« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: تفكيك أيديولوجيا السلطة في "مولانا" لإبراهيم عيسى (آخر رد :ماجد الروقي)       :: اشتد البرد على اخواننا اللاجئين السوريين والندوة العالمية تستقبل التبرعات وتوصلها لهم (آخر رد :ساكتون)       :: البدوى يسهل سيطرة اللوبى اليهودى على الإعلام (آخر رد :أمان)       :: نساء مصر المملوكية من "المخدع" إلى "التسلطن" (آخر رد :النسر)       :: أصل الرئيس الامريكي اوباما والسياسه الأمريكيه (آخر رد :النسر)       :: مصر وربيع التقدم (آخر رد :النسر)       :: ملف العراق الجريح ( قراءات سياسية مميزة ) (آخر رد :النسر)       :: اخبار اسرائيل (آخر رد :النسر)       :: تونس وعواصف الحرية (آخر رد :النسر)       :: كاريكاتير مُعبر (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> التاريخ القديم




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 25-Jul-2011, 05:36 PM   رقم المشاركة : 1
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي هيبون الملكية أو عبون الفينيقية (عنابة) مدينة ذات جذور فينيقية

د. خليل مقداد

نلقي الضوء من جديد على مدينة عربية جزائرية تعود في تاريخها إلى الجذور الفينيقية في شمال القارة الإفريقية، ولكن في هذه المرة ليس كما هو الحال بالنسبة إلى مدينة قرطاج التي أسسها الفينيقيون في القرن السابع، وإنما نحن هنا أمام مدينة تعتبر من أقدم المستوطنات الفينيقية في حوض البحر الأبيض المتوسط، وهذا يعني أنها ترجع إلى ما قبل الألف الأول قبل الميلاد وهي فترة الفينيقيين في العالم، مع الأخذ بعين الاعتبار أن السكن في الموقع يرجع إلى عصور غابرة في القدم، بمعنى أنها تعود إلى العصر الحجري القديم وربما أقدم من ذلك أيضاً.
وقد ساعد الموقع الجغرافي الذي تتربع عليه المدينة في إنشاء موقع سكني قديم ثم أخذ يتوسع شيئاً فشيئاً إلى أن جاء الفينيقيون وطوروا هذا الموقع وربطوه في مدنهم المحيطة في البحر الأبيض المتوسط بجميع المقومات البشرية والاقتصادية والسياسية حتى أصبحت من أكبر المدن في شمال إفريقيا، ولكن بعد أن حصلت مدينة قرطاج على مركز المدينة المركزية في هذه المنطقة التحقت مدينة هبون بها وأصبحت من المدن التابعة لعاصمة الفينيقيين في شمال إفريقيا.
وجاء موقع المدينة محاذياً إلى شاطئ البحر ومحيطاً بخليج مدينة عنابة حالياً، وبالطبع فقد شكل الموقع مظهراً جغرافياً وطبيعياً جميلاً وفائقاً في الروعة بحيث جاء على شكل مدرج متدرج في النزول من منحدرات جبال الأدوغ التي تحيط وتشرف على الشاطئ اللازوردي الغني بالمرجان، ولهذا يعتبر حالياً من أجمل الخلجان وأغناها في اصطياد المرجان والسياحة في قاع البحر.
ويحيط بالمدينة سهل خصب ويروى بغزارة بواسطة مسيلات وادي سيبوس الذي يعتبر ثاني أكبر وادي في الجزائر بسبب روافده المتعددة. وبذلك أصبح موقع مدينة هيبون الملكية أو مدينة بونة العتيقة الحالية إلى الجهة الجنوبية الغربية من مدينة عنابة الحديثة، وبشكلٍ أكثر دقة على بعد ثلاثة كيلومترات من مركز المدينة الحديث، ورغم هذا التوسع العمراني الحديث بقيت المدينة القديمة تحيط بخليج عنابة القديم بشكلٍ مستدير ومتدرج وسط أسوار تحصينية قديمة. (صورة 11)
تسمية المدينة: عرفت المدينة سابقاً باسم هيبورجيوس بمعنى بونة الملكية، إلا أن أصل التسمية فهو هبون أو عبون الفينيقية، وعبون تعني الخليج أو الجون، كما أنها نفس أصل كلمة عب وعباب العربية وتعني الماء المتدفق، وقد أطلق الفينيقيون الأوائل هذه التسمية على هذا الموقع كونه موقع خليج وجون ماءً متدفقاً.
قدم المدينة: دلت اللقى الأثرية وخاصةً البلطات الصوانية والأدوات الحجرية التي تم العثور عليها في المدينة والمناطق المحيطة بها وخاصةً على ضفاف الوديان وضفاف بحيرة فزارة أن مدينة هبون الملكية قد شهدت السكن وإقامة الإنسان في المنطقة منذ عصورٍ تاريخية قديمة شملت أيضاً العصور الحجرية الأعلى والأوسط والأدنى، وبشكلٍ خاص في فترةٍ زمنية استمرت منذ 200 ألف عام إلى أربعة آلاف عام قبل الميلاد، وانتشر نشاط الإنسان فوق منطقة جغرافيّة متسعة عرفت تاريخياً باسم منطقة نوميدية وأسست حضارة عريقة عرفت باسم الحضارة القفصية التي انتشرت فوق الأراضي التي شملت شمال غرب إفريقيا في قسمه الأوسط وعرفت باسم أراضي المملكة النوميدية الشرقية ما بين الألف الثالث والثاني ق. م.
كما دلت اللقى الأثرية وخاصةً تلك اللقى التي عُثر عليها في المقابر القديمة والتي تعرف باسم قبور الدولمن عن تواجد الفينيقيين السوريين في المنطقة منذ فترات زمنية بعيدة ترجع إلى ما قبل الألف الأول قبل الميلاد، وبدت أولى مظاهر الحضارة الفينيقية في المنطقة والمتمثلة في الزراعة وتعدد أنواعها من الحبوب والخضار والأشجار المثمرة. ومن أبرز مظاهر الحضارة الفينيقية المبكرة أيضاً المظاهر العمرانية والمتمثلة في القبور وأشكالها التي نُقلت من مدن الساحل السوري وتأثر سكان المنطقة بالتقنيات التي دخلت على المنطقة النوميدية بفضل التأثر المبكر بالحضارة الفينيقية والتي ميزتها وبشكلٍ واضح عن غيرها من باقي المناطق.
الجذور الحضارية للمدينة: توفرت في مدينة هبون جميع المقومات التي ساعدت على خلق مجتمع اجتماعي اقتصادي ثقافي منذ وقتٍ مبكر، ولعب توفر المياه العذبة بشكلٍ دائم وموقعها على الساحل مباشرةً مع امتلاك موقع ميناء مناسب للملاحة البحرية ساعد على انفتاحها على عالم البحر الأبيض المتوسط، وساعد ذلك أيضاً على تنامي العلاقات التجارية البحرية والبرية مع جميع الشعوب البرية والبحرية، كما أصبحت المدينة وسيطة بين عالم البحر والعالم البري الداخلي وخاصة منطقة جبال الأوراس ومنطقة تبسة، كما ترافق ذلك كله مع تطور وتنامي النهضة العمرانية في المدينة وتوسعها بشكلٍ يتناسب وبصورة مستمرة مع جميع التحولات الاجتماعية التي أرست قواعد التفاهم والتعايش مع القادمين الجدد.
ومن أبرز هذه المظاهر وجود المركز التجاري القديم وسط المدينة. وقد ساعدت كل هذه المقومات على التلاحم مع مدينة قرطاج منذ وقتٍ مبكر. ولعبت أسرة ماسنيسا الملكية التي كان آخر ملوكها جوبا قبل قدوم الرومان دوراً هاماً في تطوير المدينة في كافة المجالات وبشكلٍ خاص التطور العمراني والتنظيمي داخل المدينة وخارجها، لذلك احتلت المدينة في فترة هذه الأسرة الملكية مكاناً مرموقاً بين المدن الهامة في العالم القديم، وخير شاهدٍ على ذلك آثارها التي ما زالت باقية حتى الآن.
مظاهر الحضارية الفينيقية في المدينة: اندمجت هبون مع مجموعة المدن التي شكلت حلفاً يرتبط سياسياً بالعاصمة قرطاج التي بقيت مهيمنة عليها منذ القرن السادس قبل الميلاد وحتى مجيء الرومان وإنهاء السلطة الفينيقية مع نهاية سلطة القائد هانيبال أو حنّا بعل لحساب الحكام في مدينة روما. وكانت تشكل هذه المدن تنظيماً سياسياً قوياً أعطى لكل مدينة هيبتها وشخصيتها المستقلة.
وقد تم التوفيق بين القبائل الأصلية في المنطقة والمستوطنين الجدد بكل أريحية وترحاب؛ والسبب في ذلك مساعدة السكان القدامى في استخدام الأساليب والمناهج الحديثة للتطور الحضاري وبشكلٍ سريع مع الانفتاح على العالم بشكلٍ واسع، كما ترافق ذلك مع التوسع في المفاهيم الثقافية من أيديولوجيا ومعتقدات دينية والارتباط بالآلهة الفينيقية التي زادت في تنمية الشعور بالشخصية الاعتبارية ذات البعد الثقافي والعقيدي والتعبدي والانفتاح على العالم اليوناني والروماني.
إلا أن هذا الانفتاح الكبير على هذا العالم المتسع كانت له انعكاسات خطيرة لما سبّبه الفاتحون الرومان الجدد من التدمير الذي ألحقوه في هذه المدن وخاصةً مدينة قرطاج، لذلك بقيت المدينة فترةٍ زمنية طويلة تعاني من هذه الاضطرابات السياسية مما أثر على التنظيم العمراني والمدني حتى استقرت الأمور مع استقرار الإمبراطورية الرومانية وهيمنتها على عالم حوض البحر الأبيض المتوسط.
وكان لجميع هذه التطورات والتحولات انعكاساتها المباشرة على الأبنية العامة والخاصة في المدينة والتي ما زالت باقية حتى الآن كدليل على جميع هذه التحولات وكدليل على أهمية المدينة العالمية كمدينةٍ ذات أصولٍ فينيقية في شمال إفريقيا ترجمت إلى جانب مدينة قرطاج هذه الحضارة وقدمت صورةً صادقةً عن المدن ذات العمق الحضاري الفينيقي في العالم القديم طيلة الألف الأول قبل الميلاد.
وقد نقل الفينيقيون إلى المنطقة ومنذ وقتٍ مبكر أساليب الزراعة ومنها زراعة الحبوب وعلى رأسها القمح والأشجار المثمرة مثل الزيتون والعنب والليمون والتين واللوز والرمان. ونقلوا للمدينة صناعة المواد الغذائية وتقطير الزيت والعنب وممارسة الحرف المختلفة من نسيجٍ وصناعاتٍ معدنية وزجاجية وفخارية واستخراج المرجان والمرمر الجميل الذي كان يعرف باسم المرمر النوميدي ذي الخطوط الحمراء والخضراء، كما تم استخراج الحديد من المنطقة منذ وقتٍ مبكر حيث وُجدت أفران لإذابة الحديد في الأحياء الجنوبية من المدينة ووجدت هناك أيضاً أماكن عصر الزيتون وصناعة الفخار والزجاج وصناعة الأسماك، ولذلك عُرف هذا الحي في المدينة بالحي الصناعي وممارسة الحرف والمهن الصناعية.
المعتقدات الدينية: كانت المعتقدات الدينية تقتصر على عبادة الآلهة الفينيقية وعلى رأسها بعل وحدد ثم اندمجت مع الآلهة جوبيتير وبلوتون ومنرفا وجميعها ترتبط بالأرض والزراعة والمياه، وبذلك كانت ترجمة صادقة عن المعتقدات السورية.
التنظيم العمراني للمدينة: أخذت المدينة في تنظيمها العمراني المبكر نفس منهج المدن الساحلية السورية القديمة حيث ينتشر البناء فيها ويتوزع محيطاً في بمركز المدينة حيث الساحة العامة والمعبد والقصر ويمتد البناء حتى الأسوار الخارجية، بينما يتخلل هذا النسيج العمراني طرقات مستقيمة أو متعرجة وحسب الطبيعة الجغرافية للموقع، وتقسّم هذه الطرقات المدينة إلى أحياء سكنية تتخللها الأبنية العامة والخدمية، ثم أخذت المدينة التنظيم الشطرنجي مع طرقات مستقيمة تحيط بجزر متساوية الأبعاد وشوارع مستقيمة من السور إلى السور بحيث تبدأ ببوابة في السور وتنتهي ببوابة في السور الآخر وتتقاطع وسط المدينة في مصلباتٍ تجميلية حيث توجد سبل المياه والأقواس التجميلية، وكان الامتداد الأوسط للمدينة محاذياً للشط.
وقد امتازت مدينة هبون الملكية بموقعها المرتفع فوق تلةٍ طبيعية ومحاذية مباشرةً لشاطئ البحر مما جعل من المدينة الجميلة ذات إطلالة بهية على البحر، وتحيط المدينة بمينائها الرحب والفسيح، لذلك رُسمت صورتها ونُفذت فوق العديد من اللوحات الفسيفسائية التي ما زالت باقية حتى الآن تزيّن أبنية وقصور المدينة بأبهى لوحات تذكارية جميلة وكدليل على المنهج التنظيمي للمدينة.
المواقع الأثرية في المدينة: تمتلك المدينة العديد من الأوابد الأثرية الهامة والتي مازالت تحافظ على أقسام هامة منها أو التي تم الكشف عنها وهي موزعة على أحياء المدينة حسب المخطط التنظيمي القديم ومن هذه الأبنية والأوابد الأثرية الهامة:
الأبنية الموجودة في حي الفوروم أو حي السوق العامة وهي: ساحة الفوروم – الأروقة المعمدة – مدخل الفوروم – المعبد الرئيس الثلاثي أو ما يعرف باسم معبد الكابيتول - مبنى البلدية والذي يعرف باسم مبنى الكوريا – الأروقة المعمدة – سبيل المياه أو الفسقية – مدرج الفوروم – الركائز التي تحمل تماثيل الآلهة والحسناوات والشخصيات المرموقة – المبنى التذكاري – قاعدة وتمثال الفارس – اللوحات الرخامية – دورات المياه، إضافةً إلى الأبنية التي تحيط بالفوروم.
وجاء شكل الفوروم الداخلي على شكل ساحة رباعية مستطيلة ومكشوفة ومحاطة بأروقة معمدة في موقع يتوسط المدينة عمرانياً بشكلٍ تقريبي وتحيط به الأبنية العامة والخدمية الأكثر أهميةً في المدينة. وهذا المنهج التنظيمي يذكرنا بالعديد من المدن الأثرية في سورية مثل مدن: بصرى – أفاميا – تدمر - جرش أو المدن الأثرية في العالم ذات الأصل العربي الفينيقي مثل مدن تيمقاد – تيبازا – لبدا الكبرى – بومبيي – شحات – الإسكندرية – ميليتوس – أفروديسياس... إلخ. (صورة 3)
وكان سكان المدينة يتواجدون في ساحة الفوروم للقيام بالعديد من النشاطات، فمثلاً يأتون للتعبد حيث المعبد الرئيس في المدينة أو ما يعرف باسم معبد البانتيون أو الكابيتول. كما يلتقي المواطنون هناك لمناقشة شؤون الحياة وقضاء أوقات الراحة والفراغ حيث تدور المناقشات في الشؤون السياسية والتجارية والثقافية والتعبدية والحياة اليومية حيث يلتقي الأصدقاء والأتراب، كما يتعرف الجميع عن جميع شؤون مدينتهم والمدن الأخرى أو أخبار العالم من خلال التجار القادمين.
وقد كشفت الحفريات الأثرية في الموقع عن المواصفات الهندسية والتنظيمية للمبنى والتي بيّنت أنه من أكبر مباني الأسواق العامة في منطقة المغرب العربي حيث يبلغ طول ضلع الساحة ما يقارب المئة متر بعرض خمسين متر تقريباً، وقد تم تزيين الساحة بالأروقة المحيطية المعمدة والمزينة بالتيجان على النمط الكورنثي، وقد برزت من أجسام الأعمدة القناصل لتحمل فوقها العديد من التماثيل التي تعبر عن العديد من الشخصيات الهامة في المدينة والعالم من سياسية وعسكرية.
أما الأروقة من الداخل فقد كُسيت جدرانها بالصفائح الرخامية الجميلة وتخللتها الكوات والمحاريب والنوافذ وغيرها من عناصر الزينة، كما فرشت الأرضيات بالصفائح الرخامية الجميلة وهي تحيط باللوحات الفسيفسائية الرائعة بمواضيعها وبواعثها وزينتها التجميلية البهية والتي تذكر باللوحات المناظرة والمعاصرة لها في المدن السورية والتي تعود إلى مدارس الفسيفساء التي عُرفت باسم مدرسة فيليبوبولس للفسيفساء أو مدرسة أنطاكيا أو مدرسة أفاميا أو مدرسة تدمر وغيرها.
كما تخلل الساحة العديد من الهياكل التعبدية المقدسة والتي يرمز كل واحد منها إلى إله محدد، ومن الأبنية الهامة في الموقع مبنى البلدية أو الكوريا، وهو المقر الذي كان يجتمع به مجلس الشيوخ في المدينة وكبار الموظفين، وكانت تتم الاجتماعات داخل صالات كبيرة وفسيحة وذات اتساع رباعي بلغ 400 م2، وقد زين مدخل إحدى هذه الصالات واجهة كلاسيكية معمدة على المنهج الهلينستي والمحمولة على أعمدة على النمط الدوري، وجميع الجدران مكسية بالصفائح الرخامية واللوحات الجدارية (الفريسكات) كما زُيّنت الأرضيات باللوحات الفسيفسائية الجميلة.
وأجمل ما كان يزين ساحة الفوروم قاعدة وتمثال الفارس وسط صحن الفوروم، وهذه القاعدة ذات شكل رباعي بطول ضلع 5,5م وارتفاع 3م، وكان يعتليها تمثال الفارس وهو يمتطي حصانه. وهذا النصب عبارة عن تعبير للأصول العربية القديمة والعريقة حيث كان الشعب العربي في إفريقيا يقدس الحصان لدرجة التأليه لذلك فكان يُصور فوق جميع الوثائق من مسكوكات معدنية ومسكوكات نقدية ولوحات رخامية ومجوهرات، كما ترافق شكل الحصان مع سنابل القمح أو مع أشجار النخيل. ولهذا فكان الحصان في شمال إفريقيا رمز العروبة المبكر.
كما وُجد في ساحة الفوروم المدرج الجميل الذي يتقدم معبد الكابيتول الذي كان مكرساً للآلهة الفينيقية الرئيسة مثل بعل وحدد وعشتار. وقد كشفت الحفريات الأثرية عن العديد من المنحوتات التي كانت تزين الموقع ومنها التماثيل ذات النحت الجميل الذي يعبر أو يصور الشخصيات المرموقة وهي ترتدي الأردية والجلابيب الجوخية الفخمة والمزركشة، إضافةً إلى النقوش النحتية المزخرفة والمعبرة عن الزهور وعناقيد العنب والإله دوساريس إله الخمر، بالإضافة إلى تماثيل بعض الأباطرة والتمثال المعبر عن النصر وهو عبارة عن تمثال شخصية عملاقة يبلغ ارتفاعه 2,25م يكتسي درعاً حربياً ذا صفائح مسطحة وحادة ومتلاصقة.
كما وُجد في الموقع العديد من النصوص الكتابية المتفرقة بموضوعاتها ولغاتها والتي من خلالها تم التعرف على تاريخ المدينة والأحداث الهامة التي مرت بها، إضافةً إلى القرارات والمراسيم والقوانين التي كانت تكتب وتعرض في الساحة العامة لتكون مقروءة من قبل جميع سكان المدينة وتطبّق حرفياً، ومن أجمل هذه النصوص النص التكريسي الذي يخلد مؤسس الفوروم هذا الصرح الهام والعظيم من قبل كايوس باكسيوس افريقنوس؛ أي الحبر والقنصل والبروقنصول وسيد مدينة بونة وعضو مجلس الشيوخ الروماني وممثلاً للشعب الإفريقي في زمن الحاكم الروماني نيرون. وقد ورد ذكر هذا السيناتور أيضاً في مدينة لبدا الكبرى مسقط رأس الإمبراطور العربي سيبتيموس سيفيروس في ليبيا والتي تقع إلى الشرق من مدينة طرابلس بمسافة 120 كم وكانت واحدة من حلف المدن الثلاثة (تريبولس).
ويحيط بالفوروم الشوارع الرئيسة في المدينة الكاردو والديكومانوس والعديد من الأبنية الهامة والأقواس التجميلية والتذكارية والأبنية الخدمية منها مبنى سبيل المياه المشرف على شارع الدوكومانوس، وهو عبارة عن فسقية جميلة يتقدمها رأس رجل بطولي يعرف باسم الغورغون الذي تتدفق من فمه مياه الشرب العذبة. (صورة 4) كما فرشت الأرضيات بالعديد من اللوحات الفسيفسائية الجميلة ومنها اللوحة التي تُظهر إله النهر (صورة 5) والتي تتشابه وتعاصر لوحة نهر العاصي في مدينة الرستن في سورية وكذلك لوحة إله المحيط أوقيانوس في مدينة أنطاكيا أيضاً.
الأبنية الموجودة في الحي البحري: ومن الأحياء الغنية بالآثار الهامة أيضاً حي الواجهة البحرية ويقع في المنطقة الشرقية من المدينة والمحاذي للبحر بالتوازي، ويعتبر هذا الحي الواجهة البحرية للمدينة، وفي هذا الحيز التنظيمي توجد العديد من المعالم الأثرية التي مازالت موجودة رغم العوامل الطبيعية والبحرية وكذلك الأبنية التي تم الكشف عنها أثناء الحفريات الأثرية ومنها جدران رصيف الميناء القديم ومدرج النزول إلى شاطئ البحر وبقايا الميناء القديم والعديد من الفلل الجميلة ومنها فيلاّ الفسيفساء التي تعتبر من أجمل وأندر الفسيفساء من خلال لوحة تنظيم المدينة حيث أظهرت هذه اللوحة المخطط التنظيمي للمدينة بصورة واقعية معبرة داخل لوحة فسيفساء جميلة، بالإضافة إلى فيلاّ فسيفساء الصيد وكذلك فيلاّ فسيفساء انفرتيتي المشابهة إلى لوحة فسيفساء أفروديت في مدن تدمر وأفاميا (صورة 7), إضافةً إلى مبنى الحمامات والأروقة وفيلاّ فسيفساء الإله إيون رب الزمان اللامتناهي والذي نشاهده في لوحة ملحمة الخلق في مدينة فيليبوبولس والمعروضة حالياً في المتحف الوطني في دمشق. وقد ظهر الإله إيون( صورة 1) في لوحة عنابة وهو يحمل عجلة البروج والفصول الأربعة (صورة 2), بينما يحمل في يده اليمنى قرن الخصب الممتلئ بعناقيد العنب، وتزيّن اللوحة أغصانٌ من شجر الكرمة. كما تحيط بالشخصية ميداليات كبيرة. وقد رسم فوق العجلة أشكال مختلفة من الشبان والشابات العاشقين والأرانب والكلاب وجميعهم محاطون بأكاليل من ورق الرند، كما ظهرت صورة عازف الآلة داخل ميدالية وراقصة وممثل وقناعين مسرحيين وغيرها الكثير من المشاهد الميثولوجية.
حمامات المدينة العمومية: بُني في المدينة العديد من الحمامات العامة في عدة أحياء ولكن أكبرها وأهمها الحمامات الشمالية الكبرى التي جاء موقعها في الحي الشمالي من المدينة والتي تعتبر من أكبر الأبنية الأثرية القديمة وأجملها بأبعاد يبلغ طولها 75م وعرض 60م (صورة 8) وهي بذلك تشتمل على جميع العناصر والأقسام والصالات الموجودة في حماماتٍ أخرى، كما جاء مخططها المعماري مشابهاً لحمامات هادريان في مدينة لبدا الكبرى الليبية حيث تحتوي على مسبح كبير مكشوف وقاعة المياه الباردة (فريجيداريوم) التي يبلغ طولها 30م وعرضها 15م، وزودت الصالة من الداخل بثلاثة حنيات في الزوايا حيث تحتضن كل حنية حوضاً للمياه كمغطس (صورة 9) ونُصب في الصالة العديد من التماثيل منها تمثال اسكولابيوس العملاق وتمثال أفروديت وتمثال منرفا وتمثال هيراقليوس وتمثال ديونيسوس، ولذلك تعتبر هذه الصالة من أجمل صالات العروض للشخصيات المتنوعة، كما عُرض في الصالة العديد من الكتابات التذكارية والتكريسية المتنوعة والتي تشير إلى تواريخ وشخصيات هامة مثل الفيلسوف الرواقي سكولابوس والفيلسوف فرونتون.
ثم هناك قاعة مياه فاترة (الكاليداريوم الكبيرة) متشابهة مع الصالة السابقة وصالة أخرى ساخنة (تريبيداريوم) وأحواض عديدة كمغاطس وقاعة رياضة تقوية الأجسام ودهاليز ومراحيض وصالة خلع الملابس وصالة استقبال وصالة مكتبة. وجميع عناصر البناء كانت مزينة ومكسوة بالرخام الجميل متعدد الألوان ومنها اللون الأبيض الناصع واللون الزعفراني, بالإضافة إلى الأعمدة والتيجان الغرانيتية واللوحات الفسيفسائية البديعة والمنحوتات الفاخرة بزخارفها المختلفة.
وجميع صالات الحمامات كانت مهيأة ومجهزة بالتمديدات بواسطة القساطل الفخارية التي تجري في داخلها المياه الساخنة والموزعة، وجميع هذه القساطل تختفي داخل الجدران في أحضان الحجر الآجري وصفائح الرخام، وجميع هذه القساطل تلتقي عند الخزانات وتنتهي عند المراجل ثم لتعود دورةً أخرى وهكذا، وكانت المياه تُجلب إلى الحمامات من الينابيع الواقعة خارج المدينة. كما يوجد في المدينة العديد من الحمامات العامة والخاصة ولكن أهمها الحمامات الشمالية والحمامات الجنوبية المشابهة لها حيث امتازت الحمامات الجنوبية باتساعها وامتلاكها جميع العناصر المعمارية المتوفرة في الحمامات الشمالية وبنفس المواصفات.
المسرح الأثري: بني في المدينة العديد من المسارح وميدان للفروسية إلاّ أنه لم يظهر منها حتى الآن سوى المسرح النصف دائري والذي جاء بناؤه مشابهاً لمسرح مدينة جبلة في سورية وبنفس المقاييس تقريباً حيث يبلغ قطره 100م وقطر ساحة الأوركسترا 40م وعمقها 14م، وقد ظهر من المسرح ساحة الأوركسترا والطبقة الأولى من المدرج وأقسام من المنصة والكواليس إلا أن معظم هذه العناصر في حالة خراب كبير باستثناء عدد من المقاعد السفلية التي مازالت في موقعها.
وقد جاء مبنى المسرح (صورة 10) مستنداً إلى هضبة تقع على طرف المدينة الغربي وتعرف باسم ربوة القديس أغشتين، كما نُحتت بعض المقاعد في الصخر الكلسي الطبيعي. وقد بيّنت الآثار المتبقية من المسرح أنه كان غنياً بعناصر الزينة ومنها الصفائح الرخامية التي كانت تكسو واجهة المنصة وقد نقش على قسم منها لوحات الخصب ونقوش هندسية ومجموعة من المشكاواة والكوات والمحاريب التي تحتضن التماثيل المختلفة في واجهة المنصة العليا ومنها تمثال الإله أبوللو.
الأبنية الموجودة في الحي المسيحي: إضافةً إلى ذلك، الأبنية الأثرية في الحي الذي يعرف باسم الحي المسيحي حيث يوجد العديد من الأوابد الأثرية ومنها مبنى البازيليك ودار الأسقفية وملحقاتها والحمام العام ومبنى الكنيسة وملحقاتها ومواقع اللوحات الفسيفسائية مثل لوحة فسيفساء الملهمات ولوحة فسيفساء السفاستيكا ومبنى القاعة الكبرى ومبنى الأعمدة ومصنع السمك. والحي المسيحي هو الحي الأحدث في أبنيته الكنسية التي تعود إلى القرنين الرابع والخامس للميلاد والتي بُنيت على حساب أبنية قديمة تعود إلى مطلع القرن الأول الميلادي، وجميع الأبنية الموجودة في الحي تعود للعبادة المرتبطة بالديانة النصرانية، وهي عبارة عن كنائس وبازيليكة وهياكل وملحقاتها، كما يتبع الكنيسة العديد من الملحقات منها مصلى ذو حنية دائرية بطول 18م ومعمدانية على شكل مستطيل بأبعاد 3×2م وحمام ومنزل الأسقف، وتعرض في المتحف العديد من اللقى التي تم الكشف عنها في الموقع.
ومن أبرز هذه الأوابد مبنى البازيليكة الكبيرة حيث جاء بناؤه على شكل رباعي بطول 42م وعرض 20م موزعاً من الداخل على شكل ثلاثة صدور تحيط بسلسلة من الأعمدة المستديرة تحمل فوقها القبة المركزية التي يحيط بها من الجوانب عدد من القباب الصغيرة والأقل انخفاضاً. وبهذا الشكل فيكون تنظيم الكنيسة هندسياً وعمرانياً متشابهاً مع كنيسة القديس سمعان في منطقة الحوض الكلسي في سورية.
كما زينت الكنيسة بالعديد من العناصر الجمالية مثل الألواح الرخامية التي تكسي الجدران بألوانها المختلفة والتي جلبت من أبنية قديمة والأرضيات المزينة باللوحات الفسيفسائية المتعددة البواعث، ومن أجمل هذه اللوحات الفسيفسائية لوحة الملهمات (صورة 6) التي مازالت في موقعها والتي تذكرنا في لوحة فسيفساء الإلهة جي السورية في مدينة أنطاكيا، وكذلك لوحة غلمان الحب وجامعي العنب ولوحة سفينة نوح وهي الآن معروضة في متحف المدينة مع لوحة غلمان الحب والعديد من اللوحات الفسيفسائية المختلفة، إضافةً إلى ذلك الأعمدة والتيجان الغرانيتية.
المتحف: يقسم متحف المدينة إلى قسمين، القسم الداخلي والآخر في الهواء الطلق، وفي كليهما تعرض الآلاف من المقتنيات الأثرية التي تم الكشف عنها في آثار المدينة أثناء الحفريات الأثرية المتعددة إضافة إلى المناطق المجاورة. ومن المعروضات في الهواء الطلق النواويس الحجرية والأعمدة والتيجان والشواهد الكتابية التي نقشت فوقها النصوص الكتابية بالإضافة إلى التماثيل الضخمة والمذابح الرخامية التي كرست قرباناً للآلهة وشاخصات من الأعمدة لبيان مسافات الطرق وأسماء الأباطرة وشواهد القبور التي تظهر الكتابات والألقاب والشخصيات البشرية مع الرسوم النذرية بأشكال هندسية وغير هندسية مثل الشمس والقمر والهلال والمسلة وطيور مثل الحمام والصلبان. وكذلك أدوات الاستعمالات المنزلية مثل المطحنة الحجرية والجواريش والمدقات.
أما العروض داخل المتحف فهي متنوعة جداً وقسمها الأعظم عرض داخل خزائن خشبية من معروضات معدنية مثل المجوهرات والمسكوكات والأدوات الطبية والأواني الزجاجية ومنها قطعة تظهر صورة آدم وحواء حول الشجرة والثعبان، وكذلك المصابيح والشمعدانات والقلائد وأدوات الزينة النسائية والفخاريات من أواني منزلية ووسائل الإضاءة ومنها سراجان فوق حاملة أسرجة رُسم فوقها قصة التضحية لسيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام وهو يباشر بذبح ابنه ثم يأتيه كبش الفدية من السماء. ثم هناك أدوات المكاييل والأوزان وأدوات الصيد والأدوات الحربية وتماثيل العديد من الآلهة مثل أبوللون – أفروديت – فينوس – ثمثال النصر. إضافةً إلى العديد من اللوحات الفسيفسائية الجميلة والمتعددة المواضيع الميثولوجية والتي تكلمنا عن قسمٍ منها.
المصادر:
تمت كتابة هذا البحث على إثر زيارة ميدانية للمدينة تمت خلال شهر آب من عام 1998 من أجل دراسة المدينة وخاصةً المسرح الأثري، ثم زيارة أخرى من أجل دراسة اللوحات الفسيفسائية، وهناك العديد من المراجع عن المدينة التي سلّطت الضوء على أعمال الكشف والتنقيبات الأثرية التي قامت بها مصلحة الآثار والبعثات الأثرية العالمية، وجميع هذه المصادر موجودة ضمن الكتاب التالي:
سعيد دحماني – الوكالة الوطنية للآثار وحماية المعالم والنصب التاريخية – هبون الملكية – طباعة الثورة الإفريقية – عنابة عام 1991م.



المصدر : الباحثون العدد 49 تموز 2011













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 20-Oct-2012, 09:52 PM   رقم المشاركة : 2
 
الصورة الرمزية مرتقب المجد

 




افتراضي رد: هيبون الملكية أو عبون الفينيقية (عنابة) مدينة ذات جذور فينيقية

بارك الله فيك













التوقيع

وااإسلاماه
إن لم نكن نحن للإسلام فمن للإسلام غيرنا
إنا لها وتلكم الخلافة قادمة فارتقبوها بركانا






]

 مرتقب المجد غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
مدينة, الملكية, الفينيقية

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قرطاج العاصمة السورية في إفريقيا الفينيقية – رؤية أثرية- أبو خيثمة التاريخ القديم 2 05-Sep-2012 11:40 AM
مدينة تيبازا الفينيقية أبو خيثمة التاريخ القديم 2 13-Apr-2011 07:41 PM
معركة قرقور دارت في تونس وليس في سوريا (بحث تاريخي جديد) محمد علام التاريخ القديم 13 17-Oct-2010 03:16 PM


الساعة الآن 02:58 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع