« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: جيولوجيا في القرآن (آخر رد :معتصمة بالله)       :: قصة وحكمة (آخر رد :معتصمة بالله)       :: حوار مع المرآة.......قالت لي المرآة. (آخر رد :معتصمة بالله)       :: انشطة تجعل صيفك يتغير لا داعى للملل (آخر رد :محمد عاطف)       :: عرض كتاب دولة النبي صلى الله عليه وسلم (آخر رد :أبو خيثمة)       :: قراءة في كتاب أساطير الصهيونية (آخر رد :أبو خيثمة)       :: من أحدث إصدارات دور النشر السورية (آخر رد :أبو خيثمة)       :: شبكة المخطوطات العربية (آخر رد :أبو خيثمة)       :: مختارات من مخطوط مصباح الظلام (آخر رد :أبو خيثمة)       :: أسرار نجاح العظماء (آخر رد :أبو خيثمة)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> الكشكول




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 12-May-2011, 12:41 PM   رقم المشاركة : 1
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي الحياة الحضرية والقروية في إفريقية من خلال فتاوى البُرْزُلي

12-5-2011 8:17:10
العلاقات بين المدينة والريف في العهد الحفصي
الحياة الحضرية والقروية في إفريقية من خلال فتاوى البُرْزُلي1




الطيب الزواري
ترجمة: ماهر بودية

لقد تبيّن أن غارات الهلاليين قد أثارت العدواة القديمة بين أهل البادية وأهل المدينة وعمّقت الاختلاف بين صنفين من الحياة الّذَيْن تعايشا منذ زمن سحيق في إفريقية.

وتسبّبت هذه الغارات في عدم التوازن بين المدن والأرياف وبصفة أخص بين العاصمة وبقية البلاد. ولقد أوضح شارل أندري جوليان Charles André Julien 2حول موضوع الأرياف بقوله: "أهل البادية قوم غزاة يحصدون ما يزرعونه من حبوب حيث البساتين والأراضي التي أُعدّت لها.

ولكنها دُمّرت بفعل اختناق القرى والمدن الفرعية، ولم يبق لهم ليقتاتوا غير شريط فلاحي رقيق على طول السواحل أو حول المدن المعمورة أو خلف مرتفعات الجبال حيث أدغال الشجر المكتنفة تمنع الولوج. والأمثلة على ذلك كثيرة: فالفلاحة الإفريقية ترجع إلى الساحل والوطني القبلي ومنطقة بنزرت، بينما أراضي الزياتين بالوسط فهي بيد القبائل"3.

إنّنا لن نتوقّف فقط للنظر حول مسألة مسؤولية هؤلاء البدو عن الأزمة التي عرفتها إفريقية بداية من القرن 114، بل سنحاول معرفة إذا ما كانت الأوضاع قد تغيرت بعد قرنين من هذه الغارات وإذا ما كان خلفاء أبي حفص الهنتاتي قد ركّزوا سلطة قوية مركزية بتونس بداية من الثلث الثاني من القرن 18 تمكّن من إعادة التوازن بين المدن والأرياف. وفي الحقيقة يعود بنا هذا للتساؤل إذا ما كان يوجد في العهد الحفصي علاقات اقتصادية واجتماعية وثقافية طبيعية بين المدن الكبرى وداخل البلاد أو بين العاصمة وباقي إفريقية.

ليس سهلا الإجابة بصفة قطعية على هذه المسألة في إطار ضيّق جدا يخص هذه الدراسة. أكيد أنّنا استطعنا أن نجد كتبا تؤرّخ أحداثا تاريخية لذلك العصر تخص إفريقية نذكر منها التي للعبدري وابن بطّوطة والتيجاني وأخرى كالتي للزركشي أو ليون Léon، وقد مكّنت بعض العناصر من توضيح تلك العلاقات5. لكن هؤلاء المؤرّخون الذين هم غالبا عابرو سبيل في سفرهم إلى إفريقية ليسو بها مشغولي البال أو على الأقلّ بالقرى والأرياف. كما أنّنا حاولنا أن نفتّش ضمن مجموع فتاوى البُرْزُلي6 على ما يكمّل معرفتنا عن الحياة بالمدينة والريف في إفريقية وخاصة على المستويين: الاقتصادي والاجتماعي، بل كلّما انطلقت هذه الفتاوى من استشارات قانونية كلّما كانت الإجابات عن المسائل دقيقة والحلول للمشكلات فريدة من نوعها، فقد عالجت مع ذلك مواضيع جدّ مختلفة ومتنوعة مثل الجرائم والجنح وعمليات البيع والشراء والنقود ونظام الأراضي والرقّ والزواج إلخ... فهي تمسّ إذن حقائق لكل الأيام في العصر الذي يعنينا، ذلك أن الدين الإسلامي يهتمّ بالغ الاهتمام بالأمور الدنيوية على غرار الأمور الغيبية.

إن الفتاوى والأحكام المجموعة من قِبَل البُرزلي في كتابه لا تهتمّ بصفة خاصة بالعلاقات بين المدن والأرياف وإنما هي تقدّم حلولا لمشكلات طُرحت للحضري والريفي، ومن خلال تلك الحلول سنحاول فهم هذه العلاقات.

I- الحياة في الريف في إفريقية في العهد الحفصي من خلال الفتاوى:

إن المفتين القضاة بمدننا ذوي أصل مغاربي أو أندلسي7 لا يُكتشفون أحيانا إلا عن طريق علماء الجغرافيا، فقد تحيّروا في تحديد الامتداد الجغرافي لإفريقية والتدقيق في رسم حدودها، فقالوا أن هذا البلد يمتدّ من الحدود الطرابلسية إلى تخوم منطقة تِـبْنة من جنوب بجاية. كما يدخل ضمنها إقليم طرابلس مع جبلها...إلى أطراف "طوارغة" حذو منطقة "سِرْت"8، كما تحدّثوا عن جزيرة "زمبرة" المسمّاة حينها بجبل الجوامير كثيرة المعز البرّي9. وأمدّونا أخيرا بتعريف للإقليم أو المنطقة المسمّاة "البلد" والتي تشتمل عموما على المدينة الكبرى ونواحيها، وهكذا تونس ونواحيها: باجة، القيروان، بجاية ونواحيها كبلاد العنّاب "عنّابة"، الجريد ونواحي طرابلس. تكوّن كلّها بلدات بمعنى أقاليم والتي يمكن أن تعرّف، حسب رجال القانون دائما، بمثابة ولايات خاضعة لسلطة الوالي10.

لقد وقع ذكر العالَم الريفي في عديد الفتاوى المتعلقة بمسألة المعاملات التجارية وبيع وشراء الأملاك والآداءات الموظفة على الأراضي11. كما نجد لدى البرزلي أيضا تعريفا لعقود المساقاة، حيث أوضح لنا أن العبارة متأتية من فعل "سقى"، وهذا التطبيق للمساقاة أي المزارعة بالتحاصص أمر يهم مطلقا الفلاحة ذات الأشجار المثمرة12.أما المغارسة فهي أيضا طريقة تشاركية بين المالك والعامل القروي وهي لا تتعلق أيضا إلا بالفلاحة ذات الثمار13. لقد نصت النوازل أيضا على القانون المنظم للخمّاس14. فقد طرحت بعض الفتاوى مسألة معرفة فيما إذا كان يحق لهذا الأخير أم لا مساعدة شريكه على العناية بالمواشي وجمع الحطب واستسقاء الماء. ولقد وضّحت تلك المسائل مع ذلك أن من عادات ذلك العصر لزوم، لمصلحة الخمّاس، رعايته للأبقار وما تدعو إليه الحاجة من وجوب قلعه للأعشاب وتسخيره لجمع الحطب وجلب الماء. وفي المقابل يمكن له أن يضع شرط حصوله على نصيبه من "الأولى" "المكسب السنوي" قبل إجراء أيّ قسمة للمحصول15. ولكن مهما كانت العادة في ذلك العصر والتي تنحو نحو إثقال نوعا ما كاهل صاحب المزارعة فإن الشرع الإسلامي قد أوجب حمايتها، ولقد أوضح حكم صدر بالقرن 15 الدور المنوط بعهدة العامل الفلاحي معدّدا الأعمال الرئيسية الواجب عليه القيام بها لفائدة مالك الأرض التي يعمل فيها: "الحراثة، التنظيف، رفع الأغصان، الحصاد، دَرْس السنابل بعد نقلها إلى البيادر"، "وليس على الخمّاس أن يحيد عن هذا"16.

تتعلق كثير من الاستشارات القانونية بأراضي الأحباس17وتُخصّص مداخيل هذه الأراضي بصفة عامة ومستمرة لفائدة المبرّات الموقوفة مثل المساجد والمدارس والمكتبات الخ...وتُستغلّ هذه الأراضي غالبا على وجه الكراء، مثال ذلك أراضي الأحباس الواقعة بجهة المعلّقة بأحواز تونس حيث وقع كراؤها فترة طويلة تُقدّر بين 40 و50سنة18.

يعمد السلطان أحيانا إلى تعمير بعض الجهات الفلاحية المهجورة أو الخالية إلى إجراء توزيع للأراضي. ويُشار إلى الشاغلين الجدد للأرض بعدم إمكانية حوزها بوضع اليد أو التخلي عنها. ولكن من المؤكد أن هذه الأراضي قد وقع إشغالها فترات طويلة19، كما وقع في جميع الحالات جنيها أو زرع الأشجار فيها مما جعلها تلعب دورا هاما في استقرار البدو.

وأخيرا أمدتنا الفتاوى بكثير من التفاصيل الموضحة لنا عن الحياة القروية. وتتعلق هذا التفاصيل بكراء دواب الحراثة "الثيران"، بناء حواجز صغيرة لتحويل مجرى المياه من أجل الريّ في السهول القيروانية، السكن الفوضوي في جزيرة جربة، مدى إمكانية حراثة المقابر بعد عشر سنين من امتلائها إلخ...20
لقد بقيت مع ذلك المكانة التي يشغلها العالم القروي في نوازل البرزلي جدّ ضيّقة مقارنة بما تحتفظ به لدى العالم الحضري. وفي الواقع يظهر المــُــفتون والقضاة غالبا غير مكترثين ولا ملتفتين تجاه كل ما يمس الريف أو بالأحرى كل ما يمس البدو.
***************
- ورد هذا المقال بالمجلة التونسية للعلوم الاجتماعية عدد 112 بتاريخ 1993 ص 51 باللغة الفرنسية عنوانه:
" Quelques aspects de la vie urbaine et rurale d’après les Fatwa d’Al-Burzuli : esquisse d’une étude des rapports ville-campagne à l’époque Hafside ".
2- "1891 – 1991" مؤرخ وصحفي فرنسي مختص بالدول المغاربية كان يدرس بمعهد الدراسات السياسية بباريس ثم بالسربون.
3- Charles André Julien: تاريخ شمال إفريقيا " Histoire de l’Afrique du Nord " - ج2 ص 74.
4- أنظر ج. بونسى J. Poncet : "النجاحات والإخفاقات في إفريقية" Prospérité et decadences Ifriqiyennes الكراس التونسي عدد 33، 34، 35، الثلاثي الأول والثاني والثالث 1961.
5- أنظر أطروحة الطيب الزواري مرحلة ثالثة بعنوان: "الموارد الفلاحية في إفريقية في العهد الحفصي ودورها في اقتصاد حوض البحر الأبيض المتوسط" Les productions agricoles de l’Ifriqiya hafside et leur rôle dans l’économie méditerranéenne. ستراسبورك Strasbourg– أكتوبر 1977 المبحث الثاني الصفحات من 81 إلى 139.
6- عنوان هذا المجموع: "جامع الأحكام لما نزل من القضايا والحكّام" ونشير إلى هذا المجموع على امتداد هذا المقال بمصطلح "النوازل".
7- يشتمل كتاب البرزلي على مجموع الفتاوى والأحكام الصادرة عن مفتين وقضاة أجلاّء أمثال التونسي ابن عرفة والأندلسي ابن رشد وتونسيين آخرين أمثال ابن عبد السلام.
8- النوازل ج1 ص 307.
9- النوازل ج1 ص 167.
10- النوازل ج2 ص 165.
11- النوازل ج2 الصفحات 117، 129، 130، 131، 132، 133.
12- النوازل ج2 الصفحات 214، 207: "وحقيقتها "أي المساقاة" شرعا عقد مؤونة النبات، يقال أساقيك على نصف الثمرة وأستأجرك على نصفها".
13- النوازل ج2 ص 210 : "رسم المغارسة...معاملة على مؤونة الشجر".
14- النوازل ج2 ص 207: "أشاركك في الزرع على الخُمس أو أستأجرك بالخُمس".
15- النوازل ج2 ص 285: "قلت جرت العادة اليوم في البادية يشترط عليه "الخمّاس" القيام بالبقر والإحتشاش لها وعمل الحطب واستسقاء الماء..."
16- النوازل ج2 ص 225.
17- النوازل ج3 الصفحات من 238 إلى 250 وهي تتعلق هنا بالأحباس العامة.
18- النوازل ج2 ص 273.
19- النوازل ج2 ص 363.
20- النوازل ج2 صفحات 96، 100، 147، والجزء 2 ص 123.













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-May-2011, 11:24 AM   رقم المشاركة : 2
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: الحياة الحضرية والقروية في إفريقية من خلال فتاوى البُرْزُلي

-5-2011 8:17:12

الاهتمام بأمن المتساكنين بالمدينة ورفاهيتهم أمر ضروري في هندسة المدينة
الحياة الحضرية والقروية في إفريقية من خلال فتاوى البُرْزُلي 3/2




الطيب الزواري
ترجمة: ماهر بودية1

إن الفقه المالكي هو أساسا حضري، والأحكام الأكثر اعتبارا والفتاوى تصدر لفائدة سكان المدن الرئيسية بإفريقية، من ضمنها تونس والقيروان الأكثر ذكرا ضمن مجموع فتاوى البرزلي.

وتعكس الأحكام والآراء الصادرة عن العلماء الحياة اليومية في هذه البلدات الساحرة. وقد وقع ذكر عاصمة الدولة الحفصية في الواقع بأحيائها وأرباضها وجوامعها وزواياها وحمّاماتها ومدارسها وفنادقها وطواحين الرحي فيها.

تظهر الفتاوى أيضا عندما يكون فقهاؤنا غيورين على جمالية ونظافة مدنهم، فحسب البرزلي يكره الإمام ابن عرفة حمّام ابن الحكيم لقُبحه مما جعله يأمر بهدمه على الرغم من كونه كان حبسا. كما منع أيضا الفقيه أبو سعيد من بناء محل للتجارة غير بعيد عن جامع الزيتونة2، وبدون شك لأن هذا النوع من البناء كان سيغمر بظله هذا الجامع الأعظم. لقد كان إذن القرن 15 من العصر الحفصي عصرا يُحترم فيه الذوق السليم. ولكنهم لم يستنكروا على الأقل الترف والرفاه حيث أن ذلك كان يعتبره الإسلام بمثابة تبذير للأموال3.

علاوة على المسائل المتعلقة بهيكلة المدينة الكبرى بتونس كان لنوازل البرزلي أيضا صدى لعدد كبير من المعضلات العائلية في التجمعات الحضرية. ففي سياق الحديث عن تصريف المياه المستعملة على سبيل المثال يخبرنا أن تلك المياه يقع تصريفها عبر قنوات في اتجاه البحيرة، أما في القيروان فهي تؤول إلى آبار خالية مهيّئة لدى كل منزل، مع أن المدينة الأغلبية كانت سالفا مجهزة بالقنوات4. في هذه المدينة الأخيرة يمارس الصبّاغون عملهم داخل الأسوار مما يبدو أنه أثار دهشة البرزلي، فبقدر المياه الملوثة التي يستعملونها، بقدر التلوّث الذي يوشك أن يعمّ المدينة5. كما ذكر البرزلي أيضا مسألة جمع القمامة ومسألة إعادة بناء المنشآت العامة مثل المساجد والأسوار أو غيرها إلى حدّ المسائل المتولّدة من مساكنة العائلات في الدور ذات الطوابق.

يبدو أن الاهتمام بالجانب الأمني للمتساكنين بالمدينة ورفاهيتهم أمر بديهي من خلال الفتاوى والأحكام، بينما لا يوجد أيّ انشغال مماثل فيما يتعلق بالقرويين. نصت إحدى الفتاوى بوجود حارس ليلي حيث يكمن دوره بالتأكيد في ضمان سلامة المواطنين أثناء نومهم6. ولنفس الأسباب الأمنية بل أيضا بغرض عدم إلحاق الضرر بنشاطات أهل البلد وبأموالهم فقد أصدرت سلطات مدينة تونس إجراء منع يفرض بمقتضاه على المواطنين تغيير محل إقامتهم أو مكان عملهم لأيّ مبرّر كان، حتى ولو كانت مصالح المدينة مرتبطة به. وأخيرا جاء ضمن فتاوى أخرى بعض النصائح المشيرة إلى ضمان رفاهية المدن الحضرية. فيُنصح على سبيل المثال بعدم رشّ المياه بالأنهج إذا كان ذلك يعيق تنقّل المتساكنين، وبعدم نشر ملابس الغسيل في الطريق إذا كان ذلك يعيق حركة مرور عابري السبيل7.

تتركب الطبقة البورجوازية بالمدن الكبرى خاصة تونس، من العلماء وأغنياء التجار ومن الحرفيين المهرة8، تعيش في نوع من الرخاء يقارب العظمة في بعض الأحيان. إضافة إلى ذلك تُظهر لنا الأحكام لشيخنا المفتي بعض الاحترام تجاه المرأة. ونشهد ذلك بالخصوص عندما تشتهر بالشرف وتكون أيضا محلّ تقدير، وذلك من الممكن أن يؤخذ بعين الاعتبار. ولا تحتاج المرأة في هذه الحالة أيضا أن تتنقّل بل يبعث لها القاضي شخصا، يكون عدلا بالتأكيد، إلى دارها للحصول على شهادتها تحت طائلة القسم9. فلم يكن من البديهي طرح مسألة معاملة المرأة القروية أو البدوية بنفس الاعتبار سواسية. فالمرأة التي من عامة الناس حتى ولو كانت تعيش في المدينة ليس لها اعتبار البتة. إلى حدّ أنها توصف بالفاسدة مثلما وُصف به اليهود. ولا تُقبل شهادة الأخيرتين أو من خوارج جربة أو من الأعراب عامة إلا إذا كانت الأخيرات عدولا10.

والأكثر من ذلك أنه لا يمكن للمرأة البورجوازية حسب فتوى الإمام ابن عرفة أن تكون ملزمة بالسكن مع حمويها إذا كان ذلك يهدّد بنشوب الخلافات في البيت11. ولأهل المدينة أيضا اهتمام بالنظافة واللباس الأنيق وكذلك التلاميذ، خاصة بلا ريب تلاميذ الكتّاب،الذين لهم عادة حسنة في العودة جماعات جماعات، يصطحب بعضهم بعضا إلى دور أقرانهم في بعض المناسبات، وهم سعداء بذلك، لابسين أفخر ما عندهم من الثياب12.

يتباهى أهل تونس أيضا عند البحث في عادات طبخهم ونرى بعض البذخ في غذائهم. يحكي برانشفيك Brunschwig في هذا السياق عن البرزلي الذي يعتبر الزيت المستهلك في العاصمة من النوع "المعصري" بينما يستهلك أهل الساحل زيتا ذا نوعية أدنى وهو "درب الماء"13.

وأخيرا كان بورجوازيو مدينة تونس والمدن الأخرى بإفريقية على اتصال دائم باليهود والمسيحيين الذين يعيشون في مدنهم أو يكونون فيها عابري سبيل. وقد أدّت علاقات الأعمال التي تجمعهم إلى التعايش في تفاهم ووئام14. جاء بإحدى فتاوى البرزلي مسألة زواج تونسي بأجنبية15، ومن المحتمل أن كانت مسيحية. ويبدو أن هذه الممارسة كانت جارية في العهد الحفصي. وقد كانت إفريقية في ذلك العصر منفتحة بصفة واسعة على تجارة حوض البحر الأبيض المتوسط. وتقتضي الممارسة التجارية بعض التسامح في المدن16.

إضافة إلى ذلك تعتبر الفتاوى والأحكام الراجعة بالنظر إلى البرزلي محل تداول في الوقت الراهن بين أعضاء ثلاثة مجالس بمناسبة احتفالاتهم الدينية المقدسة، وقد وقع هذا بالرغم من نصائح بعض الفقهاء الذين أشاروا على المسلمين بعدم اتفاقها مع قضايا الحاضر. وعلى كل فهي على الأقل فيما يخص جهة اليهود.17

يبدو أن التعليم في إفريقية في العهد الحفصي كان نشاطا يكاد أن يكون خاصا بأهل المدينة دون غيره18. نذكر من خلال فتاوى البرزلي أهم المواد التي يقع تدريسها وهي بالأساس الفقه الذي يمكّن من معرفة أفضل بالقرآن والسنة كذلك نذكر علم القراءات وهي الطرق المختلفة لقراءة القرآن ثم المواد الغير الدينية كالمنطق والرياضيات19. علاوة على ذلك يُنصح للطلبة بعدم الاهتمام بالكتب التافهة والتي يُمنع كذلك بيعها وهي تتعلق بالكتب التي تعالج تاريخا مغلوطا كعنترة، مجموع الأشعار الجريئة وكتب التنجيم والسحر20. يوجد بتونس سوق للكتب يستطيع الناس الاقتناء منها21، ولكن كانت الطلبة وحتى الأساتذة بصفة عامة معوزين، لذا أقام عدد كثير من المحسنين بجزء من أموالهم أحباسا وخُصّصت مداخيلها أجورا للأساتذة ولطعام ومبيت الطلبة في المدارس ولشراء الكتب قصد إثراء رصيد مكتبات الجوامع العظمى.
ليس للطلبة دائما المال الكافي لشراء الكتب ولذا كانت لهم الإمكانية لاستعارتها من المكتبات. ولكن يبدو أن طلبة القرن 18 يحتفظون بالكتب المستعارة عندهم مدة طويلة22. مع ذلك فقد لجؤوا إلى بعض التدابير للحدّ من هذه التجاوزات. وكان أن أجمعوا على أن يعيروا سوى كتابا واحدا في المرة الواحدة وأن لا تُسند الإعارة إلا بحضور الأساتذة وعلى ضمان موافقتهم. وهؤلاء الأخيرون اتفقوا على تطبيق هذه القيود على أنفسهم23.

لقد كانت للفتاوى أيضا صدى على بعض مظاهر تأديب الصغار في ذلك العصر فمثلا كان الشيخ العبيلي أحد الأساتذة الأكثر تقديرا في العهد الحفصي، فلقد فضّل بغرض عدم إضاعة الوقت عدم انشغال الطلبة بالإمكانيات الفكرية الضيّقة بل يتفرّغون فيما بينهم بما هو أكثر ميلا واستعدادا24.

إضافة إلى ذلك يُشار إلى أن بعض المعلّمين يوقعون على تلاميذهم عقابا جسديا ولا يتردّدون في معاملتهم معاملة الثيران أو الحمير أو نعتهم بنعوت أخرى مهينة25.

تعتمد حياة المدينة في إفريقية في العصر الوسيط بالأساس على التجارة، فلقد ذكر البرزلي في مجموعه كثافة النشاط التجاري في المدن مع الخارج ومع داخل البلاد. إضافة إلى وصف الأسواق وزحمتها، علاوة على الإشارة إلى بعض الممارسات التجارية مثل بيع الأسماك أو اللحم بالميزان أو بدونه26. لقد ذكرت الأحكام مسألة والتي يبدو أن لها أهمية كبرى في القرن 15 من العهد الحفصي، وهي تتعلق بالنقد، فقد نلاحظ في الواقع تكاثر النقود المزيّفة. مع ذلك فقد عرضت إحدى الفتاوى أيضا حالة ظهور قطع تحتوي نسبة قوية من النحاس فأعلمتْ إلى ذلك بكون الصيارفة مجمعون بعدم صرفها بتاتا27. ولقد تقرر حكم قانوني آخر حول انتشار في كامل أنحاء إفريقية كمية من النقود النحاسية "ذهب أو فضة" متأتّية من بلاد هوارة فسعى الخليفة في هذا الشيء، فقضى بمنع استعمالها حتى لا يستمرّ الناس في "تضييع رؤوس أموالهم"28.

لقد كان انهيار قيمة النقد في ذلك العصر جليّ: فلقد علمنا من خلال فتوى أخرى أن ستين دينارا لا تساوي بتاتا عند بعض العصور سوى عشرة دنانير أميرية بمعنى الدنانير المؤرخة في حكم أبي زكريا29. كما كان أيضا حال الدرهم في تونس، ففي نهاية القرن السابع كان يزن 26 حبة شعير من الشعير الصافي بينما لم يكن يزن في سنة 760م غير 24 حبة30.
هناك مسألة أخرى لا تقل خطورة صبغت الحياة الاقتصادية في عصر البرزلي، وهي تتعلق بتدنّي الأخلاق في ميدان المعاملات التجارية. فبالنسبة للموازين والمقاييس فكان الحال القول بوجود اثنين منهما أحيانا، وحتى أكثر من ذلك في العهد الحفصي. فقد أشار إلينا البرزلي في الواقع إلى أن بعض التجار الغير الشرفاء يملكون ميزانين اثنين: واحد لأجل الشراء به والآخر لأجل البيع به، ولا ريب أن الاثنين كانا مغشوشين. وقد يضع تجّار آخرون أحيانا بعض الحصى في أصل الأوعية المعدّة لكيل الموائع ليبخسوا الناس أموالهم31. كما للجزّارين عاداتهم في المدينة كما في الريف في بيع اللحم مختلطا بقطع من شحم وعظم والذي يُحتسب بنفس سعر بيع اللحم32.

كما يذكر البرزلي أيضا عديد التجاوزات المقترفة في مصالح العواصم منها خاصة "دار الصابون" التي تبدو قد جاوزت حدّها، فلقد جرت عادة المستخدمين على هذه المؤسسة على تسخير مادتي الرماد والجير في صناعتهم حسبما تدعو إليه حاجتهم ولا يدفعون لمالكيهم إلا النزر القليل من الثمن. أمّا المادة الوحيدة التي يشترونها بثمن باهظ فهي الزيت33.

من البديهي أن انهيار قيمة النقد والاختلاسات المقترفة من جهة التجّار وبعض أعوان الدولة كلها عوامل تساهم في إنهاك وضعية فئات الناس الصغرى مما يُضعف القدرة الشرائية لديهم ويكونون مجبرين على رهن دورهم وقطع من أرضهم لفائدة المرابين من اليهود وغير اليهود34.

يبدو إذن واضحا من كون المدينة التونسية في عصر ابن عرفة والبرزلي كان يهيمن عليها التاجر والمرابي. لكن لم يقع إثبات ضعف الوازع الديني وانعدام الأخلاق عند غالبية هذه الفئة من الناس مع أنهم مسؤولون في جانب كبير عن أزمة المجتمع الحفصي. وتتجلى هذه الأزمة أيضا في مختلف مظاهر الفساد الأخلاقي التي كانت جوهر المسائل في عديد الفتاوى. كما يمكن لنا سرد عديد الأمثلة: مثل تلك النساء قليلات الأدب اللائي يكتسحن الزوايا في المساء. وقد قام القاضي بنفسه بهدم إحدى هذه المحاريب حتى يطردهن منها"!"35. كما للسلطات الحفصية دواعي أخرى في التحرّز من هذه الزوايا، حيث أن أعدادها لا يتوقّف عن التصاعد مع تنامي ظاهرة التصوّف. وتُعدّ هذه الأماكن في الواقع ملجأ للمتمرّدين "أهل الخلاف" الذين كانوا في الغالب من البدو. كما أن فقهاء الفقه المالكي يكرهون مطلقا الاختلاط الذي تتميّز به هذه الأماكن و ما يحوكون فيه يوميا: من رقص وقرابين واعتقاد للقوى الخارقة لدى الرموز المقدسة التي ما تزال حية فيهم أو مسندة إليهم36.

كذلك هناك مظهر آخر لتدنّي الأخلاق، وهو الشذوذ الجنسي الذي ذُكرت صورها في أكثر من فتوى. فقد طرحت إحداها مسألة مدى معرفة إذا ما كان لأعزب الحق أم لا في تعليم الصغار نظرا للأسباب التي نحزرها. كما هناك استشارة أخرى تنصح الأساتذة أن يحتاطوا من بعض تلاميذهم الذين يمكن أن يُخشى منهم الفساد37.

كيف يمكن إذن أن يكون بوجه آخر المجتمع الحفصي الذي شخّص بعض القضاة بأنفسهم فساده؟ هل ذكروا في الواقع أن من بينهم من اتصل بصفة مباشرة أو بواسطة بحجّابهم المروّعين أو بالرشاوى؟38كما وأن أغلبيتهم قد أصبحوا صعبي المنال من جهة السكان39. والأسوء أيضا أن تكون نزاهتهم الدينية والعلمية محلّ شبهة، بما أن بعض القضاة يدلون باستشاراتهم دون أن يعرفوا حتى الأسلوب الأدبي في اللغة العربية، ولا حتى المبادئ الأساسية لفقه القضاء. وهذا الصنف من القضاة لا يستند إلى نصوص واستشهادات ممن سبقه من تلاميذ أئمة الفقه المالكي40.

ليس من المستغرب أن نجد في مجموع البرزلي كلاما قاسيا جدا حول أواخر القرن الحفصي، مثل عبارات "فساد الزمان" أو "الفساد في الأرض" أو أيضا عبارة "الجهل" أو "سطوة العمّال" "تجاوزات الحكّام" إلخ...، فتعود كل هذه العبارات غالبا إلى نص الاستشارات41.

مع ذلك كان الفقهاء ومؤلفي الفتاوى أكثر قساوة بكل تأكيد تجاه أهل الريف وخاصة تجاه البدو "الأعراب" على خلاف أهل المدينة التي ينتمون إليها.
******
- ورد هذا المقال بالمجلة التونسية للعلوم الاجتماعية عدد 112 بتاريخ 1993 ص 51 باللغة الفرنسية عنوانه:
" Quelques aspects de la vie urbaine et rurale d’après les Fatwa d’Al-Burzuli : esquisse d’une étude des rapports ville-campagne à l’époque Hafside ".
2- النوازل ج2 ص276 والجزء 3 ص 104.
3- النوازل ج2 ج 3 ص 104.
4- النوازل ج 2 – ص 277: قد كانت من المؤكد مستعملة تحت حكم الأغلبي آنذاك.
5- النوازل ج 2 ص 276.
6- النوازل ج 3 ص 14.
7- النوازل ج 2 ص 31 و 86.
8- النوازل ج 1 ص 238. تعتبر صنعة النساج في إفريقية من إحدى الصنائع الأكثر نُبلا. "وهي "الحياكة" بإقليم إفريقية من الصناعات الرفيعة" بينما الحرف التي تعتبر أكثر خسّة فهي مثل التي للكنّاس والحلاق والجزار والدلال "انظر النوازل ج 3 ص 47 والجزء 2 ص 113".
9- النوازل ج 3 ص 93. هنّ النساء البورجوازيات اللائي يتحجّبن ويكون خروجهن في الطريق بالنسبة لهن عملا قليل الأدب.
10- النوازل ج3 الصفحات 135 و252 والجزء1 ص89 والجزء2 ص 188.
11- النوازل ج3 ص191.
12- النوازل ج2 ص 266.
13- مقتطف من كتاب "البربر..." لبرانشفيك Brunschwig ، " La Berberie… "، ج2 ص214.
14- أنظر أطروحة الطيب الزواري مرحلة ثالثة بعنوان: "الموارد الفلاحية في إفريقية في العهد الحفصي ودورها في اقتصاد حوض البحر الأبيض المتوسط" Les productions agricoles de l’Ifriqiya hafside et leur rôle dans l’économie méditerranéenne. ستراسبورك Strasbourg– أكتوبر 1977 المبحث الرابع ص 235.
15- النوازل ج2 ص 145.
16- كان المسيحيون واليهود يخضعون مع ذلك إلى بعض القيود، فالأولون مقيدون في تنقلاتهم داخل البلاد وفي ممارسة شعائرهم الدينية، والثانون مقيدون إلى حد طريقة لبس لباسهم.
17- النوازل ج2 ص 262.
18- نحن لم نجد على كل حال إشارة ما إلى التعليم في الوسط القروي في مائات الفتاوى التي رجعنا إليها.
19- النوازل ج1 ص 341.
20- النوازل ج2 ص 164.
21- النوازل ج2 ص 185.
22- النوازل ج2 ص 164 "تساهل "الطالب" في حبس الكتب إذا استعارها"، نشير في هذا السياق أن أبو الحسن المريني الذي غزا إفريقية سنة 1347م قد منح جامع الزيتونة والقيروان كتبا ثرية لاحتمال جذب عطف المفكرين الذين كانوا في السابق مع ذلك يظهرون العداوة تجاه الغزاة.
23- النوازل ج1 ص 53 و 54.
24- النوازل ج2 ص 256.
25- النوازل ج2 ص 262.
26- النوازل ج2 ص 163 و168. يوجد كذلك بيع القمح الذي يجب أن يُنزع عن قشه ولا يمكن بأية حال أن يُباع إذا تجاوزت نسبة القش ثلث الكمية الجملية.
27- النوازل ج2 ص 151. لقد عرّف البرزلي الصرف كما يلي: "هو بيع الذهب بالفضة أو أحدهما بفلوس".
28- النوازل ج 2 ص 151.
29- النوازل ج2 ص159. أبو زكريا هو أوّل حاكم حفصي حافظ على اسم الأمير إلى وفاته فأمكن إطلاق هذا الاسم على الدنانير التي أصدرها.
30- النوازل ج1 ص139 حسب فتوى الإمام ابن عرفة. أنظر أيضا أطروحة الطيب الزواري بالمرحلة الثالثة آنفة الذكر ص167.
31- النوازل ج 2 ص 151.
32-النوازل ج 2 ص 163.
33- النوازل ج 3 ص 187.
34- النوازل ج 1 ص 137.
35-النوازل ج 1 ص 71.
36-النوازل ج 1 ص 109.
37- النوازل ج 2 ص 266.
38-- النوازل ج 3 ص 73.
39- النوازل ج 3 ص 179.
40- النوازل ج 3 ص 16 و 18 "ولا إسناد لأهل المذهب ولا قياس عليه".
41- النوازل ج1 ص160 والجزء3 ص179 و131 والجزء2 ص 151 إلخ...













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 26-May-2011, 09:51 AM   رقم المشاركة : 3
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: الحياة الحضرية والقروية في إفريقية من خلال فتاوى البُرْزُلي

25-5-2011 18:54:51

الحياة الحضرية في إفريقية من خلال فتاوى البُرْزُلي3/3




الطيب الزواري
ترجمة: ماهر بودية

لقد كان سكان المدن وسكان الأرياف في العهد الحفصي مدعوين إلى أن تتجاور وتتشابك المصالح مع بعضها البعض.

بعضهم يذهب إلى الريف حيث الأسواق الأسبوعية بالقرى الكبرى ليتزوّد بالمواد الغذائية الفلاحية أو بالمواد الأوّلية وبيع مصنوعاتهم الحرفية.

بينما يتوجّه آخرون بصفة منتظمة إلى الأسواق المختصة بالمدينة قصد شراء ذاك أو تلك من الحاجات الضرورية أو إلى مقر الإدارات بغرض إتمام إجراء قانوني ما. وهنا يتعلق الأمر بالعلاقات العادية والشبه اليومية بين أهل المدن وأهل القرى الملازمين فيها السكان نوعا ما أراضيهم الكبرى أو ضيعاتهم الفلاحية أو نواحي قراهم.

ويطلق البرزلي على مجموعهم اسم البادية.. لقد كان متعاطو زراعة الأشجار أو الخضروات أو الحبوب أو تربية المواشي غالبا مالكين لأراضيهم ويفلحون بالتوازي أراضي البرجوازيين الساكنين بالمدن الكبرى.

وقد ذُكرت في ذلك عدّة فتاوى مثل "المغارسي" أو "المساقي" أو "الخمّاس" أو أحيانا كرعاة بسطاء أو حرّاس.. وتحدّد نفس الفتاوى العلاقات بين العامل في الأرض ومالكها ومكافأة العمل في ذلك.

غير أنّ هنا تنشأ المشاكل، أي في العلاقات بين أهل المدينة والبدو أو بين السلطة وبعض القبائل. فيبدو تاريخ الدولة الحفصية مع ذلك بمثابة صراع مستمرّ بين السلطان أو قوّاده على رأس الجيوش المنظّمة وعناصر البدو الموجّهة عبر رؤساء القبائل. ومن خلال هذا الواقع كان العسكر السلطاني دائما مستعدّا للحرب. ولقد أجازت إحدى الفتاوى للجنود إمكانية التنصّت في صلواتهم في المناطق التي يمكن أن يُخشى فيها من خطر الأعراب. ولقد كانت نسبة هامّة من هذا الأخير عدوا لدودا للسلطان، وكانوا يُنعتون بأهل "الخلاف" "المعارضون". وكان يُحجّر أن يُباع لهم السلاح أو المعدّات أو الخيل، بمعنى كلّ ما يمكن أن يقوّي ترسانتهم الحربية1، فقد كانت تعتبرهم السلطات الشرعية بمثابة "خوَنة".

وفي الحقيقة ألم تساعد بعض القبائل أسطول أبي الحس في فتح إفريقية؟ لكن توبتهم لمثل هذا غير مقبولة، بما أنهم قاموا بإذاية الجند2، فهم أشبه إذن بالغدّارين وتصير أموالهم غنيمة حرب إذا غُلبوا.

لقد كان البدْو متّهما أيضا بإشاعة عدم الأمن والاستقرار داخل البلاد، وذلك خاصة عبر قطعهم الطرق، ولقد تأيّدت فتاوى البرزلي بشهادات المؤرخين في العهد الحفصي أمثال العبدري أو التيجاني أو ليون في إفريقية3. فمن خلال كل هذه الشهادات كان الأعراب قد استولوا على أموال الغير وخرّبوا الحقول والبساتين4، ويجعلون الطرق غالبا مرتابة ويعيقون التجارة الداخلية5. كذلك يطالبون القرويين المستقرين بالمكوس حيث يجبرونهم على دفع مبالغ مالية مشطّة6.

أمام هذا التهديد المستمرّ كانت ردة فعل بعض المقيمين الحضّر مختلفة، يمكن أن تترجم أحيانا وبكلّ بساطة بالانقطاع عن العمل، مثل الوضعية المشؤومة لبعض الشيوخ الذين رفضوا القتال من جهة السلطان بحجّة أنه ليس لديهم ما يفعلونه لمجابهة هذه الداهية. وأحيانا يكون الهروب، مثل بعض القرويين المقيمين أمام هذه الغارات.

وفي الواقع حالما تبيّن خطر البدو الرُحّل إلاّ وشرع القرويون في الاحتماء وراء أسوار المدن القريبة منهم أو في الحصون والأربطة التي تُشتهر بها البلاد مثل حصن "لقطة" "أو نقطة" في أحواز صفاقس الصالحة لخزن المواد الغذائية المهمّة الراجعة بالنظر إلى أهالي صفاقس كما تصلح لهم للاختباء فيها في صورة هجوم مسيحي قادم من البحر أو بدويّ قادم من داخل تراب الإقليم. كما هناك حصون أخرى ""مَحارس"" تقع على طول السواحل تصلح لنفس الغرض. وقد كان نفس الشيء بالنسبة لرباط المنستير7.

وأخيرا يلتجئ أهل المدينة أنفسهم إلى الاحتقار: وهي وضعية خاصة بالسكان الحاضرة بالنسبة لبعض الأشخاص المتحصّنين جيّدا خلف أسوارهم ولكن في الأعماق منهزمون بما أنه في الحقيقة كائن حضري كانت صفة في ذاته8. ويتجلّى هذا الاحتقار تجاه البدو في عديد المظاهر حيث كانوا يُنعتون في الواقع بالجهلة والكذّابين وعديمي الشرف وليس لشهادتهم أمام عيون القضاء أيّة قيمة9.

إضافة إلى ذلك كان البدو الذين يتوجّهون إلى المدينة بغرض بيع إنتاجهم فيها، غالبا ما يكونون محلّ غُبْن. وهكذا كان الجزّارون يتدبّرون أمورهم دائما حتى يكون لهم الحق وحدهم لشراء البعض من دوابّهم عندما تكون معروضة في "الرحبة" "سوق المواشي". وفي القيروان أيضا هناك بعض الجزّارين من ضمن الأكثر مشاهدة، يأخذون واحدا أو أكثر من الدوابّ على حساب القطيع، والذين لا يدفعون ثمنه بالطبع زاعمين أن الأمر هنا من قبيل العُرْف القديم10.

لقد نوّهت النوازل في الأخير إلى حالة فقر القرويين بصفة عامة سواء المقيمين منهم أو الرُحّل. يمكن أن نذكر في هذا السياق مثال البدوي الذي لا يملك سوى لباس واحد، الذي يفترشه في زاوية لكي يستعمله بمثابة سجّادة صلاة. وكذلك ذلك البدويّ الذي ذهب إلى القاضي شاكيا إجحاف الخدم11.

ومن المحتمل أن يكون العوز هو الذي دفع بعض القبائل إلى أن تثور. وقد يكون نفس السبب هو الذي دفع بعض الآخرين إلى أن يعلنوا الموالاة للسلطان الحفصي. وهذا الأخير يوزّع لهم أراضي الإقطاع، وفي المقابل توفّر القبائل الموالية الجنود للجيش السلطاني ومساهمات نقدية وعينية لتعزيز صناديق ومخازن الدولة.

وهكذا إلى حدّ هذه الدراسة نرى أننا أظهرنا بعض المظاهر المهمّة في الحياة داخل المدن والأرياف بإفريقية في العهد الحفصي. ومن البديهي أنه يجب لبعض التحقيقات أن يُعاد اعتبارها وانسجامها على ضوء توثيق أكثر شمول وتنوّع، فيكون من الضروري في هذا الاتجاه تحليل كتب "الطبقات" في ذلك العصر قصد دراسة التأثير الثقافي للعاصمة والقيروان على باقي البلاد.
***

- النوازل ج1 ص165 والجزء2 ص179.
2- النوازل ج3 ص171.
3- أ" رحلة العبدري"نهاية القرن 18": تقديم وتعليق محمد الفاسي "الرباط 1968": ""باجة" وقد هتكتها الأيدي العادية وفتكت بها الخطوب المتمادية حتى أصبحت وهي حاضرة بادية" "ص 37". ""طرابلس" واستولى عليها من عربان البر ونصارى البحر النفاق والكفر... ولا ترى بها شجرا ولا ثمرا" "ص77". ""زيتون الساحل" وهي غابة عظيمة من زيتون البعل يحمل كثيرا وقد قطعناها في ثلاثة أيام وهي الآن معطّلة لفساد البلاد" "ص237".
ب" رحلة التيجاني"القرن 14": قدّم لها حسن حسني عبد الوهاب – تونس 1958: ""زيتون الساحل" وقد أذهب إفساد العرب أكثره وغيّر بعد الاستواء أسطره" "ص 65". ""صفاقس" وكان بها قبل ذلك غابة زيتون ملاصقة لسورها فأفسده العرب فليس بخارجها الآن شجرة قائمة..." "ص68".
4- النوازل ج1 ص 237 و238.
5- النوازل ج1 ص415.
6- النوازل ج1 ص132.
7- النوازل ج1 ص44.
8- النوازل ج3 ص16.
9- النوازل ج2 ص20 و260.
0 - النوازل ج2 ص157.
11- النوازل ج1 ص110.













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
البُرْزُلي, الحياة, الحضر

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
جميلة هي الحياة عندما معتصمة بالله استراحة التاريخ 0 31-Mar-2011 08:31 PM
معالم الحياة الطيبة أبو خيثمة استراحة التاريخ 1 08-Jan-2011 09:23 PM
جمال عبد الناصر معتصمة بالله صانعو التاريخ 6 07-Jan-2011 02:32 PM
فن الحياة معتصمة بالله استراحة التاريخ 4 03-Dec-2010 04:00 PM
فتاوى الحاخامات.. رؤية موضوعية لجذور التطرف في المجتمع الإسرائيلي النسر المكتبة التاريخية 0 01-May-2010 09:48 AM


الساعة الآن 09:37 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2011, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع