والمعرة hisham88 الكشكول 0 30-Jan-2010 11:59 AM


الساعة الآن 09:49 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع