« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: الصورة هذه ليست في السعودية بل في مصر ( صورة ) (آخر رد :ساكتون)       :: هل تعرف هذه السنن التي نسيها كثير من الناس ( تقرير مصور ) (آخر رد :ساكتون)       :: تاريخ مدينة عانه (آخر رد :الطالبي)       :: عضو جديد: السلام عليكم (أخوكم بوغاية) (آخر رد :القواسم)       :: خاطره حول احداث سوريا (آخر رد :سمر احمد)       :: سوريا تسلك طريق الحرية (آخر رد :سمر احمد)       :: عمل بسيط تفعله يوم الجمعة يكون لك أجر صيام وقيام سنوات كثيرة جدا (آخر رد :ساكتون)       :: القران الكريم بصوت الشيخ سعد الغامدى (آخر رد :ea_soft)       :: مساعدة ( قبائل الحجاز في العصر الأموي ) (آخر رد :الذهبي)       :: إلى محبي تاريخ العصور الوسطى والحروب الصيبية (آخر رد :الذهبي)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> المكتبة التاريخية




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 02-Jul-2011, 11:09 AM   رقم المشاركة : 1
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي شعرية القصة القصيرة جدا بالمغرب:

30-6-2011 8:26:13

شعرية القصة القصيرة جدا بالمغرب:




مطعم هالة "1" لعبد الله المتقي نموذجا

حميد ركاطة

سبق لنا وأن تناولنا أعمال سابقة للمبدع عبد الله المتقي "الكرسي الأزرق""2" و"قليل من الملائكة""3" سوف تناول في هذه الدراسة شعرية القصة القصيرة جدا في مطعم هالة.

وتجدر الاشارة أنه لابد من توطئة لوضع القارئ ولو بعجالة حول مفهوم "الشعرية"كما ورد في تنظيرات وأراء شيوخ هذا الفن في امريكا اللاتينية وإسبانيا وكذا النتائج التي خلص إليها بعض نقاد القصة بالوطن العربي والمغرب تحديدا حول مفهوم الشعرية وحدوده وأفاقه وكذا توظيفه في القصة القصيرة جدا، مفهوم عثرنا عليه ضمن عناوين دراسات نقدية ولا يتعدى أحيانا جانب الاشارة أو التلميح إليه ضمن سياق أو على هامش تحليل نص معين، وهو مايجعل الدارس يشعر بنوع من الشح بل الغموض أحيانا أو الخلط في تحديده، فبقدر ما ارتبط مفهوم الشاعرية بالشعر نجد مجرد انزياحاته هي التي تطغى بظلالها في نص أو نصوص ليس إلا. فما المقصود بالشاعرية؟ وهل هي مجرد توظيف جمالي تتم بلورته بالقدر الذي يظهرها كشكل قابل للقياس أم أن الأمر يتعدى هذا الطرح نحو أبعاد أخرى أعمق وأدق؟

يشير الباحث مصطفى جباري في دراسة له حول شعرية القصة القصيرة عند إدغار ألان بو قائلا "يدرج بودلير أفكار بو في الشعرية، ويستند على صنافة الأنواع الأدبية التي تقيم تماتلات واختلافات وتراتبية، يقارن تباعا بالقصيدة وبالرواية ليستخلص الخصائص الفنية لكل منها ويقابل بينها" "4" لكن في القصة القصيرة جدا يطرح هذا المفهوم كمعطى جمالي وبلاغي بحيث أن عامل القصر هو الذي يفرضه لكنها "تحظى بالمزايا الأدبية للإكراه أو الضرورة" "5" فعلاقة القصة ق ج بالشعر تكمن في الاشتراك في مجموعة من الخصائص على اعتبار أنها جنس سردي له خصائصه ونذكر من بينها الكثافة والخيال. وهكذا يرى "لويس ما طيو دييت أن "كثافة القصة القصيرة جدا تجعلها أكثر قربا من الشعر، أما خوصي ماريا ميرينو فيقول: "علاقتها بالشعر تكمن في كونها ابداعا ناتجا عن إلهام مفاجئ من صنع الخيال يأتي من داخل الحدس وليس من داخل التفكير" "6" وهذا الطرح قد نجد له مبررا حسب كتاب آخرين يذهبون إلى حدود قصوى كما هو الآمر مع هيبوليتونافارو الذي يقول " كما هو الحال بالنسبة للشعر تذهب القصة القصيرة جدا باللغة إلى أقصى الحدود، لكن يجب أن لا تبتعد عن طابعها السردي أي سرد الأحداث ووقائع لا يمكن للقصيدة أن تقوم به" "7"

إن هذه الرؤية يزكيها الناقد التونسي عبد الدائم السلامي في دراسة له حول "شعرية القصة القصيرة جدا حيث يعتبرها "النمط الأدبي الأكثر قدرة على تقطيع الواقع وتمثل تفاصيله لبناء معناه الشعري مهما تنوعت رؤى المبدعين بخصوص وظيفتها، ومهما تباينت آراؤهم بشان ملامحها وأشكالها الكتابية" "8"

إن مفهوم الشعرية في ق ق ج يتجسد من خلال المزج بين الشعر والمحكي القصصي الذي يستعير بعض خاصيات القصيدة كالاستعارة / الشبيه / المجاز / التشكيل البصري / تداعي الصور / الانزياح، وهنا يشير الباحث حسن المودن إلى شعرية الإيجاز من خلال دراسته لمجموعتي القاصين سعيد منتسب "9" وعبد الله المتقي حيث يرى أن " القصة القصيرة جدا تتميز بخصائص كمية ونوعية فنصوصها ..لا تتألف إلا من عدد قليل من الكلمات، ولكنها تنقل اشتغالها من المستوى الكمي إلى المستوى النوعي موظفة شعرية الإيجاز والتكثيف" "10"

إن هذا الايجاز والتكثيف تمارسه اللغة بجماليتها على القصة و"بواسطة الخرق الدائم لقواعد اللغة المعيارية "و" تحويل مستمر للمسافات القائمة بين الدال والمدلول وخلق دلالة جديدة مشبعة بطاقة البث الإيحائي وهي لغة شعرية تستعير من النص الشعري إمكاناته" "11"

من هنا حاولت دراسات الناقد جميل حمداوي مقاربة هذا المفهوم وهي تبحث عن سماته الخاصة يقول عن مجموعة سعيد منتسب أنها " تتسم بشعرية التكثيف والايحاء بعيدا عن التنميط والاسهاب والايجاز الطي يوحي بالرمزية والايحاء والكتابة الايحائية" "12" في حين لا حظ أن قصص الكاتب سعيدبوكرامي في مجموعته الهنيهة الفقيرة "13" تتميز بشعرية التجريد والغموض وبكونها مغرقة في شعرية الانزياح وانتهاك أعراف العيار .. والنزوح بالكتابة السردية نحو الفضاء الشعري المجنح في الخيال لكنها تتحول إلى نصوص شعرية نثرية نفتقد الحبكة السردية المعهودة في القصة الكلاسيكية" "14"

إن مفهوم الشعرية هو أثر شمولي، وليس ملمح عابر وغامض و ما يساعد على تجلياته هو الاحساس به بشير الباحث مصطفى جباري أن بو "يعطي ".." معنى شمولبا ل" أثر الكلية " الخلق الايقاعي للجمال .. الذي يثير الاحساس الشعري" ويتجلى في كل فن، في الرسم والنحت والهندسة والرقص،وكذا في فن الحدائق، لكنه في الشعر والموسيقى له حالته الخاصة" "15" وهو الطرح الذي يؤكده الناقد حسن المودن بكوننا أثناء المزج بين الشعر والسرد نستحضر المفكر فيه والمحسوس به ما يجعل " القصة تكتب بطريقة تمزج بين السرد والشعر.. بين الفكر والشعور ، بين الوضوح والغموض والانفتاح على لغات الشعر والموسيقى والحلم واللون فاتحة الطريق أمام انفراج المعاني وتعددها وانبثاق لذة القراءة وقلقها" "16" فللقارئ في النهاية " الكلمة الأخيرة ليصبح من الممكن إدراك الأثر وهي الصيرورة نفسها التي تحدث" "17"

إن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو ما هي درجة الخطورة في انفتاح القصة القصيرة جدا وتوظيفاتها الشعرية؟ فللغة الشعر خصوصيتها ويجب الابقاء على المسافات القائمة بين كل جنس خوفا من الاختلاط أو تأثير الواحدة على الأخرى على حد افتقاد الملامح والمعالم المميزة للهوية؟

فهل تمتلك القصة القصيرة جدا فاعلية وحصانة أثناء الانتقال؟ أم أنها بزئبقيتها تقود غزواتها واختراقاتها للحدود الأجناسية وتعود سالمة؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة وأخرى قد تجد ضالتها في الخلاصة التي استخلصها الباحث جاسم خلف إلياس في كون "اللغة الشعرية تمتلك خطورتها لذاتها فإما إن تجر القاص إلى آليات الشعر وتقضي على القصصية، وإما تسمو بقصته وتأشيرة دخولها دائرة القص بجدارة" "18" وربما هذا راجع لقدرة القاص على " التلاعب بالنظام اللغوي بين المعيارية والإيحائية، صورة تحمل رؤية الإحباطات التي نواجهها في عالمنا وتحمل العديد من الدلالات المباشرة المفتوحة على دلالات أكثر اتساعا عن هموم الإنسان" "19"
من هنا نتساءل كيف تحددت المعالم الشعرية في كتابة عبد الله المتقي وما هي مرتكزاتها وحدود توظيفها الإبداعي؟

* الملمح الشعري في "مطعم هالة "
كثيرة هي الأسئلة التي يطرحها المتلقي عند قراءته لأعمال عبدالله المتقي القصصية نظرا لما تتشح به من لمسة شاعرية في بعض نصوصها وربما هذا راجع إلى كونه ارتحل للكتابة في هذا الجنس من الشعر أو لمزجه بين الكتابة في أنماط سردية متعددة "شعر قصة قصيرة قصة قصيرة جدا رواية ...." ما يجعله كمبدع متعدد يمتلك قدرة رهيبة على التكثيف والتنميط أو التوظيف ما جعلها تكتسب خاصية يصعب محاكاتها وسوف نبرزها من خلال دراستنا لنصوص مجموعته الأخيرة في محاولة لإبراز ملمحها العام المتجلي في الانزياح الشعري . ملامح عثرنا عليه في أكثر من نص " غرام / خارج المرآة / ماذا سيحدث / ظلمات / أخيرا / حمار الليل / رحيل البحر / أصابع مبتورة ...

وتجدر الإشارة أن هناك نصوص أخرى شيدت انطلاقا من الارتكاز على تقنية الحوار بين شخصين في الغالب " رجل وزوجته / الرجل والمرآة / المرأة والمرآة / وردة ونورس.. فهذه الحوارات الثنائية إبرزت عمق الانهزام الإنساني وفداحة الانتماء لجنس معين نظرا للتشوهات التي غالبا ما تلصق صفة العجز أو النقص وعدم الاكتمال للذات التي تبخس إلى حد كبير، فأغلب النصوص كتبت على شكل مقاطع قد لا يربط بينها وبين ما يليها علاقة أية أحيانا سوى كونها جزء من رقعة حكي تتآلف كأرخبيل سرعان ما يتحول بعد رحيل البحر إلى امتداد فسيح من اليابسة وهنا يكمن سحر هذا النوع من الكتابة التي تبدو كجبل الجليد حين يتآلف الحدث الرئيسي ويتشكل معناه وكأننا إزاء لوحة تكعيبية فالقاص يتدخل من خلال إثبات علامات غالبا ما تكون أرقاما "1/2/3/4" هي ربما محددات طبوغرافية أو علامات تشوير داخل النص الذي يتحول إلى شذرات أو جمل ضمن متوالية قصصية ترتبط فيها النهاية بالبداية " كتابة عبد الله المتقي اعتنت بتقانات الجملة ودفعتها باتجاه تتناسب ومعطيات المناخ الداخلي لهذه الكتابة فكان التكثيف اللغوي واختزال المضمون وخيبة أفق الانتظار الذي يتوقعه القارئ، وهيمنة عنصر المفارقة على باقي المكونات وانزياح المعنى والتداخل الاجناسي" "20" فهي رسمت حمولتها المتكررة المتوسلة بومضها الدنو بشكل رهيب من البناء الشعري الذي يعتمد الإيقاع الحاد لرؤيا بل يعتمد كذلك الإيقاع البطيء للأحداث محاولة وضع حدود وهمية بين ما سبقها من الأجناس دون القطع معها بشكل مطلق من هنا نلمس صعوبة وضع الحدود الفاصلة بين القصة القصيرة جدا أو حتى القصة الومضة " "21" وحتى لو حاول الكاتب ذلك فإنه في نظري سيكون إزاء ممارسة نوع من التعسف القاسي بحق النص .

إن ما يضفي المسحة الشعرية على نصوص عبد الله المتقي القصصية القصيرة جدا هو بناؤها الأقرب إلى قصيدة النثر في تداعيات صورها وكذا الايقاع الذي يكاد يتخذ من وزنه رنة موسيقية خاصة أن هذا التوظيف يجعل بعض النصوص اقرب إلى الشذرة أو السوناتا بما تحيل عليه معانيها من دلالات فهي بقدر ما تضم بين حناياها مشاعر الفرحة والرومانسية تضم كذلك نوعا من الحزن أو نجدها تجمع بين الشعورين معا في نفس الوقت يقول سارد نص الميت يعود" "انتظرته بمقهى الوردة.. ولم يأت وحين تحرقت غيضا عادت إلى بيتها وما أن أغلقت الباب وراءها بغضب حتى رن الهاتف " البقية في حياتك "صرخت بحرقة، بكت، نتفت شعرها، نشبت أظافرها في وجهها .. وما هو إلا وقت وجيز حتى قرع البا ببحرارة بكت بين أحضانه وكان هو يقبلها ويخلل ضفائرها المبعثرة".

إن الشعور الثاني سيتم في زمن نفسي بقدر ما يمنح الإحساس بالألم يفتح أفاقا لفرح آخر متواري بين الحنايا لتستمر عبره الذكريات الجميلة للميت الذي شكلت عودته نوعا من الإياب نحو عالم جميل .

إن ما يضفي المسحة الشعرية على نصوص عبد الله المتقي القصصية القصيرة جدا هو بناؤها الأقرب إلى قصيدة النثر في تداعيات صورها وكذا الايقاع الذي يكاد يتخذ من وزنه رنة موسيقية خاصة أن هذا التوظيف يجعل بعض النصوص اقرب إلى الشذرة أو السوناتا بما تحيل عليه معانيها من دلالات فهي بقدر ما تضم بين حناياها مشاعر الفرحة والرومانسية تضم كذلك نوعا من الحزن أو نجدها تجمع بين الشعورين معا في نفس الوقت.

إنه أمر نلمسه مثلا في نص "محو" الذي بقدر ما شكل العنوان عتبة للمرور يضحى هو حامل النص في نظري لكون فعل الصدمة التي تحدثنا عنها سابقا كان هوما منح النص قوته وخصوصيته يقول السارد " خرج من شقتها شاحبا كالخريف، ليجد في قمامة أزبالها كثيرا من المناديل اللزجة .. تنهد عميقا، ثم عاد لبيت النعاس كي يمسح اسمه من جسدها " .

لقد شكل المكان بقداسته وشاعريته وخصوصيته عالما ومختبرا لصنع كل أحداث النص فالمترسب في مخيلتنا عن بيت النعاس غالبا ما نقرنه بالخصوصية / واللذة / الجنس / الراحة / الحياة الزوجية / مفاهيم قد تجعل من الجسد المشجب الذي تعلق عليه كل تلك التمثلات التي تترجم لدلالاتها، سواء المقدسة أو المدنسة وهو أمر سنلمسه في تصرف البطل الذي "عاد لبيت النعاس كي يمسح اسمه من جسدها".

لقد تحول الجسد إلى صفحة للكتابة الايروتيكية خصوصا وأننا بحضرة نزال مسروقة لحظاته كما أنه ربما تم تحت طائلة الإكراه أو الضرورة ولم يحدث فيه انتشاء أو تفاعل كيميائي بين جسدين وهو أمر أبرزته حالة البطل الذي خرج من شقة المرأة شاحبا كالخريف."

إن عدم الرضا دلالة على عدم التجاوب والإحساس بالغثيان هو أمر ستؤكده وقائع أخرى ستبرز ذلك الإحساس بكون الجسد الذي جاء يطلب فيه لذته كان ملوثا من قبل غيره يقول السارد '" ليجد في قمامة أزبالها كثيرا من المناديل اللزجة " .

إن الصادم في النص هو العمق الأخر الذي تنفتح عليه آفاق النص بل القص وآثامه وهي تعري عن طبيعة المكان الغرق في البؤس والتهميش و كأننا في مطرح للنفايات .. ما جعل المحو السبيل الوحيد للانتقام من الخيانة بل الوسيلة الوحيدة للنسيان المتعمد .

* المكان بين الدلالة الوظيفية والرمزية
إن إلقاء نظرة متفحصة على نصوص المجموعة سيمكننا من التقاط إشارات مكانية عديدة عملت على تحقيق توازيات نصية سواء من حيث الارتكاز على مجموعة من الاعتبارات الخاصة، فالإحالات المكانية تجسدت من خلال المكان محددا فقط لبناء الحدث الحكائي لكنه لا يكون مرتكزا أساسيا بقدر ما يغدو معلمة من بين معالم أخرى تتكرر لنسج بنية من الصورة الدالة والأحداث المختلفة داخل القصة الواحدة، هذا المكان الذي يصل حد الاختفاء بشكل واضح مادام فضاؤه الحقيقي يصير هلاميا ومتفككا فيشيد داخل أعماق الشخوص أنفسهم وأحيانا تصير اللغة حاملا مكانيا بامتياز .

وبالرغم من تضمينه من خلال المجموعة في نصوص عديدة " مطعم هالة" هل " استقالة " ظلمات " لحية أنيقة " فقد تم تهميشه على حساب الحدث والزمن النفسي رغم كونه تربع على العتبة أو عنوانا للنص أو في بداية نص ما، فالسرد يتم تهريبه لصالح بناء الحدث بكل آلياته وتقنياته مثلا يقول السارد " دخل مطعم هالة، فتح حقيبته أخرج منها حزمة من المجاميع القصصية .. وباهتمام بدأ يوزع بالمجان حتى نفدت ثم تساءل بغضب : هل أنا كاتب قصص قصيرة جدا إلى هذا الحد؟

أما في نص " هل " يفتتح النص بالإشارة المكانية من الداخل يقول السارد " دخل مطعم هالة لاهثا " وهو نص بقدر ما يبرز جنون البطل ستفتح خاتمته أفق تحليق مماثل لنص مطعم هالة بتساؤل ماكر " هل أنا طفل بشاربيه؟ "

إن هذا النسج جعل من فضاء المطعم خلفية سينوغرافية لإبراز عمق الجنون /والخبل /والإبداع بل الضحك حتى البكاء يقول السارد " دخل شاعر وعشيقته مطعم هالة ..."وسينتهي النص بحوار ملغوم " ماذا تفعل هكذا بأصابعك سألته؟
ـ سأتوقف عن كتابة القصيدة يرد الشاعر .
فالمكان بقدر ما يبرز الاختلاف الغرابة سيعلن عن حالات نفسية رهيبة كما هو الأمر في نص " مرايا " يقول السارد " في مطعم هالة جلس القرفصاء، وأخرج من حيوبه كثيرا من المرايا نثرها أمامه تأملها للحظات، ثم صرخ ساخرا " هل أنا منافق إلى هذا الحد؟ ".

إنها لعبة التكرار ضمن متوالية المكان والحدث والموقف الغريب لتصوير عمق الضعف الإنساني وانتفاضات النفس وخلخلة الأنا المتمركزة حول ذاتها وعالمها الأصغر من حبة خردل والمماثلة في سعتها للكون بشساعته فنص " ظلمات" يستوقفنا هو الآخر لكونه يبدأ بنفس البناء يقول السارد " دخل مطعم هالة متوترا /جلس فوق الكنتوار خلل لحيته كثيرا ./ ثم أخرج صرة بنية : كتابا أصفر سواكا من عود الأرك ../ قارورة كحل ../ حزاما ناسفا / . ثم صرخ في الحضور .بعنف / . هل أنا مجنون إلى هذا الحد؟ " .

قصص بنفس المدخل منفتحة على أسئلة موجعة تبرز الشرخ النفسي والانشطار وهي بتوازياتها المتناقضة ترصد عوالم من المتقابلات اللغوية الدالة بين التطرف و الإرهاب / الانفتاح والانغلاق / الإيمان والكفر / الحياة والموت تمرر خطابات واقعية كأنها تضع الملح فوق الجرح لتنزف حقائقه المغيبة .

إنه نوع من الاستنطاق الذي تمارسه الشخوص على سرير التشريح النفسي وهي وجها لوجه بانحرافاتها وزيغها عن المنظومات المجتمعية وكأنها تمارس بارتدادتها نحو الأعماق نوعا من النقد الذاتي فالمكان أحيانا سيتم استيراده من إيحاءات المعنى الدال عليه كما هو الأمر في العديد من النصوص كنص " لحية أنيقة " يقول السارد "استلقت على قفاها فوق السرير متعبة من الايروتيك، ليقفز إلى ذاكرتها مطعم هالة".
إنها كتابة تلعب على المتوازيات والمتقابلات من صور وأحداث وشخوص :كتابة تنزع نحو تحريك الصور الدالة والمواقف المعبرة التي تجعل من اللغة مجرد وسيلة ثانوية فلحمة القصص الحقيقية في تداعيات حدثين لهما نفس الوضع والحالة النفسية لكنهما ينطلقان في اتجاهين متباعدين من خلال الحفاظ على مساحة بينهما "وهو ما يمكن اعتباره شاعرية تتم في زمن نفسي بعيد عن واقع القذارة والخيانة والبؤس يقول السارد " عاد منهكا ليرسم في خياله/ بحرا يزحم بالنوارس / معطفا من جلد كالبني / وطفلة تتشعبط في حبل مفتول / / عادت منهكة لترسم في خيالها طبقا من سمك/ وجها حليقا وشاربين كثين / ورجلا يلتقط صورا لامرأة / / تضع في ملابسها قليلا من العطر / "عفوا عزيزي القارئ اللقطتان كانتا من وحي أربعاء قديم".

وهذا التقابل والتطابق في السلوك والحدث المتوازي هو وضع سيجعل من المتخيل وإفرازاته هو المتغير الباحث عن مشترك في النهاية " رسم في خياله بحرا = ترسم في خيالها طبقا من سمك ووجها حليقا وشاربين، إن إفرازات الخيال تجعل الذات تجنح بحثا عن النصف المفقود والحب الملحوم به فالبطل يرى محبوبته في صورة طفلة تتشعبط في حبل مفتول = بينما هي ترى فيه فارسا بوجه حليق وشاربين كثين وهذه الصورة سرعان ما يتم العصف بها نظرا لما ولدته القفلة من شكوك وهواجس يقول السارد " ورجلا يلتقط صورة لامرأة تضع في ملابسها قليلا من العطر " واقعة تنزاح بثقلها نحو الشك المثير للغيرة والقلق .

في حين نكاد نشعر بنوع من العصف الهادر ونحن إزاء نص "قطار الفجر " الذي كانت شدراته المقتطعة من زمن حكي عبارة عن لوحات رومانسية كما أن اللغة الشاعرية والجميلة بقدر ما جعلت من الاستطراد اللغوي والاستعاري مجالا لها فتحت القص على أفق مختلف ومغاير فالسفر سيتم نحو شفتين كما أن البطلة ستبتاع تذكرتين وهي مواقف بقدر ما تثير الدهشة تدفعنا للتأمل، كما أنه نص مجزأ إلى أربعة لقطات أو ومضات لكل منها دلالته الخاصة، يقول السارد "
1
في فجر ملتبس، ابتاعت تذكرتين من الشباك الوحيد، كي تستقل القطار إلى شفتين .
2
في العربة الأولى، رسمت بورتريها لراهب حزين، وسربا من العصافير يصلي
3
في العربة الثانية، رسمت الكثير من المرايا، وسربا من النوارس يؤدي إلى البحر
4
وفي المحطة الأخيرة، نسيت حقيبتها السوداء في البوابة المفضية إليها .

فالبطلة في اللقطة الثانية داخل عربة القطار الأولى سترسم بورتريها لراهب حزين وسربا من العصافير يصلي وهنا نجد أن لحزن الراهب دلالة على الكرب، والصلاة إحالة على العبادة والتطهر والمناجاة التي تخلق جسرا يتجاوز حزن الراهب نحو فساحة السماء، في حين نجد في اللقطة الثانية " العربة الثانية " أن البطلة سترسم سربا من النوارس يؤدي إلى البحر" .

إن دلالة العصافير / النوارس بقدر ما تحيل على الحرية في أبهى حالاتها تبرز رغبة البطلة في الانعتاق والتحليق كما أن التقابل بين الصلاة والمرآة يجعلنا أمام مناجاة داخلية وقراءة لمرآة الأعماق انطلاقا من " أنا " الساردة ورغبتها في التطهر كأن رحلتها المليئة بالرغبة واللذة نحو الشفتين هي سفر من المقدس نحو المدنس فما يجعل السفر عاصفا هو الجزء الأخير من النص الذي يرسم البطلة التائهة وقد نسيت حقيبتها السوداء في المحطة الأخيرة .

إن كتابة عبد الله المتقي بقدر ما تبرز شاعرية نادرة تجعلنا أمام نصوص بها أكثر من منفذ وقراءة، فقطار الفجر تعبير وتفجير لرغبات ذات حالمة مكبوتة، وتحقيق لها في ذات الآن كما أنها صورة نفسية لبطلة غارقة في إحداثيات وتفاصيل وجزئيات ذاتها بحثا عن الانعتاق وتحقيقا لأحلام اليقظة بالسفر الحقيقي على شفتي حبيب ابتاعت من أجله تذكرة أضافية مع ما تحمل الجملة الأخيرة من دلالة على الجنون والخبل .

* الزمان بين الواقعي والنفسي
إن ما يثير الانتباه إليه في نصوص المجموعة هو توظيفها لقاموس زمني غير محصور أو محدود يجمع بين المتعارف عليه والمتداول وحتى الخاص ما يجعله محاولة إحياء اللغة، فهناك زمن الحلم يقول السارد " في زاوية مهترئة من الحلم / أحشاء الليل " نص أحلام ملونة
" نامت قبيل العشاء / نص خارج المرآة
" الصباح يتدلى أنيقا ككفن / نص ليس إلا
" في أول المساء / بعد العشاء / نص بؤبؤ عمودي
" في كل ليلة / في الليلة الأخيرة / نص تلبس
" في قلب الليل / في الثالثة صباحا / الثالثة كما هي تماما / نص علبة حلم
" تنهيدة خفيفة لدقيقتين م بعد منتصف الليل / نص مداعبة
" في المساء / في الليل / في صباح الغد / نص شاطئ الحلم
" في اليوم الأول / في اليوم الثاني / في اليوم الثالث / نص رحيل
" بعد نصف ساعة / نص مسح
"في الصباح / في المساء /نص وحدة

في حين تتم الإشارة إلى الزمن بتحديد مكرور "مرة " مثلا كما هو الأمر في نصي إيتما ووال وربما قليلا"
" في المرة الأولى / في المرة الثانية / في المرة الثالثة /
في قلب الليل / في الثالة صباحا / في الرابعة كما هي تماما نص زغاريد
" أكثر من ساعة / ما هو إلا وقت وجيز " نص الميت يعود
" بعد وقت مضغ الحصان صاحبه " نص مضغ
" في فجر ملتبس / نص قطار الفجر
" في خريفه السبعين " نص رجل مكفن

إننا إزاء كتابة تقتطع جزء من اللحظة بل تجزؤها إلى لحظات صغيرة منفصلة بعضها عن بعض تستغور الصمت وتكشف ملامح الشخوص الصامتة بل تفضح الاحساس والنجوى .

يعرض السارد في نص " ليس إلا " موقفا لرجل وامرأة وقد أقاما علاقة جسدية داخل غرفة لكن فرحة اللقاء لم تكد تكتمل حتى حان وقت الرحيل الذي سينقله السارد وامضا على شكل لحظات كانت كلماتها مقتطعة بالقوة من الصمت يقول "
1
رجل وامرأة تركا خلفهما غرفة مبعثرة ويكاد يخنقهما دخان الوداع
2
الرجل والمرأة يخرجان بغثة من زقاق حائل، وكانت الأشياء هكذا :

_ الصباح يتدلى أنيقا ككفن
رذاذ خفيف على وزن ريش الحمام وسرب من النوارس يشاكس بعضه
3
يتوقفان فجأة وكانت الأشياء هكذا ثانية
رجل يصحو من سحر قلقه
امرأة تكتم نزيفا من الحزن
وشبقا من الفرح يتلذذ بمنظر من النوارس يغطي المكان .

إن الصورة التي يقدمها السارد تبرز قدرة رهيبة على الثأتيت وإعادة الثاثيت الذي حول المكان وسينوغرافيته مجالا مثاليا لخدمة المشهد وكلما تم الانتقال من حالة نفسية لأخرى نلمس ذلك التحول وكأننا نستبدل خلفية بأخرى دون الثأثير على الحدث الرئيسي " لحظة الوداع" كما أن التأثيث اللغوي والتوظيف المجازي والاستعارة بقدر ما يحول اللحظة إلى جنائزية حسب السارد " يكاد يخنقهما دخان الوداع / زقاق حائل / نزيف من الحزن " كتعبير عن الاحتراق الصامت بل ذوبان كيانين وتمزقهما حد الموت نجد أن الإشارة إلى لحظة سعادة منفلتة للإشارة ولفت الانتباه إلى الثأثيت الموازي الذي جاء ضمن سياق الصورة وأنساقها من خلال لحظة تداعي ومن خلال التقاط للملامح ضمن رؤية ومنظر عام وتصويب للنظر جهة البحر عوض النظر في وجه بعضهما البعض نحو النوارس التي كانت تشاكس بعضها وهي تغطي المكان،فهل يمكن اعتبار لحظة الوداع مجرد لحظة كغيرها حسب العتبة أم أنها امتداد لسحر القلق ونزيف الحزن؟

كتابة عبد الله المتقي بقدر ما اتخذت لها سمات تعبيرية ووظيفية خاصة لها طابع مميز أضحى علامة من العلامات لبارزة في القص المغربي ودلالة على أسلوب بقدر ما يمتح من حقوق معرفية مختلفة تطغى عليها شعرية خاصة سواء من حيث التشكيل البصري أو التوظيف والتضمين والتشييد والتقطيع، نصوص أقرب إلى الشذرة أو السوناتة أحيانا في مظهرها المغري لكن في عمقها وهويتها المميزة ق ق ج بأكثر من حامل تحافظ على وحدة الحدث والحكاية التي لا يجتمع شملها إلا من خلال تجميع كل أجزائها .

* تدخلات السارد بين الإيهام بالواقعية وتسريع الحدث
ما هو الإطار الذي يمكن من خلاله إدراج تدخلات السارد؟ وهل يمكن اعتبارها محاولة للتأثير على القارئ وإيهامه بواقعية ما يسرد؟
إذا اعتبرنا الأمر كذلك فكيف يمكن تفسير تدخلاته المقلقة والمشاكسة وأحيانا الأكثر تعسفا في حق أحداث النص بتكسير السياقات النصية وإحداث بلبة وتشويش واضح على نهايات النصوص؟

لقد لا حظنا أن هناك مجموعة من النصوص ك : خريف / غرام / ماذا سيحدث / مظلة / رجل مكفن ...قد وظفت فيها هذه التقنية بل يتم الإعلان صراحة في نهاية النص من طرف السارد الذي يتدخل بشكل علني في نص ماذا سيحدث يقول السارد " حينها يتدخل السارد ليكشف عن مؤخرة هذا الكارثة ويعيد الحياة من الجريمة " أو في نص غرام لتصحيح القفلة أو التذكير بزمن النص أو الحدث " عوفا عزيزي القارئ اللقطتان كانتا من وحي أربعاء قديم " أو في تحديد نوع النهاية المرغوب فيها للنص من خلال اقتراحات عديدة " يقول في نص رجل مكفن " اختر النهاية التي تناسبك ولا تنسى رداءة الخمرة ".

أمنا في نص "خريف" فنجد نوعا من الإلحاح في الكشف عن مزيد من التفاصيل باللجوء إلى تكرار الطلب الذي كان بلغة عامية وظفت إلى جانب اللغة العربية في النص "إيو زيد / إيو زيد ثاني" كما نجد أن هذه التدخلات تكون بين قوسين وكأنها إرشادات كما هو المر في نص "أحلام ملونة" يقول السارد " هو رجل ملت قبعته السوداء وجودها على قنته / نفس الرجل دغدغ النبيذ كبده" أما في نص "ضرير يقول السارد " رجل يقرأ أسارير جبهته / رجل لا يفهم المعنى / شاعر ضرير يقرا للمرآة قصيدة عمياء " كما نلمس استطرادا قارب نصف صفحة أو نصف النص من خلال وضعه بين قوسين نص خارج المرآة يقول السارد " نامت قبيل العشاء وهي م تحصي تجاربها في تلك الغرف التي هبط عليها نور مصباح خافت وفككت عظامها " في حين نجد التدخل المفاجئ في نص مظلة يقول السارد ' أما السارد فلا يرى لحد الساعة أيهما يمطر ".

* صورة الـ"هو" والـ"هي" من خلال المجموعة
إلى جانب شعريتها تتسم كتابة عبد الله المتقي بإيحائية تعبيرية ساخرة من خلال رصد مواقف حياتية ولحظات هاربة، فالانتقاد يمرر بسخرية هادئة فمثلا عند تطرقه لموضوع الخيانة يبرز سذاجة الرجل " ال" هو " الذي سيقترفها دون القدرة على الإقرار بذلك إلا بعد القراءة عنها من خلال رواية، وهنا نجد النص يتناص مع متن روائي " أنا كارنينا" لتولستوى " تناص كان الهدف منه تكسير المرايا الزائفة بداخل شخوص النص الأول .

فالرجل الأول بقدر ما عرى عن آخر ورقة توت تحجب عورته بفعل الغواية سيضطر إلى تصنع فرح واهم وهو يحتفل بلحظات رحيل معشوقته كما هو الأمر في نص "رحيل" يقول السارد "في اليوم الأول لرحيلها لم يجن جنونه.
في اليوم الثاني لم يعض أصابعه ندما ..
وفي اليوم الثالث، رقص فرحا،
حتى تساقط فوق كرسي جانب السرير
ولما انتبه، رآها ملقاة على سريره،
عارية شاحبة، ذابلة، ومحذوفة الضفائر

إن الرحيل ووقعه المؤلم هو الواقعة التي تبرز الضعف الذكوري بل تبرزه بجون مساحيق.. فالسؤال الجوهري الذي تطرحه نصوص عبد الله المتقي القصصية هي كيف ينظر كل من الرجل والمرأة لبعضهما البعض؟ وكيف يتمثلان الأشياء والعالم من حولهما؟

فالصور عديدة والأمثلة بقدر ما تبرز شعرية الرؤية للأشياء والآخر، تفضح النظرة الدونية بل القدحية الجارحة للمشاعر الإنسانية، لكن في الغالب يظل الحب بسعة البحر، ويظل الرجل في نظر المرأة نورسا وهما مكونان يتعايشان معا بل يشكل الواحد جزء من الصورة العامة والمكملة للآخر.

إننا نعثر على توظيف ضميري الغائب هو / هي كدلالة على شخوص بملامح مبهمة لا تكتمل بدون العودة إلى العنوان، لنجد أن دلالة " هي = وردة، وهو = نورسا أو رجل وامرأة ليس إلا أو وضمير الغائب "هما " في نص محابر " وهما مثل روحين يقول السارد " قالت له : ما زالت الفرشاة بأيدينا
رد عليها، كي نرسم حياتنا بالألوان ..ثم سرعان ما يسترجع كل منهما ضميره هو / هي
هو شيتف هيتف فوق الفرشاة بعصبية ..
هي ركلت المحابر الصينية بغيظ

في حين تلمس تغييب لأسماء الشخوص أو الضمائر المحيلة عليهما " هو / هي " بالمطلق ليحل محل الضمير المنفصل الضمير المتصل داخل رحم جمل موسومة بتقطيع شذري وترقيم دال يقول السارد في نص "مسح":
فتح باب غرفته برفق، اقترب منها لم تتراجع فقط شعرت بنفسها منجذبة إليه " وهذا التحول كان يتم تدريجيا في نصوص عبد الله المتقي إلى درجة تحقق الانمحاء للذات كتعبير عن أقسى درجات القهر الدالة على الغياب أو الغرق في الوحدة القاتلة لحظة ستغيب الـ"هي" ويحل الفراغ في المعالم المحيطة دلالة على مكانتها الرمزية بل الواقعية يقول سارد نص "وحدة"
1 – كل شيء من حوله ممل :
الشقة، المدينة ..ويكاد يختنق
2 – في الصباح تبدو له كل الأشياء متشابهة كما أعواد الثقاب ..
في المساء يرى الرتابة تجثم على قفصه الصدري
3 – وحين يؤوب إلى شقته ليلا يرى وجهه في المرآة، وقد أكلته الشيخوخة

* المرآة بين التوظيف السردي والرمزي
لعل من بين الأشياء التي لها قداستها ومفاهيمها ودلالتها الخاصة بالنسبة للإنسان هو تمثله للمرآة وقدرتها على الفضح والصراحة دون مواربة أو تدليس، لهذا فهي بوجهها الصقيل تمارس سحرها على الذات بل تتمكن من التوغل من خلالها إلى الأعماق وهي تعكس مختلف حالاتنا وهذا الانعكاس حقيقة مطلقة على أن المحدق في المرآة ليس هو نفس الشخص الذي ينظر إليها بل هو مجرد انعكاس له ليس إلا.

فبقدر ما دلت المرآة على واقعية امتدت غوايتها إلى ما هو سحري وغيبي وصل الأمر إلى تحولها إلى مرآة تتسبب للمحدق فيها في تشويهات خلقية وتحولا بالإكراه عن الطبيعة حسب ما أوردته الأسطورة والحكايات العجائبية بل القدرة على الانتقام والكلام والقتل .

وهي توظيفات لم تخلو منها قصص الجدات بل نجد أن هذا التوظيف وسم الحكاية الشعبية وحكايات الجدات في كل الحضارات أمر نلمسه في ق ق ج فالمرآة بقدر ما تدل على صفاء وسحر وجاذبية يمكن أن تسبب حقائقها في صفع مباشر للذات يقول سارد نص "خارج المرآة " .

" نظرت في المرآة، ثم تراجعت خائفة، لم تعرف وجهها، بثور كالعدس، تراب كالبني، أنف يتجاوز نبضه وانهارت " .

إن الحقيقة التي عكستها المرآة تجعلنا نقف من خلال فظاعة الحدث أمام واقع آخر كون " المرأة" بقدر ما أهملت نفسها والعناية ببشرتها تسببت لها الحقيقة في صدمة كما أبرزت ضمنيا زيف محيطها ووقفت على حقيقة مرة كون نظرة أقرب الناس إليها لا تتجاوز مفاتنها ومواقع ذاتها الحساسة وهذا يدفعنا إلى التساؤل هل للمرآة كل هذا السحر في جعله يتسبب لنا بصفعه في نذوب بليغة حد الإغماء؟ هل تخاطبنا أم تخاطب المغيب في أعماقنا وما نواريه من عيوب عن الآخرين؟

في نص خجل تتم أنسنة المرآة التي تشعر بالخجل من منظر جسدين عاريين يقول السارد "
1 - رجل وامرأة يتعاركان فوق السرير، وامرأة تنام واقفة
2 - جسد عار يداعب جسدا عاريا ولهات أيقظ المرآة
" – أغمضت المرآة عينيها خجلا وحاولت نسيان وجودها قليلا خارج غرفة النوم "
إن الاستحياء الذي عبرت عنه المرآة بموقفها المتجلي في الانسحاب الضمني هو موقف يمكن تفسيره بإثارة الرغبة الجنسية فيها هي الأخرى . وهو موقف سرعان ما سوف يتحول من التواري والحياء إلى طلب صريح وبإلحاح منها أيضا كما هو الأمر في نص " غواية " وهي وجها لوجه مع رجل يقف أمامها يرى جسده عاريا .. وقد ساد صمت رهيب لينفجر صوت المرآة ساخرا .. اشتهي أن أراك عاريا كي أضاجعك ".

إن أنسنة المرآة جعلها تحمل نفس صفات المرأة بل ومكانها أيضا في النص بل يمكن القول أنها ضاهتها مقاما في العديد من النصوص بحيث تضحى هي المبتدأ والمنتهى فمن خلال عبور بوابتها يتحقق ممكن القص، وعبر الخروج من إحدى المنافذ يكتمل الحكي أو الحلم أو الحدث، في نص "مداعبة " نلمس هذا الطرح يقول السارد: "في اليوم الأول نظرت في مرآتها، أسدلت شعرها على كتفيها " .." في اليوم الرابع .. وما بعد منتصف الليل بللنا الأرض كاملة في مرايا عارية "
فالعلاقة الجسدية التي هي الهدف بل اللبنة الأساسية التي شيد عليها النص تخطف المرآة منها بريقها بل ومن الشخوص أيضا وهي تحقق تعددها وصورها الأخرى "مرايا عارية" في زمن الحب والحلم والجنون ".. فالمرآة بقدر ما تبرز نرجسية الشخصية أحيانا تبرز أسطرتها العميقة كدلالة على امتدادها التعبيري الموغل في عمق الأسطورة من خلال تناصها مع حكاية "نرسيس" الذي تحول إلى وردة وفي النص إلى حديقة نرجس " فالنظر بجنون مفرط إلى الانعكاس في وجه صقيل هو الذي يولد الغياب وفي النص " نرجس" أنبث الأسطورة كوردة داخل حقول نرجسيتها هذه الأسطرة هي ما يجعل من نصوص عبد الله المتقي تستمر بحفرها العميق صوب عوالم الحكي الأكثر لذة ومتعة جرأة بل الأكثر إحالة على التأمل بجرعات غير مفرطة.

إن النظر إلى المرآة قد يعكس لنفس الرائي أوجها متعددة وهي دلالة على التأويل الذاتي بل التخيل الذاتي وما يبرزه من حقائق تقف على تماس بين الحقيقة والحلم كما هو الأمر في نص "إيتما ووال" "يمشي جيئة وذهابا على إيقاع قيثارة، تداعبها أصابع طفل مشاغب، ثم يتوقف كي يتفرس وجهه في المرأة
1
في المرة الأولى، بدا له مخلوق وكأنه يعرفه من زمن طويل
2
في المرة الثانية، لم يتذكر أنه قابله في مكان ما
3
في المرة الثالثة بدا له نفس المخلوق بأنياب دامية
4
وختاما تفرست المرآة الرجل يمزق قميصه، واسترقت السمع يعلو ويشتد من داخلها "
إن المكانة التي حازتها المرآة في نصوص عبد الله المتقي تفوق مكانة ما حازه باقي الشخوص الأخرى سواء توظيفا أو إحصاء
نصوص عبد الله المتقي استطاعت خلق متعة عند القراءة ولذة ذات أمد قصير بحيث لا يحدث الإشباع، ما يجعل حالة النهم مستمرة لذا القارئ، فقد استأثرت المرأة والمرآة بحصة الأسد من حيث التوظيف بحيث عثرنا على العديد من النصوص التي قاربت خبلهما مها وجنونهما بنوع من الهذيان الضارب في عمق المعنى إلى درجة أن أنسنة المرآة بقدر ما منحها صفة عجائبية أضفى على المسرود نكهة خاصة سيما وان التشكيل الكاليغرافي للنصوص كان مثيرا وجذابا سواء في مظهره العمودي ..أو الشذري أو لطبيعة لبناته المرصوصة بدقة متناهية مع اقتصاد كبير في الحكي وإضمار للمعنى فالحكاية لم يتم التفريط فيها ناهيك عن التطريزات الموقعة على جسد النص وهي تروم البحث عن توظيف متنوع .

ان الشعرية لم تكن السمة الوحيدة والمميزة لنصوص المجموعة بل اتخذت لها أشكال وصلت حد الغموض والتكثيف ما جعلها تتسم بجرأة على مستوى الكتابة بدنوها كثيرا من دائرة المحظور ومقاربته، بل يمكن القول أنها فعلت ذلك عن عمد وهي تساهم في تشكيله من خلال سردها لتفاصيل لحظات آنية أو مترسبة في الذاكرة وهي تأخذ حجمها الحقيقي بنفعول رجعي لتبدو في تمام روعتها .

كتابة جعلت من الجسد الأنثوي والذكوري والعلاقة الجسدية محورا للكثير من التفاصيل الملتقطة من لحظات هاربة أو منفلتة بل لحظات مسروقة من زمن الجنون والإبداع والرغبة وهي تراهن على بوار ما حولها وسعادة الكون المنحصر بداخل الذات المنتشية والحالمة، كتابة تبرز رغم انشراحها وتمردها وعصفها وجنونها أقصى درجات العزلة والألم بين شيخوخة تطرق أبواب القلب وذات مجنونة تسير على صراط بين جسدي امرأتين الأولى طرقت أبوابالعنوسة والثانية لا تزال تتفتح كوردة ياسمين تواز "شخص الأنثى في النصوص " ستحدد معالمه كذلك على مستويات أخرى وبين شخوص عديدة رحلت إلى دار البقاء " الجدة /الأب / الكتاب " وهو استحضار لم يكن عبثيا بقدر ما رام تحقيق توازنات على مستوى الأفضية والأزمنة والحالات النفسية .

مسيرة الكاتب هي مسيرة بقدر منا تنطوي على النجاح تنطوي على الألم والفقد والغياب ..واللم، مسيرة تتخللها لحظات شرود وجنون ومغامرات ونسيان، وأحيانا موت،الموت الذي ظلت رائحته مزكمة وعالقة بذاكرتنا وروحنا منذ الإهداء الأول " إلى روح المختار ميمون الغرباني " مرورا بموت المبدع وقوارب الموت والأب والجدة وانتحار سقراط والموت الوهمي للكاتب المجنون وهو يخرج من حقيبته مسدس مائي إلى موت المؤلف كموت رمزي تجسد في توزيع نسخ قصصه بالمجان حتى نفدت " مطعم هالة ".

فنصوص عبد الله المتقي ى تستثني الجسد ألذكوري بإفرازاته ودلالته في قصصها من خلال إشارات دالة على الطفل الصغير الكامن بقلب العديد من الشخوص كما هو الأمر في كل من النصوص " غواية / نرجس / ظلمات / انتحار / ربما قليلا ...فصورة الرجل تظل معبرة عن بؤس كبير واضطهاد خطير حتى بالمقارنة مع أشيائه كما هو الأمر في نص " أرق é وشعور المنامة بالدفء واحمرار عينيها لتنام في حين ستظل عني البطل جاحظتين في ظلام كثيف " .

نصوص مطعم هالة في الواقع هي نماذج راقية ومتطورة بشكل كبير، هي اشتغال ملموس من النص الوامض الضامر المضمر إلى النص الشاعري المنفتح على أفق تأويل متعدد والحامل للذة القص وتفاصيلها غير المثقلة أو المفرطة في الوصف.

نصوص راهنت بقوة على تحويل المحكيات "القصص" إلى نصوص مثيرة تمارس غوايتها الصريحة بين القارئ والشخوص بحثا عن تواطؤ خفي لتحقيق متعة خيالية فهي بقدر ما تخاطب المكبوت فينا والمغيب بقوة من حياتنا كواقع لا مفر منه " الخيانة / المغامرة / الجنون / الخبل " تحملنا على تكسير قيود الذات وفحولتها بحثا عن ذكورة متوارية تحت مساحيق الأنوثة المفتعلة لنطرح سؤالا جوهريا حول واقع " الأنا " الموغلة في النرجسية والمغامرة والحالمة باختراق حدود الفضاء الأنثوي ومجاله المحرم من خلال .
ممارسات كانت تتم في فضاءات مغلقة وأمام المرآة بل أثناء الحلم في السرير .. ما يجعل مفهوم الذكورة غائبا ليحل محله المفهوم الوظيفي للجنس في بعده التبادلي للمنفعة بين جسدين مع غياب لمفهوم الحب واستحضار للوازع الديني أو سلطة الرقيب " الأب / مجتمع .." في أكثر من حالة أو حتى سلطة الأشياء المحيلة أو الدالة عليها القابعة بداخلنا، كما أن المتعة ستضحى هي البداية والنهاية عبر اتفاق قبلي ومشروط يتم التعاقد عليه بين طرفين، شروط لم تكن لتقبل ضمن دائرة الرباط المقدس " الزواج" لكنها ضمنيا تتم عبر الهجر المفتعل والرتابة وكره الذات .

مطعم هالة نصوص ذات نسيج شعري قل نظيره في أجساد القصص القصيرة جدا العربية لأنها تمتح من تجربة حياتية في ابسط تفاصيلها وفي اللا مرئي واللا محسوس ومدرك كذلك .

"1" عبدالله المتقي مطعمه هالة منشورات اتحاد كتاب المغرب ط الاولى 2011
"2"حميد ركاطة المرأة بين الجوهر والمظهر قراءة في الكرسي الآزرق لعبد الله المتقي موقع أنفاس http://www.anfasse.org/portail/index...937&Itemid=310
"3" حميد ركاطة "ملائكة تعري المستور وتمارس المحضور وتسخر من القيم الزائفة "قراءة في قليل من الملائكة لعبد الله المتقي
موقع درووب » » ظ…ظ„ط§ط¦ظƒط© طھط¹ط±ظٹ ط§ظ„ظ…ط³طھظˆط± طŒ ظˆطھظ…ط§ط±ط³ ط§ظ„ظ…ط*ط¶ظˆط± طŒ ظˆطھط³ط®ط± ظ…ظ† ظƒظ„ ط§ظ„ظ‚ظٹظ… ط§ظ„ط²ط§ط¦ظپط©::. Doroob .::. ط¯ط±ظˆط¨ .::
"4" مصطفى جباري " القصة القصيرة جدا عند إدغار ألان بو ص 20 مجلة قاف صاد العدد1 السنة 1 / 2004
"5" مصطفى جباري نفسه ص 20
"6" سعيد بنعبد الواحد " مفاهيم نظرية حول القصة القصيرة جدا في اسبانيا وأمريكا اللاتنية مجلة قاف صاد ص 37 العدد1 السنة 1 / 2004
"7" سعيدبن عبد الواحد نفسه ص 37
"8" عبد الدائم السلامي شعرية القصة القصيرة جدا " قصص عبد الله المتقي ومصطفى لغتيري أنموذجا " ص 6 منشورات أجراس والصالون الأدبي سنة 2007
"9" سعيد منتسب جزيزة زرقاء منشورات مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب سنة 2003

"10" د حسن المودن " شعرية القصة القصيرة جدا نصوص سعيد منتسب وعبدالله المتقي نموذجا ص 88 مجرة عدد ممتاز "13" خريف 2008
"11" جابر خلف إلياس " القصة القصيرة جدا نوعا أدبيا ص 30 مجرة عدد 13 خريف سنة 2008
"12" د جميل حمداوي القصة القصيرة جدا بالمغرب قراءة في المتون ص 40 منشورات مقاربات سلسلة دراسات الطبعة الأولى 2009
"13" سعيد بوكرامي الهنيهة االفقيرة مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب سنة 2002
"14" دجميل حمداوي القصة القصيرة جدا مرجع مذكور سابقا ص 43
"15" مصطفى جباري مرجع مذكور سابقا ص 22
"16" د حسن المودن مرجع مذكور سابقا ص 97 مجلة مجرة
"17" د حسن المودن مرجع مذكور سابقا ص 97
"18" جاسم خلف إلياس مرجع مذكور سابقا ص 31
"19"جابر خلف إلياس مذكور سابقا ص 32
"20" جاسم خلف إلياس مذكور سابقا ص 16
"21" جابر خلف إلياس ص 21













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 25-Jul-2011, 06:14 PM   رقم المشاركة : 2
أسامة هوادف
عضو موقوف



افتراضي رد: شعرية القصة القصيرة جدا بالمغرب:

بارك الله فيك أخي







 أسامة هوادف غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
القصة, القصيرة, بالمغرب

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
يهود الجزائر الذين عادوا مع ألاقدام السوداء غماري أحمد التاريخ الحديث والمعاصر 5 20-Jun-2008 03:22 AM
طلب اليهود من المسلمين فتح الأندلس: حقيقة أم ادعاء؟ ابوالوليد الأندلسي التاريخ الأندلسي 3 08-Jun-2008 01:35 PM
البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي- الصهيوني النسر المكتبة التاريخية 0 26-May-2008 10:42 AM
الاقاليم الاسلامية المغتصبة(ارجو ان تساعدوني في كتابة الموضوع) AL moheb محاورات تاريخية 16 11-May-2008 11:43 PM
أدولف هتلر abdomaroc صانعو التاريخ 6 11-May-2008 06:02 PM


الساعة الآن 12:57 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع