« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: لولا الخوارزمي ما كان الإنترنت (آخر رد :معتصمة بالله)       :: لا تحزن إذا دعوت الله كثيرا ولم يستجب لك (آخر رد :معتصمة بالله)       :: سلسلة منهم تعلمنا ... الشيخ / محمد حسان (آخر رد :ابو مريم)       :: اعلان عن تحقيق مخطوطه (آخر رد :رافع الكحلي)       :: اللّيْلُ وَأَطْيَافُ الأَحِبَّةِ قصيدة مؤثرة جدا جدا (آخر رد :الأيام)       :: ((المستقبل للإسلام شاء من شاء وأبى من أبى))((المحطات التاريخية في الحرب الإستئصالية (آخر رد :محمد اسعد بيوض التميمي)       :: عمل بسيط تفعله يوم الجمعة يكون لك أجر صيام وقيام سنوات كثيرة جدا (آخر رد :ساكتون)       :: سوريا تسلك طريق الحرية (آخر رد :النسر)       :: أصل الرئيس الامريكي اوباما والسياسه الأمريكيه (آخر رد :النسر)       :: كاريكاتير مُعبر (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> المكتبة التاريخية




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 17-May-2011, 11:17 AM   رقم المشاركة : 1
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي برهان الخطيب وآخر أوراقه الرابحة


صورة عن صراع الحضارات
برهان الخطيب وآخر أوراقه الرابحة




صالح الرزوقي


في روايته "على تخوم الألفين"، وهي ثاني أهم محطة في تاريخه الفني، يواصل الروائي برهان الخطيب نجاحاته وخطه الصاعد، فيقدم لنا صورة عن صراع الحضارات، بالمعنى الأنتروبولوجي للمصطلح، حيث أنه يضع بلده العراق ومكوناته وبنيته الاجتماعية، أمام عالمين مختلفين:
اقتباس:

1- قوات التحالف التي تبنت لأول مرة في التاريخ السياسي المكتوب مهمة التبشير بخطاب معرفي له رسالة سياسية.
2- ثم خالد ضمير الكاتب، أو رمزه الفني، وهو في الرواية مراسل مغترب يعود مع قوات الغزو لتغطية الأحداث

.

لقد كانت لبرهان الخطيب تجربة سابقة مع الرواية السياسية، وهي "شقة في شارع أبو نواس"، أو الرواية الممنوعة كما يشار إليها.

ومع أنها ليست بضمير أسود، فقد تعاملت مع التاريخ الوطني للعراق من الداخل، وبشكل شهادة عيان أو وثيقة فنية عن صراع اجتماعي وعرقي، ثم صراع مذاهب وأحزاب. وترتب على ذلك تحقيق عدة منغصات، وفي المقدمة الدخول في التابو لجميع المحرمات، وهذا يعني شبكة الصراع بين الأعراق والمذاهب وصور الأخلاق العامة.. وبالتحديد الاغتصاب والاعتقالات السياسية وطرائق ممارسة الشعائر والعبادات.

وإن اختيار برهان الخطيب لشقة من 3 غرف في وسط بغداد لتكون مسرحا للأحداث، قد ضغط على المشهد وحوله من طبيعته الروائية المفترضة إلى طبيعة مستعارة، هي أقرب ما تكون للنص المسرحي.. لقد كان توحيد المكان وتعدد الأشخاص هو العامل الأساسي وراء الإمساك بكافة الخيوط في يد واحدة.. غير أن الصورة ليست بهذه البساطة في عمله الأساسي الثاني. الشخصيات مثلا لا ترتبط مع ما يقابلها من عناصر أخرى بخيوط واضحة و محددة أو برموز مباشرة. وهي تقترب من دائرة الأحداث بشيء من التواطؤ مع مفهوم الجسم المفقود، بمعنى أنها تراقب لتشاهد وليس لتتورط.

لقد كان من المفروض على كل شخص أن يعلن عن حضوره وغيابه بالتناوب، وعن هويته المثقوبة وشخصيته العالمية المتعددة الجنسيات، حتى أن ملامح المراسل العراقي "الراوي الأول للأحداث" تختلط مع أخلاق وسلوك وصفات دافيد "شريكه في الحملة الصحفية".

وكذلك هو الحال مع المكان.. إنه لا يصلح لإدارة أحداث مباشرة وسببية. وهو يبدو أقرب ما يكون إلى عدة دوائر يربطها هم واحد. إن المكان في هذه الرواية يعاني من التفتيت والسقوط ، وغالبا ما تخترقه الذكريات لتنتقل من الحساسية الواقعية إلى أسلوب تحليل الشخصيات أو المناجاة. وفرض ذلك على الأحداث أو المادة "بتعبير أرسطو" أن تنمو في دائرة واسعة من المشاهد والافتراضات، وأن لا تلتزم بطريقة التتابع ولكن بطريقة التوازي.

لقد ابتعد برهان الخطيب في هذه الرواية عن الأسلوب الواقعي المباشر، والذي يعتمد على نواة تتطور منها الملامح العامة، واختار البنية الطبيعية للوجدان أو الضمير الإشكالي. وهذا وضعه على خطا وليم فولكنر: أن يبني من أدوات بسيطة عالما تراجيديا معرضا لخطر الإنقراض، وفيه يدور النزاع حول أقصى الضرورات والغرائز.

ومن ذلك الجدل الرمزي بين الحرية والعبودية، وبلغة الرواية المباشرة بين المقاومة والاستعمار. وهو ما يؤدي كما ورد في الرواية بالحرف الواحد إلى "صناعة الغربة" "1".

ومنه أيضا: الصراع بين سلوك الحب والتملك، والمثال على ذلك العلاقة العاطفية بين دافيد وفرح، والتي تقول عنها الرواية على سبيل التشبيه إنها "دمعة على الوسادة" "2".

ومع أن هذا يفترض نشوء صدام - مواجهة، أو لنقل معركة أفكار وعادات بين شرق مؤنث وغرب مذكر، فهو لا يقترب من حدود المثاقفة لا في المجال ولا في الموضوع.

واعتقد أن هذه الرواية لا تبتعد كثيرا عن مفهوم بناء الـمناظر والأخلاق الخاصة كما فعل مؤسس الرواية الفنية الحديثة محمد حسين هيكل، ولكن بعد إسقاط مكونات الريف على المدينة.. فالشخصية رقم 1 فنان أو مثقف، ومن قطاع الأنتلجنسيا. والزمان محدود بإدارة أزمة ترتبط بالهم العام والمصير الوطني. والمكان هو المنفى الذي يفاقم الإحساس بالحصار العاطفي المسؤول عن تبديل الإدراك والتصورات.
وقد فتح ذلك الطريق لإجراء مراجعة شاملة ونقد ذاتي.. بعبارة أخرى للنظر "كما يقول جون أوزبورن" بغضب إلى الماضي، وهو الذي يتألف من كل المشاهد ومن شريط الصور التي أصبحت وراءك، وهذا ينطبق على الماضي الروحي والموضوعي.

ومن هنا كانت تنجم العاطفة بالمشاركة ولو أنها حول مشاعر محبطة. وربما لهذا السبب وجد برهان الخطيب نفسه "كما ذكر في الرواية" "3" ملزما بإفهام نفسه قبل غيره.. فالمشاعر غالبا بحاجة إلى تأويل. ومن هنا أيضا كانت تنبع جدوى الكتابة عن الذات "كما صرح بذلك في متن الرواية" "4". فالعالم ليست له حقيقة ذاتية وخارجية، بل حقائق موزعة على الجميع.
****
هوامش :
1- انظر الفصل 9 - ليلة الفهد.
2- الصفحة السابقة.
3- انظر الفصل 30 من الرواية - أوراقها المنسية.
4- الصفحة السابقة.















التوقيع

آخر تعديل النسر يوم 07-Aug-2011 في 11:48 AM.
 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 07-Aug-2011, 11:47 AM   رقم المشاركة : 2
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: برهان الخطيب وآخر أوراقه الرابحة

7-8-2011 7:53:13
"ليالي الإنس في شارع أبو نؤاس" من أكثر الروايات العربية إثارة للجدل
الوطن والمنفى في أعمال برهان الخطيب




د. صالح الرزوق

لا يستعمل الروائي المعروف برهان الخطيب في أعماله الأساسية علبة الماكياج التي لجأت إليها الحداثة العربية الكسيحة ولا يحاول أن يمتحن ذكاء وذهن القارئ بالألغاز والطلاسم التي استعملتها الأساليب المعاكسة التي يدعوها النقد الفني باسم الرواية - اللانص.. فهو يحتفظ دائما في مجمل كتاباته بشخصيات للصف الأعلى، ومعها بعض الرموز الداعمة التي تعمل في الكواليس. وفي نفس الوقت لا يألو جهدا للمحافظة على إطار مشترك للأحداث، ذلك السياق الهادئ والمتسلسل والذي يشبه في أدائه انبلاج الفجر وانتهاء دورة الظلام.

ولكن هذا لا يعني أنه يستعمل نفس محرك السيارة القديم.. فهو غالبا ما يخرج عن نص السيناريو الجاهز، ويدمج التكنيك الواقعي المفصل بطريقة تيار الشعور – المونولوج الذي يضمن لنا نافذة على مسرح الأحداث. وهو في جميع الأحوال مخصص لعالمين متشابكين: الوطن والمنفى. مع نافذة إضافية مفتوحة على المجال النفسي لكل شخص. ولو أضفت لذلك حواراته الفلسفية، والتي تكاد أن تصل لمشارف التأمل – التكهن – الحدس، يمكن أن نلاحظ كم هو مغرق في متابعة تفاصيل الآخر، وكم هو مسرف في الحصار المفروض على تفاصيل الخاص والمطلق.

ولبرهان الخطيب قانون أساسي، أن ينهمك بالتركيب بدل المحاكاة، وهذا يعني إعادة تشكيل وتصدير وتسويق الواقع أو إعادة تدوير بل تفسير الوثائق والمدونات. ولمزيد من التوضيح: إنه يتبنى شكل الرواية التاريخية لا لتقديم دروس وعظات بل لكشف المسالك الخفية والمعتادة التي لا بد من استخلاصها والتطرق لها. وبعضها يندرج تحت مبدأ الفرقة الناجية أو مبدأ التحدي العقلاني، والتي تقترب من شكل الرواية الطبيعية في إعادة جدولة الواقع من خلال التركيز على أجزاء مختارة منه.

ولكنه لا ينسى في جميع الظروف أن يحيلنا إلى سيرته الذاتية وإلى محطات من حياته، وهذا يعني بالضرورة وضمنا الهم السياسي العام والعلاقة الشائكة بين الذات والمجتمع.

ولذلك استطاع وعبر مسيرته الطويلة التي امتدت لزهاء نصف قرن "أو أقل بدرجة يسيرة" أن يعبر عن الصور الاجتماعية لعالم لا يدور وينضبط إلا بفعل لولب السياسة وحوادث التاريخ الجليلة التي تترك وراءها بعض الندوب، وما يستحق منا أن نسميه "بالإذن من علوم الإحصاء" المتبقي residual أو بلغة الأدب الحنين و الشجن.

وضمن هذا الخط الصاعد الذي تخطى عتبات لبيوت روائية متعددة تندرج روايته "على تخوم الألفين" "1"، ثاني أھم محطة في تاریخه الفني، والتي یقدم لنا فيها صورة عن صراع الحضارات، بالمعنى الأنتروبولوجي للمصطلح، حیث أنه یضع بلده العراق ومكوناته وبنیته الاجتماعیة، أمام فضائين مختلفین:

1 - قوات التحالف التي تبنت لأول مرة في التاریخ السیاسي المكتوب مهمة التبشیر بخطاب معرفي له رسالة سیاسیة.
2 - ثم خالد ضمیر الكاتب ورمزه الفني، وهو مراسل مغترب یعود أدراجه بعد الغزو لتغطیة الأحداث.

لقد كانت لبرھان الخطیب تجربة سابقة مع الروایة السیاسیة، وھي "شقة في شارع أبي نواس" "2" المعروفة باسم "الرواية الممنوعة" لأنها كانت مدرجة في القائمة السوداء. ومع أنها لیست ذات أسلوب دائري مغلق كما هو الحال في روايته "الجنائن المغلقة" "3" وكما يفعل بالعادة أهم كتاب الرواية السياسية ربما للإعراب عن خيبات أملهم وعن الهزيمة المنكرة التي لحقت بالوجدان المطلق قبل أن تقوم بتفتيت البنية، فقد تعاملت مع التاریخ الوطني للعراق من الداخل، وبشكل شهادة عیان أو وثیقة فنیة عن صراع يدور بين الأعراق المختلفة المكونة للمجتمع، ثم بين المذاهب والأحزاب. ولو شئنا الاحتكام لمصطلحات لوكاتش المعروفة نقول: الصراع بين البنية التحتية والفوقية. وترتب على ذلك منغصات وأهمها خطورة رسم كامل الصورة والاكتفاء بجزء منها، وبعبارة أوضح : الابتعاد عن التابوات ما أمكن دون التغاضي عنها.

وإن اختیار برھان الخطیب لشقة من 3 غرف في وسط بغداد لتكون مسرحا للأحداث، قد ضغط على المشهد وحوّله من طبیعته الروائیة المفترضة إلى طبیعة مستعارة، ھي أقرب ما تكون للنص المسرحي. لقد كان توحید المكان وتعدد الأشخاص العامل الأساسي وراء الإمساك بكافة الخیوط في ید واحدة.

غیر أن الصورة لیست بهذه البساطة في عمله الأساسي الثاني، فشخصياتها لا تحمل رسالة واضحة أو رمزا مباشرا. وھي تقترب من دائرة الأحداث بشيء من التواطؤ، بمعنى أنها تراقب لتشاهد ولیس لتتورط. لقد كان من المفروض على كل شخص أن یعلن عن حضوره وغیابه بالتناوب، وعن ھویته المشكوك بها وشخصیته العالمیة متعددة الجنسیات، حتى أن ملامح المراسل العراقي "ما وراء الراوي الأول للأحداث" تختلط أحيانا مع أخلاق وسلوك وصفات دافید "شریكه في الحملة الصحفیة". ويمكن النظر إلى الرقم المرتفع للشخصيات التي يصورها وكأنها وجوه متعددة لنفس الفكرة، وهذا في الظاهر ولكن في الجوهر لتفكيك الضوء المركب الواحد إلى أطيافه البسيطة. إنها شخصيات غير كلاسيكية ولا تتحمل أعباء مبدأ التطهير الذي يعتبر من أبرز مكونات الشخصية في الفن الإغريقي، فهم ليسوا أشرارا بالمعنى الواضح للكلمة، ولكن يتقاسمون الخير والشر. وتفكير برهان الخطيب بهذا الخصوص يميل إلى التفسير العربي المديني الذي نشأ على أنقاض مجتمع البادية والذي يعتقد "كما قال الشاعر العربي من عدة قرون: إن الظلم من شيم النفوس وإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم"، بعبارة أخرى: الشخصية الواحدة، في هذا العمل، تتفاعل مع وتعكس مجمل خبرات الشخصيات كلها. وهذا يفترض أنهم لا يتواصلون مع الرموز البسيطة والمباشرة لمعنى الأحداث، ولكن مع الحدث المركب نفسه، مع أحاجيه ومعمياته التي تحتاج إلى تأويل. وربما كان وراء ذلك حكمة خاصة نلاحظها في التغير الطارئ على خالد بين بداية الرواية ونهايتها، بين قبوله للجديد ورفضه للاحتلال.

يقول برهان الخطيب في رسالة توضيحية "بتاريخ 23 – 5 – 2011": إنه لا يعرف كيف يرسم شخصية شريرة، ولكنه يضع الجميع في حالة تقابل، حالة صراع "4". ولو شئنا تفسير هذا الإقرار نفهم أنه لا يؤمن بالشكل الوجداني للشخصية الفنية، و لكنه يتأمل في الدوافع التي تحركها باتجاه الأحداث.

ومن هنا تبدأ معالجته لمشكلة المكان. إنه لا یصلح لإدارة أحداث لها مسببات ونتائج كما هو مفترض في الرواية التاريخية. وبالعكس قد یبدو أقرب إلى شكل حلقات متداخلة تكتفي بذاتها ولكن يربطها هم مشترك. بمعنى أن شرط التماسك والوحدة العضوية غير موجود وتحتل مكانه وحدة الجو وربما أحيانا تشابه الفضاء في الاتجاه، في الأفكار والأفعال وسوى ذلك.

وإن المكان في ھذه الروایة يبدو كأنه يعاني من التفتیت والسقوط، وهو موزع بين استوكهولم وبغداد، لكن ذلك من صلب طبيعة الحدث، الوطن المنفى، لذلك غالبا ما تخترقه الذكریات لتنتقل من الحساسیة الواقعیة إلى أسلوب التحلیل والمناجاة. ولماذا لا نقول أسلوب تيار الوعي الذي يميز قصة الستينات. وفرض ذلك على الأحداث "المادة بتعبیر أرسطو" أن تنمو في دائرة واسعة من الافتراضات، وأن تتخلى عن طریقة التتابع وأن تلتزم بأسلوب التقابل. حيث أن الرواية لم تعمد إلى التعريف بالأشخاص من خلال ملامح وعادات معينة ولكن كانت تشير إلى وجوه الخلاف المحتدم بينها. وإن المدخل إلى تلك الشخصيات كان ينحصر بتفسيرنا لها.

إنها شخصيات مرتبطة بقوة الإيحاء وليس بدلالة النص. إذاً في العمق نرى المكان قد خضع لتفكيك متعمد، لتركيب مشهد عريض وواسع سوف يسفر عن صورة شاملة لكل العراق فيما بعد، ويتأكد ذلك بانتقال جغرافيا الرواية من العاصمة بغداد إلى المسيب ثم إلى قرى جرف الصخر التي تقع ضمن مثلث الموت الشهير، ثم محافظة بابل. وقد كفل ذلك للرواية أن تحتضن مختلف أحجام وأنواع التجمعات السكانية، ضمنا مختلف الأنماط البشرية، لتقدم صورة كاملة عن عراق اليوم، وعن روح التغيير الذي بدأ منه ثم اجتاح العالم.

باختصار: لقد ابتعد برھان الخطیب في ھذه الروایة عن الأسلوب الواقعي المباشر، الذي یعتمد على نواة تتطور منها الملامح العامة، واختار البنیة الطبیعیة للوجدان والضمیر الإشكالي، ليقدم لنا في النهاية "بتعبير الناقد المعروف جمعة الحلفي" رواية مرحلة اجتماعية وليس مرحلة أو موضوع من التاريخ "5". وبصياغة أخرى: كانت لديه المادة "التي يقول عنها الجاحظ المعاني العامة" وهي نفسها تسلسل الواقع الخارجي، ثم أضاف لها الأسلوب وطريقة التعبير، والبحث عن الشروط التي يرى مالرو أنها "صورة للوضع البشري". وبين هاتين النقطتين ينشأ الصراع بين الإدراك والخوف من ضياع المعنى " كما ذكر برهان الخطيب في أمسيته الأدبية بغوتنبرغ" "6"، ولذلك إن أعماله دائما تنتقل من الطبيعة الاجتماعية إلى الطبيعة الوجودية "7". وھذا وضعه على نهج ولیم فولكنر: أن یبني من أدوات بسیطة عالما تراجیدیا معرضا لخطر الانقراض، وفیه یدور النزاع حول أقصى الضرورات والغرائز.

ومثال على ذلك: الجدل الرمزي بین الحریة والعبودیة، وبلغة الروایة المباشرة بین المقاومة والاستعمار. وھو ما یؤدي كما ورد في الروایة بالحرف الواحد إلى " صناعة الغربة" "8".
مثال آخر: الصراع بین سلوك الحب والتملك، كما هو حال العلاقة العاطفیة بین دافید وفرح، والذي تحول في نهاية المطاف إلى ما يشبه "دمعة على الوسادة" "9".

ومع أن ھذا یفترض نشوء صدام – مواجهة، أو لنقل معركة أفكار وعادات بین شرق مؤنث وغرب مذكر، فهو لا یقترب من حدود المثاقفة لا في المجال ولا في الموضوع. مرة أخرى هذا في الظاهر، أما في العمق فإن رفض فرح لديفيد، ودون إساءة له، يعبر عن أعلى أنواع المثاقفة، الند للند، كشرط لقبول الآخر، وليس للوقوع تحت سطوته أو الذوبان فيه.

لقد كانت هذه الرواية على مقربة من المخاض الفني لبناء مناظر وأخلاق خاصة نعرفها بما "ليس هو"، بكمون النفي الذي يدل على حقائق الصراع ومعانيه، كما فعل قبل قرن تقريبا محمد حسين هيكل في روايته المختلف عليها "زينب". ولكن بعد إسقاط مكونات الریف على مجتمع المدینة، فالشخصیة رقم 1 فنان ومثقف، ومن قطاع الأنتلجنسیا.. والزمان محدود بإدارة أزمة ترتبط بالهم العام والمصیر الوطني. والمكان ھو المنفى الذي یفاقم من الإحساس بالحصار المسؤول عن تبدیل الإدراك والتصورات وضياع النبع الأصيل للعواطف.

وقد فتح ذلك الطریق لإجراء مراجعة شاملة ونقد ذاتي، بعبارة أخرى للنظر إلى ما سلف من أمر "و أيضا لما استجد منه".. إلى كل المشاهد وإلى شریط كل الصور التي انطوت صفحاتها، وھذا يشمل الماضي الروحي والتاريخي على حد سواء. يشمل الخيال والواقع الميت، أو عالم الذكريات الجامدة.

وربما لهذا السبب وجد برھان الخطیب نفسه "كما ذكر في الروایة" ملزما بإفهام نفسه قبل غیره "10" ومهموما بمشاعر غالبا تحتاج إلى تأویل، وذلك في ذاته يرمز إلى قارئ غير مبال أو غير مدرك كثيرا لما يحدث حوله. ومن ھنا أیضا كانت تنبع جدوى الكتابة عن الذات وليس عن الآخر "كما صرح بذلك في متن الروایة". ولكنه سريعا ما يتناقض مع نفسه ليقول إن العالم بلا حقيقة ذاتية وخارجية، بل هو يتألف من حقائق موزعة على الجميع "11".

هل كانت هذه زلة قلم "أو زلة لسان"، أم أنها إشارة واعية لتفسير التناقض في أجزاء هوية مركبة تفكر بطريقة وتعيش بطريقة معاكسة. كما هو الحال قي قصته القصيرة "جزيرة الملعونين" التي تتحدث عن أمراض الواقع من خلال غياب ونواقص الذات المجروحة والمنكسرة "12". أو أنها وهو الأصح مخصصة للتعبير عن الآخر من خلال الذات، ولذلك نجد رواياته لإطار تاريخي واسع ومساحة جغرافية مترامية الأطراف وتتشكل من عدة قارات و أقطار.
على ما أعتقد ربما يكون الجواب الحاسم في روايته القادمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ
ھوامش:
1 – صدرت عن مؤسسة نوافذ بالقاهرة في 2010 ثم بطبعة منقحة عام 2011.
2 – صدرت عن دار العودة ببيروت بطبعة أولى عام 1972. ويوجد نص معدل منها لم أطلع عليه بعنوان "ليالي الأنس في شارع أبي نؤاس". وعن ظاهرة التعديل وتنقيح النصوص يقول برهان الخطيب في مقابلة معه إنه مع الزمن يتعرف على أشخاصه بشكل أفضل، ويجد من واجبه أن يقدمهم بصورة أوضح، حتى يأتي الصمت، وهذا إشارة على الدخول في مجتمع المدينة المكتمل. جريدة العرب الثقافي "ص 7" بتاريخ: 26 – 5 – 2011.
3 – صدرت عن دار بوديوم بالسويد. 2000. وتنتقل أحداثها على طول قوس عريض يبدأ بموسكو وينتهي باستوكهولم، مرورا بمحطة أساسية ومريرة هي دمشق.
4 – من رسالة خاصة ردا على استفسار حول الرواية.
5 – من مقابلة أجراها مع عبد الرحمن منيف ونشرت في كتاب الكاتب والمنفى. ص 331.
6 – 7 – برهان الخطيب، الكتابة أكبر من الخوف. صحيفة العرب اللندنية. حزيران. 2011.
8 - انظر الفصل 9 - لیلة الفهد.
9 - الصفحة السابقة.
10- انظر الفصل 30 من الروایة - أوراقھا المنسیة.
11 - الصفحة السابقة.
12 – جزيرة الملعونين. منشورة في مجلة الآداب البيروتية. عدد 1 – 2 . 1981. و هي قصة عن جزيرة مخصصة بشكل محمية للمجذومين












التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 23-Aug-2011, 01:38 PM   رقم المشاركة : 3
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: برهان الخطيب وآخر أوراقه الرابحة

23-8-2011 9:09:50
روايات الخطيب صور حية للتاريخ
السياسة والأخلاق في روايات برهان الخطيب




يوسف الصفار

في الإلياذة والأوديسة والإنياذة نقرأ عن أبطال ساهموا في خلق وجدان أوربا القديم إلى الحديث بطريقة وأخرى، وفي ملحمتنا العراقية التي يكتبها الأديب الكبير برهان الخطيب منذ نصف قرن تقريبا ثمة أيضا أبطال وعبر ودروس، فماذا من أمر أولئك وماذا من أمر هؤلاء.. لماذا أرفع هذا الموضوع الآن؟ ذلك طبيعي، كعرب نحن في وقت ومنعطف نحتاج، كذلك العالم، للبحث في علاقة صارت مهمشة مهشمة حاليا أو تكاد، لموضوعين شديدي الارتباط، بعضهما ببعض، أو هكذا يجب، هما موضوعا الساعة، أي السياسة والأخلاق والجدل بينهما، وتأثير ذلك على حياتنا العامة في شكل أزمات وانقلابات وحروب.

مكتبتنا العربية، مرجعيتنا في ذلك، فقيرة البحوث والدراسات من ذلك النوع مع الأسف، لتهوين الثقافة والنشر، ولا عجب من ذلك مع هوان الساسة والسياسة بارتشاء وارتماء وجهل وأخطاء، مجمل تأريخنا الحديث لم يحظ بما يستحق من تحليل واستخلاص حقائق وتوصيات بلسما لجروح نازلة فينا من وهن إلى وهن. في الآونة الأخيرة تناول روائيون جوانب من حياتنا السياسية والاجتماعية مسرحا لأحداث، بتحفيز من رواد في هذا المضمار كنجيب محفوظ، توفيق عواد، برهان الخطيب، الطاهر وطار، عبد السلام العجيلي، غسان كنفاني، حبيبي، وغيرهم.. منفذا أيضا إلى أهم مشكلات وإرهاصات المنطقة والعصر، أسوة كذلك بما أبدعه قبلهم كتاب انجليز وفرنسيون وروس وأمريكان كديكنز وستندال وتولستوي وشتاينبك.

في مقدمة الروائيين الجادين من الأمس إلى اليوم نرى كاتبنا العربي الكبير برهان الخطيب مع آخر روايتين له "ليالي الأنس في شارع أبي نؤاس" و"على تخوم الألفين"، ضمن سلسلته الطويلة الممتدة نصف قرن تقريبا، يحشد أهم المشكلات الفكرية والاجتماعية في منطقتنا وراء أبطال حقيقيين من أهالينا، وأرضية تحركوا عليها فسيحا رغم محدودية إمكانياتهم وبشجاعة مواجهين معوقات تكبحهم، لكنهم يرتفعون عليها بقوتهم الروحية وقيمهم.

إن أبطال الملاحم الأسطورية مثل الملك بريام واخيل واوديسوس وأغسطس في الإلياذة والأوديسة والإنياذة فيهم من آلهة وخوارق ما يجعلهم مخلوقات فوق الواقع، لكن الحال غير ذلك بالواقعية الجديدة المشبعة بالحداثة في ملحمتنا العراقية المعاصرة التي يسطرها لنا الكاتب الكبير والروائي اليافع على طول السنين برهان الخطيب بدءا من روايته "شقة في شارع أبي نؤاس" 1972 إلى روايته "نجوم الظهر" 1986 فرواياته التالية ”بابل الفيحاء” 1991 "الجسور الزجاجية" 1975 "ليلة بغدادية" 1992 "سقوط إسبارطة” 1993 "الجنائن المغلقة" 2000 بجزأيها الراسخَيْن ثم ”ليالي الأنس في شارع أبي نؤاس" 2009 وأخيرا "على تخوم الألفين" 2011 حيث البطل في جميع هذه الروايات واحد منا، وهو بطل لأنه يسعى إلى الخير لنفسه ولغيره غير راضخ لمصير محدود عابث محاولا تغييره، متجاوزا بذلك الخاص إلى العام في رصانة لها شروطها.

سالم، مزعل، صلاح، حميد، شريفة، شمس، أميرة، وغيرهم.. كلهم سعوا لحياة أفضل من غير تحول إلى أشرار، من غير التخلي عن قيمهم، التي هي أعلى من نفاق اجتماعي يسود حولهم، من هنا قوتهم وحضورهم المطلوب على مسرح الأحداث وقبول القارئ لهم، رغم حساسية قد تنشأ عنده من تداخل للقيم عندهم، ولأن ذلك خيارهم ومن غير تشويه، طالما قام على صدق ومنطق وإحساس بمسؤولية، يغدو التغير في تفكيرهم ومصائرهم حتميا وضرورة، بلحظة تاريخية وعاطفية منيرة داخليا، معتمة خارجيا، في مواجهة آخرين ينزعون إلى قسر وقسوة، بيك ذياب، رفيق عدنان، شيخ حافظ، وغيرهم، يريدون بل يقومون باغتصاب الواقع، بتسخير غيرهم لمصلحتهم وتوتير الأوضاع ودفعها نحو تصادم، لكن وكما في الطبيعة نرى في المجتمع أيضا قوى تحاول، من خلال ضبط السلوك في فترات الجموح، كما في شخصية خالد، إياد، يعرب، رجاء، إعادة التوازن لأنفسهم كما لما حولهم، أي الحفاظ على النوع والأرضية الاجتماعية تحته، معنوية إنسانية ثقافية من قيَم، ومادية ملموسة، متمثلة بالبيت وإطاره أو سوره الطبيعي، الوطن، ذلك كقاعدة ثابتة وأساس للمصير، متشبثين كالجذور أوقات العواصف والاضطرابات بها بقوة.

إن رصانة تلك الروايات من مكانة لها في تطور الفكر، ومن تكوين مؤلفها النفسي والأدبي، الناضج مبكرا في ظاهرة لها علاقة بنضج الحياة السياسية في العراق عموما ـ قبل تخريبها بفسخ الجبهة الوطنية بعد ثورة 1958 ـ إلى نضج الحياة الثقافية في البيت والمدن التي تنقل بينها الخطيب لاحقا، وقد رافقته بحكم المصادفة حينا والدراسة حينا آخر في ثلاث منها أساسية له، أثناء دراستنا الجامعية في بغداد، وكبناة مهندسين مشاركين للسد العالي في أسوان ومتدربين بمعامل إسكندرية مصر، فموسكو التي واصل هو بمعهدها الأدبي طريقه الإبداعي، وأنا الهندسي.

في الروايات التي أشرت إليها توا نجد تأريخا حقيقيا، صادقا، عايشناه ونعرفه نحن المقتربين إلى السبعين من عمرنا، ونقلا موضوعيا لسِفر شعب عريق، عانى ويعاني من التقلبات المتكررة لأهواء حملة الأيديولوجيات ومرتزقة السياسة ومتآمري كواليسها، أهواء تبتعد مرة أو تقترب حتى التطابق مع أهواء أصحاب قرار في دوائر عليا، وطامعين طامحين لهم نزعات سايكوبائية محنطة، عن إرادات تخفي تحت ظواهرها الواضحة تفسيرات مبطنة بستار الحرية والعولمة والأممية والدين، نحو الانخراط في خدمة الشركات الاحتكارية ذات المنافع العالمية المتشعبة والأثر السلبي بتلويث بيئة كوكبنا الجميل وقولبة البشر في أنماط فاقدة إنسانيتها، الذي قد يصبح مع التعنت والقيود يشبه كوكب قرود، صورته هوليوود في أحد أفلامها المشهورة.

إلى أصدقائي وزملائي..

في ملحمة برهان الخطيب، تحديدا قلبها أي سداسيته.. "بابل الفيحاء، الجسور الزجاجية، ليلة بغدادية، سقوط اسبرطه، الجنائن المغلقة، على تخوم الألفين" هكذا هو ترتيبها الزمني الصحيح للقراءة، ويحسن إغفال سنوات نشرها فمؤلفها قدم وأخر بالكتابة والنشر حسب الإلهام والظروف، نجد الحقول والفصول تتسع لبطله، وهو الإنسان العراقي في انتصاراته وانكساراته، تطرفه وتخاذله، تهوره وحكمته.. توضح ما عجز آخرون عن تسطيره بسبب بسيط، هو عدم إمكانيتهم من إن يكونوا موضوعيين وحياديين، رغم إن الكاتب وعلى قدر معرفتي به ليس خارج المعمعة، هو يتماوج وسطها سابحا مع التيار أو ضده حسب بوصلة صنعها بنفسه، لا حسب حرارة التيار واتجاهه. ولموضوعيته وتفاعله العقلاني مع الأمواج والأحداث تجد أبطاله ينزعون أيضا إلى التعبير عن ذاتهم أو تمثيلها برؤى واضحة، لا مجال للزيغ فيها..

نتساءل من أين جاءت لبرهان تلك المقدرة على التحليل والاستنباط والرؤية الواضحة للأحداث مبكرا.. والرد انطلاقا من معرفته عن قرب أيضا انه بحكم تربيته ودراساته للهندسة والرياضيات والفلسفة، والتي تعني وقتها تفوقا واضحا على أقرانه، ثم لغات أجنبية إضافة للغة الأم، كل ذلك قد جعله يعالج نصوصه بتحسب دقيق راعيا لها إلى آفاق فسيحة متشعبة في مراعي الخيال.

وإن اللذة التي يبعثها برهان في قارئه ومعارفه مستمدة من قوة امتناعه الشخصي، وإخلاصه لمحيطه، ووفائه لأخلاقه العالية.

أول سنة دخولنا كلية الهندسة كان هنالك اتحادان للطلبة، احدهما يمثله الشيوعيون والآخر يمثله البعثيون، وقد جرت العادة آنذاك أن تكون هناك حفلتان لاستقبال الطلبة الجدد، واحدة للشيوعيين وأصدقائهم والأخرى للبعثيين وذوي الميول القومية... وكانت العادة أن يجري الاحتفال في نادي الكلية، يتسع بهوه لأكثر من احتفال، وكان ممثل الشيوعيين يلقي كلمته على مسامع الطلبة الجدد، بينما أنصت لممثل البعثيين في الجانب الأخر من البهو جمهرة من أنصاره... ممثل الشيوعيين أصبح فيما بعد برجوازيا كبيرا من أصحاب المشاريع افتخر بأنه أخذ منهم كيف يتحدث ويصل إلى درجة عالية من الغنى المادي، بينما تبوأ ممثل البعثيين مناصب سيادية في عهد البعث الثاني، ليكون ممثل العراق الدائم في الأمم المتحدة، وتوفي قبل الاحتلال بمرض السرطان متنبئا بما سيحدث للعراق لاحقا... نعود لبرهان طالبا هناك وبداياتنا ونقول حينما اتخذت الخطب آنذاك طابعها الحماسي والانفعالي لتأجيج مشاعر الطلبة لم تتحمل الأطراف المتنازعة فكريا الفعل ورد الفعل، أخذت الجهتان تتضارب بالكراسي والقناني الزجاجية الفارغة، انقلب الحفل إلى ما يشبه المعركة، فآثرت الخروج من هذه المعمعة بأسرع وقت والذهاب إلى بيتي، في نفس الحي الذي سكنه برهان حين ذاك، حي البياع، وما حدث لاحقا إننا التقينا دون موعد مسبق في محطة الحافلات العمومية، برهان سبقني بالانسحاب من حفلة العنف تلك بعد يأس من إصلاح الحال. كان ذلك أول لقاء لي معه، ثم ربطتنا أواصر الرؤية الواحدة والرغبة في الكتابة وتذوق الفن واندرجنا منذ ذاك الحين في مساجلات فلسفية وأدبية، تقترب بنا آراؤنا حينا وتبتعد حينا أخر، لكن بالنتيجة لا نختلف أو نفترق لرؤية عقلانية للأمور رغم عدم تطابقها كليا.

الغريب تكررت تلك الحادثة بصورة أخرى عند التخرج أيضا صيف 1967 إثر هزيمة حزيران، عدة مظاهرات تهيأت في ساحة الكلية لاجتياز الشارع المقابل إلى وزارة الدفاع القريبة، برهان وصديقه من الطرف الآخر إياد حاولا توحيد المتظاهرين.. دون طائل، تعب برهان منهم وانسحب مع صديقه إلى الرصيف ومرت المظاهرة الجرارة أمامهما، حتى ذلك اليوم كان برهان قد نشر مجموعة قصص "خطوات إلى الأفق البعيد" ثم رواية "ضباب في الظهيرة" وفي ذلك اليوم قرر: بالكتاب نغير الواقع جذريا، بالهتافات نتألب بعضنا على البعض الآخر، عليه الانحياز كليا إلى الكتابة، هكذا بالضبط وعد برهان صديقه السياسي العريق فيصل الربيعي في ليلة مقمرة عند قناة الجيش، قرب بيت الخطيب المقام حديثا بمدخل حي جميلة، وكذلك التزم. ومن إيفادنا إلى مصر قبيل ذلك نشر بعض قصصه مثل "النسر الأبيض" ثم روايته "ذلك الصيف في اسكندرية" التي سمعت عنها كثيرا ولم أقرأها حتى الآن في كتاب، لعدم وصولي إليها أو وصولها إليّ، ولها إهداء قيل منه على أول صفحة من الرواية نصه: إلى أصدقائي وزملائي... يوسف، أياد، سعدون... وبقية "الرجالة" الذين كانوا هناك.. في ذلك الصيف الماتع في اسكندرية....
وتتالت بعد ذلك رواياته..

رواياته صور حية للتاريخ

لقد ربطتنا أواصر فكرية وإنسانية ساهمت في تكوين صداقة دائمة امتدت إلى يومنا هذا رغم السنين الطويلة التي افترقنا فيها بحكم الضرورة للأوضاع السياسية التي اضطرته للهجرة إلى الخارج للكتابة والدراسة ثم العمل بدار نشر... وما ذكرني بتلك الحادثتين صلتهما بما يحدث اليوم في العراق من مشاكل متكررة لفقدان تفاهم بين أطراف وطنية، أيضا بوضع عام للمنطقة يتغير في الظاهر ويبقى في الجوهر، لعدم تغير أنماط تفكير وتدبير فيها، لتسلط على الداخل في الخارج، كما في نفوس الأفراد كما حولهم، لها مَشاهد ثرة باختصار في رواياته، وأرضية لا بد منها مؤثرة على ما يدور ضمنا كلام أبطاله.

قراءتي لروايتيْ برهان الخطيب "الجسور الزجاجية" و "ليلة بغدادية" عن قضية تحرر المرأة وآفاقها وذيولها على خلفية الجمهورية الأولى، اللتين أقدم لهما دراسة نقدية لاحقة، فيهما تلميح وتصريح بشكل وأخر إلى وسط جماهيري عايشناه ونعايشه بأحداث تلكم الأزمان إلى يومنا، منها الانقلاب على الحكم الملكي ثم الانقلاب على الحكم الجمهوري الأول... أحداث ووسط ظلا عموما متشابهين على مر التاريخ السياسي للعراق الحديث الذي سطره لنا برهان الخطيب صورا حية عابرة للأفاق بموضوعيته المعروفة التي تؤلمنا حينا، وتفرحنا حينا آخر، بما تتركه من أثر على البصيرة، كشعاع شمس باهر.

إن الأفعال التي مارستها وتمارسها جماهير مسيسة خطأ تدفعنا إلى التساؤل عما وراء ذلك أو عن الأسباب الموجبة لكل أنواع إيذاء النفس والآخرين، يقرعها برهان من فصل إلى فصل في رواياته كناقوس ينذر من بعيد بخطر قادم، بينما تساعدنا التلميحات المركزة والمبثوثة في صور بين السطور على التفكير في حل لذلك اللغز، في إجراء التغيير بأساليب عقلانية، في علاقة المتنور الموسوعي بالسياسي المحنط، وفق رؤية معينة وطنية تنسحب عليها علاقة الثقافة بالسياسة، بكل شيء في حياتنا.

إن برهان الخطيب ينبهنا في كل رواياته إلى أن الزاوية الفاحصة، خاصة عند التزام بإنسانيتنا قاعدة للحركة، تعطينا علاجا لعلل كثيرة حدثت وتحدث الآن في مجتمع غير متوازن، ذلك لكون المثقفين فيه والسياسيين غير متناغمين وينزعون دائما إلى الرؤية الأحادية الجانب إلى درجة إن برهان يبين على لسان احد أبطاله بأنك قد تجد الخير والشر في بوتقة واحدة، وإن الموقف الإنساني يتضح عنده شيئا فشيئا لا يعني حيادا بين الشر والخير، الفصل بينهما واضح عنده: لا تسبب أذى لغيرك. أي الوقوف دائما مع الخير الذي هو أعلى من الجميع، حتى لو أدى ذلك إلى وقوف في وجه الجميع.

إن الروائي الجيد هو الذي يدفعنا إلى التفكير في مصائرنا والآخرين وهو الذي يجعلنا نراجع الفلسفة والتاريخ السياسي عموما لنخرج برؤية جديدة للأحداث، وهذا ما دفعنا إليه كاتب كبرهان الخطيب...

إلغاء الفلسفة إلغاء العقل

في التاريخ نجد المجتمع المتوازن ينمو حين يكون المثقفون والسياسيون منسجمين متناغمين بمعنى الاستجابة الفاعلة لحقيقة إنسانية صديقة فوقهم. في أثينا القديمة كان عصر ابركليس عصرا ذهبيا كما إن أغسطس في روما أعطى زخما قويا لاستمرارية الإمبراطورية الرومانية بكل زهو، كذلك في تاريخنا الإسلامي عند العصر العباسي الوسيط حيث ازدهرت الثقافة والعقلانية للدين وثمة بوادر لهما اليوم أيضا رغم خراب، والعكس حينما نجد المثقف لأسباب شتى يلهث وراء السياسي يحدث الاضطراب والتمزق.

الثقافة رؤية متكاملة تتسم بشمولية متحركة فاعلة وسط المجتمع والعالم بعيدا عن أهواء ونزوات، بينما السياسة وهي علم الممكن نجدها في مجملها، خاصة في مجتمعات متخلفة، ولو بدت متحضرة، ديماغوغية النزعة، ميكافيلية الرؤية، في معظم أزمانها، هناك أمثلة كثيرة في تاريخنا المعاصر لدول شمخت وسط حماس الجماهير ثم خبت وانتكست، لأنها فقدت التناغم الذي نوهنا عنه. فلو أخذنا "لينين" كمثال للقائد المحنك والذي كان سياسيا بامتياز حين أراد أن يبرهن عن صدق المادية الجدلية بعد ظهور نظريات جديدة في الفيزياء نراه اخذ يدرس الرياضيات والفيزياء النووية فتحولت دراسة المجتمع والإنسان من هذا المنظور إلى ما يشبه مركبات عضوية يستلزم إجراء تجارب مختبرية عليها لمعرفة اتجاهاتها وتوضيح معالمها، كذلك "ماركس" الذي مارس نفس الدور حين تجاوز الفلسفة وتعامل مع المجتمع على أسس طبقية ومادية بحتة وقبلهم فعلها الغزالي حين عزل الدين عن الفلسفة للمحافظة على الدين فحصر الذات الإلهية في زاوية مغلقة، كذلك يفعل أديب اليوم المدرك عالمه جيدا.

شيء واحد ينبهنا إليه برهان الخطيب في جميع مدلولات رواياته وكأنه يحذرنا بأننا حين نلغي الفلسفة نلغي العقل، لم أجد كاتبا تناول مساعي فلسفية معقدة وبحوار مبسط سلس كما وجدته في كتاباته.

إن أكثر الحركات الدينية المتنورة مسيحية كانت أو إسلامية هي تلك التي اقتربت إلى الفلسفة فكما نجد اليهودية تقوقعت بفعل عزلتها نجد الإسلام والمسيحية انتشرتا بفعل انفتاحهما.

في هذا الخضم الهائل من التفاسير، الذي يحتاج إلى أكثر من مقالة أو كتاب، نجد برهان ينوه لنا في صفحات رواياته الملحمية، التي تعتبر جزء من ملحمة تاريخية متعاقبة للمجتمع السياسي المعاصر في العراق، إلى إن الدراسات المستفيضة البعيدة عن التطرف والانحياز، وهو ما ندعوه بالموضوعية، ما هي إلاّ الأسلوب الناجع الذي ينبغي للمثقف الموسوعي اعتماده في معالجته الأزمات وتجاوزها.

فكم سيحتاج الكاتب الموسوعي من الوقت والجهد لخلق هكذا نماذج، حتى نتمكن من وضع لبنات أولية لمجتمع متوازن متراص... برهان يعلمنا، أو هذا ما نستنبطه من كتاباته، إن الاهتمام بالمجتمع له الأولوية على السياسة، لأن السياسة الصالحة هي نتاج لمتطلبات الواقع الاجتماعي، لا لافتراسه. وأضيف لتكون سياسات صالحة يجب أن تكون معاهد لها، تعد سياسيين صالحين بدل سياسيي الصدفة.

احتكار المعلومة انتهى

في إحدى زياراتي للاتحاد السوفيتي السابق كنت أسير في احد شوارع "روستوف" حين وقع نظري على أطفال صغار كالزهور البيضاء موشحين بأربطة حمراء تسير معهم كوكبة من أهاليهم مودعين إياهم إلى القطار، بغية إدخالهم لأحد معسكرات الإعداد والتأهيل الصيفية... كانت الطبول تدق والأمهات والإباء فرحين مستبشرين.

ذهلت حين ذاك واندهشت بتلك التجربة الفذة، وعند عودتي وسعادة غامرة تملأ صدري بمستقبل جميل اتمناه لبلدي تعثرت وانا في الطريق من المحطة إلى الفندق بشاب مخمور مرمي في الشارع، بين الأوساخ والقاذورات، أدهشني المنظر وتساءلت كيف تسنى لتلك التربية التي شاهدتها قبل قليل إن تعطي هكذا نتاج من البشر، تولد هكذا ممارسة؟ حينها أدركت أن السياسة مهما وصلت إلى مدارك متطورة لبناء الإنسان أو المجتمع على العموم تصطدم أيضا بشيء اسمه التخلف، يولّد الأنانية والطموح غير المشروع، هكذا الجمود العقائدي، هكذا الجمود الأخلاقي، أكان في الشرق أم الغرب، يؤدي إلى تمزق المجتمع وانهياره ومنه ما حدث بعد عقود من السنين.

عندما تقرأ لبرهان الخطيب تجد أحكاما رصينة بفعل إحساس سليم وتحليل نابع عن تجربة مريرة، عن مجتمع مقهور فقير كمجتمعنا فيه أفكار مستقبلية ومتطرفة تدعو إلى عدالة اجتماعية أيضا لكن عن انزواء غالبا يؤلب الباقين فتفشل، ونجد ذلك عند اشتراكيين عموما وشيوعيين بوجه خاص، بينما تجد البعثيين سابقا التزموا بالقومية كنظرة أحادية الجانب، تراوح أيضا في حلم بقيام وطن عربي كبير قادر مقتدر، وفي الوقت الذي أنكرت الشيوعية ما عداها من أفكار حجمت نفسها في حدود، بينما غالت القومية بعصبية عرقية درجة أنكرت عند احتدادها حقوق أقلية، اصطدمت الأيديولوجيتان بعد أن ساهمتا بتغيير الحكم الملكي الدستوري إلى حكم جمهوري ثوري منافعي، بدأ عراك، والنتيجة لم يجد المثقف غير المرتفع فوق هزائم رؤية مؤثرة واضحة، متأثرا بواقع غير مستقل غير قادر للقيام بفعل التغير، والرغبات والإرادات تجاوزت العقل إلى الأنانية.

في وضع احتكار المعلومة اخذ السياسي زمام المبادرة، قاد خلفه مثقفين أصحاب مصالح آنية إلى متاهات مظلمة وحركات مضطربة، لا قرار لها ولا قاع تستند عليه.. هنا برهان لا يقول لنا كثيرا عن ما هو الحق والباطل، ما هي الحقيقة، لكنه يدفعنا دفعا قاسيا ومؤلما أحيانا لشحذ هممنا، لإيقاظ عقولنا، ولسان حاله يقول: انتبهوا أيها السيدات والسادة، إمامكم هاوية لا تذهبوا إليها..

في الوقت الذي نجد الأفكار المسبقة تعتمد الميتافيزيقيا مطمئنة للإنسان ونزعاته المشتة، بإيمان من القلب، من وراء حدود العقل، يحذرنا هو على لسان احد أبطاله بأن لا نحول الدين إلى أيديولوجية، لأن الدين أيضا سيعاني في ذلك الحال كما السياسة من هرم واسع وتشوه.

أصحاب المصالح وجمهرة المنتفعين والانتهازيين والغوغائيين نجد بعضهم في روايات برهان الخطيب خصوصا بعد التغيير الذي حدث في الجمهورية الأولى، إنهم مع أي مد سياسي، يسحبون معهم الجماهير محركين عواطفها في أكثر الأحيان نحو مصالح ضيقة، أما القادة السياسيون ذو الواقعية الواضحة والقيم تجدهم في ذهول مع انحسار فعاليتهم، لا يمكنهم مسك لجام الجموح الطاغي، يضطر معظمهم في النهاية إلى اللهاث وراء انفعالات وشعارات من حركة الديماغوغية، يطفو على السطح قادة جدد، محدودو الثقافة، ينقادون ويقودون لأهداف غير متوافقة وتطلعات الناس، غير مضمونة الاتجاه، أي ما يتسبب في نكبات وانتكاسات في عالمنا العربي المضطرب قديما وإلى تاريخه الراهن، لكن.. وفي حومتها ودوامتها تمكن أيضا كاتبنا برهان الخطيب من وضع عمله الإبداعي الكبير، سداسية الخطيب أسميتها، مرجعا لهذا اليوم وفي المستقبل لطالبي ثقافة ومعرفة بمتعة جمالية، استجمع وركّز خبرات ونسقها، عسى أن لا تمر ولا تعود تلك النكبات والنكسات في منطقتنا، ذلك ممكن كبحه لو قرأنا الماضي حسنا.

البطل الأسطوري في ملحمة برهان الخطيب هو "خالد" فهو الفعل والفاعل في ضمير المتكلم وهذه ليست صيغة نحوية بقدر كونها استعارة لواقع هذه الشخصية، التي تلازم عقل وضمير المؤلف دائما في مجمل رواياته واسم "خالد" ذاته يعطي دلالة الخلود، فهو بتكوينه الفكري وإيماءاته الحسية أزلي باق مع الزمن، هو ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، هو بالتالي أملنا الشبيه بالإنسان الأعلى لو أخذناه بصيغته المجازية لإنسان "نيتشه" مع الفارق الأدبي والأخلاقي بلحظة فكرية هنا عن هناك، فمن يكون هذا الخالد الذي لا تجده في رواية ليالي الأنس؟ انه سامي الجنوب والشرق، وحميد الشمال والغرب، مجتمعان على حبهم للخير والفضيلة ونكران الذات وتقديسهم للفن.













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
أوراقه, الخطيب, الرابحة

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
علامة الزمان و دو الوزارتين : لسان الدين بن الخطيب guevara صانعو التاريخ 0 24-Aug-2010 08:44 PM


الساعة الآن 08:52 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2011, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع