« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: صورة شيطان حقيقية-للكبار فقط!!! (آخر رد :عاشورمغوار)       :: 123 فلاش شات أضخم منتج للشات في العالم أسعار لا تنافس (آخر رد :رولااااا)       :: للتخلص من خوف ليلة الدخلة (آخر رد :عاشورمغوار)       :: فيديو سبب حالة رعب على اليوتيوب (آخر رد :عاشورمغوار)       :: تونس وعواصف الحرية (آخر رد :النسر)       :: ملف العراق الجريح ( قراءات سياسية مميزة ) (آخر رد :النسر)       :: هواجس وأخبار خليجيه (آخر رد :النسر)       :: مصر وربيع التقدم (آخر رد :النسر)       :: العربي التائه! (آخر رد :النسر)       :: طريق الإستقرار في ليبيا (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> التاريخ الحديث والمعاصر



العربي التائه!

التاريخ الحديث والمعاصر


إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 02-Jun-2011, 10:18 AM   رقم المشاركة : 151
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!


الرقابة الشعبية في مصر وتونس





فيصل جلول:



لو أرادات ميشال اليو ماري وزيرة الداخلية الفرنسية السابقة أن تكشف عن خلفية موقفها من الانتفاضة التونسية، لأكدت أنها كانت تنفذ تعليمات رئيس الجمهورية نيكولا ساركوزي بدقة، وأنها ما كانت لتقف إلى جانب الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، لو أن ساركوزي كان مؤيداً للانتفاضة التونسية.

فالنظام الفرنسي رئاسي متشدد والوزير في حكومة هذا النظام ينفذ حرفياً سياسة الرئيس، وبالتالي عليه أن "يقفل فهمه في الوزارة أو يرحل" حسب جان بيار شوفنمان وزير الداخلية الأسبق في عهد الزعيم الاشتراكي الراحل فرانسوا ميتران.

لقد صار معروفاً أن الرئيس الفرنسي فوجئ بالانتفاضة التونسية وبنظيرتها المصرية وأصيب كغيره من الزعماء الغربيين بارتباك عكسته تصريحات تحكي محاسن الأنظمة المخلوعة من دون تحفظ. بيد أن السلطة الفرنسية ومعظم السلطات الغربية اصطفت من بعد إلى جانب المنتفضين في بلدان عربية أخرى، لا بل وصل الاصطفاف إلى حد استدراج حملة أطلسية عسكرية مناهضة للعقيد معمر القذافي وإطلاق مواقف قوية ضد أنظمة ودول تواجه انتفاضات ثورية مستمرة، وأخيراً استضافة "الربيع العربي" في قمة الثماني عبر استقبال رئيسي الوزراء المصري والتونسي.

ولعل الدعم الفرنسي والغربي الاستعراضي لـ"الربيع العربي" أوحى بأن الثورتين المصرية والتونسية قد صارتا في جيب الغربيين الذين يواصلون عبرها سياستهم السابقة تجاه العالم العربي، وأن التغيير الذي وقع في تونس والقاهرة قد اقتصر على زين العابدين بن علي وحسني مبارك من دون سياستيهما الداخلية والخارجية، بيد أن الوقائع التونسية والمصرية لا تذهب في هذا الاتجاه رغم الحذر البادي في سياسات البلدين والذي يرتبط على الأرجح بالمرحلة الانتقالية.

ورغم أننا لا نملك بعد ما يكفي من المؤشرات للحديث عن قطيعة مطلقة مع السياسات السابقة فإن البوادر الأولى في المواقف المصرية والتونسية تفصح عن لهجة جديدة في السياسة الخارجية من بين علاماتها الموقف القوي الذي عبّرت عنه الحكومة التونسية أواسط فبراير/ شباط الماضي من انتشار قوات إيطالية على الشاطئ التونسي للحؤول دون تدفق المهاجرين إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، إذ رفضت تونس العرض بعبارات قوية تشدد على السيادة الوطنية وتحذر من انتهاكها.

وفي أواسط إبريل/ نيسان الماضي رفضت تونس منطق المساعدات الأجنبية وتحدثت عن ترحييبها بشراكة تنموية من أجل المستقبل. ويلاحظ في هذا الصدد يقظة شعبية تونسية غير مسبوقة فقد رد ناشطون عبر صفحة "الفيسبوك" على إعلان قمة الثماني عن قروض لمصر وتونس تقول حرفياً، الشعب التونسي لا يقبل قروضاً من دول أجنبية أو غربية.

معلوم أن القمة المذكورة قررت مساعدات "قروضاً" بقيمة 40 مليار دولا لتونس ومصر لمواجهة أكلاف الثورتين الاقتصادية، على أن يتولى صرفها صندوق النقد الدولي والبنك الأوروبي الذي مول "ربيع" الدول الشيوعية السابقة في أوروبا فضلاً عن مؤسسات مالية أخرى.

وكما في تونس فقد بادرت الحكومة المصرية الانتقالية إلى فتح معبر رفح بشكل دائم، وحررت معظم فلسطينيي غزة من التأشيرة المسبقة، وذلك على الرغم من الضغوط الأمريكية والغربية و"الإسرائيلية" التي مورست على القاهرة في هذا الصدد، ناهيك عن التحذيرات القوية التي صدرت عن الحكومات نفسها إزاء الدور المصري في رعاية وتشجيع المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس، هذا إذا أردنا إهمال الموقف المصري القاضي بالسماح للسفن العسكرية الإيرانية بعبور قناة السويس رغم التحذيرات الغربية المتكررة.

تبقى الإشارة إلى أن الحكومتين الانتقاليتين في مصر وتونس قد أطلقتا حرية الأحزاب وتشكيلها وحرية التعبير لتقطعا بذلك الاستبداد الذي كان يميز عصر مبارك وابن علي، ما يعني أن الدلائل الأولى في السياسات المصرية والتونسية تفصح عن توجهات جديدة قد لا تكون مناهضة للغرب لكنها ليست مطواعة وصاغرة كما كان الحال في السابق.

يسمح ما سبق بالقول إن الاستعراض الغربي في تأييد الثورتين التونسية والمصرية واستضافة ممثلين عن البلدين في قمة الثماني ربما يكون أقرب إلى العناق بالخناق، وبالتالي حمل البلدين على ضبط "الربيع العربي" تحت السقف السابق، وهو أمر قد يستدرج حكومتي البلدين إلى نزاع مع الشارع الذي يمارس الرقابة على السلطة الانتقالية في كل من تونس ومصر، ويحرص على ضبط إيقاعها في مناخ الثورة، كما حصل في مصر عندما رفض الشارع ترشيح الدكتور مصطفى الفقي لمنصب الأمانة العامة لجامعة الدول العربية واستبداله بالدبلوماسي المخضرم نبيل العربي.

ما من شك في أن "الربيع العربي" في مصر وتونس يحتاج إلى رقابة شعبية مستمرة، حتى لا تجرؤ البيروقراطية والديبلوماسية المحترفة على تجويف الثورة وتحويلها إلى أثر فني قاصر على التداول في معارض الصور والخطابات الرسمية المملة.














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 02-Jun-2011, 10:40 AM   رقم المشاركة : 152
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!


إسرائيل خسرت نظاما لكنها تتطلع لربح كيانات!





د. صبحي غندور*



أدت معاهدة "كامب ديفيد" بين مصر وإسرائيل في أواخر السبعينات، إلى اختلالٍ وتدهور في الوضع العربي عموماً.. كذلك دفع بالعراق في الثمانينات ومطلع التسعينات، إلى حروبٍ ما كان يجب أن تحصل وما كان ممكناً أن تقوم، لولا الاختلال الذي حصل في الجسم العربي نتيجة غياب دور مصر الفاعل.

ولولا هذه السياسات الخاطئة في "السلم" و"الحرب" من قبل قيادتيْ مصر والعراق آنذاك، لما حصل ما حصل من تمزّق عربي خطير، وهدر وتدمير لإمكانات عربية كثيرة، وإعادة فتح أبواب المنطقة للتدخّل والوجود العسكري الأجنبي، خاصّةً بعد غزو الكويت وحرب الخليج الثانية.. ممّا تسبب لاحقاً في تراجعات على مستوى القضية الفلسطينية ظهرت جلياً في اتفاق أوسلو، الذي نقل القضية من قضية عربية إلى شأن خاص بقيادة منظمة التحرير- وليس حتى بالشعب الفلسطيني كلّه- فانعزلت القضية الفلسطينية عن محيطها العربي، وضعف وضع المقاومة المسلّحة المشروعة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي.

فقد تساقطت جميع الأولويّات والاستراتيجية التي بناها جمال عبد الناصر ردّاً على هزيمة 1967، والتي أدّت إلى حرب أكتوبر المجيدة عام 1973، فإذا بالأرض العربية بعد غياب دور مصر تتشقّق لتخرج من بين أوحالها مظاهر التفتّت الداخلي، وكذلك الصراعات المحليّة المسلّحة بأسماء دينيّة أو طائفيّة أو إثنية، وتبدأ في حقبة منتصف السبعينات الماضية، ظاهرة التآكل العربي الداخلي كبدايةٍ لازمة لأهداف السيطرة الخارجية والصهيونية.

كان عبد الناصر يردّد بعد العام 1967، أنّ "مصر هي مع كل تغيير داخلي عربي يضيف للمعركة مع العدوّ الإسرائيلي، ولا يأخذ من هذه المعركة". وكان ذلك معياره في رفض أو قبول أي محاولة تغيير في الدول العربية، فإذا بالتغيير يحدث لاحقاً في مصر بعد وفاة عبد الناصر، ليأخذها كلياً من معركة الصراع مع إسرائيل!

وقد رافق هذه المسيرة الرسمية العربية الانحدارية، قمع العديد من الأنظمة العربية لحركات المعارضة السياسية بشكل عام، وانعدام البناء الدستوري السليم الذي يكفل التحوّل السياسي والاجتماعي السلمي في كلّ بلد، في ظلِّ فشل قوى المعارضة العربية في بناء نموذج سياسي صالح ليكون بديلاً أفضل من الواقع الرسمي، وفي مناخات تشجّع على العنف المسلّح للتغيير الداخلي، وعلى فرزٍ وانقسامات داخل المجتمع الواحد.

وكذلك تراجع دور الجامعة العربية وأنواع العمل العربي المشترك، ووقعت الحكومات العربية كلّها في مأزق "عملية السلام" مع إسرائيل: عجزٌ عن الحرب معها.. وتعجيزٌ إسرائيلي في شروط السلام!

هكذا كان حال المنطقة العربية مع إسرائيل، قبل بداية هذا العام وما حصل ويحصل فيه من ثورات وانتفاضات شعبية عربية، أثمر بعضها تغييراً مهمّاً وإيجابياً في مصر وتونس.

وقد اعتبرت إسرائيل أنّها خسرت "كنزاً استراتيجياً مهمّاً" بسقوط نظام حسني مبارك، بينما تحدّث نتانياهو لاحقاً بإيجابية عن متغيّرات أخرى متوقّعة في المنطقة العربية.

نعم، هناك ضرورة قصوى للإصلاح والتغيير في عموم المنطقة العربية، ولوقف حال الاستبداد والفساد السائد فيها، لكن السؤال هو: كيف؟ وما ضمانات البديل الأفضل؟ وما هي مواصفاته وهويّته؟! فليس المطلوب أن نكسب الآليات الديمقراطية في الحكم، بينما نخسر وحدة الأوطان أو نخضعها من جديد للهيمنة الأجنبية، إذ لا يمكن الفصل في المنطقة العربية بين هدف الديمقراطية وبين مسائل الوحدة الوطنية والتحرّر الوطني والهويّة العربية.

فهل نسي البعض ما قامت به إدارة بوش بعد غزوها للعراق، من ترويج لمقولةٍ ديمقراطية، تقوم على القبول بالاحتلال والهيمنة الأجنبية ونزع الهوية العربية وتوزيع الأوطان إلى كانتونات فيدرالية؟ ألم يكن ذلك واضحاً في نتائج حكم بول بريمر للعراق وما أفرزه الاحتلال الأمريكي من واقع سياسي تسوده الانقسامات الطائفية والإثنية، بل والجغرافية، للوطن العراقي؟! ألم تكن هذه أيضا مراهنات إدارة بوش وإسرائيل من حربيهما على لبنان وغزّة، بعدما فشلت "الانتخابات الديمقراطية" فيهما بإيصال من راهنت عليهم واشنطن وتل أبيب؟

الآن هناك قوى لبنانية تدعو إلى ضمان الهدوء على الحدود الجنوبية للبنان مع إسرائيل وترفض أي توتّر هناك، بينما يعمل بعض هذه القوى على توتير الحدود الشمالية مع سوريا بحجّة مساندة الحراك الشعبي السوري!

وهناك قوى سياسية سورية تدين المقاومة اللبنانية وترفع شعارات ضدّها، بينما تحتفل هذه المقاومة بالذكرى 11 لتحريرها لبنان من الاحتلال الإسرائيلي.. وبينما يتحدّث نتانياهو في الكونغرس الأمريكي عن أمله الكبير ببعض الثورات العربية "التي لم تعد تتظاهر ضدّ إسرائيل، بل ضدّ حكوماتها فقط".

الآن تعتزم الولايات المتحدة أن تطلب من الوكالة الدولية للطاقة الذرية رفع مسألة نشاطات سوريا النووية المفترضة إلى مجلس الأمن الدولي، بعدما فشلت محاولات تدويل الوضع الداخلي في سوريا كما جرى في المسألة الليبية. وطبعاً، في ظلّ رفض إسرائيل والإدارة الأمريكية للتصويت على إعلان الدولة الفلسطينية في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

إنّ الخوف الإسرائيلي الآن هو من خروج مصر تدريجياً من التزامات المعاهدة المصرية/ الإسرائيلية، بعدما فشلت إسرائيل في كسر إرادة المقاومتين اللبنانية والفلسطينية المدعومتين من سوريا.

وها هي مصر الثورة تنجح في تحقيق المصالحة الفلسطينية، وتعيد فتح معبر رفح مع غزّة. لكن المراهنة الإسرائيلية هي على تعويض خسارة نظام مبارك، من خلال محاصرة مصر بأزمات عربية تخضع الآن لحالٍ من التدويل والتقسيم، وبتحويل ما يحصل فيها من انتفاضات شعبية إلى حروب أهلية داخلية. فالسودان على جنوب مصر يشهد حال التقسيم والتدويل معاً، وكذلك هو الواقع الليبي الآن على غرب مصر، بينما اليمن باب البحر الأحمر مهدّد بحرب أهلية. أمّا "الجبهة الشرقية" لمصر فهي أرض وساحة التدخّل والحروب الإسرائيلية، طيلة العقود الماضية التي استتبعت المعاهدة المصرية مع إسرائيل.

فمنذ اجتياح إسرائيل للبنان عام 1978 ثمّ احتلال عاصمته في العام 1982، وصولاً إلى الحرب على غزّة نهاية 2008، وإسرائيل تقود حروباً مدمّرة من أجل دفع سوريا ولبنان والمقاومة الفلسطينية، إلى ما توصلّت إليه من معاهدات مع مصر ومع الأردن.

والغايات الإسرائيلية كانت، ولا تزال، تعتمد على إثارة حروب أهلية لدى "وبين" الأطراف الفلسطينية واللبنانية والسورية.

إنّ إسرائيل تراهن هذا العام "كما قال نتانياهو أمام الكونغرس الأمريكي" على متغيّرات عربية لصالحها، تراهن على "دويلات" عربية جديدة من داخل "الأمَّة العربية" المنقسمة.. لا على إعلان دولة فلسطينية من على منبر "الأمم المتحدة".

__________________________
* مدير مركز الحوار العربي في واشنطن
- Sobhi@alhewar.com














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 04-Jun-2011, 10:41 AM   رقم المشاركة : 153
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!

التحول المنشود وإستراتيجيات التنمية والمثقف الفاعل





أزراج عمر

في هذه اللحظات الحاسمة التي تتحرك فيه شرائح الشباب سعيا لإحداث التغيير في الواقع السياسي ببلداننا يبرز دور العناصر المثقفة كضرورة من ضرورات التحول. لا شك أن هذا التحول المنشود مرهون أساسا بإعطاء محتوى تقدميا له في جميع المجالات وخاصة في ميدان التنمية بما في ذلك الإنسان باعتباره رهان أي تطور.

من المعروف أن التنمية تعتمد على المعرفة والعلم بلا أدنى شك، وهكذا فإن التطورات الحاسمة التي حصلت في الدول الأكثر تحديثا وتقدما في ميادين التكنولوجيا، والإقتصاد، والتصنيع، والتنظيم الإجتماعي قد تم إنجازها بفضل الشريحة المثقفة والعالمة.

ومن هنا نجد المفكر الفرنسي الشهير جان بول سارتر في كتابه "دفاع عن المثقفين" يولي اهتماما استثنائيا بدور المثقفين في التغيير والتحديث. وفي الواقع فإن الفكرة الأساسية لهذا الكتاب نجدها في المحاضرات الثلاث التي ألقاها سارتر في العاصمة اليابانية "طوكيو" في الستينات من القرن الماضي. وبدون أي شك فإن مضمونه صالح لنا، ولتقدم مجتمعاتنا من المحيط إلى الخليج لو قمنا فعليا باستيعابه وتطبيقه.

أقول هذا لأن القضايا التي يطرحها سارتر في هذا الكتاب تهمنا وخاصة ما يتعلق منها بدور المثقفين وأهل العلم والمعرفة في النهوض الجدي وإحداث قطيعة مع أشكال التخلف الذاتي والمفروض من القوى الخارجية علينا. رغم مضي عشرات السنين فإن أهل الفكر والسياسة ببلداننا لم يتفاعلوا مع الأفكار التي طرحها سارتر، وفضلا عن هذا التقاعس السلبي في الاستيعاب والتطبيق فإنه لا أحد ببلداننا حاول على الأقل القيام بتطوير تلك الأفكار على ضوء المهام الملقاة على عاتق الجميع لتحقيق النهضة.

يرى جان بول سارتر أن فشل المثقفين يعني في آخر المطاف فشل المجتمع ككل في تجسيد أحلام التحديث والتقدم. يقسم سارتر محاضراته كالتالي: 1 - ما المثقف؟ 2 - وظيفة المثقف. 3 - هل الكاتب مثقف؟.

في المحاضرة الأولى "ما المثقف" خصص سارتر مساحة لتعريف المثقف، ولإبراز تناقضات المثقفين، وكذا علاقتهم بالجماهير، وأنماط الأدوار المنوطة بهم. بخصوص التعريف، فإن سارتر يحدد ماهية المثقفين. هذا ويميز بين المتعلمين، وأصحاب التخصصات في جميع الميادين العلمية، والفكرية، والتقنية، والاقتصادية، والاجتماعية، وبين المثقفين على نحو دقيق.

بالنسبة لفئة المتعلمين والمتخصصين فإن سارتر يقول بوضوح ما يلي: "إن هؤلاء المتعلمين حتى وإن كانوا من حملة الشهادات العليا، وإن أصحاب التخصصات في الطب العام والهندسة والفيزياء والطب النفسي وغيرها من الحقول المعرفية ليسوا بمثقفين، وإنهم هم أشبه ما يكونون بجوقة من التقنيين".

ثم يواصل قائلا: "أما المثقف الذي يستحق هذا الإسم فهو ذلك الذي يتجاوز صلاحيته كتقني المعرفة".
إن جوقة التقنيين تقوم فقط بالوظيفة التي تسند إليها وتلتزم بها حرفيا وكما هي: وهي أيضا لا تقوم بالتنقيب والتمحيص النقدي لما يدعوه سارتر بحفل الممكنات. فالمتعلمون ببلداننا، أي من يسمون بتقنيي المعرفة يذعنون للسياسة، ولا يقومون بمساءلة الحكام وأنماط المسؤولين، وفضلا عن ذلك فهم لا يناقشون المشاريع.

وهكذا فإن مهمة هؤلاء كثيرا، بل غالبا، ما تختزل في تنفيذ ما يملى عليهم وما يسطر من فوق لا أكثر ولا أقل. تلك هي الصلاحية المخولة لهم، أو التي يقتنعون بها دون مناقشة أو محاولة إبداء رأي، أو إظهار موقف في اللحظة الحاسمة تجاه التصرفات التي تضر بالوطن، وتحول دون تقدمه وتغلبه على الصعوبات، والنقائص، وفتحه لآفاق الإزدهار. وهنا لا بد من إعطاء بعض الأمثلة على سلبية تقنيي المعرفة في مجال التعليم على سبيل المثال لا الحصر. إن المدرس كتقني المعرفة يلتزم فقط بتدريس المنهاج الذي يسند إليه، أما المدرس المثقف فإنه يقوم بتعديل ذلك المنهاج، ويدخل عليه تحويرات حتى يضمن التطور التعليمي- التربوي.

وفضلا عن ذلك فإنه يتحرك باستمرار باتجاه المسؤولين على مضامين المنظومة التربوية ليناقشهم في المثالب وأوجه التخلف التي يتضمنها ذلك المضمون من أجل تجاوزها واستبدالها بمضامين تضمن تحقيق مشروع التحديث المادي والمعنوي.

إن العلاقة بين السياسة وبين أهل المعرفة والعلم جد معقدة عبر التاريخ وفي كل المجتمعات سواء في الغرب أم في الشرق. هناك دائما تجاذبات، واختلافات وخلافات بين هذه الأطراف بخصوص الحكم، وإدارة شؤون الدولة بشكل عام. فالسياسي يعتقد بأنه صاحب القرار في حين أن من واجب المتعلمين بكل أنماطهم القيام بالتنفيذ بشكل حرفي ودون ممارسة أي شكل من النقد، أو المعارضة، أو المقاومة. وعلى هذا الأساس نجد أهل السياسة يلجأون إلى ممارسة الوصاية على شرائح النخب المتعلمة من خلال مخطاطات ذات طابع أيديولوجي.

ففي ميدان الإعلام مثلا تتم أفعال الرقابة الخارجية، والرقابة الذاتية، أما على المستوى التنظيمي فإن الدولة الأيديولوجية تقوم بتكريس المنظمات والإتحادات التي تضمن الطاعة، وعدم الخروج عن السياج السياسي المرسوم سلفا ومن طرف الفئة المهيمنة على السلطة.

هكذا يتم تأسيس الروابط، والجمعيات والإتحادات، والمنظمات، والمؤسسات المهنية والعلمية والأدبية والفنية جنبا إلى جنب النقابات مثل نقابة العمال واتحاد النساء وهلم جرا.

فالغاية من وراء ذلك هي تأطير المهندسين والأطباء والأدباء والمؤرخين والفنانين وغيرهم على نحو يضمن بقاءهم داخل فلك ايديولوجية السلطة الحاكمة، وإعادة إنتاج تصوراتها ومعتقداتها، وبالتالي تبرير أفعالها، وكذلك الدوران في الفضاء السياسي المحدد سلفا على نحو يحول دون النقد الراديكالي ومساءلة النظام نفسه والأيديولوجية التي تحمي مصالحه ومصالح حراسها.

وبهذا الخصوص يرى سارتر بأن مناخا مثل الذي وصفناه يقضي بتحقيق ما يلي: "يتحدد التأهيل الإيديولوجي والتقني للاختصاصي في المعرفة العلمية، هو الآخر، بنظام مكون من الأعلى "التعليم الابتدائي، الثانوي، العالي" واصطفائي بالحتم والضرورة وتنظيم الطبقة السائدة لتعليم على نحو يوفر للمؤهلين:

1 - الإيديولوجيا التي تراها مناسبة "التعليم الابتدائي والثانوي".

2 - المعارف والتقنيات التي ستؤهلهم لممارسة وظائفهم.

كما يلاحظ فإن الخطاب السلطوي عندنا يستخدم مجموعة من المصطلحات والمصلحة العليا، وذلك لتكريس هيمنتها، فالمصطلحان مأخوذان من القاموس العسكري بحيث يفترض في المجند والخاضع للتعبئة أن يقبل بدون مناقشة الأوامر التي توجه له من قيادته، أي من الأعلى.

وهكذا يفترض أن الذي يجند ومن ثم يخضع لكارنفالات التعبئة أن يقبل بأنه من صميم المصلحة العليا التي تعادل غالبا بمصلحة الشعب وهي في الحقيقة مصلحة السلطة الحاكمة والشرائح، أو لنقل الشلل والطوائف التي تنتفع منها وتعيش تحت ظلها.

وهكذا كما يقول سارتر فإن هذا النمط من التلقين الأعمى الذي يفرض من فوق يرمي إلى تحديد دورين اثنين لتقنيي المعرفة. فالدور الأول يتمثل في جعلهم في آن واحد اختصاصيين في البحث وخادمين للهيمنة، أي حراسا على التقاليد المرسومة من قبل السلطة. أما الدور الثاني فيهيئهم ليكونوا على حد تعبير غرامشي موظفين في البنى الفوقية.

ويواصل سارتر مبرزا "فنراهم يمنحون، على هذا الأساس، سلطانا محددا، أي سلطان ممارسة الوظائف التابعة في الهيمنة الاجتماعية والحكم السياسي".

في ظل هذا السديم يصبح الوعي تعيسا حيث لا يعود تقني المعرفة يدرك نقديا "التعارض القائم فيه وفي المجتمع بين البحث عن الحقيقة العملية "مع كل ما يترتب على ذلك من ضوابط ومعايير" وبين الايديولوجيا السائدة "مع منظومتها من القيم التقليدية" كما يقول سارتر.

وينهي جان بول سارتر محاضرته الأولى "ما المثقف" بعبارة يؤكد فيها أنه "لا يسع أي مجتمع أن يتذمر ويشتكى من مثقفيه من دون أن يضع نفسه في قفص الاتهام لأن مثقفي هذا المجتمع ما هم إلا من صنعه ونتاجه".

في المجتمعات المتخلفة تنظيما ومجتمعا مدنيا والتي يتحكم فيها الحزب الواحد، أو الطائفة السياسية الديكتاتورية، فإن التصور الوحيد للمثقف هو أنه موظف في المؤسسات التابعة للنظام الحاكم، ويطلب منه دائما أن ينأى بنفسه عن النقد والمطالبة بتغيير النظام وقيمه وجوهر تلك المؤسسات التي هي ركائز ودروع السلطة يبين سارتر في المحاضرة الثانية التي يناقش فيها وظيفة المثقف في المجتمع بأن الأنظمة الحاكمة التعسفية تجد باستمرار أمامها وحولها ووراءها جوقة من المثقفين المزيفين. إن هذه الجوقة تبدل ألوانها حسب الظروف ووفق المصلحة الخاصة لها ولأسيادها معا.

وينقل سارتر النقاش إلى الفضاء الاستعماري حيث أبرزت التجربة ان المثقفين المستعمِرين "بكسر الميم" الذين يبررون الاستعمار وأيديولوجيته وممارساته، يعارضون المستعمَرين "بفتح الميم" الذين يلجأون إلى الثورة للتخلص من الاضطهاد، وهذا موقف متخاذل.

وكأني بـ"سارتر" يقارن بشكل غير مباشر بين تقنيي المعرفة ومثقفي السلطة وبين المثقفين المستعمرين حيث يجد أوجه الشبه بينهم، وفي الوقت ذاته فإنه يحاجج "ففي الحوار بين الحقيقيين والمزيفين من المثقفين تدفع الحجج ونتائجها الفعلية "الوضع الراهن أو الأمر الواقع" بالمثقفين الحقيقيين بالضرورة إلى الثورة".

إنه ينبغي أن يفهم من مصطلح "الثورة" الموقف النقدي الشجاع، وتبيان الأخطاء، وتقديم البدائل الأكثر قدرة على صنع التقدم، والتحديث في الواقع المادي، وفي البنيات الثقافية والروحية والأخلاقية. ونتيجة لذلك فإن دور المثقفين في بلداننا يتمثل في العمل على تصفية جيوب التخلف، ومقاومة كل من يجمد أفكار الحداثة، ويعطل تجسيدها في الواقع الملموس.














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 05-Jun-2011, 12:25 PM   رقم المشاركة : 154
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!


عندما ترأس الحكم الشخصية المريضة





د. علي محمد فخرو



اجمع في أية شخصية بشرية صفات النرجسية المحبُّة للذات حبًاً مريضاً والمؤلٍّهة للنفس إلى حدود الجنون، اجمع مع تلك الصٍّفات المرض النفسي المعروف بالسًّايكوباثي، حيث الضمير نائم لا توقظه أية أخلاق أو قيم إنسانية، ثمًّ أضف إلى كلُ ذلك عنجهيًّة قبليًّة أو عشائرية أو عصابًّية مذهبية، عندها ستخرج بشخصية شريرة حقودة أنانية تعيش على ظلم الآخرين وعلى تحقير كرامتهم.

هذه الشخصية هي ما رأيناها أمامنا وهي تسقط على وجهها في تونس ومصر، وما زلنا نراها في الكثير من الأقطار العربية، وعلى الأخص في ليبيا واليمن.

هذه الشخصيات لا تستطيع قط أن تتصور أحداً يتحدًّى حقًّها في أن تجلس إلى الأبد في كرسي إلوهية الحكم. ولذا لا يمكن أن ترى في الملايين المنادين برحيلها وبسقوط نظامها القمعي الفاسد إلاً حفنة من الحاقدين الحاسدين الكافرين بالنعٍّمة، ولا في الألوف من الضًّحايا الشُّهداء إلاً ثمناً معقولاً تتطلبه هيبة الدولة، أي هيبة رئيس الدولة.

هذه الشخصيات تذهب إلى فراشها وتنام قريرة العين لا تحرٍكها ضمائر ولا تزعجها كوابيس القلق والندًّم. وهي تشعر بالأمان، إذ تعلم أن من قرًبتهم واشترتهم ودرًّبتهم في مدرستها من الأزلام والعبيد سيقومون بمهّمة حراستها وتبرير كلٍّ شرورها والدًفاع عن كلً مجازرها.

إن نوع أنانية هذه الشخصيات وصفها وصفاً رمزياً بليغاً الكاتب الروائي الانكليزي ديريك ريموند عندما وصف السايكوباث "بأنه الفرن الذي لا يعطي حرارة" إنه يملك شخصية تحرق الأخضر واليابس في فرن شرورها، ولكن لفرط لؤمها وأنانيًّتها لا تنتج حتى حرارة تفيد بها الناس والعباد.

أما الجانب النرجسي وعبادة الذات في هذه الشخصية فقد عبًّر عنه الكاتب الإسباني بيو بارويا في قوله: عندما يكثر الإنسان النظر إلى نفسه فانه سيصل يوما ما إلى عدم قدرته التُّفريق بين وجهه الحقيقي وبين القناع الذي يلبسه "بل يستطيع الإنسان الإضافة بأن على هؤلاء رفع ألف قناع مزيٌّف يلبسونه قبل أن يكشفوا عن وجههم البشع الحقيقي.

السؤال الذي يطرح نفسه: هل تستطيع مثل هذه الشخصية المريضة المغموسة في زيف الشيطان، لو ولٍّيت الحكم والسلطة، أن لا تكون شخصية دكتاتور مستبد ظالم أناني مهلوس؟ إن طبيعة الأمور تحتٍّم أن يكون الجواب كلاً. ومع ذلك فالأقنعة قادرة على تغطية الوجوه، فلا نرى العيون الشرٍيرة ولا نلحظ الأسنان الملًّطخة بالدم. ولذلك قال أحدهم بأن الدكتاتور يبدو طيباً حتى آخر دقيقة.

من هنا مثلاُ ما نسمعه يومياً على لسان الناطقين الإعلاميين في سلطة الحكم في اليمن وليبيا، على سبيل المثال، من تذكير بطيبة وحنان شخصيتي رأس الحكم حتى لو بدا للناس بأنهما يعزفان على القيثارة بينما تحترق الأرض الليبية والأرض اليمنية، تماماً مثلما فعل نيرون روما قبل حوالي ألفين سنة.

الواقع أن هذه الشخصيات المعقدة لا تستطيع أن تكون حتى شخصيات المستبًّد العادل الشهيرة. فصفة العدل تحتاج إلى شخصية تحبُّ الآخرين على الأقل بمقدار محبًّتها لنفسها وتملك ضميراً حيُّاً وتتجنًّب القسوة البهيمًّية. ومثل هذه الصًّفات لا يمكن أن تتوفًر في الشخصية النرجسًّية- السايكوباثية التي يكثر وجودها في الحياة السياسية العربية.

ما الحل لهذه المعضلة؟

الحلُ بالطبع، لو أمكن، أن يتجنب العرب تولية أمرهم إلى مثل هذه الشخصيات، سواء أكانت التولية بالوراثة السياسية أم بالانتخاب.

ولما كان ذلك شبه مستحيل، إذ حتى في الديمقراطيات العريقة انتخب الناس أنطوني بلير وانتخبوا جورج بوش الابن، وهما شخصيتان نرجسيتان- سايكوباثيًّتان بامتياز، فان الحل في النظام الانتخابي على الأقل، أن لا يقبل مستقبلاً شباب الأمة العربية الذين نعول عليهم، انتخاب أي رئيس دولة أكثر من دورتين.

ومثلما أدخل شعبا بريطانيا وأمريكا بلير وبوش في مزبلة التاريخ فان باستطاعة العرب مستقبلاً أن يتخلًّصوا من شخصيات الحكم المريضة مبكراً، وذلك قبل أن يتجذًّر شرًها في المجتمعات وتفرٍّخ شياطين الإنس والجن من حولها.

المظاهرات العربية المليونية الرًائعة، مثل التي قادها شباب العرب مؤخراً، يجب أن تصبح ظاهرة عربية دائمة لتصل إلى ذروتها عند أيًة محاولة من قبل أي رئيس حكم عربي في البقاء في الحكم أكثر من دورتين أو عند أول إشارة من أن الدستور سيغيًّر من أجل ذلك الهدف الاستبدادي المرفوض.

ولعلُّنا تعلُّمنا أن وأد الشرً في مهده أفضل بكثير من مجابهة متأخرة حين تكون المجابهة مصحوبة بالدموع والدماء والجثث والعويل والاستغاثات التي نشاهدها ونسمعها بألم وحرقة يومياً على شاشات التلفزة العربية.














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 05-Jun-2011, 12:26 PM   رقم المشاركة : 155
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!


من يونيو 1967 إلى يناير 2011!





جواد البشيتي




لقد حار المسؤولون عمَّا حدث في "وصفه"؛ ثمَّ حاروا في "تسميته"؛ ثمَّ تواضعوا على أن يُسمُّونه "نكسة"، وكأنَّ ما حدث، وعلى هوله، ليس فيه ما يجعل كلمة "هزيمة" مؤدِّيةً معناها الحقيقي، أو معناها الوافي.. وكأنَّهم أرادوا أن يقولوا: لن نعترف بـ"الهزيمة" ولو عِشْناها، واقعاً وإرادةً وفكراً وشعوراً؛ لأنَّ "الهزيمة"، وعلى ما زعموا، لن تكتمل معنىً، وتَثْبُت وتتأكَّد، إلا إذا اعترفنا بأننا قد هُزِمْنا "في هذا الذي حدث" في الخامس من حزيران 1967، والذي إنْ وَصَفْناه بأنَّه "حرب" نُشوِّه "الحرب، معنىً ومنطقاً.

كان ممكنا أن نَنْظُر إليهم، وهُم في الصدمة، على أنَّهم كمثل ذوي ميِّت أبُوا الاعتراف بموته قبل دفنه؛ أمَّا أن يظلوا على إبائهم هذا حتى بعد 44 سنة من موته ودفنه فهذا ما يَسْتَغِلق علينا فهمه، ويصعب احتماله.

لا أعرف لِمَ وَقَع اختيارهم على كلمة "نكسة"، وصفاً وتسميةً، فأنتَ تقول، مثلا، إنَّ البرد "نكس مرض المريض"، أي أعاده إلى المرض. وتقول "نُكِس المريض"، أي عاوده المرض بعد الشفاء. وهذا إنَّما يعني أن لا وجود لـ "النَكْس "أو النكسة"" من غير وجود "المريض" الذي نَقِه من مرضه، أي الذي برىء؛ لكن ظل ضعيفاً؛ فهل كُنَّا عشية حرب 1967 أُمَّةً قد بَرِئت من مرضها، أو أمراضها، حتى نصف هزيمتها الكبرى بأنَّها "نكسة"؟!

وتقول "نكس رأسه"، أي طأطأه من ذُلٍّ وخزيٍ وإهانةٍ. وأحسبُ أنَّ "النكسة"، في معناها هذا، تَصْلُح وصفاً وتسميةً لحال العرب، ولحال "رؤوسهم" على وجه الخصوص، بعد تلك "الحرب"، التي ليست بحرب.

وكنتُ سأفهم "النكسة" في جزء من معناها الحقيقي لو أنَّ "المنكوسين" أحْيوا الذكرى، أي هذا الشيء الذي لم يَمُتْ، والذي ليس بذكرى؛ لأنَّه واقع لم نغادره ولم يغادرنا بعد، بـ "تنكيس الأعلام"، فإنِّي لم أرَ عَلَمَا من أعلامهم "الخفَّاقة" يُنَكَّس، على كثرة تنكيسه حِداداً على ميِّت أقل شأنا من ذاك الذي مات سنة 1967 وهو "خير أمَّة أُخْرِجت للناس"!

نحن لم نُهْزَم؛ بل دَخَلْنا الحرب بكل ما أوتينا من مواهب الخطابة؛ فإنَّها 44 سنة اسْتَنْفَدْناها ونحن نشحذ النصر على الجيش الذي لا يُقْهَر من عنده تعالى؛ نُعْلَف في زرائب السلاطين، ونركع، ونركع، حتى ملَّنا الركوع، لا عقل لنا، ولا رأي، ولا أقدام. كل جُمْعَة نُجْلَد بخطبة غرَّاء، تتوعَّد اليهود ودولتهم بالويل والثبور وعظائم الأمور؛ نُغنِّي، كل يوم، "إلى فلسطين راجعون"، وكأنَّنا نقول "إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون".

الخامس من حزيران 1967 هو يوم "أو ليلٌ" عربي لم ينتهِ بَعْد؛ لكنَّه شرع ينتهي إذ ثارت شعوبنا على جلاَّديها الذين لم يمارسوا الحكم إلاَّ بما جَعَلَهم الصُّنَّاع الحقيقيين لأسطورة جيش الدفاع الإسرائيلي الذي لا يُقْهَر؛ فهؤلاء الحُكَّام، وليس الولايات المتحدة بتحالفها الإستراتيجي مع إسرائيل، وبانحيازها الأعمى إليها، هُمْ الذين هيَّئوا لعدوِّنا القومي الأوَّل أسباب النصر علينا، وأعدُّوا لهزيمتنا ما استطاعوا من ضَعْفٍ.

كان ينبغي لهم أنْ يستعيذوا من شرِّ هذا العدو بشعوبهم؛ فَيَهْدِموا "الدولة الأمنية" لِيَبْتَنوا "الأمن القومي العربي "ضدَّ إسرائيل""، ويُحرِّروا شعوبهم ومجتمعاتهم من نير الاستبداد، ويُطبِّعوا العلاقة معها، قبل، ومن أجل، تحرير الأرض العربية من الاحتلال الإسرائيلي؛ لكنَّهم ظلُّوا أسرى مصالحهم الشخصية والفئوية الضيِّقة "والتي كلَّما أزمنوا في الحكم شسع البون بينها وبين المصالح العامة لشوبهم وأُمَّتِهم" ففضَّلوا السلام مع إسرائيل على السلام مع شعوبهم، والحرب على شعوبهم على الحرب على إسرائيل؛ ولقد تواضَع ثلاثة منهم "هُمْ المصري والليبي والسوري" إذ أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من السقوط على الاستعاذة بإسرائيل "ونفوذها في الولايات المتحدة وسائر الغرب" مجتهدين في إقناعها بمخاطر سقوطهم عليها، وبضرورة أنْ تدرأ تلك المخاطر عنها من خلال بَذْلِها ما يكفي من الجهد لِحَمْل الغرب على مدِّ يد العون والمساعدة إليهم في صراعهم "ضدَّ شعوبهم" من أجل البقاء؛ وكأنَّ شعوبهم الثائرة عليهم "من أجل نَيْل حرِّيتها وحقوقها السياسية والديمقراطية والإنسانية" هي "النار"، وإسرائيل هي "الرمضاء"، إنْ لم تكن "الماء" المُطْفِئة لهذه "النار"!

إنَّهم حُرَّاس الليل العربي الطويل، ليل الخامس من حزيران 1967، يَنْطقون، عن اضطِّرار، بـ "الحقيقة"، التي طالما سعوا في حجبها عن أبصار وبصائر شعوبهم بالأوهام والأضاليل؛ فإنْ هُمْ ذهبوا ذَهَب أمن إسرائيل واستقرارها، فبقاؤهم، الذي لا يُبْقي على شعوبهم وأُمَّتِهم، يُبْقي على أمن واستقرار عدوِّنا القومي الأوَّل، فسبحان الثورة التي ألْهَمَت نفوسهم فجورها!

بلسانهم الأوَّل، قالوا، أو قاءوا، هذا القول الذي لا يقوله إلاَّ كل حاكمٍ وَسِعَ كُرْسيِّه سماوات الوطن وأرضه، وعَزَم على الاحتفاظ به ولو من طريق الزَّجِ بقوى العدو الخارجي في حربه على "العدو الداخلي"، أي على شعبه الذي خرج من الأجداث إلى الحياة إذ نُفِخ في الصور.

أمَّا بلسانهم الثاني فظلَّ بعضهم يقول بما يعادي "الحقيقة" في "قولهم الإسرائيلي"؛ فثورة شعبهم عليهم إنَّما هي إسرائيل التي مع حلفائها في الغرب، تتربَّص بهم الدوائر؛ وكأنَّ "الرَّاية الحمراء" ترفعها شعوبهم ضدَّهم هي الطريق إلى "رايةٍ بيضاء" ترفعها الشعوب نفسها لإسرائيل!

ولقد "اكْتَشَفْتُ" حلاًّ "لغوياً" لهذا التناقض في قولهم وخطابهم؛ فإنَّ لـ"الممانَعَة" معنىً آخر، فممانَعَة نظام حكمٍ عربي لإسرائيل إنَّما تعني "لغوياً" محاماته ودفاعه عنها؛ وليس، من ثمَّ، من تناقُض بين قول حاكِمٍ عربي إنَّه ممانِع لإسرائيل، وقوله إنَّ ذهابه يَذْهَب بأمن إسرائيل واستقرارها!

ظلَّ يُعِدُّ لإسرائيل ما استطاع من قوَّة، ويتلو على أسماعنا "سورة الصبر"، ويُبشِّرنا بِدُنُوِّ ساعة "التوازن الإستراتيجي"، حتى خِلْناه قاب قوسين أو أدنى من دخول التاريخ بصفة كونه مُخْرِج النهار من ليل العرب الطويل؛ لكنَّه أبى إلاَّ أنْ يَدْخُل التاريخ بصفة كونه مُعذِّب وقاتل الطفل حمزة.

إنَّه الخامس من يونيو 1967 وقد شرع ينتهي بدءاً من الخامس والعشرين من يناير 2011؛ فرَأيْنا "الربيع العربي" يَخْرُج من "الخريف العربي" الذي طال؛ ولقد زال العَجَب إذ عُرِف وبَطُلَ السبب!.














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 05-Jun-2011, 12:29 PM   رقم المشاركة : 156
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!

قراءة المشهد السوري من النافذة الفلسطينية الأخرى





جرير خلف

"بعد أن سمعنا رأي عزت الرشق عضو المكتب السياسي لـ"حماس" وبعض المفكرين الفلسطينيين الذين يقيمون في سوريا.. من المهم جدا أن يتسع صدرنا للرأي الآخر أو لمروجي انفصال أو استقلال الحالة الفلسطينية عن المشكلة الشعبية في سوريا أو في الوطن العربي..

وهذه ليست قراءة آنية لمرحلة الثورة الشعبية في سوريا بل لزمن امتد عقود تأثرت فيه القضية الفلسطيني بتصرفات النظام السوري، ويأتي هذا التعليق.. ردا أو متابعة لبعض مفكري وكتاب وسياسيين لهم مصالحهم الشخصية في البقاء في الحضن الرسمي السوري والذين يحاولون الترويج لربط الشعب الفلسطيني بكامل أفراده بممثلية ومصالح "حماس"، وذلك لترويج انفصال التكتل الشعبي الفلسطيني والفصائل المقيمة في الأراضي السورية وربما أينما كانت عن المجتمع السوري دعما للنظام، ويرون أن مصلحة الشعب الفلسطيني تكمن في الوقوف على الحياد أو اقرب قليلا باتجاه النظام ودون المرور بالمحطات الأخرى التي يتعمد البعض أن يقفز عنها أو يدفنها في مقابر الشهداء".

في البداية لا بد لنا أن ندرك دلائل وجود أكثر من ستمائة ألف فلسطيني يقيم على الأرض السورية منذ أكثر من ستة عقود حافظوا فيها على الهوية وعلى الانتماء للقضية دون المساس بأبجديات حسن خلق المضيف واحترام المستضيف "مع التحفظ على تسمية الإقامة بالضيافة في الحالة الطبيعية فلولا الاحتلال الصهيوني لطالبنا بالجنسية والإقامة الدائمة طالما لم نعترف باتفاقيات سايكس بيكو لتقسيم الإقليم العربي الشامي"، وخلال هذه العقود الطويلة لم تخلق هذه "الجالية" أية إرباكات اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية.. بل ساهمت في المجتمع بالقدر المطلوب منها واندمجت في المجتمع السوري بكل التفاصيل وأبقت على همها الوطني بين جدران مخيماتها دون نشره أو استعماله.

وبالتأكيد لا يمكن أن ننكر سبب هذا التناغم الشعبي السوري والكيان الفلسطيني المقيم الذي كان ذلك بفعل التقارب الاجتماعي والامتداد التاريخي والجغرافي والتقاء الايدولوجيات والعقيدة بين الشعب الواحد بجزأيه المهجر والمضيف بالإضافة إلى انتفاء الآثار السلبية على هذا التواجد على الشخصية الوطنية السورية والوضع لاقتصادي الذي ساهم فيه الفلسطينيون إيجابا في سوريا.

إذا لم يخلق هذا التعايش "السوري الفلسطيني" الشعبي أية إرهاصات للمجتمع السوري ولم يسبب له خلالا ديموغرافيا أو طائفيا أو اقتصاديا، وتواجدت الفصائل الفلسطينية بشكل أكثف وحضورا أكبر على الساحة السورية بعد انتقالها القصري إلى الحدود الشمالية لفلسطين بعد "أيلول الأسود"، حيث كان هذا العمل الفدائي على الساحة السورية تنظيميا وتعبويا وسياسيا بالمطلق وبعيدا عن التدخل في السياسة والأمن الداخلي لسوريا، وتركز العمل العسكري للفصائل من خلال الجبهة اللبنانية مع فلسطين بحكم الاتفاقيات العربية التي سمحت بذلك، وخلال ذلك كانت الحدود المؤطرة للعلاقة ما بين الشعب السوري والكيان الفلسطيني المقيم في سوريا تنمو بوتيرة هادئة وتعمل وفق الأصول الاجتماعية والاقتصادية المرغوبة والملبية للمجتمع والنظام بشكل عام حيث تركز الوجود الفلسطيني في مخيمات "فلسطين واليرموك والنيرب وخان الشيخ وجرمانا ودرعا وسبينة وحماه وحمص" ودون أن تتحول هذه المخيمات أو التجمعات إلى كانتونات أو مشاريع جمهوريات مستقلة، بل اعتبرت من أفضل المناطق الآمنة والبسيطة والمنظمة اجتماعيا، حيث ساهم المجتمع السوري المحيط وبصورة شعبية في احتواء هذه الكيانات بالطريقة الأخلاقية الحقة وتعايش معهم كامتداد طبيعي أنساني عروبي له الحق في المعيشة الحرة.

بينما على الصعيد الرسمي السوري امتازت العلاقة بعد عام 1970 ولغاية عام 1975 بعملية دراسة وسبر متبادلة بين قيادات الفصائل الفلسطينية وبين القيادة السورية الجديدة "بعد ما يسمى بالحركة التصحيحية" التي بدت بأنها رأت في وجود وحركة الفصائل الفلسطينية في سوريا مشروعا مصالحيا لها وغطاء وطني يساعد في تلميع هذه القيادة، وكان من الطبيعي أن تبدأ الأمور في الاتضاح حول أهداف النظام السوري من الاستقطاب الممنهج للفصائل الفلسطينية التي حاولت معظمها المحافظة على مشروعها النضالي الوطني مستقلا.. الى أن بدأت مصالح النظام السوري تتبلور وتتضح معها الدور المطلوب لخدمة هذا النظام من الفصائل التي تتواجد على ساحته، مما افرز تناقضات ثانوية ما لبثت أن تحولت الى رئيسية عند دخول القوات السورية الى لبنان تحت إطار قوات الردع التي بدأت مهمتها في لبنان بحصار مخيم تل الزعتر لشهور ثم سحق المخيم وقتل ما يقارب الخمس وعشرين ألف شهيد فلسطيني على يد النظام السوري.

إذا أصبحت العلاقة واضحة بين النظام السوري والمجتمع الفلسطيني في لبنان وسوريا والتي تميزت بالمراقبة اللصيقة لهم حيث قام النظام بعدها "وبعد دراسة الحالة ومتطلبات النظام منها" باستخدام قبضته الحديدية على الفصائل الفلسطينية التي استطاعت بحرفية عالية المحافظة نوعا ما على استقلاليتها مع علاقة متنافرة أحيانا مع النظام الذي حاول التغول على كل الفصائل فنجح مع بعضها وأسقطها جماهيريا ليستفرد بها ويحتويها ويفرغها من نخبها الوطنية ويعمل على إعادة إخراجها لتناسب متطلباته الفرعية الأخرى.. وفشل مع الفصائل الرئيسية مثل حركة فتح والتي استطاعت مواصلة النجاح في ممانعة البلع والتغول وبالتالي الوقوف بندية متقنة وبحذر ومن خلال قوتها العسكرية في لبنان مع الحفاظ على متطلبات شروط الإقامة في سوريا حسب رغبة النظام التي أكدت على إغلاق الجبهة السورية الفلسطينية أمامهم.

استمرت هذه العلاقات الحذرة ما بين جذب وتنافر مع وجود الثقل السياسي والتنظيمي لفصائل منظمة التحرير الفلسطينية متنقلا بين سوريا ولبنان حتى حرب عام 1982 وهي الحرب التي استفرد الجيش الصهيوني بالمقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية آنذاك "قبل إنشاء حزب الله" فيما انسحبت قوات الجيش السوري وحلفائه دون أن تطلق رصاصة واحدة باتجاه العدو من مواقعها في الجنوب اللبناني والبقاع الغربي والشرقي مما أدى إلى سقوط بيروت تحت الحصار الصهيوني لثماني وثمانين يوما كانت الدبابات السورية تجثم بصمت خجول على مسافة أمتار مع "تطنيش" رسمي سوري منقطع النظير.. ذلك أدى بالتأكيد الى انكشاف الدور السوري وسقوط صفة المقاومة عنها وحماية المقاومة منها في حينها.

وبعد خروج المقاومة المشرف من الحصار الصهيوني.. كان على منظمة التحرير الفلسطينية أن تتعايش مع الواقع الجديد الفج في علاقتها مع النظام السوري بعدما تركزت القيادات الفلسطينية في سوريا وشمال لبنان الذي كان تحت السيطرة السورية مما جعل استمرارية المجاملات البروتوكولية أمرا صعبا على الطرفين أمام التعايش اليومي المباشر والإحداث الخارجية المستفزة، مما دفع بالطرف القوي وهو هنا النظام السوري بالتكشير عن أنيابه لمحاولة التخلص من كل الشخوص والكيانات الفلسطينية المنغصة عليه بكشفها المبكر عن مدى فعالية الوطنية الذي يتاجر بها النظام السوري على حساب القضية الفلسطينية، وأدى ذلك الى استشهاد العديد من القادة في منظمة التحرير على أيدي "مجهولة"، ولتبدأ بعدها معركة كسر العظم الفلسطيني بتصنيع انشقاق بتاريخ 9 مايو 1983 لحركة فتح حيث أدى ذلك الى استبعاد القائد الشهيد أبو عمار من سوريا واحتلال كل مراكز منظمة التحرير الفلسطينية في سوريا بعض مخيمات لبنان من قبل ما يسمى بحركة فتح "الانتفاضة" و"القيادة العامة" بقيادة شخصيات فلسطينية محسوبة على النظام السوري.

وانتهت محاولات الانشقاق وتركيز الضغط على الكادر العامل في فصائل منظمة التحرير الفلسطينية الى خلق معسكرين فلسطينيين متناقضين احدهما رأى العمل وفق مصالحه الشخصية تماما.. فبدأ يعمل وفق تعليمات النظام السوري من خلال المكتب الذي يختص بالفصائل الفلسطينية ويسمى "الضابطة الفدائية".. والآخر ممانع لكل أشكال التغول والسيطرة السورية والذي أصبح بالتالي مستهدفا من النظام الأمني السوري.. لتنتهي هذه الفورة من الصراع وبعد مناكفات مستمرة من النظام والفصائل التابعة له بحصار ظالم لمخيم نهر البارد والبداوي في شمال لبنان حيث انتهى هذا الحصار بمذبحة جديدة في حق المخيمات والفصائل الممانعة للتغول السوري، حيث أدى ذلك الى هجرة الثقل الفلسطيني المقاوم الى تونس والأردن واليمن وليبيا والجزائر والعراق ليستمر القمع الرسمي السوري لمؤيدي الاتجاه الفلسطيني الوطني في تجمعات الشعب الفلسطيني في سوريا ولبنان الذي عاش معارك وجولات كانت آخرها حرب المخيمات في لبنان التي استمرت ثلاث سنوات حتى عام 1988 التي قامت فيها القوات السورية بدعم وتوجيه حركة أمل لحصار وتصفية المخيمات الفلسطينية في بيروت وأدى ذلك الى سقوط الآلاف من الشهداء الفلسطينيين.

وحيث لم تكسر الأحداث السابقة إرادة منظمة التحرير التي استطاعت إعادة الانطلاقة وتعايشت مع الوضع الجديد واستطاعة مداومة الاتصال مع قيادات الداخل وأدارت فعاليات الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية وبرهنت على قوة هيكلها.. مما أدى إلى انكشاف الغطاء الساتر قوميا للنظام السوري التي أبقت على بعض الفصائل الفلسطينية في سوريا تحت المراقبة والإملاءات.. إلا أن جاءها طوق النجاة من قبل حركة حماس التي ولدت في الكويت عام 1988 والتي بدأت بالبحث عن أحضان دافئة لها بعد سنوات من التصادم المتتالي مع الدول العربية.. لها لتلتقي مصالح قادتها بالمصالح السورية ليتجاوزا الخلاف الأيديولوجي والثأري بين "حماس" كونها "الابنة البيولوجية" للإخوان المسلمين وبين النظام السوري.

بالتالي عملت سوريا على محاولة الأخذ بالثأر من منظمة التحرير الفلسطينية التي استطاعت المحافظة على نفسها وعلى قرارها وقادت برئاسة الشهيد أبو عمار المركب الفلسطيني ضمن تسونامي مفاوضات السلام مع المحافظة على الثوابت الفلسطينية بحرفية ضبابية للبعض ربما، حيث كانت سوريا وحماس بالإضافة إلى حزب الله تعمل على انتزاع لقب المقاومة والمتاجرة بها، وكل من هذه الأطراف له هدفه المحدد، مما أدى إلى تقوية شوكة حماس من خلال الدعم المادي والإعلامي واللوجستي لها وأدى هذا الدعم إلى المساهمة في انقسام وسلخ غزة عن المشهد الفلسطيني الكامل لتبقى رهينة لأمزجة الكيان الصهيوني وقادة "حماس" ومكتب الضابطة الفدائية في دمشق. وجاءت المصالحة الأخيرة حلا تخديريا وخطة بديلة محتملة لحماس تساعد على استيعابها في المجموعة العربية عند سقوط النظام السوري.

هنا وبهذا السرد التاريخي المبسط الذي عاشه الكثير منا بشكل كامل وواضح المعالم يقفز الى الأذهان متناقضات كثيرة وكبيرة تجعلنا نؤكد على ميكافيلية حماس وسوريا اللتان تحاولان اختطاف الشعبان السوري والفلسطيني لاستخدامهما كلا في صالح كرسي النظام الآخر وفي خدمة المشروع الفارسي "عرّاب الخراب"، حيث بجرده بسيطة نجد أن ضحايا النظام السوري وحلفائه وصلت لأكثر من ثمانين ألف شهيد فلسطيني وأكثر من مائة ألف شهيد سوري وأكثر من ثلاثين ألف شهيد من الشعب اللبناني وكل ذلك باسم المحافظة على المعسكر "المقاوم" الذي لم يطلق رصاصة واحدة باتجاه الجولان المحتل ولم يحرر مرقد نعجة من أرضنا المحتلة، ومن كبائر الأمور أن ننزوي في خانة المتفرجين على المتاجرين بالدم العربي أينما كانوا.. وباسمنا جميعا قاموا باصطياد أطفالنا في درعا وتل الزعتر وحماة والفاكهاني كما في حفلات الصيد في البراري.. والجائزة للصامتين.. موكب من السيارات السوداء يحميها مرافقين ذو نظارات سوداء تجوب شوارع دمشق.. وبداخلها يجلس على كراسيها الجلدية الفاخرة "مقاومي حماس"..













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 06-Jun-2011, 10:02 AM   رقم المشاركة : 157
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!


كيف نواجه التحديات الكبرى؟





أزراج عمر



إنه يبدو واضحا بأننا "ما نزال نعيش ذلك الصراع الفكري التائه الذي يحاول أن يفرّق بين الاستعمار وبين الامبريالية الجديدة، بين الامبريالية والصهيونية، وأن يميز بين الصراع القومي والصراع الطبقي، بين تحديات اليوم وتحديات المستقبل، بين التنمية الاقتصادية والمجتمع الاشتراكي، بين بناء الاشتراكية وتحرر المواطن، بين القومية والإنسانية، بين النظرة القومية والنظرة الاشتراكية بين الطموحات والإمكانات"، وفقا لتحليل الدكتور منيف الرزاز.

مما لا شك فيه أن الغموض الفكري، بل ومختلف أشكال الانتهازية الفكرية والسياسية لا تزال مجتمعة تسيطر على المشهد العربي العام من المحيط إلى الخليج وعلى مستوى الأنظمة، وعلى أجزاء كبرى مما يدعى بالمجتمع المدني، والنخبة المثقفة.

إنه جراء ذلك نفتقد الموقف الفكري السياسي الواضح والحاسم تجاه الثنائيات المذكورة آنفا. فاللهجة السائدة ببلداننا وخاصة بعد سقوط المنظومة الاشتراكية، وهجمة أيديولوجية اقتصاد السوق، وهبوب عواصف العولمة التي تعني في التحليل الأخير المد الرأسمالي إلى العالم الثالث بشكل وحشي وبدائي وشديد القسوة هي لهجة الإذعان لقدر الفكر اليميني في طبعته الرأسمالية وبقفازات التعددية الحزبية التي تلوح بوهم الديمقراطية.

نحن إذن أمام قضية أساسية وهي مواجهة التحديات، وإدراك القوى الفاعلة فيها. ففي هذه المواجهة يتأسس الفكر النقدي الفاعل والمغير. وفي تقدير الدكتور منيف الرزاز فإن المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي "يرد قيام الحضارات كلها إلى قيام تحد كبير، وإلى كيفية مواجهة الشعوب لتحدياتها" ويوضح بأن هناك أنواعا من التحديات التي يحفل بها التاريخ البشري مثل تحديات الطبيعة، وكذلك هناك التحديات الفكرية، والاقتصادية، والعلمية، والثقافية وهلم جرا.

بالنسبة للدكتور الرزاز فإننا في العالم الثالث نواجه ألوانا من التحديات "يمكن أن توضع تحت مظلتي تحديين أساسيين، تحدي الاستعمار، وهو تحد خارجي وتحدي التخلف، وهو تحد داخلي، وما يقوم بينهما من علاقة جدلية متبادلة".

إن إحدى المشكلات الكبرى التي ينبغي التصدي لها فكريا وإجرائيا معا وبوسائل سلمية داخل مجتمعاتنا، هي فضح تلك العلاقة الوطيدة القائمة بين التحدي الخارجي "الامبريالية، الرأسمالية، والاستعمار الصهيوني، وتجارب أمريكا في عهد بوش وبقاياها في عهد أوباما لفرض التدخل العسكري ألاحتلالي وبين الشرائح والعناصر المتعاونة معها والمبررة لها، والمدافعة عنها في أقطارنا من المحيط إلى الخليج.

وتظهر أمامنا مشكلة كبرى ثانية لها علاقة بالأولى من حيث نتائجها السلبية في مجتمعاتنا وهي مشكلة الديكتاتورية وتعتيم العمل السياسي واختزاله في التعددية الحزبية الشكلية الفارغة من المعنى والدلالة، والتي تمثل بدورها مع الأسف عائقا صلبا وعنيفا يحول دون صنع الصورة وإنجازها في الفكر، والسياسة، والثقافة، وفي الإنتاج.

ففي الحقيقة، فإن الدور التقدمي الذي يمكن أن يساهم في التحويل والتغيير هو الوعي بالجهات والمواقف والثقافة التي تطمس القوى الفاعلة في تشكيل التحديات التي ذكرناها آنفا.

وهكذا نرى دفاعا عن الرأسمالية واقتصاد السوق ببلداننا من قبل تيارات سياسية، ونخب تمتهن الفكر الرجعي الاستغلالي.

إن هذه التيارات تلخص موقفها في أن "الحظ" المتبقي لنا هو في معانقة الرأسمالية فكرا وأخلاقا، وبنيات اجتماعية، وسياسية، واقتصادية.

وهكذا نجد هذه التيارات تلعب دورا خطيرا في تشييد أركان الوعي الزائف في حياتنا بكل تنوعاتها وتراكبها. ففي الواقع فإن التحدي الداخلي، أو العائق الذاتي يتمثل فعليا في هذه التيارات، وفي الأفراد، وكذلك في التشكيلات السياسية، والمؤسسات التعليمية والإعلامية، والثقافية، والنقابية التي تعضدها وتكرس خطاباتها وتعطي لها الشرعية، وتسوّغها بمختلف الطرق والحيل.

لقد أعجبني هذا التعبير الذي استخدمه الدكتور منيف الرزاز، وإن كنت أعتقد أنه ينبغي ضبطه فكريا، يقول التعبير: "إن التحدي الخارجي تحد لوجود، بينما التحدي الداخلي تحد لكيفية الوجود، وحين يجتمع التحديان معا يصبح للتحدي المهدد بالفناء اليد العليا في تحريك التاريخ. وكلما كان التحدي الخارجي أقوى كان أكبر أثرا في الكشف عن التحدي الداخلي. إن التحدي للوجود يحقق أهدافه عندما لا يجد مقاومة من الداخل أي من الثقافة والشعوب الحاملة لها.

كما أن التحدي الداخلي ليس فقط بتحدّ لكيفية الوجود، وإنما هو بمثابة الشرط الذي يوفر القابلية للاستعمار، أو لاختراقات التحديات الخارجية للداخل، أي للطرف المغزو أو المستعمر أو المستعبد، وهكذا دواليك. هناك عوامل أخرى تساهم في طمس القوى التاريخية الفاعلة على المستوى الداخلي، منها القبلية والعشائرية والطائفية والقطرية المغلقة والنرجسية.

ففي بعض التجارب في العالم الثالث فإن التحدي الخارجي سواء في شكل احتلال أو استعمار أو في شكل تبعية تغذيه وتقويه وتبرره، وأحيانا تفرضه الطائفية مثلا. ولذلك فانه من الضروري دراسة علاقة التلازم بين هذه العوامل السلبية في فرض الاحتلال أو في تعميق التبعية، أو في توطيد العلاقة بين الرأسمالية المستوردة وبين التخلف المكرس في الداخل ضد شرائح العمال والفلاحين، والوسطى الهشة في بلداننا













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 06-Jun-2011, 10:14 AM   رقم المشاركة : 158
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!


هل حجم الاستعدادات في مستوى التحديات؟





د. غالب الفريجات:




لست من المتشائمين رغم ما نراه من وضع مأساوي يصيب الأمة، وما تتعرض إليه من نهش في كل أنحاء جسدها، فمن قضم في الأطراف، إلى غزو واحتلال في القلب والأحشاء، يتمثل في احتلال فلسطين واحتلال العراق، والأمة سادرة في غيها، ولاهية عما يجري باللهث وراء تفتيت وحدتها، وتمزيق أواصرها، وكأن نظامها الرسمي لا هم له إلا أن يكون أداة طيعة في تنفيذ أهداف أعدائها، من أجل حماية مصالحه وكراسي الحكم الخشبية التي يستند إليها.

ما تواجهه الأمة من تحديات كبير جدا- كالاحتلال الحاضر للعديد من أجزائها، وبشكل خاص في فلسطين والعراق- وأن هذه التحديات لا تواجه بالحد الأدنى من الاستعدادات، الواجب والمطلوب توفرها، لتكون نقطة الانطلاق نحو مواجهة هذه التحديات، ونصل بالأمة إلى تحرير البلاد، وإقامة الوحدة وإشاعة الحرية والديمقراطية وبناء النهضة القومية، لأنه لا سبيل لنا كأمة إلا أن نكون أو لا نكون، ونحن في مقدورنا أن نكون، ولكن فيما يبدو أن إرادة الأمة مثلومة، وغير قادرة على حشد الطاقات اللازمة، من أجل بناء كيان الأمة العروبي القومي التقدمي، الذي يخدم كل أبناء الأمة من المحيط الأطلسي حتى الخليج العربي.

أمتنا هي أمة الحضارة والرسالة، فقد سادت العالم أكثر من ثمانية قرون، وامتلكت إرادة التحدي التي امتزج فيها عقل إنسانها بإرادة السماء، التي كلفها بها الرب، رب العزة والكون، وليس هناك من أمة نالت شرف التقدير الإلهي كما نالت هذه الأمة، فخير بني البشر منها، ولغتها هي لغة السماء التي كُتب بها كتاب الرسالة في اللوح المحفوظ، وهي من سيتخاطب بها البشر عامة يوم القيامة، فأي أمة نالت ما نالت هذه الأمة العظيمة؟.

إن كانت أمتنا كما أسلفنا، فلماذا نحن نعيش في قمقم الهوان والذل، وبعيدين عن العز والاحترام والتقدير؟ سؤال لا بد أن يجيب عليه كل مواطن، وأنا سأختزل كل ذلك.. إننا في أحوج ما نملك الإرادة والإيمان، وهما سمتان غابتا عن حياتنا، التي كان آباؤنا وأجدادنا يتسمون بها، وقد خسرنا بسببهما الوحدة والحرية والوعي والتقدم والنهضة والعزة والكرامة.

بالإيمان يملك الإنسان الثبات على الموقف، والقدرة على الدفاع عن الحق، وبالإرادة يملك القدرة على تذليل كل ما يعترضه من عقبات، ويتحدى كل ما يواجهه من مصاعب، فبالإيمان يشد العزم على الحق، وبالإرادة يملك القدرة على انتزاع ما فقد من أرض وحق وحرية.

أمتنا تواجه كل أعدائها في الداخل والخارج، وأوصالها مفككة، وإرادتها خاوية، وعزيمتها فاترة، فكيف يمكن لها أن تصد ما يعترض طريق مسيرتها؟، وكيف يتسنى لها أن تصد الرياح التي تضرب وجهها، والرياح التي تتلاطمها؟

إننا على يقين أن عنصري الإيمان والتحدي يكمنان في نفوس أبناء الأمة، ولكنها تنتظر من ينبري لقيادتها، ويسير بها نحو تحقيق أهدافها، فعسى أن يبعث الله من يقود الركب نحو توحيد الأمة، بإرادة الأبطال، وإيمان الأوائل الذين قبضوا على دينهم كالقابض على الجمر، وثبتوا على المبدأ حتى الرمق الأخير في مسيرة صمودهم وإيمانهم، حتى حققوا إرادة الإنسان ومشيئة السماء على أرض هذه الأمة.














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 06-Jun-2011, 10:25 AM   رقم المشاركة : 159
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!


أسباب انتفاضات الشباب عندنا





أزراج عمر



على مدى أكثر من نصف قرن من الزمن لم يتم إنجاز مشروع دولة الرعاية الاجتماعية، رغم أن بلداننا تتوفر على المال والثروات القادرة على تغطية تكاليفه. أليست دولة الرعاية الاجتماعية الضمانة الحقيقية للاستقرار وتوزيع الثروة بعدالة وتجنب شتى أشكال التمرد العنيف؟ أليست انتفاضات الشباب العارمة والشجاعة من أجل الحرية والكرامة التي نشهدها الآن في بلداننا نتيجة لغياب دولة الرعاية الاجتماعية فيها وبسبب الحكم الفردي المتسلط وتغييب الحريات؟

أريد هنا أن نتأمل معا مضامين النقاش الدائر في الغرب بخصوص فلسفة دولة الرعاية الاجتماعية وأساليب بنائها لعل ذلك يمكننا من الاستفادة منه ويضيء لنا الطريق لتحقيقها في مجتمعاتنا.

تحتل قضية دولة الرعاية الاجتماعية مكانة مركزية في المناقشات السياسية والفكرية التي تدور في العلم الغربي حول مفهوم الدولة ودورها بشكل عام وحول مضامين الدولة الديمقراطية الاجتماعية. إن مثل هذا النقاش السجالي هو الذي يخلق باستمرار المناخ الفكري الصحي بداخل فضاءات الأحزاب السياسية في هذه الدول الأوروبية الغربية التي تنتهج النهج الديمقراطي الاجتماعي، والتعددية الحزبية.

في إطار هذه المناقشات صدرت في أوروبا الغربية على نحو لافت للنظر عدة كتب تدرس إشكالية دولة الرعاية الاجتماعية منها كتاب "الإيديولوجية والرعاية الاجتماعية" الصادر ببريطانيا منذ عدة سنوات، ولكنه لا يزال يحتفظ بالصلاحية.

في هذا الكتاب نقرأ: "إنه لا يمكن تكوين فهم مناسب لوجهات نظر أولئك الذين يتحاورون حول سياسة الرعاية الاجتماعية بدون الأخذ بعين الاعتبار أيضا قيم هؤلاء الاجتماعية، وأفكارهم السياسية"؟ لأن المواقف الاجتماعية تصدر أساسا عن الانتماء الطبقي، والإيديولوجي ويرى المؤلفان بأن هناك التعارض بين الرأسمالية كمجموعة قيم، وبين دولة الرعاية الاجتماعية، وهما يلخصان هذا التعارض بينهما بالقول بأن قيم الرأسمالية ونظامها الاقتصادي، وأخلاقياتها متباينة في الجوهر مع قيم دولة الرعاية الاجتماعية التي تقوم أساسا على أساس مساءلة أصحاب الرأسمال، واقتطاع نسب منه لصالح الشرائح والطبقات المحرومة، أو الضعيفة ماديا.

لا شك أن هذا النوع من الحل يمثل مجرد بدايات أولى لصياغة مشروع تحرير الإنسان تحريرا جذريا. نحن نعرف بأن بعض الدول الغربية الرأسمالية من خلال نماذج معينة ومحددة مثل نماذج الدول الاسكندينافية، أو بريطانيا، أو فرنسا لم تنجز دولة الرعاية الاجتماعية فيها قطيعة مع البنية الرأسمالية للمجتمع.
فالتناقضات الطبقية في هذه الدول لا تزال قائمة وهي نتاج النسق الرأسمالي الذي تعمل به.

أما بالنسبة لنا في بلداننا، فإن دولة الرعاية الاجتماعية لم تتأسس على قواعد صحيحة فكريا، وتربويا، وثقافيا، وسياسيا وفي إطار المنظور الديمقراطي. فالرعاية التي كانت تقدم في بلداننا- وخاصة في إطار ما كان يسمى دولة بالنهج الاشتراكي في شكل الطب المجاني، والتعليم المجاني- لم تتحول إلى ثقافة شعبية، وإلى ثقافة دولة، وكذلك فإنها بقيت جزئية ولم تمس الشرائح التي تعيش في ظل البطالة كأن تصرف لها المرتبات حين فقدانها للعمل إلى حين يجد أفرادها من العمال والفلاحين العمل كما هو معمول في دول الرعاية الاجتماعي الأوروبية في الجناح الغربي من أوروبا. هذه الرعاية الجزئية في بلداننا– رغم أهميتها كبداية- بدأت تقلص هنا وتلغى هناك.

كما هو معروف، فإن بناء الدولة الراعية للمواطنين يمثل خطوة جادة نحو تأسيس مجتمعات تحفظ كرامة الإنسان، ويمكن القول بأن محك الديمقراطية يتمثل في بناء هذا النوع من الدولة، وبدون ذلك فإن العملية الديمقراطية سوف تبقى مجرد شعارات وأشكالا فضفاضة للاستهلاك والتمويه فقط.

تبدو المشكلة الآن أكثر خطورة وتتمثل في تبني دولنا لنظام الاقتصاد الرأسمالي المتوحش. لا شك أن الخلل في الحياة السياسية ببلداننا هو انعكاس اجتماعي وأن مظاهر العنف، والتمزق النفسي فيها ليست سوى التعبير الضمني عن تغييب العدالة بكل أشكالها ومضامينها في المجتمع.

إن عدم التخطيط لمصلحة مواطنينا ومن أجل إزالة الفوارق الطبقية هو الذي جعلها تتخبط، وتفشل في بناء دولة الرعاية الاجتماعية النموذجية والعصرية.

إن معيار الديمقراطية ليس متمثلا في الحرية الشكلية، وفي تشكيل الأحزاب المختلفة المتصارعة على السلطة، بل فإنه يكمن في صياغة وبناء مجتمعات الرعاية الاجتماعية المتقدمة حيث تبدأ الخطوات على طريق تصفية ثقافة التفاوت الاجتماعي والاقتصادي والمعرفي وإحلال محلها ثقافة العدالة.














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 06-Jun-2011, 10:41 AM   رقم المشاركة : 160
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!


النظام العالمي الجديد وشرعنة التدخل العسكري





عمر نجيب:



في اليوم الأول من شهر يوليو 1798، بدأ الغزو الفرنسي لمصر بقيادة نابليون بونابرت الذي بادر بإنزال قواته ليلا على البر ثم سير جيشا إلى الإسكندرية. ووجه نابليون في اليوم ذاته نداء إلى الشعب المصري لمساندته لأنه جاء ليدافع عن حقوقه. وأصدرت قيادة قواته نداء إلى الشعب المصري تدعوه إلى التمسك بالهدوء والتعاون، وذكرت أن نابليون قد أعتنق الإسلام وأصبح صديقاً وحامي الإسلام.

وطبقاً للدعاية الحربية الفرنسية ادعى أنه "صديق للسلطان العثماني" وأنه قدم إلى مصر "للاقتصاص من المماليك" لا غير، باعتبارهم أعداء السلطان، وأعداء الشعب المصري وقاهريه.

قبل الحملة الفرنسية على مصر، قدم شارل مجالون القنصل الفرنسي في القاهرة تقريره إلى حكومته في 9 فبراير 1798 يحرضها على ضرورة احتلال مصر، ويبين أهمية استيلاء بلاده على منتجات مصر وتجارتها وموقعها الاستراتيجي، ويعدد لها المزايا التي ينتظر أن تجنيها فرنسا من وراء ذلك.

وهذه رسالة نابليون بونابرت الذي دعاه بعض المؤرخين المسلمين الجنرال علي إلى شعب مصر:

"بسم الله الرحمن الرحيم، لا اله الا الله وحده ولا شريك له في ملكه... ايها المشايخ والأئمة... قولوا لأمتكم ان الفرنساوية هم أيضا مسلمون مخلصون، وإثبات ذلك انهم قد نزلوا في روما الكبرى وخربوا فيها كرسي البابا الذي كان دائماً يحث النصارى على محاربة الإسلام، ثم قصدوا جزيرة مالطا وطردوا منها الكوالليرية الذين كانوا يزعمون ان الله تعالى يطلب منهم مقاتلة المسلمين، ومع ذلك فإن الفرنساوية في كل وقت من الأوقات صاروا محبين مخلصين لحضرة السلطان العثماني.. أدام الله ملكه... أدام الله إجلال السلطان العثماني، أدام الله إجلال العسكر الفرنساوي، لعن الله المماليك، وأصلح حال الأمة المصرية".

بعد ثلاث سنوات، وفي عام 1801 رحل الفرنسيون منهزمين من مصر، واسدل الستار على محاولة جديدة لإحتلال أرض الكنانة.

هنا يجب التذكير بأن مصر تعرضت لحملتين صليبيتين في عهد الدولة الأيوبية، وكانت الحملتان تقودهما فرنسا، أما الأولى فقد عرفت بالحملة الصليبية الخامسة، وكانت بقيادة جان دي برس. وأما الأخرى فقد عرفت بالحملة الصليبية السابعة، وكانت بقيادة الملك لويس التاسع ومنيت الحملتان بهزيمتين مدويتين عامي 1221 و1250 وخرجت القوات الغازية من مصر.

التلويح بالتدخل العسكري

يوم الثلاثاء 24 مايو 2011 ذكرت صحيفة "ذي تايمز" البريطانية أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون "تعهدا بالدفع من أجل الديمقراطية في العالم العربي، وهددا باللجوء إلى الحل العسكري كملاذ أخير ضد الأنظمة التي تقتل شعوبها".

وأضافت الصحيفة أن الزعيمين وضعا حجر الأساس لعلاقة أساسية جديدة بين بريطانيا والولايات المتحدة في مقال مشترك كتباه في صحيفة "ذي تايمز"، حذرا فيه الأنظمة الاستبدادية من حرمان مواطنيها من آمالهم بالعنف.

وكتب أوباما وكاميرون: "نحن لن نقف مكتوفي اليدين بينما تتحطم طموحات الشعوب وسط وابل من القنابل والرصاص ونيران القذائف. نحن مترددون في استخدام القوة، لكن حين تكون مصالحنا وقيمنا معا، فنحن نعلم أن من مسؤوليتنا التصرف". وأضافا: "سوف نقف إلى جانب أولئك الذين يريدون جلب النور إلى الظلام، وندعم من يسعى إلى الحرية بدلا من القمع، ونساعد من يضع اللبنات الأساسية للديمقراطية".

وكتب الرئيسان أنهما ملتزمان "بمواصلة مهمتنا" من خلال تدريب الجيش والشرطة الأفغانية، كما أكدا بقدر مماثل على أنهما يقومان بذلك من "أجل أن يعود جنودنا إلى الوطن".

كما أشارا إلى أن علاقة بريطانيا بالولايات المتحدة تستند إلى القيم بالإضافة إلى الاحتياجات الاستراتيجية وكتبا "نحن ننظر إلى العالم بنفس الطريقة، ونتقاسم كل الاهتمامات ونرى نفس الاحتمالات الاستراتيجية".

ويذكر أن كلا من كاميرون والرئيس أوباما والرئيس ساركوزي كتبوا في شهر ابريل 2011 مقالا مشتركا غير مسبوق في صحيفة "ذي تايمز" التزموا فيه بدعم العمل العسكري في ليبيا إلى أن تتم الإطاحة بالعقيد القذافي.

هناك جدل واسع حول الوضع القانوني لتهديدات واشنطن وباريس ولندن بالتدخل العسكري، خبراء قانون دوليون يرون أن الأمر مبرر، في حين يؤكد غيرهم أن الهدف هو فرض نظام عالمي جديد أو بالأحرى وضع استعماري حديث لا يختلف في نتيجته عما كان يحدث قبل قرون، وأنه يتم الأن استغلال تحولات أو حركات مسالمة أو مسلحة إنفصالية وغيرها في دول معينة للتدخل عبر ركوب شعارات براقة.

لقد شكل انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة محطة تحول حاسم في مسار العلاقات الدولية والقانون الدولي فبعد سيادة نظام دولي عكس موازين القوى السائد الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية وترجمته ضوابط في ميثاق الأمم المتحدة، جاءت التحولات المتسارعة لتمكن الولايات المتحدة من ترجمة القواعد القانونية بما يلاءم إرادتها.

وهكذا وجد العالم نفسه في مواجهة أفكار سياسية جديدة تتخذ من الشعارات البراقة والرنانة واجهة لها وتركب حركات التطور والتغييير لتحولها إلى فوضى وأداة تمزيق وتستخدم غطاء الشرعية والقانون الدولي وسيلة لتمرير الإجراءات العسكرية والتآمرية ضد الدول والشعوب والحركات الثورية التغييرية المناوئة للنظام العالمي الجديد والمصرة على حماية أمنها وإستقلالها من كافة أشكال الهيمنة والإستغلال الأجنبي.

الشرق الأوسط مفتاح الهيمنة

يذكر محللون أن الولايات المتحدة والأطراف الغربية التي تدور في فلكها وفي نطاق حملتها لحماية استمرارية النظام العالمي الجديد بقطبه الوحيد، متعجلة للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط الكبير الممتد من أفغانستان حتى الساحل الأفريقي على المحيط الأطلسي بكل مقدراته من طاقة ومواد أولية لأنها تقدر أن ذلك هو الضمان الوحيد لمنع قوى أخرى من العمل على زعزعة هيمنتها.

يوم الاربعاء 25 مايو 2011 ألقى الرئيس الأمريكي باراك أوباما خطابا امام البرلمان البريطاني بمجلسيه اللذين اجتمعا استثنائيا للمناسبة، ترافع فيه عن الحلف الأمريكي الاوروبي نافيا ان يكون صعود الدول الناشئة يرمز الى "هبوط" نفوذ الغرب.

واذ اشار الى معدلات النمو الاستثنائية التي تسجلها "الصين والهند والبرازيل" شدد أوباما على انه "بات من العادة التساؤل عما اذا كان صعود هذه الدول سيترافق مع هبوط في النفوذ الأمريكي والاوروبي في العالم". واضاف ان "الحجة تقول ان هذه الدول تمثل المستقبل وان دورنا القيادي انتهى. هذه حجة خاطئة". وتابع "نحن لا نزال المحفز الاول للعمل على مستوى الكوكب".

واراد أوباما من خطابه هذا اعادة التاكيد على الروابط بين بلاده وحلفائها الاوروبيين، وذلك بعدما شهدت هذه العلاقة في النصف الاول من ولايته الرئاسية بعض الفتور ولا سيما بسبب خشية القارة العجوز من ان تكون الادارة الأمريكية الحالية تضحي بمصالح الاوروبيين على مذبح النفوذ المتزايد للدول الناشئة ولا سيما لدول جنوب شرق آسيا.

وقبل خطابه امام البرلمان، اقر أوباما بان غارات حلف شمال الاطلسي على ليبيا "محدودة اصلا"، وأضاف "بمجرد استبعاد تدخل من القوات البرية، فان الغارات الجوية ستكون محدودة بطبيعة الحال".

وتابع "يستحيل ان نتصور مستقبل ليبيا مع بقاء القذافي في السلطة، عليه الرحيل".

ولإستكمال موقفه دعا أوباما الرئيس اليمني علي عبد الله صالح الى التنحي "فورا" عن الحكم، ووجه نفس الانذار إلى الرئيس السوري.

على صعيد آخر، وصف أوباما عزم الفلسطينيين على التوجه الى الامم المتحدة للحصول على اعتراف بدولتهم على حدود 1967، بـ"الخطأ".

وقال "انا واثق بأنه من الخطأ ان يسعى الفلسطينيون للحصول على اعتراف بدولتهم امام الامم المتحدة بدل الجلوس الى طاولة الحوار مع الاسرائيليين".

محدودية الدور البريطاني

يشير الملاحظون إلى أن زيارة أوباما للندن تزامنت مع سعي بريطانيا لتحقيق التوازن بين القيود المالية والرغبة العارمة في استمرار نفوذها العالمي، وهو النفوذ الذي اكتسبته نتيجة تحالفها الاستراتيجي والعسكري مع الولايات المتحدة.

وربما بسبب المناقشات والجدل في موسم الانتخابات في الولايات المتحدة بشأن تكلفة التصورات الأمريكية الخاصة بالقوة الخارجية، يتساءل البريطانيون عما إذا كانت دولتهم المدينة قادرة على الحفاظ على دورها الدولي الرئيس أم لا.

وقال نيك كيتشن، وهو أستاذ الشؤون الدولية في كلية لندن للاقتصاد: "لا تكمن المشكلة البريطانية في عدم وجود الطموح، ولكن لكي نكون صرحاء، تكمن في نفاد ما لدينا من أموال".

ومنذ أن فقدت بريطانيا مكانتها كقوة عظمى في النصف الأول من القرن العشرين، ظلت بصمتها العالمية ملحوظة كأمة بهذا الحجم، ولكن نتيجة لانحنائها للضغوط المالية، تقوم لندن بتقليص هذه البصمة، كما قامت بتقليص الخدمة العالمية لهيئة الإذاعة البريطانية، علي سبيل المثال، والتي كانت يوما ما مثالا على القوة الناعمة عالميا لبريطانيا.

ومن الأشياء الأكثر أهمية بالنسبة للتحالف الأمريكي، يقوم رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بالدفع في اتجاه تخفيضات صارمة في الإنفاق العسكري في خطوة يرى المنتقدون أنها قد تعرض دور بريطانيا للخطر كشريك على المدى الطويل في الخطوط الأمامية في الصراعات التي ستحدث في المستقبل. وتتضمن هذه الخطة إحالة حاملة الطائرات الوحيدة إلى التقاعد المبكر، وخفض 42 ألف جندي وموظف من موظفي الدفاع المدني، فضلا عن تعليق أنشطة أسطولها من مقاتلات هارير، التي ظلت أحد النسور القوية في السماء لمدة 40 عاما.

وسوف تكون هذه الخطوات بمثابة اختبار جديد لحدود القوات البريطانية، والتي يعتقد البعض الآن أنها قد وصلت إلى أقصاها بالفعل في أفغانستان والحملة الجوية التي يقودها حلف شمال الأطلسي في ليبيا.

وفي وقت سابق من شهر مايو، أخبر رؤساء الجيش البريطاني والبحرية الملكية وسلاح الجو الملكي لجنة برلمانية هنا بأنه في مواجهة هذه التخفيضات المقترحة، لم يعد من الممكن أن يتوقعوا من بريطانيا الحفاظ على "الطيف الكامل" لقدراتها العسكرية. وثمة تساؤلات حول قدرة بريطانيا على أن تظل حليفا فعالا للولايات المتحدة كما كانت عليه في الماضي.

وقال نيك بيرنز، وكيل وزارة الخارجية الأمريكية السابق والأستاذ في جامعة هارفارد: "المسألة ليست مجرد هل لدينا شريك راغب في العمل في الشؤون العالمية أم لا، ولكن الأمر هو هل هو قادر على ذلك أم لا".

وقد تجلت حاجة الولايات المتحدة لحليف بريطاني قوي بوضوح في أفغانستان، لم يرسل أي حليف قوات أو يفقد قوات، إلى جانب الولايات المتحدة أكثر من بريطانيا.

وصرح الائتلاف الحكومي لكاميرون والذي مر على تكوينه عام، علنا بأنه يريد تجنب وجود علاقة "خانعة" مع الولايات المتحدة، في إشارة لاذعة لتوني بلير، الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء البريطاني خلال سنوات الحرب العراقية، والتي وصف وقتها بأنه "كلب" الرئيس جورج دبليو بوش.

لكن من الناحية العملية، تظل العلاقة وطيدة، حيث يتشاور كاميرون وأوباما من خلال المكالمات الهاتفية مرتين شهريا. وفي إشارة إلى عمق الشراكة بين الدولتين، من اعلن الرجلان عن "مجلس أمن" مشترك جديد. فضلا عن ذلك يتم إجراء اتصالات رسمية رفيعة المستوى بين الدولتين لتقاسم المعلومات الاستخباراتية وتنسيق السياسات.

وقال كاميرون يوم الاثنين الماضي في حديث مع صحافيين من مؤسسات إعلامية أميركية مختلفة: "إنها ليست علاقة خاصة وحسب، بل ضرورية وحيوية".

وامتدح كاميرون أوباما واصفا إياه "بالشجاع والجاد" بسبب عمق تفكيره وسلوكه الجيد الذي يثير أحيانا الانتقادات في الولايات المتحدة.

لعبة نزع الشرعية

تشير مراكز تحليل دولية إلى أن العديد من الدول الغربية غدت تعطي لنفسها سلطات يمكن أن تستخدم ضدها لو طبق القانون الدولي في ظل توازن عالمي. فمن حين لآخر نجد واشنطن وجوقتها تقول أن النظام "الفلاني" فقد الشرعية وأن عليه أن يرحل. ولكن وهي عندما تطلب ذلك، هل تيقنت أن غالبية شعب هذه الدولة لا يريد حكامه أم أن المتظاهرين في الشوارع هم الذين يرفضون النظام وهؤلاء قد يشكلون أقلية. وكمثال يقول محللون "في اليمن عرض الرئيس إجراء انتخابات مبكرة أو استفتاء ولكن من تظاهروا في الشارع رفضوا".

ذكر استاذ ألماني في العلوم السياسية طلب عدم ذكر اسمه: لنفترض أننا نجهل الحجم الحقيقي للقوى السياسية في لبنان، هل كان من الممكن مثلا إذا خرج إلى الشارع في لبنان مئات الألاف من أنصار حركة 14 آذار أن يقول الغرب أن الشعب يريد اسقاط النظام؟. وماذا سيكون موقف هذا الغرب إذا نزل إلى الشوارع مئات الالاف من أنصار حزب الله؟. الأمر يحتاج إلى أساليب مختلفة لتقييم الأمور.

يوم الثلاثاء 24 مايو 2011 جاء في تقرير لصحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية تعمل حكومة أوباما وحلفاؤها على إعادة تقييم الدعم العسكري والاقتصادي لليمن، في سعيها الدؤوب إلى إيجاد سبل لإجبار الرئيس علي عبد الله صالح على التنحي.

وحذر جون برينان، رئيس مكتب مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض، الرئيس اليمني في محادثة معه يوم الأحد 22 مايو، ان واشنطن ستضطر إلى التفكير في خطوات أخرى ممكنة.

وقال مسؤولون أمريكيون وعرب إن هناك اختياراً متاحاً وهو نقل قضية اليمن إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لفرض عقوبات غير محددة.

كريستوفر بوشيك المحلل في معهد "كارنيغي انداومنت" للسلام الدولي يبدي ثقة في قدرة واشنطن اسقاط الرئيس اليمني، ويقول في رسالة الكترونية ان "واشنطن لم ترسل بعد رسالة قوية واضحة الى النظام اليمني بان على صالح التنحي وانه يجب انهاء هذه الازمة السياسية. لا تزال القيادة الأمريكية تملك القوة".

وتابع "تستطيع الولايات المتحدة والقوى الغربية والسعودية الضغط بشكل كبير على صالح ويجب على جميع اللاعبين الدوليين التحدث بصوت واحد فيما يخص اليمن".

واضاف "كلما استمر ذلك لفترة اطول، كلما تدهورت الاوضاع وكلما اصبح اليمن أقل استقرارا". واوضح "اذا كان القلق الأساسي لدى البعض هو الأمن ومكافحة الارهاب وتنظيم القاعدة، يجب الا يتم ايهامنا بأن الحكومة اليمنية مهتمة بمكافحة الارهاب في الوقت الحالي".

ولكن على الرغم من دراستهم اتخاذ خطوات جديدة لحل الأزمة المتصاعدة في اليمن، التي دخلت شهرها الثالث، يعترف المسؤولون أنهم إذا ما قاموا بفرض أي فعل ضد الرئيس صالح من الممكن أن يؤدي هذا إلى مخاطر في هذه الدولة التي تحتل موقعا استراتيجيا. ويقول محللون إن الغرب في تعامله مع اليمن مثل من يسير على حد سكين، لأنه إذا شعر اليمنيون أن وحدة بلادهم مهددة فإن الكثير من الأمور ستتغير وستتبدل التحالفات.

قمة مجموعة الثماني

محدودية قدرة بريطانيا على لعب دور قيادي مع واشنطن في الحفاظ على استمرارية النظام العالمي الجديد تنطبق كذلك على باريس التي لم تنجح في جر ألمانيا إلى تبني نفس السياسات خاصة تجاه الأوضاع المضطربة في المنطقة العربية.

وقد سعت فرنسا دون نجاح كبير في ان تكون قمة دوفيل ما سمته "لحظة تأسيسية لشراكة طويلة الامد" بين الدول العربية الداعمة للديموقراطية ومجموعة الثماني "الولايات المتحدة، روسيا، اليابان، المانيا، فرنسا، المملكة المتحدة، ايطاليا، كندا".

فقد اعلن الكرملين يوم الاربعاء 25 مايو في بيان ان روسيا لن تدع قمة دوفيل تناقش "ضغوطا او عقوبات" بحق الانظمة العربية المتهمة بقمع انتفاضاتها بعنف. ودعت الرئاسة الروسية "الى عدم التحول الى هيئة تقترح ضغوطا وعقوبات".

واضافت ان "روسيا ستواصل العمل على اقامة علاقات ثنائية مفيدة للطرفين مع الدول العربية التي تشهد صعوبات اقتصادية وسياسية واقتصادية وانسانية".

وكثفت موسكو انتقاداتها لموقف الدول الغربية التي تتهم بعض الانظمة العربية "بقمع حركات احتجاج شعبية تعبر عن تطلعات ديمقراطية".

بعد 24 ساعة من صدور بيان الكرملين وتسرب أخبار عن خلافات وراء الأبواب المسدودة في القمة، أكدت روسيا يوم الخميس 26 مايو ان فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة اتصلت بها على هامش القمة للقيام بوساطة ترمي الى ايجاد مخرج للنزاع في ليبيا.

واعلنت ناتاليا تيماكوفا المتحدثة باسم الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف امام صحافيين في دوفيل "لقد اثيرت دعوات الى روسيا للقيام بدور الوسيط من اجل تسوية الوضع في ليبيا".

كما اجرى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لقاء مع رئيس الوزراء الليبي البغدادي المحدودي الذي طلب منه التوسط لوقف اطلاق النار، بحسب وزارة الخارجية الروسية.

الملاحظون يرون أن طلب الوساطة يعكس حالة من الاحباط من جانب كل من واشنطن وباريس ولندن وفي نفس الوقت مراوغة لكسب الوقت.

وافادت صحيفة الاندبندنت البريطانية ان النظام الليبي الذي يتعرض الى قصف بعض دول حلف الأطلسي منذ 19 مارس، اقترح مجددا وقف اطلاق النار تحت مراقبة الامم المتحدة.

وجاء في رسالة قالت الصحيفة انها حصلت على نسخة منها، ان نظام العقيد القذافي مستعد لفتح مفاوضات بلا شروط مع الثوار واعلان عفو ومناقشة دستور جديد.

من جانبه اعلن متحدث باسم مكتب رئيس الحكومة الاسبانية خوسيه لويس رودريغيز ثاباتيرو يوم الخميس 26 مايو ان الحكومة الاسبانية تسلمت رسالة من البغدادي المحمودي.

تقييد أوباما

يوم الخميس 26 مايو تبنى مجلس النواب الأمريكي تعديلا لقانون ميزانية الدفاع يمنع ارسال قوات مسلحة إلى ليبيا. واقر النص بتأييد 416 صوتا في مقابل 5 وهو يمنع استخدام اموال "لنشر او تمركز او ابقاء عناصر من القوات المسلحة الأمريكية او من شركات خاصة متعاقدة على الاراضي الليبية".

ولا يجيز الاجراء وجود قوات أمريكية على الاراضي الليبية الا في حالات انقاذ عناصر عسكريين أمريكيين "في خطر محدق".

وكان نواب أمريكيون في الكونغرس قد تقدموا يوم الاربعاء 25 مايو بمشاريع قوانين تطعن في صلاحية الرئيس باراك أوباما في مواصلة العمليات العسكرية في ليبيا، بعد ان تم الجمعة 20 مايو تجاوز مهلة الـ60 يوما من دون اجازة برلمانية.

وقال النائب الجمهوري جاستن ايماش في جلسة استماع امام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب حول الموضوع "اننا في حرب في ليبيا. فاما ان يجيز الكونغرس ضرباتنا على ليبيا او عليه ان يضع حدا لاستخدام القوة. لكن لا يستطيع الكونغرس ان يبقى مكتوفا فيما يتم تجاهل سلطاتنا الدستورية".

وقدم ايماش مشروع قانون يطالب بانهاء العمليات العسكرية في ليبيا "الا اذا اجاز نص قانوني عملا مماثلا بشكل خاص".

اما زميله الجمهوري كريس غيبسون وهو ضابط سابق خدم في العراق، فدافع عن مشروع قانون قدمه لاصلاح قانون 1973 "حول سلطات شن الحرب" المصمم للحد من القدرات الرئاسية على شن حروب.

وصرح برلمانيون آخرون أن تورط أمريكا بدأ بأسلوب في حرب العراق ولا يمكن تكرار الخطأ مرة أخرى.

وسبق ان تجاهل رؤساء سابقون "قانون سلطات الحرب" لسنة 1973 الذي يحد من قدرة رئيس البلاد على اعلان الحرب.

القرار جاء في وقت أكدت فيه مصادر متطابقة أن هناك عجزا في المعدات والإعتمادات المالية المتوفرة لكل من باريس ولندن لمواصلة الحرب في ليبيا.

عدم رضى

تذكر مصادر رصد أوروبية أن هناك مؤشرات متزايدة عن أن العديد من الأجهزة التي تتحكم في تحديد سياسة الولايات المتحدة، أخذت تشعر أن مخططاتها لركوب حركة التطور في المنطقة العربية لم تؤت الثمار التي كانت متوخاة وخاصة في مصر وتونس، ولهذا تقدم على خطوات يصفها البعض بالمتسرعة.

يوم الخميس 26 مايو 2011 اعلنت الولايات المتحدة تفهمها لحاجة تونس الى مزيد من الوقت لتنظيم اول انتخابات بعد سقوط الرئيس السابق زين العابدين بن علي، وذلك بعد اعلان الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس عن ارجاء الاستحقاق الانتخابي الى 16 اكتوبر، خلافا لرأي الحكومة التي ابقت على تاريخ اجراء الانتخابات في 24 يوليو.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الاميركية مارك تونر "نتفهم التحديات التي يواجهها التونسيون، من خلال محاولة المضي قدما في اتجاه انتخابات ديموقراطية خلال مهلة زمنية قصيرة للغاية بعد نظام استبدادي عمر طويلا".

وكانت الحكومة الانتقالية قد اعلنت الثلاثاء انها "اوصت" بأن تتم الانتخابات في 24 يوليو واشارت الى أن مرسوم دعوة الناخبين في هذا التاريخ تم توقيعه من قبل الرئيس الانتقالي فؤاد المبزع.

على نفس الوتر تلعب الادارة الأمريكية بالنسبة لإنتخابات مصر، ويتناقض هذا مع الدعوات الأمريكية السابقة عن ضرورة التحرك السريع للتحول.

مصادر رصد أوروبية وآسيوية تحدثت خلال شهر مايو 2011 عن تسجيل حملة متصاعدة مساندة من طرف مصالح أمريكية لزعزعة الاستقرار في العديد الدول العربية ومنها حتى مصر وتونس، ملمحة إلى المشروع الأمريكي الخاص بتقسيم دول المنطقة على أسس عرقية ودينية ومناطقية إلى ما بين 54 و56 دولة.

وكانت وكالة "د ب أ" الألمانية قد كشفت يوم الأحد 24 أبريل 2011 عن أن الولايات المتحدة خصصت تمويلا كبيرا لنشاط الإنترنت في ما سمته "الدول الاستبدادية" لمساعدة النشطاء في تحقيق التغيير المأمول لبلدانهم.

كما ذكرت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية أن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما ستنفق أكثر من 25 مليون دولار لتسهيل استخدام الانترنت على النشطاء.

ورفض مسؤولون من الخارجية الأمريكية تحديد المنظمات والدول المستحقة للدعم الأمريكي أو جداول زمنية. وتوقعت الصحيفة أن يتم الاستعانة بهذه الأموال في تطوير تقنيات يمكن للنشطاء استخدامها للتحايل على السيطرة الحكومية على الإنترنت.

وقال مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية للشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل مايكل بوسنر للصحيفة: "إن بلاده "أنفقت المليارات على مدار عقود لتعزيز الديمقراطية، إلا أن الطريق الأفضل هو دعم نشطاء الديمقراطية وإمدادهم بالأدوات التي يحتاجونها لتكون لهم الغلبة. ويعني توفير اتصال دائم فيما بينهم عن طريق الإنترنت أن بإمكانهم التعبير عن نوع المستقبل الديمقراطي الذي يريدونه لمجتمعاتهم".

الأزمة

تأزم الوضع الاقتصادي والاجتماعي والأمني في مصر وتونس ثم ليبيا واليمن وسوريا بسبب الاضطرابات التي رافقت حركة التحول أو عدم الاستقرار في هذه البلدان، أصبح سلاحا ذو حدين. فمن جهة يرى مخططون في الولايات المتحدة أنه أضعف القوى التي أرادت زعزعة أنظمة عربية أخرى وبالتالي أحبط جهود واشنطن لركوب حركة التحول لتحقيق أهدافها، ومن جانب آخر أصبحت الأزمة أداة في يد قوى معينة في مصر وتونس تقول أن الثورة لم تكتمل وأنه يجب مواصلتها حتى النهاية. وفي هذه الحالة يمكن تمرير جزء من عملية التفتيت التي تدعو إلى إقامة دولة قبطية في مصر. ولدى الأطراف الأخرى شكلت الأزمة الاقتصادية حجر عثرة أمام جهود الاصلاح.

يوم 25 مايو 2011 اعلن رئيس رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء المصري ابو بكر الجندي ان معدل البطالة ارتفع فى مصر بنسبة 3 في المائة خلال الربع الاول من العام الحالي ليصل الى حوالي 12 في المائة مقابل حوالي 9 في المائة خلال الربع الرابع للعام 2010.

ونقلت وكالة انباء الشرق الاوسط عن الجندي ان ارتفاع معدل البطالة "يرجع الى تباطؤ الانشطة الاقتصادية الذي صاحب وترتب على ثورة 25 يناير". وذكر الجندي ان "حجم قوة العمل في مصر بلغ

حوالي 26 مليون فرد فى الربع الاول للعام الحالي اي 33 فى المائة من إجمالي عدد السكان خلال الفترة نفسها".

وتشير كافة مؤشرات الاقتصاد المصري الذي كان يعتبر في نمو مضطرد حتى نهاية ديسمبر 2010، الى الاقتراب من مرحلة الخطر.

وقد سجل قطاع السياحة خسارة قدرها 2200 مليون دولار منذ يناير بينما كلفت المطالب الاجتماعية الموازنة العامة اكثر من 1000 مليون دولار.

وينتظر ان يراوح معدل نمو اقتصاد مصر، وهي البلد الاكبر من حيث عدد السكان في العالم العربية بحوالي 84 مليونا، بين 1 في المائة و2 في المائة في حين كانت التوقعات تشير ان نسبة نمو 6 في المائة.

ويوم 4 مايو 2011 توقع معهد التمويل الدولي للنمو، أن اقتصادات مصر واليمن وتونس وسوريا سوف تنزلق الى الركود في 2011 مع هبوط النشاط الاقتصادي بشكل حاد في اعقاب الانتفاضات.

ووفقاً لتوقعات المعهد ستنكمش اقتصادات سوريا بنسبة 3.0 بالمئة ومصر بنسبة 2.5 بالمئة وتونس بنسبة 1.5 بالمئة في 2011.

ومعهد التمويل الدولي مجوعة مصرفية عالمية مقرها واشنطن تمثل اكثر من 430 بنكاً ومؤسسة مالية في انحاء العالم.

ومن ناحية اخرى قال المعهد ان نمو الدول العربية المصدرة للنفط -التي نجت في معظمها من اضطرابات من المتوقع ان يتسارع بشكل حاد ليصل الى 11 بالمئة في 2011 والى 11.5 بالمئة العام القادم ارتفاعا من 0.9 بالمئة فقط في 2010.

وتكهن ايضا بان اجمالي فوائض المعاملات الجارية الخارجية للدول الست الاعضاء في مجلس التعاون الخليجي وهي البحرين والسعودية ودولة الامارات والكويت وسلطنة عمان وقطر من المتوقع ان تتضاعف الي اكثر من المثلين هذا العام لتصل الى حوالي 292 مليار دولار ارتفاعا من 128 مليار دولار وذلك بفضل زيادات في اسعار النفط العالمية.

ديون وشروط

ويشير ملاحظون أنه رغم الكلام البراق الذي صدر عن بعض الدول الغربية في قمة مجموعة الثمانية في فرنسا بشأن مساعدة الديمقراطيات العربية الحديثة اقتصاديا وماليا، فإن أي إجراء عملي جدي لم يتخذ.

وكانت مصر وتونس اللتان شهدتا موسماً سياحياً كارثياً، قد حددتا حاجاتهما بـ10 الى 12 مليار دولار للقاهرة حتى منتصف 2012، و25 ملياراً لتونس على مدى خمسة اعوام.

صندوق النقد الدولي أعلن يوم الخميس 26 مايو في مذكرة الى مجموعة الثماني انه يعتزم اقراض الدول العربية المستوردة للنفط في الشرق الاوسط وشمال افريقيا حتى 35 مليار دولار اذا طلبت حكومات المنطقة مساعدته.

وعملا بالقواعد المطبقة اثناء تقديم القروض في الفترة الاخيرة "فان مبلغا اجماليا من حوالى 35 مليار دولار قد يوضع في تصرف" هذه الدول، كما اعلنت المؤسسة في واشنطن.

ووفقا لحسابات صندوق النقد الدولي "فان حاجات التمويل الخارجية للدول المستوردة للنفط في المنطقة، في اطار السيناريو المركزي الحالي الذي لا يأخذ في الاعتبار الاصلاحات التي ستقوم بها الدول، ستتجاوز ال 160 مليار دولار بين 2011 و2013، والتي سياتي جزء مهم منها من صناديق مالية رسمية"، أي مؤسسات دولية كبيرة.

وكتب اقتصاديون "ان الاستقرار الاجتماعي والسياسي لن يتوفر الا اذا اوجدت المنطقة ما بين 50 الى 75 مليون فرصة عمل في العقد المقبل للذين سينضمون الى اليد العاملة النشيطة ولتقليص البطالة".

واضافوا "ان تغييرات تدريجية لن تؤدي الى مثل هذه النتيحة. ان زيادة كبيرة في وتيرة النمو الاقتصادي ضرورية الأمر الذي يدعو الى سياسات تدعم بيئة مشجعة للقطاع الخاص".

وصندوق النقد الذي يستعد ليبحث مع مصر في شروط تقديم قرض، وضع الخطوط الكبرى للاصلاحات التي يدعو اليها. ودعا الى سياسات اقتصادية توفر "الاستقرار" "في الموازنة والتضخم" "وبيئة اكثر انفتاحا وتشجيعا للقطاع الخاص" و"بناء مؤسسات فعالة".

هذه العروض هي عبارة عن قروض بفوائد وشروط وهو ما يعني أن الأطراف التي ستحصل عليها ستكون قد وضعت نفسها رهينة لهذه المؤسسات الدولية التي تطبق سياسات القوى الكبرى الغربية. وينطلق مسلسل الاستغلال والاستعمار المقنع من جديد في ظل الرأسمالية المتوحشة وتدمير القطاع العام.














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 07-Jun-2011, 12:13 PM   رقم المشاركة : 161
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!

عندما يتم إخراج الدين من سياقه





د. ناجي صادق شراب

أتابع بشغف وقلق مظاهر وأبعاد الفتنة الطائفية التي تثور وتتفجر بمجرد أن تهدأ، وتضرب الهدوء والسكينة التي عاشت فيها الشعوب العربية والإسلامية في إطار من التسامح والتلاقي الديني الذي أشعر الكل أنه مكون رئيس في الجسد السياسي والاجتماعي لهذه الشعوب.

ولقد قام هذا التسامح والتلاقي على ركيزة أساسية يبدو أنها غائبة لدى من يتحدث من جديد عن دولة مدنية أو دولة دينية، متناسين أو متجاهلين أنه لا توجد دولة دينية أو دولة مدنية مطلقة، لأن البعد الديني والمدني هو الأساس الذي تقوم علية وحدة أي شعب، ولا يمكن النظر إلى الموضوع بمنظور مختلف وإلا ستكون النتيجة الحتمية حالة من التفسخ الاجتماعي والسياسي وحتى الديني، فأي شعب وأية دولة عبارة عن جسد واحد متكامل لا يمكن فصل بعض أعضائه عن بقية الجسد، وإلا ستحدث حالة من التشوه الخارجي والداخلي الذي يسيء إلى شكل وصورة هذا المجتمع.

وفي إطار هذا الجسد الواحد بكل أعضائه، كل عضو له وظيفته ودوره الذي يكمل به دور العضو الآخر، وذلك حتى تكتمل وظيفة الجسد كله. كأننا هنا أمام ثلاث وظائف، وظيفة كل عضو ووظيفة الجسد كله، ولا يمكن لأي منهما أن يعيش ويكتمل دوره من دون الآخر.

في سياق هذا الفهم الشخصي تأتي وظيفة الفتنة ومن يحاول إشعالها من خلال أحداث فردية صغيرة، كمن يُسْلم أو يتنصّر، والحقيقة أن هذه الأمور مجرد عود كبريت لإشعالها، محاولة لفك الارتباط العضوي والجسدي بين مكونات الجسد الواحد، وخلق حالة من التنافر في دور كل منهما، وصولاً إلى تفكيك الجسد لأهداف سياسية بعيدة المرامي، وليس لهدف ديني كما قد يصور البعض. والهدف السياسي مرتبط إما بأهداف خارجية أو داخلية بعيدة في أهدافها بل ومتصادمة مع هدف التوحد الذي يمثله الدين، وهذا الهدف للأسف الشديد غائب لدى البعض.

فوظيفة الأديان كلها هي التوحد وليس الفرقة، والأساس في التوحد هو وحدانية الخالق، ووحدانية الرسالة السماوية، بمعنى أن كل الأديان السماوية هدفها ورسالتها واحدة، لأن مصدرها إله واحد، وهذا ما سيتوجب الحوار والتلاقي وليس التنافر بينها، والذي يخلقه الناس أنفسهم، أو رجال الدين أو الدعوة هنا أو هناك.

الأساس في الدين التوحد وليس التباعد، وأن سبب التباعد والتصادم والتنافر هو الإنسان نفسه؛ والخلل ليس في الدين، أي دين، وليس في الرسالة التي تحملها كل الأديان، وإنما الخلاف والصراع أساسه الإنسان الذي يتميز بالاختلاف وتعدد الطوائف والجماعات والقوى والرؤى والتفاسير والنزعات التحكمية، وأساسه محاولة الإقصاء والسيطرة والهيمنة، وهذا بعيد كل البعد عن الدين ورسالته وأهدافه الأخلاقية؛ فأي دين له بعدان: بعد علائقي بالله الواحد وما يتعلق بذلك من عبادات ونواهٍ دينية، وبعد أخلاقي علائقي بالناس أنفسهم، وهنا التأكيد على القيم الدينية والضوابط السلوكية المنظمة للعلاقات بين الأفراد والشعوب، بما يقود إلى المحبة والأخوة في الدين والإنسانية، وهو ما نطالب به من حوار بين الأديان بهدف العودة إلى وحدانية الله، ووحدانية الأديان.

ولعل الخلل هنا له مظاهر كثيرة وأبعاد مختلفة، فمن ناحية الخلل في العلاقة بين الدين والسياسة، ومحاولة تديين السياسة، وتسييس الدين، والخلل الثاني يقع على دور الدعاة ورجال الدين الذين يخفون فشلهم من خلال التمسك بقضية فردية كمن يسلم أو يتنصر، والحقيقة أن هذه مسألة فردية لا تؤثر في أي دين من الأديان، ولا على عدد أي منهم.

وفي هذا السياق العام تبدو أن الحالات الفردية التي تظهر بين الحين والآخر عن حالة إسلام هناك، أو تنصر هناك يتم توظيفها لأغراض أكبر من الدين، بل إنها قد تضر بالدين ذاته، وربط هذه الحالات بأهداف سياسية لأغراض الفتنة التي تعتبر أقصر الطرق وأسهلها لتفكك المجتمع، واحتواء حالة الثورة بداخله، حتى يبقى ضعيفاً غير قادر على الانبعاث والنهضة من جديد. وهذا هو الهدف من وراء أحداث الفتنة الطائفية التي تقوم على استغلال هذه الحالات الفردية التي قد تكون أيضاً مدفوعة بفعل قوى وعوامل ليست على علاقة سليمة بالدين التي توظف الدين لأهداف سياسية ضيقة، مستغلة الدين وقوة تأثيره في الرأي العام.

لا مشكلة في التوفيق بين الانتماءات المتعددة بين الأديان الأخرى والتي ينتمي إليها المواطن. فأنا كمواطن عادي لا مشكلة عندي بين التوفيق بين عقيدتي الإسلامية، وثقافتي العربية وانفتاحي على الثقافات والحضارات الأخرى، ولا على التعامل والتوفيق والوصول إلى لغة واحدة مع أصحاب الديانات الأخرى.

ويبقى التساؤل أن نبحث عن المشكلة فينا وليس في الدين، بعيداً عن التعصب والتحجر الفكري، فالدين دعوة للعقل والبناء والنهضة وإعمار الأرض وليس هدمها بمعاول الفتنة العمياء.














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 07-Jun-2011, 12:27 PM   رقم المشاركة : 162
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!


بناء الدولة وسط ركام التحولات





ماجد الشّيخ



تؤكد العملية الإصلاحية كعملية تمتلك طابعا نهضويا تنويريا، واحدة من عمليات التحويل الكبرى المفضية إلى افتتاح درب التحولات على اختلاف خياراتها وتمظهراتها الشعبية. وما لم يكن الإصلاح كعملية تحويلية، حسما مؤكدا من "أرباح" السلطة التي كوّنتها بالمغالبة والمجاهدة الاستبدادية، فهي لن تضيف إلى الشعب كمكون اجتماعي ومواطني، ينتمي إلى وطنية موحدة، أي ربح صاف أو غير صاف.

فالعملية الإصلاحية ومهما تكن مستوياتها، هي ما ينبغي لها أن تكون دافعا رئيسا لسلوك وممارسة النظام السياسي، وكامل أشكال ومضامين التعاطي مع المواطنين، وإشعار هؤلاء، بل شعورهم أن هناك ما يتغيّر في أنماط وممارسات سلطة النظام، وانعكاس ذلك على الشعب وما يريده.

وإذ تتبلور اليوم في بلادنا رؤية أو مجموعة رؤى خاصة، ترى إلى التحولات الجارية انطلاقا من تحرر إرادة الناس وخروجهم على سنوات الصمت والخوف الطويلة، فإن هذه التحولات لا يمكنها أن تتتابع وتتواصل، إلاّ عبر إصرار الحركة الشعبية هنا أو هناك، على المضي في إنتاج دروبها الخاصة لفرض مسارات متجددة، لتطور ديمقراطي أكثر حداثة وتنويرية ونهضوية مما سبق، أثناء لحظات تاريخية أسست لأفكار نهضوية، لم تستطع أن تبلور مساراتها اجتماعيا وشعبيا، أو تتبلور على أرض الواقع؛ نظرا لغياب كتلة شعبية وازنة، أو مجموع الفاعلين الشعبيين، على ما بدأت تتجلى اليوم في شبكات التواصل الإجتماعي الشبابي.

لهذا.. ما من تحولات يمكنها أن تكون فجائية، كون التحول كمفهوم، وكممارسة سلوكية واعية، إنما هو نتاج تراكم منظور وغير منظور، محسوس وغير محسوس، قوامه معاناة ومحن شعوب جرى اقتلاعها من التاريخ، وأريد لها أن تكون مجرد كم مهمل، هلام لا يستوي وزنه في عالم الإنسان، إلاّ كونه جزء من ديكور يكمّل دولة السلطة الاستبدادية التي لا يستوي وجودها أو يكتمل من دون الشعب/الرعيّة، ولا يقوم قمعها الدموي كممارسة تسلطية وسلطوية؛ إلاّ في حضور الغياب أو الغيبوبة المستديمة للذات الفردية والجماعية على حد سواء، أي في ظل سيادة وتسييد واقع من الركود الطويل، والصمت المميت، والخوف المتراكم. في ظل هذا كله وعلى وقع المكبوتات القسرية، كانت التحوّلات تطبخ نضجها، ولم تكن البتة فجائية.

وبذا لا تنضج التحولات بدون فاعلين حقيقيين، من قوى شعبية أو نخبوية طحنها القهر والغضب، حتى باتت عصيّة على التأخر عن استجلاب موعد أو مواعيد التغيير القادمة، وبدفع من تراكمات باتت عصيّة إلاّ على التحوّل النوعي، وبالتالي إحداث أو استحداث مسار لتحولات خليقة بأن تكون في مواعيدها؛ مواعيد يستدعيها الشعب كمن ينادي على ظله أن يتبعه، في تلازمه والتزامه حركة المجتمعات، وهي تتحول وتنضج حراكها على وقع هدير الناس الذين تاقوا لإسماع صوتهم، بعد أن صمتوا طويلا، وخافوا؛ خافوا كثيرا، وها هم يطلقون نفير الصوت في مواجهة كل مسببات صمتهم وخوفهم، وكأن لم يكونا، فاستعادوا السياسة من زنازين الأنظمة، وأطلقوها شرارة حرية وكرامة؛ حرية الناس في أن يقودوا ويؤسسوا لسياسة تحفظ كرامتهم، لا أن تدوس على رقابهم، بحجّة أو بذريعة أن السلطة لا يجب أن تمارس عنفها في الفراغ، بل على أجساد المقموعين من البشر الأسوياء في مجتمعات لا وجود لأي نوع أو درجات من السواسية والمساواة فيها. أما الكرامة فهي النقيض المطلق لإكراهات السلطة، وهي تستبدّ بكل ما اعتقدت وتعتقد أنه من أملاكها الخاصة.

لقد أنجزت جماهير الثورة الشعبية في كل من تونس ومصر،عملية إسقاطهما لرأسي نظاميهما، ولم تنجزا بعد إسقاطهما رغم تقويضهما جزئيا للنظام، النظام القديم إياه الذي ما زال بعض رموزه في مراكز هيمنة ومفاصل هامة، في حين تستدعي مرحلة ما بعد إسقاط رأس النظام، المضي نحو مراحل متقدمة من تهديم وتقويض كامل أسس الأبنية التي بناها النظام القديم، حتى لا يستمر أي نظام جديد في اعتماد تلك الأسس والبناء عليها، ومن ثم ابتناء نظام مشابه لذاك الذي قامت الثورات والانتفاضات والهبات الشعبية للإطاحة به.

ولا يكفي هنا الالتفات للإطاحة بما هو سياسي، إذ أن الإطاحة بما يوازي الهيمنة السياسية من هيمنة اقتصادية وثقافية ومجتمعية، إنما يكمل صورة التحولات المراد إنجازها في واقع عربي عانى من الركود ما عاناه، حتى أضحى تزاوج المال والسلطة، واحدا من أعتى مفاصل الهيمنة الشمولية في فضاءات السلطة، بوجهيها السياسي والاقتصادي المندمج أو المندغم في آليات معيارية لنظام توتاليتاري أشد استبدادية من أنظمة عانت شعوبها من تسلط وسلطوية تزاوج المال والسلطة، بيد أنها تركت هوامش من فتات تتلهى بها بعض الفئات الطبقية والاجتماعية المقرّبة من تلك السلطة.

وإذ تواصل التحولات إنضاج أهدافها، وصولا إلى بناء الدولة، فلأن الشعب يريد ابتناء دولته الوطنية الحديثة، بعد عقود من الفشل والإفشال المتعمد لبناء الدولة، حين كان يلجأ استئثاريو السلطة واستملاكيوها، إلى خلق مسببات التفتيت المجتمعي لأبناء الوطن الواحد، ما يضع اليوم هدف إنجاز التوافقات الاجتماعية والسياسية في سياق الثورة وتحولاتها، وفي سياق محاولات بناء الدولة النهضوية والتنويرية الحديثة، التي حلم ببنائها العديد من الأجيال العربية، منذ ما قبل الاستقلالات الشكلية؛ في مقدمة أولويات ينبغي التفكير بها، ونقلها إلى حيّز الواقع، مع تجاوز كامل معوقات البناء، وتهميش التعارضات الثانوية بين القوى السياسية والمجتمعية الجديدة "شبابية الطابع خصوصا"، وذلك لكي يجري خلق أسس ووجود ضمانات تقلل وبالحدود الدنيا؛ اجترار وتكرار التعارضات والتناقضات الصراعية القديمة بين أبناء المجتمع والوطن الواحد، وللتقليل من أضرار ومخاطر الثورة المضادة، وعزل قواها وتهميشها وإبعادها عن ضخ المزيد من أضاليل أيديولوجياها الخاصة، للتأثير على الحركة الشعبية، ومحاولتها إجهاض الثورة، أو على الأقل تجميدها عند الحدود التي بلغتها. وذلك من قبيل محاولات التيارات الإسلاموية وبعض أجنحتها المتطرفة الدخول على خط الثورة، واعتراض مسار الحركة الشعبية. بعدما عايشنا وشهدنا العديد من مسلكيات إنتهازية، ما يجعلنا نضعها في خانة صفوف الثورة المضادة قلبا وقالبا.

لهذا بالتحديد تضع التحولات الجارية على عاتق من قاموا بالثورة، ضرورة أن لا يتخلوا أو "يستقيلوا" من مهمة متابعتها بهدف بناء الدولة، بعد أن جرى إنجاز إسقاط رأس النظام والإطاحة ببعض آليات وأدوات السلطة، وطالما أن الثورة بعفوية انطلاقتها لم تنجز كامل أهدافها بعد، بل تبدأ الآن برسم مشاريع مخططات مواصلتها وبزخم أكبر، وبما يتجاوز عفويتها، ويعوّض عن غياب نظرية لانطلاقها وتحولاتها، وصولا نحو توجيهها ووضعها على سكة مسيرتها ومسارها العقلاني، هذا المسار هو الوحيد الذي يمكن أن يفضي إلى بناء الدولة التي يريدها الشعب، كدولة مدنية وديمقراطية حديثة، عمادها المواطنة والقانون والمساواة، بديلا لسلطة العشيرة أو القبيلة أو الطائفة المتمذهبة، الاستبدادية بطبيعتها وطبعها













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 07-Jun-2011, 12:33 PM   رقم المشاركة : 163
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!

التحرير يبدأ من تغيير الإنسان





أزراج عمر:

كثرت في الأقطار العربية الكتب والدراسات وكذلك المقالات التي تحمل عنوان "من أجل تحرير مجتمعاتنا من التخلف" أو "من أجل ربح رهانات التقدم"، وبالمقابل هناك المئات من الخطب الرنانة التي ألقاها الحكام العرب تنادي بدورها بالتحديث وتجاوز التخلف، وهم سوف يواصلون إلقاء هذا النوع من الخطب، ولكن على مدى خمسين سنة من الاستقلال ولا يزال التخلف يفرخ في كل مكان داخل الأسرة، وفي الشارع، وداخل المؤسسات وفي الحياة السياسية والثقافية والمعرفية بصفة عامة هنالك أيضا آلاف من الكتابات والخطب التي نادت بحرية المرأة، ولكن لا شيء تغير أو تحرر، فأين المشكلة إذن؟ ولماذا هنالك الانقطاع بين القول والفعل؟

مرة قال أديب سعودي بأن العرب ظاهرة صوتية، أي يتكلمون ولا يفعلون لتحويل الواقع الرابض على صدورهم كالحجر الثقيل. ومرة كتب صديقنا الشاعر أدونيس قائلا بأن البلدان العربية لم تتغير فيها بنية الحياة الاجتماعية، ولم تتحقق فيها الثورة العقلية، ولم تنجز الثورة الاشتراكية والثورة الصناعية، بمعنى أن الأنظمة العربية لم تهدم المؤسسات التقليدية، ولم تؤسس بنية فكرية حديثة على أنقاض ما يدعوه بنظام القيم القديم.

وفي الواقع فإن هذه الأنظمة لم تهبط من السماء ولم تطلع من البحر، بل هي ترجمة أمينة لحال الجمهور العربي أيضا، إذ هنالك تطابق بين أولياء الأمر والرعية، فالمشكلة في صميمها تتمثل في أن كلا الطرفين يصدران من ثقافة مشتركة رجعية في مادتها الأولى، ولهذه الثقافة سلطة قوية على مستوى الوعي، واللاوعي معا. عندما أشدد على هذه السلطة فإن ذلك يعني أنها هي التي تشكل ماهية الناس وتحدد لهم علاقاتهم بالمجتمع، وبالسلطة السياسية وبسلطة القيم.

فالتطور في المجتمعات عبر التاريخ مرهون دائما بالتشكيل الحاسم والجديد للمفهوم الجديد للحياة. ما دام هذا التشكيل لم يحدث، وما دام هذا المفهوم الجديد لم يبتكر فإنه من المستحيل أن يولد الإنسان الجديد ونظام الحكم الجديد معا. فالسائد في مجتمعاتنا، هو النسخ عن المفهوم التقليدي والنموذج المستورد بأشكال مختلفة، وبأقنعة متنوعة.

وهكذا، فما دام هذا النموذج لم يزل من داخل وعي الناس بصفة نهائية، فإن ذلك سيؤدي حتما إلى إعادة إنتاجه بصور شتى، وأحيانا بقناع لغة تهويمنا بالتقدم الزائف.

أتفق هنا تمام الاتفاق مع الفكرة التي تؤكد بأن إنشاء مفهوم جديد لثقافة وسياسة واقتصاد، وكذلك لعلاقات اجتماعية حديثة في أي مجتمع يفترض مسبقا إدراك تفاصيل المفاهيم السائدة والمتخلفة ثم العمل بمنهجية علمية وبشجاعة وتخطيط لتغيير ذلك المفهوم، فالمجتمع الجزائري المعاصر، مثلا، لم يستطع على مدى أكثر من نصف قرن أن يشكل مفهوما جديدا للثقافة، وبسبب ذلك فإن المحاولات الارتجالية لم تفعل سوى إعادة إفراز المفهوم والصيغ التقليدية للمجتمع وللثقافة بما في ذلك الثقافة السياسية. وفي الأخير قد تم استبدال الوطنية الحقيقية بالوطنية الذهنية الشكلية.

ها نحن الآن نحصد الثمار المرة لعدم تطبيق مخططات علمية في مجال بناء الإنسان؛ وهكذا أصبح الفقر الاقتصادي، والفقر الفكري، والفقر السياسي، والفقر الأخلاقي في المجتمع سيد الموقف، وبسبب ذلك فقد عم أيضا الفقر في مجال الأخلاقيات الوطنية.

ونظرا لكل ما تقدم، فإن التغيير المنشود ينبغي أن يتجاوز الشكليات، وأن يمس جوهر الأشياء وفي المقدمة الوعي والثقافة وأشكال التنظيم الاجتماعي المؤسس على وازع الثقة والاحترام للفرد وللجماعات.

إذن، إن التحرير ينبغي أن لا يختصر بارتجالية في بعض الإصلاحات المادية، رغم ضرورتها، بل يجب أن يمس عمق الأشياء وفي المقدمة الإنسان باعتباره الرأسمال الحقيقي في أي مجتمع إنساني.














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 08-Jun-2011, 09:57 AM   رقم المشاركة : 164
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!


حزيران.. هزيمة عصية على النسيان!





طلال قديح



كان يوما أسود في تاريخ العرب المعاصر، يوما مليئا بالأحزان، لكثرة ما سفك فيه من دماء، وما أسفر عنه من شهداء ضحوا دفاعا عن الأوطان في وجه قوى البغي والطغيان وعصابات الظلم والعدوان.

ومن منا ينسى ذلك اليوم المشؤوم الذي قاسينا فيه كل أنواع الهموم وتجرعنا فيه ماهو أشد من السموم؟!.. أصابنا الغم والوجوم خاصة وأننا كنا نعتقد أن العرب قادرون آنذاك على تحقيق المعجزات اعتمادا على ما كانت تبثه الإذاعات..

صحونا في الخامس من حزيران على حرب شرسة شنتها إسرائيل بينما كنا نغط في نوم عميق ننعم بأحلام وردية عن قوتنا وأننا قادرون على تحقيق النصر.. ولكن يا للهول! ويا للفاجعة! أخذنا على حين غرّة وكانت الهزيمة النكراء والفاجعة العمياء..

غزت إسرائيل ثلاث دول عربية في حرب خاطفة واحتلت أراضي واسعة ومساحات شاسعة مع كل فلسطين وأحرقت الأخضر واليابس وأهلكت الزرع والضرع.. وما كانت إسرائيل تحلم بهذا النصر الذي تحقق بأسرع وقت ممكن لم تتخيله أو تحلم به! وفي المقابل كانت الهزيمة قاسية على الشعب العربي، أذهلته وأصابت آماله وأحلامه في مقتل.

كم كنا نتغنى بالنصر! ونمني أنفسنا بالعودة إلى فلسطين أرض الآباء والأجداد.. فإذا بنا نفقد القدس وكل الضفة الغربية وقطاع غزة، وندفع ثمنا باهظا من دماء الشيوخ والأطفال والنساء. وتهجّر إسرائيل عشرات الآلاف لينزحوا للمرة الثانية خارج وطنهم فلسطين، يقاسون اللأواء في الصيف والشتاء، في خيام أشبه ما تكون بالعراء.

إن الشعب العربي كله من الشام إلى مصر إلى السودان ومن المغرب العربي إلى العراق إلى السعودية والخليج واليمن وعُمان.. هبّّ ثائرا يستنكر الحرب والعدوان، ويأنف من الذل والهوان الذي لم يسمع بمثله عبر الزمان.

الله أكبر.. أين أمة الأمجاد والبطولات؟! أهل الصولات والجولات.. أهل الحمية والمروءات.. أحفاد علي وخالد وعمر وأبي عبيدة الأماجد.

إنها ذكرى تدمي القلوب وتملؤها حسرة وأسى.. فهلّا اتعظنا واستخلصنا العظات والعبر واستفدنا من أخطائنا التي كلفتنا الرجال والمال وسنوات طوال من التضحية والنضال..!

أبناء يعرب لا حياة لأمة بالذكريات بل الحياة مساع، فثبوا إلى الأهداف وَثْب مغامر لا واجف قلبا ولا مرتاع من عالج الباب العصيّ، فلم يلن ليديه حطّم جانب المصراع.

يا شباب العرب: أنتم الأمل والرجاء ، بهممكم وإرادتكم وإصراركم يتحقق النصر والرخاء الذي يتطلع إليه الأهل والآباء. سدد الله خطاكم وألهمكم الرشاد والصلاح.














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 08-Jun-2011, 10:19 AM   رقم المشاركة : 165
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!


الكرامة الانسانية والحق في الثورة





زهير الخويلدي*



"إن مهمة الثورة هي منح الوزن إلى المحبة"

استهلال: لا قيمة للإنسان في واقع الاستبداد ولا مكان للحرية في البلدان ذات المنهج الشمولي، والتركيز يكون دائما من قبل الفئة الحاكمة وزبانيتها على طرق الكسب ووسائل الربح وتحصيل الثروة، والهدف الأقصى للأنظمة الفاسدة هو المحافظة على السلطة واخضاع الأفراد بالقوة ونهب الخيرات وسلبها من العباد.

كما يعاني المجتمع الانساني عامة والعربي الاسلامي خاصة زمن العولمة نقصا فادحا في التعبيرات الايجابية عن الاحترام للذات البشرية والاعتراف بالغير ومن خلع للكرامة خاصة الذين يطلبون المساعدة العاجلة والحماية الاجتماعية تواجه مطالبهم واستغاثاتهم بالإهمال واللامبالاة، وينسى الذين يتحملون المسؤولية أنهم يمكن أن يكونوا في يوم ما في مكانهم وأنهم قد يتحولوا بمفعول الزمن الى مرضى وفقراء ومتقدمين في السن وفاقدي السند ويحتاجون الى الرفق والعناية.

ربما يكون الشعور بالمهانة والغربة ومكابدته للاستغلال والظلم والاحتقار من طرف القوي للضعيف والغني للفقير وطلب المرء أن يكون عزيزا وأن يشعر بالكرامة في وطنه وبين أهله هي من أهم الأسباب التي وقفت وراء تفجر الثورة العربية، ولذلك حصل اجماع على تسميتها بثورة الكرامة والعزة.

ان التوتر الذي يبرز هاهنا يظهر بين الدين والحياة وبين الأخلاق والسياسة وبين الوسائل والغايات وبين النجاعة والقيم، وان الاشكال الذي يطرح هو شروط احترام الكرامة البشرية في مجتمع متفاوت وغير عادل. فما المقصود بالكرامة؟ وهل من المشروع حماية الكرامة بوسائل الردع والارغام؟ وكيف يمكن تثبيت الاحترام المتبادل عن طريق المعاملة العادلة للكل تجاه الكل؟ والى أي مدى يقتصر الاحترام على الأشخاص الذين يتساوون معنا في القدرات والقوى؟ وألا يجب ان نحترم أيضا من هو أقل منا في السلطة والمعرفة والثروة والدرجة الاجتماعية تقديسا للكرامة الانسانية الموجودة في كل كائن آدمي؟ وهل يجوز لنا الحديث عن سياسة الاحترام مثلما أمكن التطرق الى سياسة الكرامة؟
ماهو مطلوب بالنسبة الى الشبيبة الصاعدة ليس التنظير الى الثورة الدائمة في كل الظروف وبجميع الوسائل المتاحة بل التشريع لحق الناس في الثورة عند كل اقتضاء وضمن الوسائل المدنية والسلمية؟.

1 - مفهوم الكرامة: "من لا يُكرِم نفسه لا يُكَّرَّم".. شاع بين الناس أن الثورة تفجرت طلبا للكرامة وأن حرية الانسان وذاته مرتبطة بشعوره بعزته، ولو طلبنا من أحدهم تعريف الكرامة فإنه سيجد صعوبة ويتعثر على الرغم من أنها أقرب الأشياء اليه.

من هذا المنطلق جاء في لسان العرب أن الكرم نقيض اللؤم ويعني العتق والأصل والصفح والفضل والعظمة، والشرف والكريم اسم جامع لكل ما يحمد وصفة من صفات الله وأسمائه وهو الكثير الخير الجواد المعطي الذي لا ينفذ عطاؤه وهو الكريم المطلق، أما الكريم النسبي فهو الجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل. "والاسم منه كرامة" والرجل له مكارم وينبغي تكريمه واكرامه، ويقال: "له علي كرامة أي عزازة، واستكرم الشيء: طلبه كريما أو وجده كذلك".

ونجد في القرآن الحكيم "ألقي إلي كتاب كريم" وأيضا "وقل لهما قولا كريما"، ونجد كذلك: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، كما جاء في الحديث الشريف: "واتق كرائم أموالهم"، وربما الكرامة هي الفتح والبشارة والأمر النفيس، والكريم هو الذي يجتمع فيه العدل والعفة والجمال والحكمة والرئاسة والأدب والظرافة، فهل هذا يعني ان المسلم المتخلق بالقرآن والمتشبه بصفات الله يجوز له أن ينعت بالكرامة؟

أما لفظ الكرامة في اللاتينية فهو dignitas وفي الفرنسية هو dignité ويشتق منه الحد dignitaire ويفيد ثلاثة معان:

معنى اجتماعي: المنزلة التي يحتلها الفرد في التراتبية الاجتماعية والمحمولات والمحاسن المنجرة عن هذه الرتبة.

معنى أخلاقي: القيمة الممنوحة الى الشخص الانساني في حد ذاته بمعزل عن طباعه الفيزيائية وموقعه الاجتماعي. لقد اشار عمونيال كانط الى ضرورة معاملة الشخص كغاية وليس كوسيلة. الكرامة تمنح الانسان قيمة تخص الغاية المطلقة وتختلف عن الغايات النسبية التي تمتلك ثمنا.

معنى نفسي: الوعي الذي يستمده الفرد من قيمته الخاصة لكونه شخصا انسانيا. ان الشعور بالكرامة بكل ما فيه من تبطن وفردنة للقيمة يتعارض مع الاحساس بالمجد الذي يرجع الى المرتبة والدرجة. واذا كان المجد هو قيمة تراتبية فإن الكرامة هي قيمة مساواة وتتماهى مع الصورة التي يحملها المرء لنفسه. عندئذ تأخذ الحماسة بالبعض الى درجة التضحية بالنفس من أجل انقاذ كرامته من كل اهانة.

ان مبدأ الكرامة الانسانية عند كانط يقتضي أن نعامل الانسان على أنه غاية لذاته لا على أنه وسيلة لغيره. لكن ألا يقتضي مبدأ الكرامة البشرية الاستنجاد بمبدأ الاحترام الأخلاقي؟

2 - مفهوم الاحترام: "ان الاحترام هو طريقة في التعبير. معاملة الغير باحترام ليست أمرا بديهيا حتى مع أفضل ارادة في العالم، أن نشهد الاحترام يعني أن نجد الكلمات والتصرفات التي تسمح بأن نجعله محسوسا وأن يكون مقنعا".

تعامل الأنظمة الشمولية الناس دون احترام وذلك لإفراطها في استعمال القوة ومصادرتها لحقوق الناس وسوء التصرف في السلطة والابقاء على العلاقة الهرمية بين الحكام والمحكومين وهيمنة نزعة ميكيافيلية براغماتية على ذهنية السياسيين وتوظيف بالدين والأخلاق من أجل المصلحة.

ان قلة الاحترام التي يعمل بها المرء اليوم هي أمر مهين وجارح للمشاعر وهذه الندرة هي أمر مصطنع وغير مبرر لأن احترام الناس أمر في المتناول ولا يستحق الكثير من الجهد والتفكير بل وفاء الانسان لذاته والعودة الى انسانيته.

لقد جاء في معجم المصطلحات الفلسفية ما يلي: الاحترام هو "شعور بالتقدير والمهابة ينتاب الانسان أمام الأشخاص أو الأشياء التي تمثل قيما أخلاقية أو معنوية. وهذا الشعور يفترض الحرمة في معظم الأحيان وعدم المساس بموضوع الاحترام..".

ان لفظ الاحترام تجاوره عدة ألفاظ أخرى مثل المنزلة والوقار والاعتراف والمجد والهيبة والاعتراف، ولكن العودة الى عالم الموسيقى يبعث الى الحياة المعنى الاجتماعي للاحترام وخاصة التوازن والانسجام والتقيد بالمطلوب وأداء الوظيفة المحددة والأخذ بعين الاعتبار حاجيات الآخرين والعمل على تحقيقها على قدر الامكان وبعد تشخيص معمق ودراية تامة بالظروف المتعددة المجالات والمعايشة الوجدانية لهم.

ان الاحترام يمر عبر الالتزام بجملة من الوسائط الاتصالية من نوع القوانين والطقوس الاجتماعية ووسائل الاعلام والمعتقدات الدينية والتقاليد الثقافية والمذاهب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني. غير أن الاعتراف بالغير من حيث هو وعي بضرورة الوجود المشترك هو المعنى القانوني للاحترام.

ان احترام الآخرين ينبع من احترام الانسان لنفسه وذلك لكون الانسان يتصالح مع انسانيته ويكون انسانا من خلال اعتراف بقية الناس الذين يتواصل معهم في الفضاء العمومي والتزامه بالمبادئ الانسانية الأصيلة واحترامه كرامة الجسد باعتباره قيمة كبرى وتقديسه العمل والابداع وارادة الحياة.

رغم أن المؤهلات والفطر هي متفاوتة وغير متساوية بين البشر الا أن المرء يقدر على التميز وتحقيق التفرد وذلك بأن يعمل على اكتساب جملة من الخصال هي أولوية تقدير الذات والتطوير الشخصي والقدرة على تعلم مهارات جديدة وامتلاك المبادرة الفردية والعناية بالذات على المستوى الوجودي وكسب الاحترام من الأخرين وحسن معاملتهم واتقان درجة الامتياز في الفعل والاخلاص في القول.

"ان كرامة المهنة يمكن أن تغذي احترام الذاتلكن كيف نهذب لدى الانسان ملكة احترام كرامة الغير في عالم غير متساو وفي ظل وضع غير متسامح ومليء بالتناقضات وأشكال الظلم والاستغلال؟

3 - سياسة الاحترام: "ان الاحترام المتبادل لا يطلب من المواكبين auditeurs لقصة سوى شيء واحد وهو أن يستمعوا".. تكون الثورة حقا شرعيا بالنسبة الى الشعوب اذا ما بلغ الانتقاص من الكرامة حدا لا يمكن السكوت عنه. وتستكمل الثورة شرعيتها عندما تتم بطرق مدنية متحضرة وبأشكال نضالية سلمية مثل الاضراب والاحتجاج والمسيرات والمقاطعة والعصيان. ولكي تتم المحافظة على قيم الثورة يجب أن تبنى السياسة الرشيدة على احترام مبدأ الكرامة وعلى معاملة طيبة للناس ومساعدتهم في سبيل تحقيق آدميتهم.

ان السياسة الجديدة التي يمكن اتباعها من قبل القوى الثورية هي السياسة التي تعتمد بالأساس على الادماج والاندماج والتفاعل والتشارك والتفاوض والتنافس النزيه والاحترام المتبادل وتجمع بين الالتزام والصداقة وتعترض على الاغتراب والاستغلال وكل أشكال التي تفصل بين الانسان وغيره وانسانيته.

من هذا المنطلق ينبغي أن يحترم الفاعل الساسي مرجعياته النظرية ويجعلها موائمة مع الواقع الاجتماعي الذي يتحرك فيه. كما يجب أن يسود الاحترام بين القوى المتنافسة وأن يتم قبول قواعد اللعبة وتحييد العنف والتصادم. أضف الى ذلك يلزم أن تكون العلاقة بين الدولة والشعب وبين المركز والجهات مبنية على الثقة والاحترام والاعتراف والقسط والعدالة الاجتماعية وتوزيع متساو للسلطة والمعرفة والثروة.

ان أهم شعار رفعته الجماهير أثناء الثورة هو احترام الكرامة والعزة وعدم المساس بحقوق الناس في حياة كريمة ولذلك من المفروض أن يحصل ثورة في القاموس السياسي للناشطين وأن تتبوأ الكرامة المكانة المركزية وأن تتشكل سياسة عمومية تدور حول نقطة مركزية ذات أولوية اتيقية عاجلة هي الاحترام.

تقوم سياسة الاحترام بتفعيل تدخل دولة العناية في الحماية الاجتماعية وتوسيع دوائر العدالة ومساهمة الجماعة السياسية في رأب الصدع بين المتخاصمين وتهذيب أخلاق الأفراد وتخلصهم من الرذائل وتشجيعهم على فعل الفضائل بغية تجنب الشقاء وتحصيل السعادة وتقوى اللحمة بين أبناء الوطن الواحد.

ان الادارة السياسية هي التي تتحمل المسؤولية السياسية بخصوص الحالة الاقتصادية والثقافية للمجتمع وان مواجهة الآفات التي يتعرض اليها الجماعة السياسية والخروج بها من الأزمات هو أمر موقوف على مالكي القرار السياسي وأصحاب السيادة الذين يملكون التأثير في الأشخاص والتصرف في الموارد.

ان اخراج مفهوم الاشتراكية من الديمقراطية المباشرة نحو التسيير الديمقراطي وتخطي عتبة الديمقراطية التمثيلية نحو الفهم التعددي والنظرية الاندماجية في اطار جدلية الاعتراف والاحترام هو أمر ضروري.

"ان المشكل، في المجتمع وبتحديد أكثر في دولة العناية، هو من حيث الماهية معرفة الكيفية التي يمكن بها للأقوياء أن يمارسوا الاحترام تجاه أولئك الذين برمجوا على أن يظلوا ضعفاء"، لكن هل الا يوجد تناقض بين مفهوم الاحترام ومفهوم الثورة؟ وكيف السبيل الى التخلص من الشحنة البيروقراطية للاحترام؟ وهل يستوجب الأمر فصل السياسي عن الديني والأخلاقي أم استعاتهما؟

خاتمة:

"يصبح العرضي علامة على العبقرية وأكثر ما يكون عرضيا أكثر ما يكون أصليا وأيضا أكثر ما يكون ابداعا génial."

للشعوب الحق في الثورة عندما تحس بالضيم والظلم من طرف الأنظمة وليس من حق الحكام استعمال البطش والغطرسة من أجل انتزاع الولاء من قلوب الناس وترويض الأفراد عن طريق التخويف والقمع.

للأفراد الحق في أن يكونوا أنفسهم للمرة الأولى وفي فتح النوافذ والبحث عن أروقة مختلفة والحلم بالحرية وممارسة الحوار والتواصل والنظر بشكل مختلف الى العالم والانتصار على السائد والتسلح بالثقة والأمل. لم يكن هدف الثورة العربية الابقاء على الأماكن وتغيير الأشخاص والمحافظة على آليات التحكم وأنظمة السلطة وانما ايقاف حمى الحرب على المواقع وتفكيك البنى واحداث الصدمة والقيام بانقلاب فكري شامل.

انقاذ الكرامة من براثن الاستبداد والاعتراض على الاهانة من طرف كهنة السوق ذلك هو مطلب الشبيبة الثائرة والحل هو الاحترام التام والاعتراف المتبادل والتراسل بين الأجيال والتلاقح الثقافي بين المجموعات والشرائح والطبقات والهيئات وتمتين أواصر القربي بين الأخوة والصداقة بين المتنافسين.

لقد مثل الفايسبوك الأداة الثورية بامتياز وساعد المبحرين على استعادة كرامتهم المهدورة ومكنهم من الثأر الافتراضي ضد مراقبيهم ومن كنس السياسات الخاطئة وحراس النصوص المدلسة وأصحاب البلاغات الكاذبة والخطابات الرنانة والانتصار المجازي على الحقائق المتكلسة والأمكنة الثابتة والملابس الجاهزة.

لقد جعلت الثورة المجتمعات العربية تسير بخطوات ثابتة في الطريق المفضي الى العصر الديمقراطي ودفعت الى القطع مع النمط القروسطي في الحكم والايمان بشكل راسخ بحقوق المواطنة والمشاركة.

ان الانتصار الى الكرامة من قبل الشرائح الثائرة هو مصالحة مع مبادئ الاسلام السمحة وانتصار الى التراث النضالي والصفحات النيرة من الثقافة العربية وترجمة للقيم الكونية التي جادت بها لغة الضاد على العالم. "ولقد ذهب الاسلام في احترام حرية الانسان وفي احترام وكالته عن نفسه أمام الله تأكيدا لكرامته الانسانية الى حد الغاء أي وساطة بين الله والانسان ، فلا سلطة لأي مرجعية على ايمان الفرد سوى سلطته على نفسه في الدنيا وسلطة الله عليه في الدنيا وفي الآخرة، ثوابا أو عقابا."

لكن هل العرب والمسلمون هم مثلما ترى النظرة الاستشراقية أمة معادية للثورة الديمقراطية والسياسة التعددية والعقلية الاختلافية بالضرورة؟ وهل هم متناقضين بالفعل مع السلم والتعايش ويتميزون بالعنف والجنوح الى العدوان بالطبع؟ وكيف نعمل من أجل تقوية الأخلاقيات المشتركة وابراز القيم الروحية؟.

_____
المراجع

- ابن المنظور، لسان العرب، المجلد الخامس، تحقيق يوسف الخياط، دار الجيل بيروت، طبعة 1988.

- عبده الحلو، معجم المصطلحات الفلسفية، المركز التربوي للبحوث والانماء، مكتبة لبنان، بيروت، الطبعة الأولى، 1994

- محمد السماك ، الكرامة الانسانية في المفهوم الاسلامي، مجلة التسامح، عُمَان، عدد28 – خريف 2009،

Anne-Marie Roviello, les intellectuels modernes, colloque Hannah Arendt, éditions Payot & Rivages, 1989,

Christian Godin, Dictionnaire de philosophie, Fayard éditions du temps, 2004

Richard Sennett , respect, de la dignité de l’homme dans un monde d’inégalité, éditions Albin Michel, Paris,2003 .

* كاتب فلسفي














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
التائه, العربي

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الخط العربي ... بين ماض متجذر ... و حاضر متغير أبو خيثمة الوثائق والمخطوطات 9 29-Apr-2011 02:55 PM
أزمة النهضة العربيَّة وحرب الأفكار.. قراءات في الخطاب العربي المعاصر النسر المكتبة التاريخية 4 30-Dec-2010 09:50 AM
المصادرة و التكلفة من أبرز عيوب النشر في العالم العربي أبو خيثمة المكتبة التاريخية 0 24-Dec-2010 02:49 PM
الخط العربي في شمال أفريقيا أبو خيثمة الوثائق والمخطوطات 2 15-Dec-2010 10:30 PM
تكامل قوى المقاومة وحركة التحرر العربية النسر التاريخ الحديث والمعاصر 2 26-Apr-2010 01:42 PM


الساعة الآن 03:38 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع