« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: الله جل جلاله : يخاطب اهل الشام "الله الناصر" الله اکبر الله اکبر الله اکبر (آخر رد :ابن تيمية)       :: مقال ( همسات في قلوب الفتيات ) كلمات ونصائح رائعة جدا جدا (آخر رد :الأيام)       :: كيف تختار ديكور منزلك بعناية (آخر رد :الهام شاهيين)       :: ديكورات مميزة لتجهيز جميع غرف المنزل (آخر رد :الهام شاهيين)       :: ما هو الدواء الفعال والآمن للحامل عند إصابتها بالأنفلونزا؟ (آخر رد :الهام شاهيين)       :: مساعدة ضروري (آخر رد :بيسان محمد)       :: برنامج SMS Suite 1.0للرسائل المجانية (آخر رد :الهام شاهيين)       :: نسب الكلدان و السريان و الاكراد؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ (آخر رد :عاد إرم)       :: تحميل اقوى اصدار لبرنامج vEmotion مجانا (آخر رد :الهام شاهيين)       :: حمل برنامج RogueKiller 7.4.4مجانا (آخر رد :الهام شاهيين)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> التاريخ الحديث والمعاصر



العربي التائه!

التاريخ الحديث والمعاصر


إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 10-Feb-2011, 10:26 AM   رقم المشاركة : 16
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!

الغد الآتي وأعياد المضطهدين





بسام الهلسه:

تعلَّم العرب اللهجة التونسية بسرعة استثنائية. وهذا طبيعي لمن لم ينسوا أننا شعوب أمة واحدة تجمعها الآلام والآمال برغم اختلاف الظروف واللهجات. وصارت الثورة مرجعية لكل من يتحدث عن التغيير، بعدما تبين أن أصغر مطلب من مطالب الشعب لا يمكن تحقيقه إلا بالثورة، ما دامت الطبقات الحاكمة والمالكة في البلاد العربية سادرة في غيها لا يعنيها إلا تعزيز تحكمها في الشعوب وتكديس الثروات بشرهٍ وصفاقة.

لم يعد السؤال عن ضرورة التغيير الوطني الديمقراطي وأولويته مطروحاً. السؤال المطروح الآن هو: من التالي؟ والجواب عليه يشير إلى الجميع: جميع الذين تحكموا في العباد وأفسدوا في البلاد، الذين يتحسس كل منهم الآن كرسيه ويفكر بالملاذ الذي سيلجأ إليه. لا وقت لدينا للشماتة بهم! يحق لهم أن يفزعوا بعدما اكتشفوا متأخرين أن العلاقات التي بنوها وحرصوا كثيرا عليها مع الولايات المتحدة والغرب و"إسرائيل"، لا تنفعهم ساعة انفجار غضب الشعوب وأوان حسابها.

لطالما استخفوا بهذه الشعوب وتعاملوا معها باستعلاء واحتقار وكأنها غير موجودة، وها هي تفصح عن ذاتها وتعلن حضورها بشكل يجبرهم على اتباع إحدى طريقين لا ثالث لهما: إما الاستجابة طوعاً لإرادة الشعوب ومطالبها، وإما الإذعان لها كرهاً وهم صاغرون.

ما يعنينا ويشغلنا الآن كعرب، هو البحث في التغيير المنشود، وصياغته في أفكار وبرامج ومؤسسسات تضعه في خدمة الطبقات الشعبية ولفائدتها، بحيث لا تسرقه العناصر والفئات النخبوية وتجيِّره لمصالحها الفئوية الأنانية الخاصة. وما من ضمانة سوى الجماهير نفسها التي تنتظم في إطارات ولجان شعبية تشمل المناطق والأحياء ومراكز العمل، وتتولى إدارة شؤون الحياة كافة، وتختار ممثليها المجربين الموثوقين المعبرين عن مطالبها ومصالحها. فالشعوب كما الأفراد: لا ينبغي أن تخدع مرتين..

الآن، وقد قال شعب مصر كلمته، تأكد جميع المعنيين- أصدقاء وأعداء على السواء- أن لا مردَّ للتغيير. ولكن ما يجب الحذر منه والانتباه إليه، هو محاولات الولايات المتحدة التدخل فيه بأمل أن يأتي بجماعتها، أو أن لا يتوجه ضدها وضد ربيبتها "إسرائيل".

وهذا فقط هو ما يفسر انقلابها على حلفائها السابقين الذين تخلت عنهم -فقط- حينما تأكدت من عجزهم وتداعيهم. ولا غرابة في الأمر، ففي عالم السياسة، لا محل للحب والكره، فهما متقلبان مع القلوب، والثابت الوحيد فقط هو: المصالح. وما من شك أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" قد تلقتا ضربة قوية بخسارتهما مصر أقوى أعوانهما في المنطقة. خسارة تذكرنا بخسارتهما إيران يوم أسقطت ثورتها الشاهنشاه وعرشه الطاووسي. وربما تفوقها في الأهمية بالنظر إلى دور ومكانة مصر كدولة مركزية ذات تأثير كبير: عربياً، وأوسطياً، وإسلامياً، وافريقياً.

قيل عن الثورات بأنها "أعياد المُضطهَدين" وكذلك هي، برغم الآلام التي ترافقها. لكنها آلام المخاض والولادة الجديدة المُشرقة للشعوب والاُمم، وهي لا تقارن بآلام النزع الأخير وحشرجة احتضار الطبقات الحاكمة الآفلة.

تحية لصانعي التغيير، وللثورة: القابِلة المبشرة بغدِ العرب الآتي.














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 12-Feb-2011, 11:04 AM   رقم المشاركة : 17
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!

احتجاجات من أجل الإصلاح أم ثورة؟ 1/3





أزراج عمر

كيف نفهم الاحتجاجات التي تحدث الآن في بعض بلداننا؟ وهل تبشر حقا بمرحلة من الوعي الجديد والثقافة الجديدة، والفكر السياسي الجديد، أم أنها مجرد حركات إصلاحية ضمن النسق الثقافي- السياسي القديم؟ وهل نحن فعلا أمام "أبواب عصر مهم، عصر من التخمر عندما يتقدم الفكر قفزة فإنه يتعالى على شكله السابق ويتخذ له شكلا جديدا"، كما قال يوما المفكر الألماني هيجل في عام 1806م؟ ثم هل نحن نشهد كما رأى هذا المفكر نفسه أن "مجمل التصورات والمفاهيم والروابط التي تربط عالمنا تنحل وتتلاشى"؟ وهل يمكن أن تتمخض هذه الاحتجاجات والتمردات على أنظمة الحكم ببلداننا عن "مرحلة ذهنية جديدة"؟ ثم هل الحكم المستشري ببلداننا حالة طارئة بعكس التيار، أم أنه نتاج طبيعي لغياب ثقافة تداول الحكم الجماعي المؤسس على الأفكار والمؤسسات الديمقراطية في هذه المجتمعات؟ وهل يمكن الانتقال من مرحلة الاستبداد السياسي بدون القضاء على الاستبداد الثقافي، والفكــري والديكتاتورية القائمة في بنية العائلة والشلــة،
أو العصابة؟

إلى جانب هذه الأسئلة المطروحة لا بد من طرح أسئلة أخرى مثل: هل الديكتاتورية والاستبداد ظاهرة فردية تتمثل في هذا الرئيس أو ذاك الجنرال، أم أن الديكتاتورية تكون موجودة أولا في البنية الفكرية والثقافية والسلوكية في المجتمع ثم يأتي الفرد الديكتاتور ليعبر عنها ويمارسها ومعه أتباع وبواسطة أجهزة؟
أعتقد أن العمل في إطار هذه الأسئلة وبذل الجهد في تحليل واقع مجتمعاتنا يمكن أن يساعدا في تطوير النقاش حول قضية الديمقراطية من جهة، وفي فهم حقيقة هذه المجتمعات وطبيعة ما يسمى في الفكر السياسي بالحكوماتية، أي إدارة الحكم فيها من جهة أخرى.

خلفية تاريخية معاصرة

قبل إجراء النقاش على ضوء سلسلة الأسئلة المطروحة سابقا لا بد من إشارة موجزة إلى الخلفية المتعلقة بمرحلة الانتقال من عصر الاستعمار العسكري لبلداننا إلى مرحلة الاستقلال التي مضى عليها حتى الآن أكثر من نصف قرن. فالمنطلق هو أن ما يدعى بمرحلة ما بعد الكولونيالية في بلداننا قد أسفرت عن مجموعة من النتائج السلبية كانت وما تزال تلعب أدوارا مفصلية في كبح وكبت وتأجيل عملية صنع الديمقراطية في مجتمعاتنا منها:

1 - عدم انفصال موحلة الاستقلال عن موروث الاستعمار سواء في مجال الخيار الاقتصادي والبنية السياسية والإدارية، أو في مجال تفصيل المؤسسات. وبهذا الخصوص فإن النموذج الاستعماري هو القائم والمعمول به في مجتمعاتنا.

إنه ينبغي أن يكون الأمر واضحا بشأن هذا النموذج الذي عملت به الدول الاستعمارية المركزية في داخل مجتمعاتها، بل إنه النموذج المغاير الذي طبقته في مستعمراتها والمعروف بأنه كان قائما على قمع الحريات والاستقلال والاضطهاد والقتل، وغيرها من الممارسات المعادية لحقوق الإنسان.

وهكذا فإنه يجب التذكير بأن الأنظمة الحاكمة ببلداننا في مرحلة ما يدعى بالاستقلال قد استنسخت النموذج الكلّي الكولونيالي من حيث الشكل ومن حيث المضمون معا. ومن هنا فإن هذا الجذر التاريخي لا يمكن فصله بطريقة ساذجة عما يحدث في بلداننا من إعاقة للبناء الاجتماعي الجديد على أساس الحرية والديمقراطية.

2 - النكوص إلى الثقافة التقليدية المتخلفة باسم الأصالة واستعادة الهوية مع التركيز على العناصر المكبلة للتقدم؛ وهكذا حدث في مجتمعاتنا ما لا تحمد عقباه، وتجاور وتعاون وتكامل النموذج الكولونيالي مع الإرث المحلي "الوطني" التقليدي المعادي للحداثة، السياسية والاجتماعية بما في ذلك حداثة الإنسان، الأمر الذي شكل مسخا مشوها ومعقدا.

إننا نجد هذا الإرث التقليدي المتخلف في بنية العائلة وفي المناهج التربوية، وفي مفهوم السلطة وممارساتها اللذين يستلهمان بوعي أو بلا وعي تبعية الرعية على نحو مطلق للحاكم، أو وليّ الأمر.

3 - تضييع الوقت لسنوات طويلة في استيراد نماذج التنمية الاقتصادية بدون فهم لها ولشروطها الثقافية والنفسية التي أقرتها في المجتمعات التي تملك خصوصيات وواقعا مختلفا كل الاختلاف عن بلداننا، وفي عمق هذه المسألة الخطيرة جدا التجييش الأيديولوجي السطحي لتسويغ التصنيع على أساس تقليد الغرب، كرهان أوحد لتجاوز التخلف، علما أن عمليات التسويغ التي مورست لم تتزامن بأي شكل من الأشكال مع بناء الثقافة التي تهيئ المناخ للتخلص من الأشكال ما قبل التكنولوجية في مجتمعاتنا.

لا شك أن المفكر الألماني الأصل هربرت ماركوز قد انتبه في فترة تعود إلى ما قبل انفجار الحركات الطلابية في الغرب إلى خطورة هذه المشكلة في عمق مجتمعات العالم الثالث وفي الهند ومصر على نحو نموذجي. وبهذا الخصوص قال: "إن هذه البلدان قد شرعت بصيرورة التصنيع بينما سكانها غير مهيئين للإنتاجية التكنولوجية، والفاعلية التكنولوجية وللعقلانية التكنولوجية التي هي قوى المجتمع للحركة".

أعتقد أن هذه العوامل الثلاثة جديرة بالتأمل والتحليل على ضوء معطيات واقعنا منذ انتهاء الشكل الكلاسيكي للاستعمار في بعض بلداننا.

إنه ينبغي أيضا دراسة الجذور الثقافية التراثية المعاصرة التي جعلت مرحلة الكفاح المسلح ضد جيوش الاحتلال تستمر في مجتمعاتنا المستقلة في شكل أجهزة شرطة ومخابرات وجيوش حاكمة ومحتكرة للشأن السياسي سواء بشكل مباشر، أو بشكل غير مباشر، كأن تختفي مثلا خلف شخصية الزعيم الحاكم، أو وراء الحزب الواحد، أو التعددية الحزبية المصطنعة والشكلية المفرّغة من محتواها الديمقراطي في العمق الشعبي، وفي علاقة أجهزة الحكم بهذا العمق.

في كل هذا الوضع الذي ما يزال مستمرا فإن "مجمل التصورات والمفاهيم والروابط التي تربط مجتمعاتنا بالتخلف وأشكال الحكم التعسفي والاستبدادي ما تزال هي أيضا قائمة وسائدة". ونظرا لذلك فإن أطروحة هيجل المتفائلة في عام 1806 لم تتحقق في بلداننا، ويبدو بأن الأمل في إنجازها يلفه الضباب على المدى القريب والمتوسط.

معركة خبز أم معركة ديمقراطية؟

لا أحد يمكن أن يقنع زميله بأن المعركة الآن في مجتمعاتنا متطابقة جوهريا مع المعركة في المجتمعات ما بعد الصناعية وما بعد الحداثية في القطب الغربي الأكثر تطور، أو في القطب الآسيوي المدعو بالأعجوبة الاقتصادية والتكنولوجية. فالفرق يتمثل في مسائل محددة منها أنها في فضاءاتنا ما نزال محكومين بالجهل والأمية، وبالتخلف الديني، والثقافي والمعرفي، وأننا شعوب تبحث عن الرغيف والسكن، والأوليات التي تبدو مجتمعة وبعيدة المنال. وعلى الصعيد الأمني البحت فإننا نتحرّك في أقفاص معدة سلفا، ولا يسمح لنا بمغادرتها إلا للدخول في أقفاص بديلة لا تقل ضيقا وقسوة عن الأولى.

في هذا المناخ فإنه من الصعب بمكان أن تبنى الأفكار، والمفاهيم، والتصورات الديمقراطية بسهولة. فالتعددية الحزبية المسموح بها عندنا هي من أجل امتصاص الإحباطات المختلفة، ولجعلها مطابقة تماما في الشكل والمحتوى لتشظي صراعات الطوائف الدينيـة والعشائرية والقبلية والشللية، وإعادة إنتاجها في السياسة بداخل مجتمعاتنا.

وهنا نستدرك ونفتح فضاء للحوار حول ماهية الديمقراطية كما هي معرفة على الأقل في الإنجازات الفكرية الحديثة والمعاصرة وعلى صعيد النظرية، وبعض التطبيقات القليلة جدا.

لكي نبدأ في غرس بذرة الديمقراطية هناك شرط أولي، بدونه تموت هذه البذرة في المهد.. تتأسس الديمقراطية على مجتمع يعترف بالذاتيات الحرة غير المكبلة بالحاجة المادية، وبالوصاية السياسية، والتبعية لهذا النمط المفروض من القيم والأفكار، والمعتقدات فرضا سواء بواسطة الموروث، أو العائلة، أو بواسطة الأجهزة الأيديولوجية العنيفة، أو الناعمة. عندما تخلق كل ذات تاريخها الخاص بها وتحدد مصيرها الخاص بها بحرية كاملة؛ عندئذ فقط يبدأ مشروع الديمقراطية في التبلور والنمو الطبيعي. في هذا الوقت بالذات، وفي إطار هذا الشرط وحده نتمكن من الشروع في بناء مجتمعات الذوات المتحررة والمحررة، وليس الأفراد المنضوين في المجتمع النمطي الدوغمائي.

وهكذا فإن السؤال الذي ينهض هنا هو ما هو السبيل إلى تحقيق مشروع بناء الذوات الحرة في أوطاننا؟ ثم ينبغي أن نفتح الحوار حول الأسباب التي تعوق مثل هذه المهمة الحقيقية والصعبة حقا والتي هي المقدمة لحل إشكالية عدم انتقال مجتمعاتنا من ثقافة الحكم الفردي، والمصلحة الفردية اللاغية للمصلحة العامة إلى مرحلة بديلة لها تقضي إلى إنشاء الثقافة الديمقراطية؟

لا شك أن المعركة من أجل المساواة والعدالة الاجتماعية والاقتصادية، وتداول الحكم والمشاركة الفعلية فيه ضرورات وشروط أساسية للبدء في تأسيس معجم ومفاهيم الديمقراطية في حياتنا اليومية. وهنا نتساءل هل بعض التجارب التي بدأت تعرفها بعض مجتمعاتنا في شكل احتجاجات ذات طابع اجتمـاعي واقتصادي في الغالب، وفي شكل تمردات قصد تغيير ما يدعى عندنا بالنظام أو الأنظمة توحي بأنها بداية لتجاوز الشكل الديكتاتوري للحكم سعيا لاستبداله يشكل ديمقراطي؟ ثم ما هو المحتوى الأيديولوجي لهذا الشكل الديمقراطي الذي ترفع شعاراته المظاهرات الجارية الآن في العديد من بلداننا؟ هل نتحدث هنا عن الديمقراطية الليبرالية الغربية المنشأ فكريا وتجربة اقتصادية، وشكلا سياسيا أم أننا نتحدث عن شكل مختلف للديمقراطية؟ وما هي عناصرها المكونة لها، وأين نجدها في البنية الثقافية والاجتماعية في بلداننا سواء في تجاربها التاريخية القديمـة أو الحديثة أو في حاضرها الآن الذي تتحكم فيه أنماط معقدة من أشكال الديكتاتورية؟ هذا ما سأناقشُه في الأسبوع القادم..














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 15-Feb-2011, 11:02 AM   رقم المشاركة : 18
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!

بدايات خاطئة لا بد من تصحيحها





أزراج عمر

لقد انصب العمل السياسي ببلداننا بعد حصولها على الاستقلال مباشرة على بناء الأنظمة السياسية كيفما اتفق، وكان ذلك بهدف تأسيس ما يدعى عندنا بالدولة. وفي الحقيقة فإن هذه الخطوة كانت تقصد من حيث الجوهر بناء الحكومات وليس الدولة لأن ثمة فرقا كبيرا بين مفهوم الحكومات ومفهوم الدول، وهنا وقعنا في الانزلاق.

إنه كان حريا أن يبدأ العمل في بناء المجتمع بكل خصائصه وأعمدته المركزية. لننظر إلى تجربة الصين لكي نفهمها ونعقل منجزاتها. ففي الصين الشعبية كان البدء في بناء الأسرة على أساس يجمع ما بين التقاليد الإيجابية ومنجزات وثمار الحداثة باعتبارها من ممتلكات البشرية جمعاء حتى وإن تطورت كوعي للحرية في جغرافيات معينة في الغرب مثلا.

فالصين لم تسبق في بناء الحكومة، وإنما سبقت في وضع الأسس للأسرة باعتبارها المكون للمجتمع ولذلك فإن النتيجة التي حصدتها تتمثل في جعل الدولة امتدادا سلسا للمجتمع. وهكذا فإن التوزيع العقلاني والعادل للسلطة بداخل الأسرة هو الذي أدى إلى توزيع عقلاني للسلطة في المجتمع ككل، وعلى مستوى الدولة. ففي بلداننا لم يحصل هذا ولذلك فإن النتيجة تتمثل بشكل دراماتيكي في بقائنا ندور في فلك الفردية المغلقة، وفي "نفخ" الفرد من حيث الكم ليصبح إما عشيرة أو قبيلة، أو طائفة، أوشلة.

وهكذا تحولت هذه الظواهر إلى حكومة، أو إلى حزب، أو إلى عصابة متعصبة، ونخبوية رافضة لتقاسم المهام، أو الشراكة في إدارة المجتمع بذهنية توافقية وجماعية.

أعتقد بأن الفكر العربي ومنه الفكر السياسي في حاجة إلى إعادة النظر جذريا وتغييره تغييرا جديا وحاسما. أما وجه القصور في هذا العقل السياسي العربي الذي نكاد نقول عنه بأنه شبه عاطل، فيبدو في إعطاء الأسبقية للنموذج الرأسمالي على حساب النموذج الإفريقي- الآسيوي في الإنتاج وتقرير مصير علاقات الإنتاج، وجراء هذا فإننا نشاهد اليوم بروز ظواهر الأنانية، والاستغلال، والرشوة والاقتتال الرمزي على المصلحة الشخصية مما طمس الوازع الوطني جملة وتفصيلا.

على المستوى الثقافي فإن الانحراف لا يقل من حيث القـوة والتداعيات سلبية في بلداننا. إنه تم التركيز على الإحياء الثقافي السطحي، والفلكلوري بتشجيع العناصر الثقافية الأسطورية والخرافية والغيبية وشتى الذهنيات الإقطاعية، وهذا توجه نكوصي وعودة إلى الذات القديمة باسم شعار الأصالة والهوية. وأكثر من ذلك فإنه لم يتحقق القضاء على كافة معطيات وأشكال الأمية الحرفية، والمهنية والصناعية، والقانونية والأخلاقية والاجتماعية والتنظيمية كما أننا لم نبن الفرد الحر ضمن خلية الأسرة. وبالعكس تماما فقد حصر مفهوم هذه الأمية حصرا عنيفا وشعاريا فقط في معرفة الحروف الهجائية، علما أن الأمية المدعوة بالحرفية ذاتها لم تخضع لإعمال الفكر والتخطيط الزمني والعلمي، وللتجربة الميدانية، ولم تحول إلى قضية وطنية، أو إلى رهان حياة حضاري.

على أية حال فإن أبعاد قضية العقل السياسي العربي المعاصر لا يمكن إدراكها والنظر إليها وتحليلها بمعزل عن السلطة المتخلفة المادية والرمزية الطاغية للتراث، ولظاهرة الاستعمار الجديد، ومؤثراته في مجتمعاتنا، وأرى بأن هذه المسائل في حاجة وبالضرورة إلى دراسة وعلاج مستمرين. وفي هذا الإطار فإنه من المستعجل أن نعيد النظر في هذه الأخطاء الكبيرة المرتكبة منذ بدايات الاستقلال إلى يومنا هذا، ونعمل وفق خطة علمية لانجاز مشروع مجتمع جديد يقوم على الشروط العلمية حيث ينبغي أن يكون بناء الإنسان الجديد في الصدارة.

كيف يمكن أن يتم ذلك؟ في تقديري إن الإجابة عن هذا السؤال هي قضية القضايا وجوهر التحول المنشود. إنه بدون صياغة هذا الإنسان المتطور عقلا وسلوكا وعواطف فإن تحقيق المشاريع النهضوية تظل مجرد أوهام وأضغاث أحلام. فالمفكر الجزائري قد دعا مرارا وتكرارا إلى بناء الإنسان الفاعل. وهكذا فإن الفاعلية هي شرط أساسي للتقدم.














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 21-Feb-2011, 09:38 AM   رقم المشاركة : 19
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!

شباب اكتشفوا الطريق.. واخترعوا الوسيلة!





جواد البشيتي

وكأنَّنا في دولة قومية عربية واحدة، انهارت وسقطت حكومتها المركزية، فشرعت الأجزاء والأطراف من إقليمها الواسع المترامي الأطراف، تنضمُّ إلى المركز، سقوطاً وانتصاراً؛ فهل بقي من مشكِّكٍ متشكِّكٍ في وجود الأمَّة العربية الواحدة؟!

حتى هُمْ "وعلى كثرتهم، وتخاصمهم الذي مداره أمور وقضايا وزنها من أوزانهم" أقاموا الدليل على أنَّهم الواحد وقد تعدَّد؛ فإنَّهم، وعَبْر وزراء الداخلية في لقاءاتهم "الأُسَريَّة" الكثيرة والمنتظَمة، أعَدُّوا ليومهم الأسود، الذي دشَّنه عزرائيل الخاص بهم، أي الشاب التونسي محمد البوعزيزي، الخُطَط "الأمنية" المختلفة؛ وأحسب أنَّ الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى مدعو الآن، وإذا ما أراد التكفير عن بعضٍ من ذنوبه، إلى أنْ يكشف للشعوب العربية تلك الخُطَط، التي تواضع عليها وزراء الداخلية العرب في اجتماعاتهم التي عقدوها في بيته "مقر الجامعة" وفي رعايته؛ وإلاَّ ما تفسير وتعليل هذا التماثل في أساليب وطرائق تصدِّيهم لثورات شعوبهم؟!

كانت مصر، بقاهرتها، عاصمتهم، فإذا بها تغدو "أي تعود إلى ما كانت، أي إلى ما يجب أنْ تكون" عاصمة الشعوب العربية وثوراتها الديمقراطية والقومية؛ وإنَّه لفَتْحٌ عظيم، لا يشبهه عظمةً إلاَّ فَتْحُ مكَّة، التي إليها جاء الحقُّ، وفيها زَهَقَ الباطل، وسقطت أصنامها صنماً بعد صنمٍ، بدءاً بصنمها الأكبر "هُبَل""...".

ما الذي تغيَّر حتى أصبح خَلْع الطغاة سهلاً يسيراً كخلع أسنان مَنْخورَةً بالسُّوس؟ من قبل، كان الخوف "الشعبي من الحاكم المستبد الأوتوقراطي" جداراً صلباً سميكاً عالياً، مع أنَّه بُنِيَ من حجارة من الأوهام، التي تضافر الحاكم والشعب على صُنْعِها.

وهذا الجدار هو وحده ما جعلَّ حُكَّامنا في بروج مشيَّدة، فلا يُدْرِكهم موت سياسي. من قبل "وَلْتَتَذكَّروا في هذا الصدد حمص وحماة" كان يكفي أنْ يُطْلِق "الجيش الداخلي" للحاكم النار على جَمْعٍ ثائرٍ من الشعب، فيَقْتُل "ويصيب بجراح" بضعة مواطنين حتى يدب الذُّعر والهلع في قلوب الثائرين جميعاً، فينفضُّوا ويتفرَّقوا، ويعود الشعب، من ثمَّ، لينعم بما تنعم به الأغنام في حظائرها من أمن واستقرار.

أوَّل العلاج عند الحاكم كان الكي، فإغراق الجَمْع الثائر في بحرٍ من الدم "مَنْعَاً لكرة الثلج من أن تنمو وتكبر" كان هو الأمر والقرار؛ أمَّا ما زيَّن للحاكم "المجزرة"، سلاحاً في صراعه الدائم من أجل البقاء، وجَعَله يضرب صفحاً عن نصيحة نابليون له "إنَّك تستطيع فعل كل شيء بالحراب إلاَّ جلوسك عليها"، فكان "جدار الخوف "الشعبي""، والعجز "الموضوعي" لعيون وآذان العالم عن الرؤية والسمع، وضآلة الاهتمام الديمقراطي والأخلاقي والإنساني للمجتمع الدولي بما ترتكبه أنظمة الحكم الاستبدادي والشمولي من جرائم في حقِّ شعوبها، والفساد السياسي والأخلاقي لقوى وأحزاب المعارَضة والتي أثبت بعضها أنَّه كان "وفي أوقات الضيق والشدة على وجه الخصوص" الوجه الآخر للحاكم الأوتوقراطي المستبد، الذي عَرَف كيف يجعل الحزب الحاكم حزباً للحاكم، وكيف يجعل الشعب "بسياسة ونهج "فَرِّق تَسُد"" أفراداً، توصُّلاً إلى بقاء وإدامة حُكْم الفرد الذي جَعَل لسبِّه وشتمه عقوبة أشد بكثير من عقوبة سبِّ وشتم الذات الإلهية!

شبابنا، وهُمْ "على ما أثبتوا وأكَّدوا في تونس ومصر على وجه الخصوص" خيرة شباب "القرية العالمية الكبرى"، فَكُّوا السِّحر، وفَتَكوا بالسَّحَرَة، وأتوا بما يقيم الدليل الحي والملموس على أنَّ للعولمة وجهاً ملائكياً أيضاً.

لقد حطَّموا وكسَّروا جدار الخوف، فإطلاق الرصاص على صدورهم ما عاد في مقدوره منع كرة الثلج من أنْ تنمو وتكبر؛ واكتشفوا إذ كفُّوا عن السجود، ونهضوا، أنَّ قامتهم أعلى من قامة حكَّامهم، وأنَّ الطاغية أو الفرعون هو من خَلْق شعبٍ ارتضى معيشة الغنم نمط عيشٍ له، وخشيَ صعود الجبال فظلَّ يعيش في الحُفَر.

شبابنا الثائر، كُلُّهم اليوم "إعلاميون عالميون"، نبذوا "الحديد والنار" سلاحاً، وتسلَّحوا بما هو أشدُّ فتكاً، ألا وهو "الموبايل "العظيم""، يَبُّثون عَبْره إلى العالم أجمع، وبسرعة البرق، أنباء الثورة، بالصوت والصورة؛ ويجعلون "الجريمة"، بوقائعها ومرتكبيها، مرئيةً للعالم أجمع، مُنْهِين، وإلى الأبد، ذلك الزمن الذي مكَّن القاتِل من دفن الحقيقة مع القتيل، وفي جُثَّته.

إنَّهم إعلاميون ثوريون جُدُد لحقبة إعلامية ثورية جديدة، اتَّسَعَت فيها الهوَّة بين الشعب وبين إعلاميي السلاطين الذين ديدنهم التزمير والتطبيل والندب والبكاء على الأطلال.. وحراسة النعوش والقبور والليل بالأقلام والألسن.

لقد زمَّروا وطبَّلوا كثيراً فما رقص أحد، وندبوا كثيراً فما بكى أحد، واستنفدوا الجهد والوقت والمال من أجل "تسليع" مزيدٍ من الضمائر والذمم والأفكار، ولإرغام "رأس البوصلة" على تغيير اتِّجاهها الثابت، ولاستنبات أجنحة للحمير، لعلَّها تطير؛ لكنَّهم لم يحصدوا سوى الفشل، فتراكضهم بالرؤوس والأرْجُل وراء مصالح وهمية لم يَرْوِ للجمهور، الذي جاءوا لغسل عقله، سوى قصة حُكْم الأموات للأحياء!

مأساة الصحافة التي يمثِّلون أنَّها نشأت وترعرعت في كنف "ساسة" يعتقدون أنَّ الله حباهم القدرة على جعل البشر يؤمنون بأنَّهم "رجال الحقيقة"، وقد أرْسِلوا لمحاربة "كائنات الوهم"؛ أمَّا هم، أي ذلك النمط من الصحافيين، فكانوا "وكيف لهم ألاَّ يكونوا" آذاناً صاغية، يُمْسِكون بأقلام مرتجفة، لا يخرج منها غير التسبيح، بكرة وأصيلا، بكل ما يجري على ألسنة أوليائهم، الذين لا شيء يستبدُّ بعقولهم الصغيرة سوى الرغبة في تفصيل البشر على قياس مصالحهم، وفي حَمْلِهم على الإتيان بكل ما تستحسنه وتستسيغه أهواؤهم ونزواتهم الشخصية.

إعلاميونا الجُدُد أرادوا إعلاماً جديداً، رجاله ليسوا من نمط أولئك الذين تربوا في مزارع الدواجن، عيونهم لا تبصر، وآذانهم لا تسمع، وعقولهم لا تعقل، ظاهرها فكر، وباطنها ما مكانه غير الرأس. رجالٌ طلَّقوا الأفواه المُكمَّمة، والأقلام المكسَّرة، والفكر الرمادي المغترب عن الواقع النابض بالحياة.. وكفُّوا عن تسويق "المُعلَّبات الفكرية"، التي انتهت صلاحية استهلاكها منذ زمن طويل؛ وأرادوا صحافة تبثُّ الكلمة الحيَّة، تحلُّ "الحوار" محل "الإصغاء"، و"الكتابة" محل "الإملاء"..

هل تحتاج أُمَّتنا إلى الثورة؟ أجل، تحتاج إليها؛ وإنَّنا لنَشْكُر الرئيس المخلوع حسني مبارك على تحريره لعقولنا من أوهام "الحكم الرشيد"، و"الإصلاح "السياسي والديمقراطي.."" الذي تهبه لشعوبنا أنظمة حكم أفسدها الدهر؛ فهذا المخلوع، وقبل أنْ يُخْلَع، أصرَّ على أنْ يُثبِت لنا، بالقول والفعل، أنَّ "الإصلاح" حديث خرافة يا أُم عمرو، وأنَّه لن يُخْلي المكان إلاَّ في الطريقة التي بفضلها وصل إليه وشغله زمناً طويلاً، فمن حَكَم بالقوَّة لا يذهب إلاَّ بالقوَّة.

مُذْ جاء إلى الحكم، أي مُذْ اغتصبه اغتصاباً، والحاكم العربي يتوفَّر على تهيئة وإعداد شعبه للثورة عليه؛ فإنَّه، والحقُّ يقال، عَرَف كيف يهيِّئ للبركان أسباب الثورة والانفجار؛ أمَّا الفراغ القيادي الثوري، والذي أخَّر الثورة كثيراً، فملأه شباب "الفيس بوك"، الذين اجتمعوا، على مدار الساعة، وعلى كثرتهم، في مكان هو "النِّت" وشاشة الكمبيوتر، وتحاوروا، في حرِّية تامة، وعرفوا بعضهم بعضاً، وخطَّطوا، وقرَّروا، اتَّفقوا واختلفوا، وكأنَّهم في حزب، أو في ائتلاف من الأحزاب، فأمسكوا بزمام المبادرة، وامتلكوا عنصر المفاجأة.

لماذا ثاروا، وقادوا شعوبهم إلى الثورة؟ عن هذا السؤال أجاب أحدهم قائلاً: يكفي أنْ أشعر أنَّني غير قادرٍ على أنْ أعبِّر بحرية تامة، وبلا خوف، عن كل ما في رأسي من أفكار وآراء، وعن كل ما في قلبي من مشاعر، حتى اكتشف أهمية وضرورة الثورة؛ فإنَّ كل حرِّية التعبير في عالمنا العربي لا تكفي كاتباً واحداً قرَّر أنْ يكشف للقرَّاء كل ما في رأسه من أفكار، وكل ما في قلبه من مشاعر.














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 21-Feb-2011, 09:43 AM   رقم المشاركة : 20
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!

احتجاجات أم ثورات؟ نحو بناء الثقافة الديمقراطية أولا 2/3




أزراج عمر

في الجزء الأول من هذا المقال المنشور في الأسبوع الماضي طرحت مجموعة من الأسئلة على ضوء الحركية الشعبية الاحتجاجية التي تشهدها بلداننا من المحيط إلى الخليج والتي تعارض بقوة الديكتاتورية، وتنشد الديمقراطية كمطلب شعبي، وكأسلوب لبناء مجتمعات الحرية، والمساواة، والعدالة والحداثة.

في الواقع فإن الديكتاتورية ليست مجرد ظاهرة حكم سياسي فقط وإنما هي بنية ثقافية، وذهنية، ونفسية واقتصادية معقدة ومتشابكة. وفي الوقت ذاته، فإن الديمقراطية ليست مجرد تعددية حزبية، أو إصلاحات شكلية للحكم، وإنما هي بنية فكرية، وثقافية، وسلوكية، في علاقتها العضوية بتوزيع السلطة والثروة بعدالة، فضلا عن علاقتها بتأسيس المجتمع المدني الذي ينبغي أن يكون ملهم، ومصدر الشرعية بكل أنماطها السياسية، والاجتماعية، والقانونية.

لا بد من تسليط الأضواء النقدية على مجمل العناصر التي تعوق غرس ونموالثقافة الديمقراطية في مجتمعاتنا، وفتح الآفاق التربوية بدءا من الأسرة لتحويل هذه الثقافة إلى سلوك يوجه شعور ولا شعور الناس، ويحكم العلاقة بين أفراد المجتمع من جهة، وبين هؤلاء الأفراد وبين مختلف أشكال السلطة منها آليات الحكم السياسي.

أرى أنه من الضروري إجراء مناقشة أولية حول مفهوم الديمقراطية ذاتها وكذا علاقتها بالليبرالية التي تطرح وتقدم الآن في الخطاب السياسي ببلداننا على أنها الحل الأمثل لمشكلاتنا. وينبغي هنا أن نستعين ببعض المنظرين، وبالنظريات المتطورة بخصوص الديمقراطية والليبرالية. منذ البداية فلا بد من الإقرار بأن مفهومي الديمقراطيــة والليبرالية ليسا شيئاً واحدا. كما أن الديمقراطية والليبرالية أنواع وأنماط.

وبهذا الشأن يلاحظ فرانسيس فوكوياما بأن الليبرالية "السياسة يمكن تحديدها ببساطة على أنها نظام يعترف ببعض الحقوق الفردية أوالحريات المستقلة عن رقابة الدولة". وهنا يورد فوكوياما مقترح اللورد برايس الذي يصنف الحقوق إلى "ثلاث فئات":

1" الحقوق المدنية: "الامتناع عن مراقبة المواطن فيما يتعلق بشخصه وملكيته".

2" الحقوق المدنية: "الامتناع عن الرقابة في حقل التعبير عن الآراء الدينية وممارسة العبادة.

3" وما يسميه با لحقوق السياسية: "منع الرقابة، في كل ما لا يمس مصلحة المجموعة بمجملها إلى الدرجة التي تصبح فيها "الرقابة ضرورية"، وتشمل هذه الحقوق الأساسية لحرية الصحافة. ويضيف موضحا بأن "الديمقراطية هي أيضا الحق الشمولي في الاشتراك في السلطة السياسية".

كما نرى فإن هذه التعريفات لليبرالية وللديمقراطية من وجهة نظر فوكوياما، ومفكري التقليد الليبرالي الغربي عموما تبقي عدة مسائل أساسية خارج دائرة النقاش. فالديمقراطية هي مشاركة في السلطة الاقتصادية، والوازع الثقافي على نحو يلغي كافة أشكال التفاوت الاجتماعي، والمعرفي، ويضمن حق المساواة بين الأفراد ذكورا وإناثا ومسؤولين وشرائح شعبية. كما أن الديمقراطية في صورتها الكونية ينبغي أن تكرس العدالة، واحترام الثقافات، والخيارات السياسية، وأساليب التنمية التي لا تتعارض مع أفكار التقدم والحريات، والمساواة أيضا.

في هذا السياق فإنه يلاحظ بأنه من الضروري، وخاصة في بلداننا الناشئة، فتح المناقشات شعبيا ونخبويا حول السبل التي تؤدي إلى الديمقراطية ذات الخصوصية دون أن تكون هذه الخصوصية سببا في الإخلال بمبادئ حقوق الإنسان المتعارف عليها دوليا. ولكن لا بد من الإقرار بأنه لا توجد ببلداننا حركة فكرية جدية لإرساء الثقافة الديمقراطية.

إلى جانب ذلك فإن منظوماتنا التربوية تفتقد إلى هذا التوجه الضروري نحو مشروع النهضة التي نريد صياغتها. إنه يبدو جليا بأنه بقدر ما نستورد من الخارج الآلات دون إدراك قوة الروح والفكـر والمناخ الاجتماعي والسياسي التي أبدعتها وصنعتها فإننا نستعير أيضا الهيكل العظمي الخارجي لأشكال النظم السياسية والاقتصادية دون فهم الركائز الفكرية التي أنتجتها في المجتمعات التي تستورد منها.

ويلاحظ أيضا أن معظم بلداننا من المحيط إلى الخليج منخرطة الآن بعد غسل الأيدي مما كان يسمى بالخيارات الاشتراكية والحكم المركزي، في التعددية الحزبية وانتهاج النهج الليبرالي المشوه في السياسات الاقتصادية.

في خضم هذا التحول نفتقد إلى مؤسسات وأقسام بالجامعات ومراكز الدراسات وفرق البحث التي يكون شغلها المبرمج هو التفكير في قضايا الديمقراطية وآليات الحكم التي تجسد المفاهيم في الواقع أو تتجاوزها إلى مفاهيم أخرى أكثر تعبيراً عن المشروع الخاص والمنفرد لمجتمعاتنا.

وهنا نتساءل هل يمكن أن نعزل عمليات البحث عن مفاهيمنا المتعلقة بالديمقراطية عن التجارب النظرية والتطبيقية التي عرفتها وتعرفها المجتمعات الأخرى في الغرب وغير الغرب وإذا كانت الحضارات هي نتاج المثاقفة والحوارات على أساس طاقة ذاتية خلاقة، فلماذا لم تفتح مبادرات جدية لإقامة نقاش مع الأفكار التي يزخر بها العالم المعاصر بعيدا عن التقليد الأعمى والنسخ اللاواعي؟

سأمضي مباشرة وأسأل، لماذا نرفع شعار الحوار مع الغرب مثلا دون أن يتزامن ذلك مع الممارسة الفكرية؟ إنني أطرح هذه الأسئلة بسبب الجمود المخيم على بلداننا في مجال استيعاب الأفكار وتمحيصها ثم البحث عن الذات المتميزة. فقضية الديمقراطية مطروحة فعلا وبحدة في عالمنا المعاصر بعد تفكك معظم الأنظمة السياسية الشمولية وبعد تراجع الأيديولوجيات المغلقة. ولكن الملاحظ أن النقاش حول الديمقراطية عندنا خافت على مستوى التأصيل الفكري. وبالمقابل فإننا نجد الفضاء الغربي في أوروبا الغربية وفي الولايات الأمريكية المتحدة معبأ بالاجتهادات النظرية والتطبيقية في ميادين الفكر الفلسفي السياسي، وبدور النشر ذات الطابع الشعبي والأكاديمي العلمي المتخصصة في البحث وبلورة الأفكار ووضعها على محك التجربة أيضا.

في هذا السياق نجد دار نشر "فيرصو" البريطانية تخصص سلسلة من الكتب الجادة لدراسة قضية الديمقراطية حيث يسند تأليف هذه الكتب إلى شخصيات تعد من ألمع وأعمق الشخصيات الفكرية في الغرب. إن دار فيرصو للنشر ليست وحدها في الميدان، بل هناك عشرات من دور النشر الأخرى إلى جانب مئات الندوات والمحاضرات وخلايا التفكير ذات الطابع النظري والإجرائي معا.

سأحاول هنا أن أتوقف باختصار عند مناقشة فكرية حول الليبراليـة والديمقراطية، وحول الليبرالية الاشتراكية ببعدهما الديمقراطي لدى مفكر إيطالي بارز وهو نوربيرتو بوبيو. يعد هذا المفكر واحدا من أعمق المنظرين في حقل الدراسات الديمقراطية ليس في إيطاليا فقط بل على المستوى الغربي. وتشهد كتاباته النظرية ردود فعل كثيرة من قبل الدارسين والسياسيين والمنظرين في أوروبا.

من مؤلفاته: 1" اليسار واليمين والديمقراطية، 2" الديكتاتورية: طبيعة وحدود سلطة الدولة، 3" الليبرالية والديمقراطية..

يبدأ بوبيو في التمييز بين الديمقراطية وبين الليبرالية لأن هذين المصطلحين لا يعنيان الشيء ذاته. فهما مختلفان وإن اعتاد البعض إيرادهما مقترنين. وهناك تمييز أيضا بين الليبرالية وبين الديمقراطية وفي الوقت ذاته يرى بوبيو بأن كلا من الديمقراطية والليبرالية يتبادلان الاعتماد. وبهذا الخصوص أي بخصوص التمييز بينهما يوضح: "إن العلاقة بين الاثنين جد معقدة وليست بأية حال علاقة تواصل أو هوية".

ويضيف مبرزا: "في الاستعمال الأكثر عمومية للمصطلحين الاثنين فإن الليبرالية تدل على مفهوم خاص للدولة حيث تفهم الدولة بأنها تملك سلطات ووظائف محدودة. ويعني أن هذا النمط من الدولة يختلف عن الدولة المطلقة؛ ومما يدعى في وقتنا الحاضر بالدولة الاجتماعية".

وأما مصطلح الديمقراطية فيدل على "كثير من الأشكال الممكنة للحكومة". ويوضح الفكرة بقوله بأن هذه الأشكال الممكنة من الحكم/الحكومة تستبعد وضع السلطة في فرد واحد أو بين أيدي فئة قليلة، وبالعكس فإن السلطة في شكل الدولة الديمقراطية يفترض مسبقا أن تكون لدى الجميع، وبعبارة أخرى لدى الأغلبية.

وهنا يميز بوبيوبين أشكال الدولة الديمقراطية وبين أشكال الدول الأخرى مثل الشكل الاستبدادي والملكي والأوليغارشي "حكم القلة". ويحاجج بوبيو بأن الدولة الليبرالية ليست بالضرورة ديمقراطية حقاً. هنالك أمثلة تاريخية لدول ليبرالية في مجتمعات حيث المشاركة في الحكومة كانت محصورة بصرامة عالية بين الطبقات الغنية"...".

ويؤكد بوبيو من جهة أخرى بأن هنالك مخاوف من سلطة الأغلبية التي تتحول من حين لآخر إلى استبداد وإلغاء للفرديات وللتمايزات داخل مجتمع من المجتمعات. إن هذا النموذج من الديمقراطية يفرز بداخلها تناقضا يهدد شرعيتها من الداخل، أي من داخل الوعود بتوزيع الحريات بعدالة دون التضحية بالأقلية لحساب الأغلبية. إذا كنا في البداية قد ركزنا على الفصل بين الديمقراطية وبين الليبرالية من حيث المضمون والممارسة فلا بد من الإستماع إلى المفكر الإيطالي بوبيو ليفيدنا بتمايز أخر والذي هو تمايز يتعلق بالتاريخ.

إنه يلاحظ "كنظرية للدولة وكمفتاح أيضا لتأويل التاريخ، فإن الليبرالية هي حديثة في حين أن الديمقراطية كشكل للحكم هي قديمة". ويعيدنا بوبيو إلى علم نماذج أشكال الحكم الموروثة عن الإغريق والفكر الإغريقي، وهي النماذج التي تحدد الحكم بالأكثرية أوبالأغلبية على حد تعبيره. فهو يلاحظ بأن الأهمية الوضعية للديمقراطية بقيت هي هي، أما الذي تغير فهو مضمون فكرة الديمقراطية.

بناء على ما تقدم فإن المناقشة التي ينبغي أن تتبلور وتشجع في بلداننا حول الديمقراطية والليبرالية يليق أن تتجنب الخلط بين الاثنين خلطا تعسفيا. ومن جهة أخرى فإنه ينبغي الإجابة على هذا السؤال: هل يمكن أن نبني الديمقراطية دون الليبرالية؟ أم أنه يجب أن تخضع الأخيرة لمعايير الأولى حتى نضمن عدم التفريط في محاسن الليبرالية وفي مقدمتها الحريات شرط أن لا تشتط وتتحول إلى إلغاء للجماعية في شكلها المتفتح وأن لا يلغي أيضا الأقلية أو الفردية؟ وهنا تطرح قضايا في صميم الديمقراطية كمشروع لتحرير الليبرالية نفسها من عيوبها مثل تسلط الطبقات الغنية على الثروة والسلطة، وتحويل قيمها إلى معايير مطلقة تفرض على المحكومين طبقيا وسياسيا وثقافيا وأخلاقيا.

وفقا لذلك، فإن المشروعين معا سيبقيان مفتوحين للتعديل، وهنا أيضا يجدر بنا أن نفتح الأقواس لأسئلة عديدة منها: كيف يمكن أن تتجاور ببلداننا الديمقراطية والليبرالية مع الحكم الأميري أو الملكي أو الوراثي أو العسكري؟ أليس ذلك تناقضا صارخا؟ ثم هل يمكننا أن نحقق أهداف العدالة بوسائل الليبرالية التي تقوم على الطبقية، والتفاوت الاجتماعي؟ إن هذه المسائل قي حاجة إلى نقاش جدي على ضوء الأحداث التي تشهدها بلداننا وهي الأحداث التي تطرح مشكلات وأخلاقيات الحكم وتوزيع الثروة بعدالة.













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 21-Feb-2011, 09:49 AM   رقم المشاركة : 21
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!

هناك ميادين للتحرير في جميع أوطاننا





د. عيدة المطلق قناة:

تتعرض المنطقة العربية من محيطها إلى خليجها إلى رياح عاصفة قوية.. فهذه المنطقة يجثم على صدرها أنظمة مصابة بالعقم المزمن.. وكل ممارساتها تعبر بشكل سافر عن عجزها ونكوصها.. إذ تماهت بمقولات غبية أقلها من ليس معنا فهو ضدنا.. مقولات كان من أهم متطلباتها تشديد القبضة والمبالغة لا بالتلويح بالعصا فحسب، بل باستخدامها في كل صغيرة وكبيرة..!!

ومن موقعها راحت هذه الأنظمة تراقب بعض تفاعلات حالة الغليان وكأنها تجري في المريخ.. وحين كانت تصطدم بهدير الانفجار أو ترى بعض تباشيره.. سرعان ما نراها تتخبط في عدم التصديق.. فتتصرف بارتباك وبلادة عز نظيرهما. فبعد أن عاشت على خرافة القناعة بأنها تحكم شعوباً من خارج منظومة الآدمية.. دون أن يمر في خيالها احتمالية أن ينتمي هؤلاء المحكومون لطيف من آدم.. فكيف يمكنها تصور أنه ربما يكون لديهم قابلية للغضب؟؟

أنظمة تمارس إرهاب الدولة والقمع المنظم.. وتحكم بقوانين الطوارئ.. حتى باتت ممارساتها تشكل عدوانا على كل مفردات الوطن عبر وسائل الفساد والإفساد، والمزواجة بين السلطة والثروة.. تجاوزت كل المحرمات وانتهكت الخطوط الحمراء، ونفذت وما زالت تنفذ أخطر عمليات النهب والبيع، وغيبت العدالة الاجتماعية بكل أشكالها.. ومأسست الفساد حتى أصبح هذا الفساد أكبر قوى ضاربة..

ومع ذلك ورغم انكشاف جانب من جبل المستور فإن هذه الأنظمة ما تزال تنام على حرير أوهام تسطرها تقارير البنك الدولي ومراكز البحوث الموجهة.. أوهام الاستقرار والوئام، ونسب النمو التي تفوق أعلى معدلات النمو في العالم، دون أن تعي بأن هذا الاستقرار يقوم على أجهزة قامت على تسمينها حتى تغولت على كل شيء وحجبت الرؤية حتى لا تقع عين أحد على إرهاصات الغضب والثورة الكامنة تحت الرماد..

ألم ترسم لنا تقارير البنك الدولي صورة وردية لنموذج الاستقرار والتنمية التونسي؟ فكيف نصدق تقارير هذه المؤسسات بعد الزلزالين التونسي والمصري؟!

ثورة مصر، ومن قبلها ثورة تونس، جاءت لتصفع هؤلاء بحقيقة قشرة الاستقرار المزعوم.. هذه القشرة التي فشلت في إخفاء الغضب الكامن تحتها؛ فحين جاءت اللحظة التاريخية انكشف الغطاء القشري هذا عن مخزون طافح من الغضب.. وكانت الثورة التي فاجأت أنظمة عاشت في المكان ولكن خارج الزمان..

ثورة مصر ثورة حقيقية واعية ناضجة.. متحركة عبقرية تبدع في كل يوم أدواتها وشعاراتها.. ثورة تتعمق وتترسخ يوماً بعد يوم لتستحيل على كل محاولات الالتفاف والاحتواء.. فكان من الطبيعي أن تتحرك أحلام الشعوب من المحيط إلى الخليج.. ومن الطبيعي كذكك أن نرى كل هذا الكم من الفرح الحقيقي الغامر بالإنجاز المصري العظيم.. ذاك الإنجاز المهيب الذي حرك الوعي العربي وأطلقه من عقاله.. ومن الطبيعي أن تتوالد انتفاضات على زمان عربي بائس لتصنع زماناً تستحقه هذه الأمة..!!

اليوم تبدأ مرحلة جديدة ستكون مختلفة بالضرورة.. مختلفة بأدواتها ورموزها ومقولاتها.. وهاهي مصر تعود لأمتها.. فمصر ما بعد الخامس والعشرين من يناير لن تقبل بأن يحكمها نظام يلعب دور الشرطي لنظام شرق أوسطي أمريكي- إسرائيلي..

وكذلك الأمر فإن أمتنا اليوم أمام جيل مختلف.. جيل ارتبط بالحلم وآمن بقدرته على تحقيق الحلم.. جيل يتفجر وطنية وحماسة.. انتفض على كل مقولات التسطيح والتسفيه.. وخرج على شرط الوصاية عملاقاً متحدياً مدركاً ما له وما عليه.. جيل عبقري كشف عن مصر الحقيقية.. إذ تستعيد ذاتها الحضارية ودورها الريادي ومكانتها البهية..

هذا هو الزمان العربي الجديد، زمان النهوض العربي الشامل.. زمان تتجه بوصلته إلى الأمام.. لقد ولى زمان الرئاسات المؤبدة.. وتوريث المناصب والأوطان المفروشة.. إلى غير رجعة!!

فبعد أقل من خمس سنوات على بشارة "كونداليزا رايس" بشرق أوسط جديد أرادته أن يولد من رحم الفوضى الخلاقة.. ها نحن اليوم أمام مخاض حقيقي لوطن عربي جديد يولد من رحم ثورة الشعوب..

فحين انطلقت انتفاضة تونس من سيدي بوزيد.. اكتشفنا أن هناك سيدي بوزيد في جميع أوطاننا.. واليوم وقد انتصرت ثورة مصر.. نكتشف بأن هناك ميادين للتحرير في جميع أوطاننا.














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 21-Feb-2011, 09:50 AM   رقم المشاركة : 22
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!

أبالسةٌ ومُسْتَبْلِسون





عبد الدائم السلامي

يمثِّلُ إبليسُ بالنسبة إلى المخيال الشعبيِ العربيِّ فزّاعاتٍ مُرْعبةً، إذْ لا تمرُّ ساعةٌ من ساعات المواطنِ الحياتيةِ المَريرةِ إلاّ وهو منتظرٌ مُصيبةً تحلُّ به من سماءِ إبليسَ سواءٌ في شأنه الاجتماعيِّ الدّاخليّ أو السياسيِّ الخارجيِّ.

وإذا رغبَ مواطنٌ مَّا في نومةٍ فإنّه ينامُ مرتعدًا من إبليسِه خائفًا من بطشِه، فتراه يسعى جاهِدًا إلى أن يسرقَ روحَه من وعيِه ويدخل عالَمَ النومِ وفي نفسِه شيءٌ من التمنّي بأن لا يُفْسِدَ عليه إبليسُ نومتَه.

فإذا نامَ، ظهر له إبليسُه في إهابِ مُخيفٍ وبيده عَصًا غليظةً يهوي بها على جسده البريء فيصيحُ النائمُ مذعورًا من هولِ ما رأى في المنامِ لاعِنًا النومَ وأحلامَه وما يقع بينهما من حُبٍّ مُمكنٍ، وينظر في بدنه فإذا بعلاماتِ الضّرب مرسومة فيه، فيختلط في ذهنه ألمانِ: ألَمُ الواقع وألَمُ الخيالِ، وينفتح عليه بابُ الجنونِ، ويخرج إلى الشارع هائمًا يجري يسبُّ كلَّ شيءٍ إلاَّ إبليسَه لأنّه يجري معه.
***

والظاهرُ أنّ إبليسَ العربيَّ، ولفرطِ جلوسِه على رِقابِ مواطنيه، انزاحَ باسمِه من الكائن البشريِّ إلى كائنٍ هُلاميٍّ مُسْتَشْرٍ في الفضاءِ التخيليِّ وفضاءاتِ المعيشِ اليوميِّ، يُلفيه المواطنُ بعَتَبةِ بابِ بيتِه كلّ صباحٍ، فيُحيّيه ويمضي إلى عمله وهو يتبعُه ويُحصي عليه أنفاسَه وأخطاءَه البسيطةَ، وحين يشتهي أن يجلسَ في المقهى يقبعُ بجانبه إبليسُه يترشّف معه قهوتَه من فنجالِه، وأحيانًا يدخّن معه سيجارَتَه ويكتُبُ عنه ما يقولُ من حديثٍ حتّى يُحاجِجَه به في الوقتِ المناسب، وإذا سنحت فرصةٌ لمواطنٍ أن يلتقي حبيبَتَه، يلتقيها وإبليسُه ثالِثُهما يستمع إلى غزلِه فيها وأحيانًا يزيحُه إلى النسيانِ ويحلّ هو محلَّه في فعلِ المُداعبةِ.

أمّا إذا كان المواطن مريضًا بالكتابةِ، يسهرُ ليلَه يبحث عن فكرةٍ ويُقضّي نهارَه يُطارِدُها، فإنّه ما إنْ يكتبُ لفظةً حتّى يتدخّل إبليسُه بسوطِه يرفعُه في وجه المعاني ويسوقُها إلى حيث لا يشتهي الكاتبُ.
***

ويبدو أنّ تفشّيَ حضورِ إبليسَ في المستبْلِسينَ ومزيدَ ظهورِه عبر أعوانِه في معيش هؤلاءِ، ورغبتَه في التغلغُلِ داخل خيالِ الناسِ وأجسادهم وأفعالِهم، أمورٌ بلغتْ حدًّا من امتلاءِ المواطنين العرب بصُوَرِ الأبالسةِ وما تنهضُ عليه من ألمٍ كبيرٍ حتّى أصبحَ الناسُ يرغبُون في إخراجِهم من وعيِهم ولاوعيِهم.














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 21-Feb-2011, 09:51 AM   رقم المشاركة : 23
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!

عن واقع الشباب العربي





د. عبدالعزيز المقالح

هل يمكن القول إن ما يحدث في الوطن العربي الآن من غضب شبابي، ودعوة صاخبة إلى التغيير كفيل بأن يرفع الاهتمام بهذه الشريحة الواسعة من ينابيع الفتوة إلى ما تستحقه وتتمناه، بعد عقود من الإهمال والتجاهل؟

وما لا بد من الجزم به- رداً عن هذا السؤال- أن مرحلة جديدة من الاهتمام بشباب الأمة قد بدأت، انطلاقاً من الاقتناع بأن كل جهد لا يبدأ معهم ومنهم وينتهي بهم، هو جهد ناقص إن لم يكن جهداً ضائعاً. فالشباب هذا النبع الصافي الفتيّ، هو الأمل الحقيقي، إن لم يكن في الحاضر الراهن ففي المستقبل القريب. ويصعب تصور حياة متطورة ومتقدمة في أي بلد عربي أو غير عربي دون دور كامل بشباب يشق طريقه نحو الغد بثقة واطمئنان وحب للحياة وللناس والوطن، وحتى لا تسبق القوى المعادية إليه لكي تدغدغ عواطفه، وتبعده عن هموم أمته وهويته، وعن المبادئ التي تميزه عن غيره من شباب الأمم الأخرى.

ولعل أهم ما يتميز به الشباب العربي في كل الأقطار العربية، دون استثناء، هو ذلك الإحساس بالنقاء الذي يجعل روحه صافية خالية من العقد والخلافات المذهبية والطائفية، ومن أحقاد الماضي القديم والقريب. وهو بذلك أقدر على أن يكون صمام الأمان في الخلاص المرتقب من الضغائن التي سكنت نفوس كثير من الآباء المتصارعين، على ما لم يعد بالنسبة لهذا الجيل من الشباب موضع اهتمام، أو إدراك في زمن تطور فيه كل شيء وتغير، وأصبح العمل وحده والكفاءة وحدها قيمة الإنسان الباقية والدافعة إلى بناء الحياة وإسعاد الناس، لا الشعارات ولا الخلافات السياسية التي يجترها البعض ويسعون من خلالها- عن حسن نية أو سوء نية- إلى تمزيق أواصر المواطنة والقربى، وتحويل الأقطار العربية إلى جزر متصارعة ومتنافرة، في عالم يتوحد ويتجاوز كل الخلافات اللغوية والقومية.

ومن هنا، فالشباب هو الأجدر بأن يقود حركة النهوض، وأن يعيد إلى هذه الأمة الضائعة المنهكة كرامتها وشبابها وحيويتها، وأن يبذل أقصى جهوده في بناء الدولة الحديثة القائمة على العدل والحق والمساواة.

ومن حسن حظ الوطن العربي أن ثلاثة أرباع سكانه من الشباب، على خلاف الدول الأوروبية، وغيرها من الدول المتقدمة التي تفتح أبوابها للهجرات المتلاحقة، لكي تسد العجز الذي تعاني منه في مجال ضآلة السواعد الشابة الفتية.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الفضيلة الوحيدة التي تنسب لبعض الأنظمة القمعية في الوطن العربي، أنها بعد أن سلبت كل حريات المواطنين، تركت لهم حرية واحدة، هي حرية التناسل، ولم تكن تدري أن هذه الحرية ستؤدي إلى الانتقام من الحكومات من خلال مزيد من الأفواه المطالبة بحقها في لقمة العيش أولاً، ثم بحقها في الحياة الكريمة المتساوية.

والواقع يفرض على الأنظمة العربية أن تدرك بوضوح لا يقبل اللبس، أن تجديد شباب الشعوب وإبعاد شبح الشيخوخة عنها، لا يكون إلاَّ من خلال الإيمان التام بقدرات الشباب وبما لديهم من ملكات التطوير والتغيير، ومن الاستعداد اللامحدود للتضحية. وعلى هذه الأنظمة أن تمنحه الثقة الكاملة بدلاً من أن تعمل بعضها على إفساد حياته، وتحويله إلى آلة جاهزة للتحطيم والانتقام، وركوب موجات التطرف، أو البحث عن ذاته ووجوده الإنساني في عوالم الوهم والعزلة.

*******

تأملات شعرية:

لا وقت للكلامْ
لا وقت للخصامْ
لا وقت لاسترجاع ما جرى
في سالف الأيامْ.
وعزة الله الجليل والصمدْ
أن البلاد في كبدْ.
والناس في كمدْ.














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 22-Feb-2011, 11:35 AM   رقم المشاركة : 24
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!

سقوط نظرية الهيمنة الصهوأمريكية





حسام الدجني
:

منذ نشأة الحركة الصهيونية وعينها مشرعة على شرق أوسط تكون إسرائيل أحد أهم مكوناته، واللاعب الأبرز في تحديد سياساته، وهذا ما جاء في مؤتمر بازل عام 1897 عندما تحدث تيدور هيرتزل مؤسس الحركة الصهيونية عن تصوره بقيام كومنولث شرق أوسطي، وأكد على ذلك الرئيس الإسرائيلي الحالي شمعون بيريز في كتابه الشهير: الشرق الأوسط الجديد.

وكشف عنه المحافظون الجدد في عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش في خطابه الشهير أمام الأمم المتحدة في 21 سبتمبر/أيلول 2004، فيما بات يعرف بالشرق الأوسط الكبير، حيث قادت الولايات المتحدة وإسرائيل العديد من الحروب من أجل رسم معالمه وخارطته السياسية، وحتى هذه اللحظة التي نحياها نستطيع القول بأن نظرية الهيمنة الصهيو- أمريكية سقطت في وجه أبطال المقاومة اللبنانية في حرب تموز، والمقاومة الفلسطينية في حرب الفرقان، والمقاومة العراقية، والأفغانية والباكستانية، حيث أعادت ثقافة المقاومة والممانعة في الشرق الأوسط الكرامة والعزة للشعوب العربية التي انتفضت لتزلزل أركان الحكم، وتسقط أعتى الدكتاتوريات في المنطقة، مما سيتمخض عن رياح التغيير مرحلة جديدة من العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي، الذي يؤسس لبناء شرق أوسط إسلامي منفتح على كل الحضارات والثقافات.

فالشرق الأوسط الإسلامي يعبر عن الوجه الحقيقي للمنطقة، فجل الدول التي تعيش في كنف الشرق الأوسط هي دول إسلامية، مع وجود أقليات مسيحية ويهودية وغير ذلك، وحرية المعتقد مصانة للجميع، كما هي حرية الرأي والتعبير، وهنا سيواجه الشرق الأوسط الإسلامي المشكلة الأبرز في طريقه متمثلة في دولة احتلالية وعنصرية وغير إسلامية وهي إسرائيل، ولذلك سيكون أمام إسرائيل خيار الانكماش والإنصياع لواقع المنطقة الجديد، أو أن تدخل إسرائيل في حرب شاملة وواسعة وهنا ربما تبدأ إرهاصات نهاية الدولة العبرية...

ولكن ما سبق يتوقف على مسار التغيير السياسي في المنطقة، فلربما هناك دول من الضروري أن تسقط الأنظمة الحاكمة فيها أو يتم تعديل السياسات، ولعل من أبرز الدول التي تمثل مركز ثقل سياسي وجغرافي في المنطقة هو العراق، فهو يمتلك ثروة بشرية متميزة وثروة نفطية هائلة، وكما يتحدث الخبراء أن آخر بقعة جغرافية ينضب بها النفط هي أرض العراق، أضف إلى ذلك أن محور الممانعة والمقاومة في المنطقة في حال سقط النظام السياسي في العراق يصبح يسيطر على الهلال الخصيب، وربما يساعد التقارب التركي الإيراني من تذويب التنافس المذهبي بين السنة والشيعة في هذه المرحلة الحساسة.

فالمنطقة مقبلة على تحديات كبيرة من الغرب وإسرائيل، لأن ما نتحدث عنه يمثل تهديداً للمصالح الجيو استراتيجية للغرب، ومن هنا نرى رغبة الولايات المتحدة الأمريكية ومعها العديد من الدول الغربية لاحتواء ثورات الشعوب بما يحقق مصالحها في المنطقة، وللصمود أمام تلك التحديات وتجاوزها ينبغي الإبتعاد عن الصراعات المذهبية، مقابل تبني الأفكار الراديكالية المعتدلة التي تسعى الى الاصلاح التدريجي والسلمي كوسيلة للتغيير.

نستطيع القول بأن جماعة الإخوان المسلمين نجحت في ترجمة ذلك من خلال حسن تنظيمها، وتفاعلها مع الجماهير الثائرة، وكذلك رؤيتها لشكل الدولة، كونها تطالب بدولة مدنية تحتكم لإرادة الشعب، وهذا المنهج الوسطي من شأنه أن يعم في القريب العاجل ويؤثر على سياسات الكثير من الدول.














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 28-Feb-2011, 10:15 AM   رقم المشاركة : 25
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!

احتجاجات أم ثورات؟.. نحو تأسيس دولة المجتمع 3/3





أزراج عمر

أواصل في هذا الجزء الثالث من المقال المطول الذي خصصته لتأمل الأحداث الجارية في العديد من بلداننا من المحيط إلى الخليج والدائرة تحت شعار مشترك وهو التغيير، تحليل المشكلات الكبرى والأساسية التي بدون إيجاد حلول حقيقية لها فإنه لا يمكن أن يتحول الشعار المرفوع إلى واقع ملموس في مجتمعاتنا.

بهذا الصدد فإنه يلاحظ بأن بلداننا ومنذ حصولها على الاستقلال لم تنجز مجتمعات العلم والمعرفة، ولم تبن الدولة الديمقراطية العادلة، ولم تحقق ما أدعوه ببناء الانسان الجديد المتحرر من أغلال التخلف بكل أشكاله المادية والثقافية، والنفسية.

وهنا يطرح هذا السؤال الذي اعتبره محوريا: ما هو المقصود بشعار التغيير تحديدا؟ ويلي هذا السؤال سؤال آخر وهو: ما هي الجبهات التي ينبغي أن يحدث فيها هذا التغيير المنشود وكيف يمكن أن ينجز ذلك؟ منذ البداية أعتقد أن التحويل مشروط أولا وقبل كل شيء بوضع التصور للمشروع المطلوب، وجعله قاعدة أولية تنطلق منها الجهود والاجتهادات الفاعلة. فما هو هذا المشروع؟ من البديهي القول بأن المشروع وحده غير كاف حيث أنه لابد أن توضع خطة علمية لتنفيذه وبدون ذلك فإنه يبقى مجرد هيكل عظمي بلا حياة. إن أية خطة ومنهج ينبغي أن يأخذا بعين الاعتبار خصوصية المشروع دون إهمال لأفكار مهمة سواء في التراث الوطني، أو في التراث الانساني، وفي التجارب الفكرية لأفراد معينين، أو في التجارب الحديثة والمعاصرة للشعوب في الدول والأمم الأخرى..

إنتاج واقع التخلف بمنطق التخلف

إنه ينبغي التفتح على هذا التراكم الكلي ودراسته بجدية وعمق على ضوء المشروع الذي نأمل في بلورته، وتجسيده ميدانيا. وهكذا، فإن الاحتجاجات والتمردات التي تحدث الآن في بلداننا سوف لن تعطي الثمار المرجوة ما دامت تعيد إنتاج واقع التخلف بمنطق التخلف، وضمن الثقافة التقليدية، والذهنية السياسية ذات الطابع الانتقامي، والطائفي والقبلي، وهلم جرا.

إذا كان الطموح يتمثل في نقل مجتمعاتنا من "طور الغريزة" إلى "طوري العقل والحضارة" فإن مشروع التحرير، أو لنقل التغيير، يبطل أو يتجمد في حال عدم خلق البيئة التي توفر شروط تسامي الغريزة إلى أعمال متمدنة، ومتحضرة يحكمها الوازع الاجتماعي المؤسس على منطق العلم والفكر، وعلى الجماليات الأخلاقية.

أرى هنا بأن الأطروحة التي تتخلل مجمل الأعمال الفكرية للمفكر الجزائري مالك بن نبي جديرة بالتمحيص والتفكير فيها وحولها. تؤكد أطروحة بن نبي ذات المرجعية التحليلية النفسية على أنه من "الطبيعي أن الغرائز لا تتحرر دفعة واحدة".

وهكذا فإن المطلوب إذن هو وضع برنامج متعدد الأشكال والخطط والمناهج للقيام بالفعل التربوي التدريجي للغريزة من خلال المنظومات الروحية والقانونية والتعليمية والمهنية والإعلامية والسياسية وغيرها من المنظومات التي تكون الانسان وتعده لكي يكون عضوا صالحا وفاعلا في تشكيل الدورة الحضارية.

وفي هذا السياق بالذات أريد أيضا أن أنبه إلى ثلاثة شروط أكدها مالك بن نبي أيضا وهي: 1- توجيه الثقافة، و2- توجيه العمل، و3- توجيه الرأسمال. وفي تقديره فإن العمل الجدي على هذه الجبهات الثلاث سينتج عنه تأثير الانسان في التاريخ. إن فكرة التوجيه لا تعني التأطير الايديولوجي الانضباطي التعسفي، وإنما تعني استنهاض "القوة في الانسان وتوافقها في السير ووحدة الهدف" كما يلح بن نبي. فالثقافة هنا، في إطار فكرة التوجيه، تعني ثقافة الأداء، وإتقان الصنائع، وتوظيف الفكر في التخطيط وفقا لمشروع تحديث الجوانب والعناصر المادية، والروحية في النفوس وفي العلاقات بين الناس.

ولا بد هنا من العمل الشاق والجاد لتنقية الثقافة من الانفعالات البدائية، والعواطف الغريزية، ومن المحتوى الفردي الأناني، والطائفي، والاتكالي، والعدواني، والاستغلالي، والاحتكاري، ومن شتى النزعات التي تعصف بالمزاج الجماعي التوافقي والحواري، والتشاركي، ولا شك بأن هذه العناصر التي يحددها بن نبي للثقافة مهمة وهي "1- الدستور الخلقي، و2- الذوق الجمالي، و3- المنطق العملي، و4- الصناعة". ويفهم مالك بن نبي الثقافة كبعد تربوي، وليس كمجرد معلومات، أو أسلوب حياة غير مفكر فيه، وغير خاضع لمعايير العلم، والمنطق. ففي رأيه فإن الثقافة تمثل برنامجا تربويا، أي أنها التربية للانسان بعينها.

وتبعا لذلك فإن مالك بن نبي يدعو إلى إتخاذ الشعب "دستوره لحياته من: 1- عنصر الأخلاق لتكوين الصلات الاجتماعية، و2- عنصر الجمالي لتكوين الذوق العام، و3- منطق عملي لتحديد أشكال النشاط العام، و4- الفن التطبيقي الملائم لكل نوع من أنواع المجتمع، أو الصناعة حسب تعبير ابن خلدون". على أية حال فإن عنصر الأخلاق لا يتصل فقط ولا يحدد أيضا بالصلات الاجتماعية بين أفراد المجتمع فقط، وإنما هو يتصل بالمهن، وبأخلاقيات السياسة، وبالإدارة، وبأجهزة الدولة الايديولوجية المختلفة.

على ضوء ما تقدم فإن التغيير الحقيقي لا يحدث في أي مجتمع وفي أي مرحلة تاريخية معينة بدون مس كل هذه العناصر مجتمعة وعلى نحو شامل وتزامني. وهكذا يليق بنا أن ندرك بأن عنصر الأخلاق، والعنصر الجمالي، والمنطق العملي، والفن التطبيقي لا يمكن أن تؤسس لمجتمع متطور، ولأفراد أحرار ومتفتحين وفاعلين وحديثين وحواريين في ظل دولة تقليدية متخلفة وديكتاتورية. فالتغيير كقيمة تقدمية ومتحضرة مشروط بإحداث تحويل جذري في كل من القواعد والمفردات معا، أي في الشكل والمحتوى، وفي المقدمة مفهوم ووظيفة الثقافة والدولة.

الدولة كمؤسسة خدمات

لا أريد هنا أن أقضي وقتا طويلا في تقديم التعريفات التقليدية، والحديثة للدولة رغم أن ذلك ضروري وشديد الاغراء، لذلك فإنني أكتفي ببعض الإشارات القليلة من أجل وضع النقاش حول وظيفة الدولة على السكة.

يوضح ألتوسير بأن الدولة هي "جهاز قمع. إن الدولة هي "آلة" قمع تسمح للطبقات المسيطرة" أن تؤمّن لنفسها النفوذ والهيمنة على الطبقات الأضعف في السلم الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي والمعرفي.

إن هذه النظرية تذهب إلى القول بوضوح بأن الدولة ليست مفهوما تجريديا معلقا في الهواء، وإنما هي مجموعة من الحقائق المادية، والمعنوية الملموسة. ولذلك نجد لوي ألتوسير يرى بأن الدولة هي "أجهزتها" حيث أن وظيفتها تتحدد وفقا لنوعية ووظيفة هذه الأجهزة.

إن الدولة التي تعترف بالطبقات في المجتمع تنشئ أجهزة مادية وفوقية تحرس هذه الطبقات، وتشرع لها، وتؤسس بالتالي لخطابات قانونية، وثقافية، وتربوية، ولمؤسسات تضمن وجودها واستمرارها في البنية الكلية للمجتمع.

فالدولة بهذا التعريف تكون وظيفتها حراسة الفوارق والتناقضات الطبقية. لابد أن نمضي قدما في تأمل نظرية التوسير، وشروحه بخصوص مفهوم ووظيفة الدولة. وبهذا الشأن يقول ملخصا النظرية الماركسية في الدولة في النقاط التالية:

"1- الدولة هي جهاز الدولة القمعي، 2- يجب التمييز بين سلطة الدولة وجهاز الدولة، 3- إن غاية الصراع الطبقي تتناول سلطة الدولة، وبالتالي استخدام جهاز الدولة من قبل الطبقات "أو تحالف الطبقات، أو الأقسام الطبقية" التي تتمسك بالسلطة في سبيل أهدافها الطبقية، 4- إن على البروليتاريا أن تستولي على سلطة الدولة لتحطيم جهاز الدولة البرجوازية القائم، واستبداله، في مرحلة أولى، بجهاز دولة مختلف، إلخ"..

إنه ينبغي الآن إضافة شيء آخر لتوضيح ما المقصود بأجهزة الدولة ومن ثم ننتقل إلى فتح النقاش حول مشروع التغيير الذي تطرحه الشعارات المرفوعة من طرف ما يدعى عندنا في هذه الأيام بالثورات التي تشهدها بعض بلداننا في المنطقة المغاربية أو في المشرق العربي.

سنتبع هنا التمييز الذي اقترحه لوي ألتوسير بين أجهزة الدولة القمعية، وأجهزة الدولة الأيديولوجية.

نحن إذن أمام جهازين تنضوي تحت كل واحد منهما أجهزة قمعية، وأجهزة أيديولوجية فرعية. فالجهاز القمعي للدولة تتفرع عنه الأجهزة التالية: 1- البوليس، 2- المحاكم، 3- السجون، 4- الجيش.

أما الجهاز الايديولوجي للدولة فيتكون من هذه الفرعيات: 1- جهاز الدولة الايديولوجي المتمثل في الدين ومختلف المؤسسات الدينية، 2- النظام التعليمي بكل أنواعه، 3- العائلة، 4- الجهاز الحقوقي، 5- الجهاز السياسي بما في ذلك الأحزاب، 6- الاعلام، 7- الثقافة.

إن هذا التصنيف لألتوسير يمكن أن تضاف إليه بعض الأجهزة الأخرى مثل النقابات، وما يدعى بالجمعيات والروابط والاتحادات المدنية التي تنشأ من طرف النظام السياسي الحاكم. فالفرق الذي يلاحظه لوي ألتوسير بين وظيفة الاجهزة القمعية، والأجهزة الأيديولوجية يتمثل في كون الأولى تعمل بواسطة القوة والعقاب، أما الثانية فإنها تعمل بواسطة الهيمنة أي بواسطة القيادة وكسب الرضى من طرف الذين تمارس عليهم وظائف الاجهزة الايديولوجية. ففي كلا الحالتين فإن الدولة تريد ممارسة سلطتها سواء بالقوة أو بالوسائل التي يمكن أن توضع في خانة "الشرعية" البعيدة عن استخدام العنف المادي.

ففي تقديري فإن أي تغيير جذري حقيقي في بلداننا لا بد أن يحدث تحويلا جوهريا في مفاهيم ووظائف أجهزة الدولة المذكورة. كيف ينبغي أن يتحقق ذلك؟ لا بد أولا أن يكون الشعب مصدرا للسلطات، والمشرف في الميدان على تطبيقاتها. إضافة إلى ذلك فإن المطلوب هو:

1- بناء ثقافة جديدة نابعة من الواقع غير الطبقي التعسفي، وبذلك يتم إنشاء قيم المواطنة على أنقاض أيديولوجيا الرعايا.

2- تحويل هذه الثقافة والقيم إلى سلوك وأخلاق تتشبع بها النفسيات وتتشكل على ضوئها الذهنيات. لا بد هنا من القيام بتشخيص ثم تجاوز بؤر التخلف في المجتع.

3- القضاء على التفاوت الاجتماعي، والاقتصادي، أي توزيع الثروة الوطنية بعدالة وفي إطار قانوني للمساواة.

4- إنشاء دستور للحكم لتكون وظيفة المسؤولين فيه محددة بالقانون، وتكرسهم كخادمين وليس كحاكمين بالإضافة إلى توزيع السلطة بعدالة.

5- جعل الأجهزة الايديولوجية السلمية مسرحا للتثقيف النقدي ولصياغة الذاتيات الحرة التي تفكر بعيدا عن الوصاية، وتعمل وفقا لمصالح العامة في المجتمع.

6- إلغاء كافة المركزيات ذات النزعة المسيطرة على الأطراف بدء من العائلة إلى مختلف مؤسسات المجتمع كدولة وليس كهامش لها.

7- القيام ببناء مجتمع الحوار بدلا من مجتمع المنولوج المغلق.

8- تحويل الديمقراطية ومبادئ الحريات وحقوق الانسان إلى خبرة فردية واجتماعية دائمة في ميادين الشغل، وبداخل العائلة، وفي علاقات الانتاج والسياسات.

لا شك أن صنع مناخ، وأرضية من هذا النوع سوف يؤسسان تدريجيا لمجتمع يصفّي نفسه من أجهزة الدولة القمعية المباشرة، ومن أجهزة الدولة الفوقية في المجال العام التي تكرس الهيمنة، والسيطرة اللامباشرتين سواء كانتا ماديتين أو معرفيتين أو سياسيتين، أو كلها معا.














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 28-Feb-2011, 10:29 AM   رقم المشاركة : 26
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!

البقاء لمعسكري المقاومة والممانعة





د. مصطفى يوسف اللداوي

لا يملك المراهنون على الولايات المتحدة الأمريكية، والمؤمنون بالتسوية مع إسرائيل، إلا أن يقولوا "لاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"، و"إنَّا لله وإنا إليه راجعون"، مترحمين على إخوانهم الذين سقطوا، ولسان حالهم يقول "سلام عليكم دار قومٍ خائنين، أنتم السابقون ونحن اللاحقون"، فما أصابكم سيصيبنا، وما لحق بكم سيدركنا، وما حل بكم سيكون مصيرنا.

وقد قالوا الصدق إذ أنطقهم الحق جل شأنه، فقد آن أوان رحيلهم، وجاء الوقت الذي فيه يتنازلون بمحض إرادتهم، أو رغماً عنهم عن سدة الحكم، فلا مكان لهم بين أمةٍ مجاهدة، وشعوبٍ مقاومة، وأحفاد رجالٍ صنعوا التاريخ، وقبضوا بأيدهم على نواصي المجد، وكان لهم في التاريخ صفحاتٌ ناصعة، ومعاركٌ خالدة، وجولاتٌ قاهرة ضد المغتصبين والمحتلين والمستعمرين، ولكنهم أبوا إلا أن يكونوا عبيداً تابعين، صغاراً خاضعين، أذلةً متسولين، قد ارتضوا أن يكونوا عزلاً من من كل قوة، مخصيين بلا رجولة، ديوثين لا يغارون، يعرفون الحق ويحيدون عنه، ويميزون الباطل ويتمسكون به، وقد تنكبوا لشعوبهم وأمتهم، تاركين كل أسباب المنعة الأصيلة، ليبحثوا عنها عند كل المعادين لأمتنا، والمتآمرين عليها، ظانين أن الأمن عندهم، والمستقبل بأيديهم، والسلامة في التمسح بهم، والتمسك بأذيالهم، واللهاث وراءهم.

قد خسر كل الذين تخلوا عن خيارات أمتهم، وتنكبوا لإرادة شعوبهم، وآثروا أن يعادوا أبناء وطنهم، فزجوا بهم في السجون والمعتقلات، وعلقوا كثيراً منهم على أعواد المشانق، أو قتلوهم في الميادين وفي زنازينهم الضيقة، وفق أحكامٍ باطلة، بعد أن قتلوا الكثير منهم غدراً وغيلةً وخفية بأيديهم وأيدي غيرهم، في أرضهم وفي المنافي، وقد ظنوا أنهم يعيشون في الزمن الإسرائيلي، وفي الحقبة الأمريكية، التي يضل كل من يتخلى عنها، ويضيع كل من يرفض الانصياع لها، ويفقد المستقبل كل من لا يركن إليها، فصدقوا أن الزمن قد أصبح أمريكياً، وأن سفينة النجاة أمريكية، وأن ربانها إسرائيل، فأسرعوا الخطى لخطب ودها، وكسب رضاها، ففتحوا لها أبواب عواصم بلادهم، وبنوا لهم فيها سفاراتٍ وملحقياتٍ وممثلياتٍ، كانت تجسسية وتخريبية أكثر مما كانت دبلوماسية، وسهلوا دخولهم إلى بلادهم بحجة التجارة والسياحة، وحاربوا كل صوتٍ ارتفع معارضاً وجودهم، ومتخوفاً من دخولهم بلادنا، فأسكتوا الأصوات المعارضة، وحاربوا الجهود المقاومة، وخلقوا أبواقاً تشيد بهم، وتدافع عن سياستهم، وتبشر كل السالكين معهم، والمؤمنين بنهجهم، أن المستقبل لهم، وقد قالوا لأنفسهم طوبى لمن سبق وطبع، وهنيئاً لم سبق وقبَّل، والويل والثبور لمن عارض ورفض، والموت والقتل لمن قاوم وانتفض.

قد نسي هؤلاء الحكام أنهم يعادون مشاعر وعقيدة أمتهم عندما يتحالفون مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ضد مصالح شعوبهم، فهذه الأمة أبيةٌ عزيزة، ترفض أن ترهن قراراتها لعدوها، وترفض أن يكون ثمن خبزها من عزتها وكرامتها، فهي تقبل الموت دون أن تأكل بثدييها، وترحب بالجوع إن كان عزيزاً، وترفض أن تتنازل عن حقوقها وأرضها مقابل لقمة عيش أو كسرة خبز تنالها بذلٍ وخنوع.

ويخطئ هؤلاء القادة المتهافتون عندما يظنون أن شعوبهم ثارت من أجل مطالب معيشية، أو حاجاتٍ إنسانية، أو رغبةً منهم في المشاركة في الحكم، وإن كانت هذه المطالب وغيرها حاجة حقيقية لكل الشعوب الحرة، وإنما كانت ثورتهم ضد حكامهم الذي رضوا الدنية، وقبلوا بالمهانة، وسلموا بالعيش الذليل في ظل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، فشعوبنا العربية قد تسكت عن كثيرٍ من حقوقها المدنية، وقد تتنازل عن بعض امتيازاتها، مقابل أن تحافظ بلادها على ثوابتها القومية، وألا تتنازل عن شيء من قيمها الوطنية في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، لهذا السبب عجلت بعض الشعوب العربية بإسقاط أنظمتها، ورحيل قياداتها، وهو ذات المصير الذي ينتظر كل الأنظمة التي تهاوت عقيدتها القومية تجاه إسرائيل، وأصبحت ترى أن مصالحها هي مع الكيان الصهيوني وليست مع شعوبها وقواه الحية.

أما الأنظمة والحكومات العربية التي لم يأت بعد دورها على أجندة الثورات الشعبية، فإنها قادرة على حماية نفسها، والبقاء في مناصبها، والحفاظ على أنظمتها، وتجاوز الثورة الشعبية التي أضحت قدراً، إن هي تصالحت مع شعوبها، وصدقت في شعاراتها، وأعلنت أنها متمسكة بخيارات أمتها تجاه إسرائيل، فالموقف القومي المعادي والمقاوم لإسرائيل هو طود النجاة، وسبيل الفوز، وسر البقاء، وهو ليس منجاة للحكام والأنظمة فقط، بل إن صدق النوايا تجاه المقاومة والممانعة يحمي أصحابها من كل زلل، ويخرجهم من كل أزمة، ويخلق لهم جنوداً أخفياء ومعلنين ليدافعوا عنهم، فشعوبنا العربية تريد أنظمةً مقاومة، وحكوماتٍ ممانعة، وقياداتٍ مقاتلة، وليكن في علم الأنظمة العربية المتبقية، أن شعوبنا العربية كلها تكره إسرائيل، ولا تسعى للتسوية معها، ولا تقبل بمصافحتها، ولا ترحبُ بأي صهيونيٍ يطأ أرضها، ويدنس ترابها، وترفض التطبيع، وتدعو إلى المقاطعة، فهذه هي مفاهيم شعوبنا العربية، وإليها تتطلع، وهي مفاتيح النجاة، فمن سلك هذا الطريق نجا، ومن ركب في سفينة المقاومة وصل، أما من ظن أن أمريكا وإسرائيل ستحميه، وأنه إن آوى إليهما فإنهما سيعصمونه من الغرق والهلاك فإنه واهم، ويخدع نفسه، ويمنى نفسه بما لن يكون، فلا عاصم لأحدٍ من الحكام العرب اليوم من ثورة شعوبهم، إلا الإنتقال إلى معسكر الممانعة، والإنتساب إلى جبهة المقاومة.

عظم الله أجرنا فيمن ارتحل من أنظمتنا العربية، وأثابنا عن صبرنا عليها خير الجزاء، وجزى الله الثائرين عن أمتنا خيراً، وأسكن شهداءهم الفردوس الأعلى، وعوضنا الله خيراً من الأنظمة البائدة، وأبدلنا خيراً منهم، وأصدق منهم، وأقرب إلى شعوبهم منهم، يكونون أسبق منا في المقاومة، وأصدق منا في النزال، تخافهم إسرائيل، وتخشى بندقيتهم، وتشعر بوجودهم أن كيانها مهدد، ومصيرها في خطر، والله نسأل أن يوسع علينا من بعد الراحلين دورنا وبيوتنا، وأن يسبغ علينا من واسع رحته، وأن يفتح علينا أبواب السماء رزقاً وعطاءاً، فإن الذين يحبسون عنا الرزق والمطر رحلوا، ومن بقي منهم فإنه مثلهم سيرحلون، ولن يبقَ إلا المقاومون بصدق، والباحثون عن المجد بالعمل، والساعون إلى العلا بالجد، فهؤلاء هم طموح الأمة، وحلم الشباب، وهم الذين نفخر بهم، ونعض عليهم بالنواجذ ليبقوا.














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 28-Feb-2011, 12:01 PM   رقم المشاركة : 27
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!

الثورات العربية ومستقبل دور إسرائيل الوظيفي





صالح النعامي

هناك سؤال يطرح بقوة في هذه الأثناء في كل من واشنطن وتل أبيب، حول تأثير تداعيات الثورات التي تعتمل حالياً في العالم العربي ضد الأنظمة الديكتاتورية على العلاقات بين الطرفين، فهل ستؤدي هذه الثورات إلى تعزيز هذه العلاقات أم ستؤدي إلى تراجعها؟.

على الرغم من أنه لم يصدر تقييم رسمي من الولايات المتحدة و"إسرائيل" بشأن مستقبل العلاقات بين الجانبين في أعقاب هذه التطورات، إلا أنه يتضح من خلال الجدل الدائر بين النخب الإسرائيلية على وجه الخصوص أن الإجابة عن هذا السؤال متفاوتة إلى حد ما. فهناك من يرى أن الثورات التي شهدها العالم العربي والتي أدت إلى سقوط أنظمة استبدادية متعاونة مع الولايات المتحدة والغرب وضعضعة أنظمة أخرى من نفس الطراز، يدلل على أن مكانة "إسرائيل" كحليف استراتيجي للولايات المتحدة قد زادت بشكل كبير، على اعتبار أن هذه التطورات أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك بأنه لم يعد هناك للولايات المتحدة حليف مستقر يمكن الاعتماد عليه في الحفاظ على المصالح الأمريكية في المنطقة سوى "إسرائيل".

ويرى وزير الحرب الصهيوني الأسبق بنيامين بن اليعازر أنه في أعقاب سقوط نظام الرئيس مبارك، الذي كان يعد أوثق حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة وأكثرهم استعداداً لخدمة المصالح الإسرائيلية، فإنه لا يمكن الوثوق بالأنظمة العربية الأخرى التي لا زالت متحالفة مع الولايات المتحدة الأمريكية، سيما الأردن ودول الخليج والمغرب.

يورام إتينغار رئيس مركز "بمحشفا للدراسات الإستراتيجية" يرى أن ما خسرته الولايات المتحدة من حلفاء في غضون شهرين يذكرها بما خسرته على مدى عقود، منوهاً إلى خسارة واشنطن في الماضي نظام الشاه في إيران وتركيا، وهي اليوم تخسر مصر وتونس، وهناك مخاوف كبيرة أن تنتقل الثورة إلى الأردن لتطيح بالنظام القائم في عمان، وهو ما يمثل ضربة قاصمة ليس فقط للولايات المتحدة، بل لـ"إسرائيل" بشكل أكبر.

ويشير إيتنغار بشكل خاص إلى دور "إسرائيل" في منع الدول العربية من التحول إلى قوى عسكرية كبيرة، على اعتبار أن هذا يمثل أيضاً مصلحة أمريكية واضحة، مستذكراً بقيام "إسرائيل" بقصف المفاعل الذري العراقي عام 1981، والمنشأة النووية شمال شرق سوريا عام 2006.

لكن- حسب إيتنغار- فإن أعظم ما تقدمه "إسرائيل" للولايات المتحدة يتمثل في المجال الاستخباري، حيث ينقل عن السيناتور إينويا رئيس لجنة الموازنة في مجلس الشيوخ، والذي شغل في الماضي منصب رئيس لجنة الاستخبارات، قوله إن ما تقدمه "إسرائيل" من معلومات استخبارية للولايات المتحدة يفوق ما تقدمه دول حلف الناتو مجتمعة.

ويكشف إيتنغار النقاب عن أن "إسرائيل" أسهمت وتسهم بشكل كبير في تطور القدرات الأمريكية في مواجهة قوى المقاومة في العراق وأفغانستان، مشيراً بشكل خاص إلى إسهام "إسرائيل" في تقديم مساعدات تقنية وفنية واستخبارية للجيش الأمريكي مكنته من تحسين قدراته في مواجهة تهديد العبوات الجانبية والسيارات المفخخة، فضلاً عن تعقب المقاومين والتحقيق معهم.

لكن زلمان شوفال السفير الإسرائيلي الأسبق في الولايات المتحدة والقيادي في حزب الليكود يتحفظ على تصور إيتنغار، ويرى أن سرعة تخلي الولايات المتحدة عن حليفها الرئيس مبارك سيشجع من تبقى من حلفائها على إعادة تقييم موقفه من التحالف مع الولايات المتحدة.

ونوه شوفال أن هناك من الزعماء من قد يتحول للتعاون مع إيران في حال تبين له أنه لا يمكنه الاعتماد على واشنطن في ساعة الاختبار. وبخلاف معظم المحللين الإسرائيليين، فإن شوفال يرى أن الخطر الذي يتهدد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية مصدره الجمهوريين، وليس الديموقراطيين. ويشير في هذا الصدد إلى أن هيكابي، الذي يعرض نفسه كمرشح للرئاسة في الانتخابات القادمة عن الحزب الجمهوري يقول بشكل صريح وعلني إنه يتوجب على الولايات المتحدة العودة إلى حدودها والتوقف عن التدخل في الشؤون الأجنبية، واستثمار الإنفاق على العلاقات مع الدول الخارجية في الانفاق على مشاريع التنمية الداخلية، حيث يصل الأمر بهيكابي إلى حد الدعوة إلى قطع المساعدات الاقتصادية والعسكرية عن "إسرائيل".

صحيح أن هناك أغلبية ساحقة داخل الحزبين الجمهوري والديموقراطي تدعو بحماس للحفاظ على وتيرة العلاقات مع "إسرائيل"، إلا إنه من غير المستبعد أن يصل الكثير من الأمريكيين إلى ذات القناعة التي توصل إليها هيكابي.

بغض النظر عن التباين في تصور النخب إزاء تأثير الحراك الديموقراطي الذي يجتاح العالم العربي، فإن ما تجمع عليه هذه النخب هو حقيقة أن التحول الديموقراطي سيؤثر سلباً على "إسرائيل". فمعظم التحليلات والمقالات التي زخرت بها وسائل الإعلام الإسرائيلية ترى أن تحول أنظمة الحكم العربية للديموقراطية يمثل ضربة قاصمة لـ"إسرائيل"، على اعتبار أن الأنظمة الديمقراطية العربية ستكون أقل تسامحاً مع "إسرائيل"، علاوة على أنها ستبدي استعداداً أقل للتعاون الأمني مع "إسرائيل" من وراء الكواليس، في حين أن الأنظمة الديكتاتورية بطبعها أكثر برغماتية ونفاقاً، حيث إنها في الوقت الذي تكتفي بدفع ضريبة كلامية للفلسطينيين، فإنها في المقابل ترتبط بتحالفات سرية مع "إسرائيل".














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 03-Mar-2011, 09:47 AM   رقم المشاركة : 28
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!

القبيلة... شِفرة الواقع العربي!





د. السيد ولد أباه:

تشكل الثورات العربية الراهنة مختبراً لتقويم المسلمات المألوفة في الدراسات السوسيولوجية عن المجتمع العربي التي انهار العديد منها بفعل الأحداث الجارية. قيل لنا من قبل إن أي تحول جذري في الساحة العربية لن يتحقق من دون دفع خارجي، فإذا بديناميكية التغيير الحالية داخلية في منطقها وآلياتها ونتائجها، من دون أي تأثير خارجي.

وبعد أحداث تونس، شكك الكثيرون في احتمال انتقال المسار الثوري إلى مصر، باعتبار حضور الجيش كمؤسسة قوية وحاكمة ضامنة للاستقرار السياسي. وبعد انتصار ثورة مصر، قيل إن مسار التحول قد توقف، لأن الثورات لا يمكن أن تتحقق إلا في سياقات حضرية منسجمة التركيبة المجتمعية، في مقابل المجتمعات المتنوعة قبلياً وعرقياً وطائفياً التي تتحول فيها الانتفاضات الاحتجاجية إلى حروب أهلية.

وإذا بالثورات نفسها تندلع في بلدين يتميزان ببنيتهما القبلية الراسخة هما اليمن وليبيا. تبوأ شيوخ العشائر وزعاماتها الصدارة في الإعلام، وكان دورهم حاسماً في التطورات الأخيرة التي تشهدها ليبيا.

وفي حين حذر الكثيرون من انهيار بنية الدولة الهشة في ليبيا نتيجة للتنوع القبلي وضعف إرث الكيان المركزي، فإن القبائل المحتجة أظهرت تمسكاً جلياً بالهوية الوطنية المشتركة وبهياكل الدولة ومؤسساتها. تستند تلك المسلمة المتهافتة إلى أطروحة متجذرة في الدراسات الاجتماعية والإنثربولوجية، تفترض التنافر البنيوي بين القبيلة والدولة، بصفتيهما نمطين من الاجتماع يصدران عن خلفيات ورهانات متباينة، ومن ثم لا سبيل لالتقائهما.

فالقبيلة من هذا المنظور وحدة أصلية متجانسة تقوم على تكافؤ النسب و"نقائه"، السلطة فيها رمزية غير إكراهية، أفقية توافقية لا عمودية أو مركزية. ولقد أطلق بعض علماء الإنثربولوجيا على المجتمعات القبلية تسمية "المجتمعات الانقسامية" واعتبروا أنها تقوم على ثنائية الانشطار والانصهار المانعة لتشكل الدولة "إيفانس بريتشارد، آرنست جلنر...".

كما أن الخطاب السياسي للدولة الوطنية ما بعد الكولونيالية قد تبنى هذه الرؤية، معتبراً أنماط الولاء القبلي العائق الأكبر من دون تشكل الكيان الوطني المركزي.

أولاهما: على الرغم أن القبيلة تتقدم في شكل وحدة نسبية متجانسة، فإن الدارسين الجديين منذ "ابن خلدون" أدركوا أن "النسب وهم" كما قال صاحب "المقدمة". فليس الهيكل القرابي سوى الحصيلة البعدية لمسار تشكل الحلف الجماعي المدعو بالقبيلة، التي هي أساساً وقبل كل شيء وحدة ائتلافية سياسية، لا انتماء أصلياً. فالبعد النسبي يؤدي هنا دور القاعدة العضوية لتماسك المجموعة، على الرغم من هشاشته التي تبرز في منحيين متعارضين: ميل المجموعة للانقسام والتفكك "حتى ولو كانت عالية التجانس"، واتجاهها للتوسع والتمدد "بإدماج روافد مختلفة الأصول"، لأسباب ومقتضيات عملية.

ثانيتهما: نادراً ما تتعارض القبيلة والدولة، بل غالباً ما تعايشتا في السياق العربي من العصور الوسيطة إلى اللحظة الراهنة، وإن تغيرت وتمايزت الرهانات التاريخية لائتلاف الوحدتين. ولقد أدرك "ابن خلدون" أيضاً هذا القانون الثابت في نمط الاجتماع العربي، مبيناً أن الدولة السلالية في التاريخ العربي تشكلت دوماً من نواة عصبية تتحول إلى أساس ملك بتبنيها لدعوة دينية قادرة على الحشد والتعبئة والتمكين من تجاوز الصراعات الأفقية.إنه القانون الذي أكدته الدراسات الاجتماعية المعاصرة في تحليلها لدور المعطى القبلي في تشكيل أطر الولاء والحماية والتمثيل في الدولة المستقلة على الرغم من خطابها المعلن المناوئ للانتماءات العشائرية الضيقة "عبدالله العروي، خلدون النقيب، غسان سلامة...".

وما نلمسه راهنا في المجتمعات العربية ليس تهديد القبيلة للدولة- كما يظن عادة- وإنما اندراج التركيبة القبلية في منطق وبنية الدولة، بحيث يتعلق الأمر في الواقع بانحسار السلطة القبلية التقليدية، التي فقدت مرتكزاتها الموضوعية "المجال الحيوي والاقتصاد الرعوي التقليدي والمنظومة القيمية البدوية..". إلا إن النسق الدلالي للقبلية يوفر في آن واحد الإطار التفسيري الأسهل لضبط الرهانات المجتمعية والمجال التنافسي الأنجع للنفاذ الى موارد الدولة المادية والرمزية.

وبمعنى آخر إن القبلية هي نمط من "الوهم الاجتماعي" illusio- بلغة عالم الاجتماع "بيار بورديو"- الذي لا ليس له قيمة وصفية موضوعية وان كانت له آثار عملية ملموسة.

ففي مجتمعات لم تعرف قسمة العمل بالمنظور الرأسمالي الصناعي الحديث وما يتولد عنه من بنية طبقية، كما لا تزال فيها الهياكل البيروقراطية والمؤسسية للدولة الحديثة ضعيفة، يشكل العامل القبلي أفقا للمناورة والتموقع والتفاوض، وإنْ كان الرهان هنا خارج المعادلة القبلية التقليدية.

ولذا لا خوف من رجوع القبائل اليمنية والليبية لحالة التفكك العشائري في مرحلة ما قبل الدولة الحديثة، لان البنيات القبلية الحالية هي بمعنى ما من نتاج هذه الدولة ومرتبطة عضوياً بها، من حيث مراكز التأثير والفاعلية ومن حيث المصالح الاقتصادية.

ليست القبائل هي التي ثارت فعلاً وتحركت لتقويض نظام القذافي، على الرغم إن زعاماتها برزت في الانتفاضة وكان دورها حاسماً في نجاحها، وإنما شكلت القوالب القبلية الأطر العملية والتنظيمية الوحيدة للتعبئة، نتيجة لضعف تركيبة المجتمع المدني وغياب جيش مهني حقيقي وإدارة بيروقراطية حديثة، ولذا ندرك أن هذه القوالب القبلية تتداخل وتتفاعل مع التنظيمات السياسية القائمة.

في اليمن حالة مماثلة، على الرغم من اختلاف التجربة السياسية، يرمز لها انحياز مشايخ قبائل "حاشد" وبكيل إلى الانتفاضة الحالية.

ليس إذن المعطى القبلي حصناً يحمي الأنظمة من الثورة، كما أن القبيلة ليست وحدة متجاوزة موروثة من الماضي البعيد. إنها على الأصح الشفرة التي يتعين تفكيكها للنفاذ إلى واقعنا العربي في أبعاده الراهنة المتجددة التي ليست دوما جلية للعيان












التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 03-Mar-2011, 11:20 AM   رقم المشاركة : 29
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!

من معاني فعل «ثار» ومشتقاته





د. الضاوي خوالدية*

إن الثورات أحداث كبرى تصنعها الشعوب لتثأر لنفسها وتسترد كرامتها وتستعيد توازنها وتجدد حياتها استعدادا لدخول التاريخ من جديد، ما من شعب أسهم في حضارة البشرية تاركا بصمات تشيد به مدى الدهر إلا وكانت الثورة تتعهده كلما تعفن واقعه سياسة واقتصادا وقيما... لذلك كانت الثورة وما زالت وستبقى العلاج الشافي لكل مرض خطير بدت أعراضه على شعب من الشعوب أو أمة من الأمم؛ كما كانت وستبقى موضوعا للدراسة السياسية والاجتماعية والنفسية والحضارية والتاريخية غير قابل للنفاد.

ولعل هذا ما حدا بنا إلى تناولها بالبحث من أبعادها المدلولية التي لا يوليها عادة أهمية غير اللغويين. فمشتقات الفعل الثلاثي المجرد "ثار" تشترك في مدلول: الاتصاف بحالة جديدة قوامها الانفعال الشديد: ثار فلان ثورانا: هاج- الثائر: الغضبان- الثورة: الهيج- ثار الدخان: ظهر... كان قبلها "الحالة الجديدة" في حالة تضادّها كالسكون والنوم والاستسلام والخضوع...

ولعل الحالة الجديدة المشار إليها هي ما يطلق عليها في الثورات رفض الواقع والشروع في تغييره "المجابهة: اندلاع الثورة" وهذه المرحلة هي مرحلة الأبطال والشجعان والشهداء والوطنيين الذين تفتخر بهم أممهم.

أما مشتقات الفعل الثلاثي المزيد "ثار": أثار، ثوّر... فكلها تقريبا تدل على دور العقل في تجسيم ما حلم به المجتمع الثائر والجهد الفكري المبذول في سبيل ذلك، أي أن الأداة الكفيلة بنقل المجتمع من حال الاستبداد والبؤس إلى حال الحرية والكرامة هي العقول المبدعة الفعالة؛ فالعقل الثوري يثوّر كل فكرة أو أطروحة أو موقف أو رأي، أي يبحثه عميق البحث ليعرف كنهه وبنيته ونظامه بغية اكتشاف ما وراء الظاهر والسطح.

ولعل التراث الثوري لأي أمة خير شاهد على الأبعاد الإبداعية والأفكار الكبرى المبتكرة التي غالبت الزمن؛ فتثوير المجتمع أو إثارته يعني تخليصه من كل شوائب الأنانية والحسد والأثرة وعبادة المادة والبخل والجبن.. وشحنه قيم الغيرية والتضامن والتعاون والتآزر والتضحية في سبيل الآخر والإخلاص في العمل والشجاعة والإقدام؛ ولعل هذا ما أشار إليه أحدهم حين أجاب عن السؤال التالي: أي الناس وجدتهم أشجع؟ قال: كل الناس في إقبال ثورتهم شجعان، فكل أمة في مبدأ سعادتها أفضل وأنجد وأمجد وأسخى وأجود وأخطب وأنطق وأصدق وأرأى وأذكى وأكثر إبداعا...

لذلك تتحول الأمة الثائرة في مدة قصيرة، من أمة فقر وبطالة وندرة موارد وخضوع وإهانة وكسل وعقم فكري وتصحر فني... إلى أمة غنية غزيرة الموارد، موردة اليد العاملة، مرفوعة الرأس، كريمة، ناشطة، وليدة فكر جديد، مبدعة فنا راقيا، وذلك بفضل الجهد الذي يبذله كل فرد في ميدان عمله بكل إخلاص وحب وتفان..

إن الثورة ترغب الإنسان في مضاعفة الجهد في العمل ومزيد التعمق في النظر؛ ألا ترى أن العرب يقولون ثوّر فلان القرآن: أجهد نفسه في البحث عن معانيه وتعمق في فهمه! كما قالوا: أثار فلان الأرض: حرثها وزرعها؛ وكما قالوا أيضا: ثوّر فلان العربية: تجهبذ في لغتها وأدبها حتى أحكم خصائصها وأسرارها.


* كاتب تونسي














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 03-Mar-2011, 11:22 AM   رقم المشاركة : 30
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!

مأزق الاستبداد بين صمت النخب وإرادة الجماهير





د. إدريس لكريني*

في الوقت الذي استوعبت العديد من دول العالم في كل من إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا دروس المرحلة وحجم التحديات التي أصبحت تفرضها التحولات الدولية الراهنة، وانخرطت بحزم وإرادة قويتين في قطع خطوات مهمة وثابتة على طريق التنمية الشاملة وتحقيق الديمقراطية الحقيقية، تعيش العديد من الأقطار العربية وبحكم الطوق المفروض على أي إصلاح أو تغيير حقيقيين، شبه ركود تعكسه الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الداخلية المستمرة، والتي لا تخلو في عمقها من تداعيات دولية خطيرة..

وإذا كانت النخب السياسية قد أسهمت بشكل ملموس في الدفع بعدد من المجتمعات نحو تحقيق الديمقراطية والتطور والتنمية، فإن الأوضاع السياسية داخل الأقطار العربية، تعكس الحالة المتردية التي تعيشها النخب السياسية في مختلف هذه الأقطار نتيجة لعجزها عن قيادة أي تغيير أو إصلاح.

إن الحديث عن النخب السياسية في الأقطار العربية يقودنا إلى ضرورة التمييز بين نخب تحكم وتملك سلطة اتخاذ القرارات الحاسمة وتستأثر بالمراكز الحيوية داخل الدولة، وتوظف الدين والإعلام وبعض الأحزاب وجزءا من فعاليات المجتمع المدني.. لصالحها، ونخب لا تحظى بقوة أو سلطة فعلية، توجد خارج مراكز اتخاذ القرارات، ولا تملك إلا مواقفها، وفي كثير من الأحيان تكون بدورها تحت رحمة النخب الحاكمة التي تفرض عليها واقعا سياسيا ضيقا من حيث إمكانية الاحتجاج أو المناورة.. مما يحدّ من فرص ترسيخ تصوراتها الإصلاحية داخل المجتمع والدولة، ويجعل من كل الخطوات "الإصلاحية" المتّخذة محدودة الأثر ولا ترقى إلى مستوى حاجات وانتظارات الجماهير.

لقد رفعت مختلف النخب السياسية العربية الحاكمة في مرحلة ما بعد الاستعمار شعارات تهم تعزيز الاستقلال، من خلال بناء وتحديث وتطوير المؤسسات السياسية وإدخال بعض الإصلاحات الاقتصادية والسياسية، كما تمكنت العديد النخب العسكرية العربية من الانتقال إلى الحكم عبر الانقلابات باسم هذه الشعارات، غير أن الممارسة الميدانية أبانت بشكل واضح محدودية هذه الجهود في بناء دول قوية وتحقيق تنمية شاملة وإقامة أنظمة ديمقراطية.

فبمجرد سيطرتها على مؤسسات الدولة، قامت غالبية النخب الحاكمة بصد أي محاولات إصلاحية ترفعها النخب المعارضة، وفرضت طوقا أمنيا صارما على شعوبها، وأضعفت مؤسسات القضاء وهيئات المجتمع المدني، وعطّلت العمل بالمؤسسات في كثير من الأحيان، وساهمت في الاغتناء غير المشروع على حساب الشعوب، وفي انتشار الفساد السياسي والاقتصادي والإداري وحصّنته ضد أية مساءلة قضائية.

ومن منطلق اقتناعها بدور الإعلام و"الثقافة" في تكريس هيمنتها والترويج لأفكارها، حرصت هذه الأنظمة على تجنيد وسائل الاتصال لخدمة أغراضها واستمالة عدد من "المثقفين" إلى صفّها بالتهديد والوعيد تارة، والإغراء والكرم تارة أخرى، الأمر الذي أدى إلى نشر ثقافة سياسية منحرفة تكرّس الاستبداد والتعتيم، وتأزيم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بمختلف الأقطار العربية، وأثّر بالسلب على أداء النخب السياسية الموازية الأخرى، وضيق من هامش تحركها، وحال دون قيامها بأدوارها المفترضة.

فالكثير من الدول العربية التي اختارت التعددية، تعرف هيمنة للحزب الحاكم أو تفرض مجموعة من القيود الدستورية والقانونية والسياسية على مختلف الأحزاب بما يشوّش على تحركها ويحدّ من أدائها وفاعليتها في القيام بوظائفها المفترضة على مستوى التأطير والتعبئة والتنشئة والتمثيل.. فيما نجد دولا أخرى حظرت العمل بالأحزاب أو اعتمدت العمل بنظام الحزب الواحد.

لقد اعتمدت الكثير من الأنظمة العربية في استراتيجيتها التّسلطية على النخب السياسية الأخرى إلى جانب نظيرتها العسكرية والاقتصادية والدينية.. وتبين تغليب بعض هذه النخب لمصالحها الخاصة، وثبت في كثير من الأحيان تورطها في فساد مالي وإداري وسياسي.. مما أسهم بشكل كبير في خلق فجوة بين السلطة السياسية الحاكمة من جهة، وما بين أفراد المجتمع من جهة أخرى، وفرض استمرار الأوضاع السياسية على حالها، وأفقد هذه النخب ثقة الجماهير، وولّد شعورا بالإحباط في أوساط الشعوب العربية، فيما فضّلت نخب مثقفة ودينية وسياسية.. أخرى الانكفاء على نفسها والانزواء بعيدا.

نجحت النخب السياسية الحاكمة في مختلف الأقطار العربية إلى حد كبير في تدجين العديد من النخب "المثقفة، الاقتصادية، الدينية، العسكرية، الحزبية، الحكومية.." تارة بالتهديد والوعيد، وتارة أخرى بالإغراء والترغيب، كما ضيّقت من الهامش الدستوري والسياسي لتحركها. فالنخب المثقفة التي أسهمت على امتداد التاريخ في إثراء الفكر والإبداع الإنسانيين، عانت في عدد من الأقطار العربية ويلات الظلم والتهميش، وعلاوة عن الوضعية الصورية التي تميز عمل المؤسسات السياسية.. نجحت الكثير من الأنظمة العربية إلى حد كبير في نقل مظاهر الاستبداد والانغلاق والجمود إلى عدد من الأحزاب السياسية ونخبها، وإلى مختلف الفعاليات المحسوبة على المجتمع المدني.. مما أفقدها ثقة الجماهير. وهكذا برزت نخب تبنت تصورات الأنظمة وطروحاتها ودافعت عنها، فيما كانت هناك نخب أخرى معارضة لاقت مظاهر مختلفة من التضييق وعانت ويلات التعسف والاعتقال..

وأمام هذه المعطيات الموضوعية والذاتية التي تؤكد حجم الإكراهات التي تعوق عمل مختلف النخب والقنوات السياسية، أضحت مهمة هذه الأخيرة في قيادة الإصلاح والتغيير أمرا صعبا إن لم نقل مستحيلا؛ وهو ما سمح لمختلف الأنظمة العربية بالتمادي في تسلطها واستهتارها بإرادة الشعوب.

ولأن الطبيعة لا تحتمل الفراغ، وبفعل هذه العوامل مجتمعة، خرجت الجماهير يتقدمها الشباب إلى الشارع في عدد من الأقطار العربية في إطار ثورات واحتجاجات عارمة، برغم تحفّظ وتمنّع عدد من الأحزاب والهيئات.. بصورة تعكس حجم الهوة القائمة بين مختلف هذه النخب ومجتمعاتها، وتبرز تفكّك وضعف القنوات الوسيطة "أحزاب ونقابات.."، وضيق هامش تأثيرها سياسيا ودستوريا..

إن قيادة الشباب لهذه الاحتجاجات تبيّن مدى التهميش الذي عانت منه هذه الفئة على شتى المستويات والميادين، وتعبر أيضا عن الرغبة في تغيير الأوضاع الاجتماعية والسياسية.

فهذه الفئة التي لم تجد نفسها بشكل أو بآخر داخل مختلف القنوات التي يتاح لها العمل في إطار قواعد اللعبة المتاحة التي تسمح بها الأنظمة، ولم يحسب لها أي حساب ضمن معادلة العمل السياسي أو السياسات العامة لعدد من الدول، سعت للبحث عن قنوات ومتنفسات بديلة من أجل التواصل فيما بينها وللتعبير عن تطلعاتها بصورة تلقائية وسلمية وحضارية، من خلال قنوات الاتصال الحديثة التي تتركز في شبكة الإنترنت ""فايسبوك" وبريد إلكتروني و"يوتوب" و"تويتر".." والهواتف النقالة التي تتيح إمكانيات مذهلة في التواصل، قبل أن تنقل مطالبها من العالم الافتراضي إلى الواقع في شكل احتجاجات ميدانية عارمة، لم يتردد في الالتحاق بها مختلف أفراد المجتمع وأحزاب سياسية وفعاليات مدنية ونخب مختلفة- بعدما ظل صوتها غائبا بفعل عوامل ذاتية وموضوعية- لاقتناعها بعدالة ومشروعية مطالبها "فئة الشباب" التي جاءت بعيدة عن أية حسابات حزبية أو مصالح إيديولوجية ضيّقة.

وهكذا بادرت الجماهير في مختلف الأقطار العربية إلى طرح مطالبها بصورة علنية وواضحة إلى صناع القرار، وإن اختلفت أشكالها وحدتها من منطقة إلى أخرى، وقد تراوحت هذه المطالب بين أولويات اجتماعية واقتصادية وسياسية ودستورية.. وإذا كان سقف المطالب قد ارتفع بصورة متسارعة نتيجة لحجم الحيف والاستبداد والفساد الذي عانت منه بعض المجتمعات، مثلما هو الشأن بالنسبة لتونس ومصر.. وجعل فرص تدارك الأمر بعيدة المنال، وأدى إلى إسقاط الأنظمة القائمة.. بعدما اختارت هذه الأخيرة صمّ الآذان في مواجهة مطالب شعوبها لعقود خلت، وبعدما اختارت أيضا منطق العنف والترهيب لإخماد المظاهرات والاحتجاجات، واللّعب على عامل الوقت.. فإن الكثير من الأنظمة العربية تواجه تحديات كبرى وتجد نفسها أمام مآزق حقيقية، في ظل تزايد وتعقد الإكراهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. تفرض عليها اعتماد مبادرات حقيقية تزرع الثقة في أوساط الجماهير، وبخاصة أن هذه الأخيرة تخلصت من عقدة الخوف والإذعان، في محيط إقليمي يغلي بالاحتجاجات والثورات الشعبية التي تواكبها وسائل الإعلام المختلفة ويتابعها الرأي العام العالمي لحظة بلحظة.

وتزداد هذه المآزق خطورة مع ظهور بوادر تشير إلى اقتناع الكثير من القوى الغربية الكبرى بأن تكلفة التواطؤ مع الاستبداد ضخمة وخطيرة جدا على مصالحها السياسية والاقتصادية، وبأن دعم الديمقراطية هو المدخل الناجع لترسيخ الاستقرار والشفافية في المعاملات والعلاقات السياسية والاقتصادية محليا ودوليا، بعدما ظلت هذه القوى تجامل الاستبداد في المنطقة العربية لعقود عديدة، حفاظا على مصالحها، واعتقادا منها بدوره في مواجهة التطرف والهجرة السرية و"الإرهاب".. واقتناعا منها بأن تشجيع الديمقراطية سيسمح للإسلاميين باكتساح المشهد السياسي بهذه الأقطار.

كان المستشار الألماني "بسمارك" يردّد قولته المشهورة: "الحمقى هم الذين يستفيدون من تجاربهم، أما أنا فأستفيد من تجارب غيري". ولذلك فالدور سيكون على الجهات التي لم تلتقط بعد رسالة الشعوب التوّاقة للإصلاح والتغيير.. وبخاصة أن الفهم المتأخر لا يجدي.

إن ما وقع في تونس وفي مصر، وما يقع في ليبيا من أشكال احتجاجية عارمة، هو رسالة واضحة إلى كل الأنظمة التي لم تركب بعد قطار التغيير والإصلاح الجادّين والحقيقيين، لكي تبادر إلى إعمال مبادرات اقتصادية واجتماعية وسياسية ودستورية مشروعة تستجيب لتطلعات الجماهير، وفرصة سانحة للقيام بتدابير تدعم دولة المؤسسات والقانون وتكافؤ الفرص سياسيا واقتصاديا، وتفتح المجال لمشاركة بناءة وفاعلة في إطار من التعددية وبأطراف فاعلة تشتغل في جو من الشفافية والمحاسبة.


___________________
* كاتب وجامعي من المغرب














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
التائه, العربي

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الخط العربي ... بين ماض متجذر ... و حاضر متغير أبو خيثمة الوثائق والمخطوطات 9 29-Apr-2011 02:55 PM
أزمة النهضة العربيَّة وحرب الأفكار.. قراءات في الخطاب العربي المعاصر النسر المكتبة التاريخية 4 30-Dec-2010 09:50 AM
المصادرة و التكلفة من أبرز عيوب النشر في العالم العربي أبو خيثمة المكتبة التاريخية 0 24-Dec-2010 02:49 PM
الخط العربي في شمال أفريقيا أبو خيثمة الوثائق والمخطوطات 2 15-Dec-2010 10:30 PM
تكامل قوى المقاومة وحركة التحرر العربية النسر التاريخ الحديث والمعاصر 2 26-Apr-2010 01:42 PM


الساعة الآن 10:58 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع