« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: مظالم وهدر كرامات وفساد تحرك الجموع الثائرة (آخر رد :اسد الرافدين)       :: كاريكاتير مُعبر (آخر رد :النسر)       :: في صحبة مالك بن نبي (آخر رد :النسر)       :: مصر وربيع التقدم (آخر رد :النسر)       :: قمة الوفاء (آخر رد :الذهبي)       :: إرتقاء العباد في مراتب الذكر (آخر رد :النسر)       :: مؤلف دو بولانفلييه: أول كتاب أوروبي يتعاطف مع نبي الإسلام (آخر رد :النسر)       :: إيران: هل هي أخطر من إسرائيل؟ (آخر رد :النسر)       :: العربي التائه! (آخر رد :النسر)       :: ملف العراق الجريح ( قراءات سياسية مميزة ) (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> التاريخ القديم




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 11-Nov-2011, 02:48 PM   رقم المشاركة : 1
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي "أمبورياس بين القرطاجيين والرومان"

ملاتيوس جبرائيل جغنون

موضوعي آثاري بحت أستعير عنوانه من رواية "قصة مدينتين" الشهيرة بعد الاستئذان الرمزي من روح الروائي الإنكليزي "تشارلز دِكِنزْ" لتجييره لصالح موضوعي اليوم مع تعديل بسيط.
مررت بموقع أمبورياس [الشكل 1] مرات عديدة خلال إقامتي في كاتالونيا. ولقد أثار الموقع اهتمامي لأنه طرح في ذهني، منذ تعرفت عليه، مسألة "من كان يسيطر على المتوسط في القرن السابع قبل المسيح وما تلاه إلى حين مجيء المقدوني وحتى السيادة الرومانية؟" هل هم الفرس؟ أم اليونانيون؟ أم الإتروسكيون؟ أم القرطاجيون الفينيقيون؟ أم الرومان؟ ولماذا وكيف وصل الإغريق إلى السواحل الشرقية لشبه الجزيرة الإيبيرية؟ ومتى كان ذلك؟
إن هذه الأسئلة دفعتني للبحث في هذا الاتجاه، بل وللتعرف على بعض ملامح الاستيطان الإغريقي المبكر لهذه السواحل متخذاً من مدينة "أمبورياس" مثالاً عن عدد من المستعمرات اليونانية التي أُنشئت على الساحل الشرقي من شبه الجزيرة الإيبيرية، وخاصة في إقليم كاتالونيا الإسباني الواقع إلى أقصى شمال شرق شبه الجزيرة الإيبيرية، ويحدّه من الشمال جبال البيرينيه التي تمر فيها الحدود الإسبانية الفرنسية.
يشتمل إقليم كاتالونيا اليوم على أربع تقسيمات إدارية أو محافظات هي: برشلونة Barcelona وتاراغونا Tarragona وليريدا Lerida وجيرونا Girona.
وتشكل مدينة برشلونة العاصمة الإقليمية لكاتالونيا.
نعود إلى التساؤل الذي طرحته منذ قليل، من كان يسيطر على المتوسط في الفترة التي سبقت المسيح بسبعمئة عام وما تلاها؟ وما الذي أتى بالتجار الإغريق ليستوطنوا الشاطئ الإيبيري في هذه الفترة المبكرة من التاريخ؟ معروف أن القوى التي كانت متواجدة على خارطة المتوسط في تلك الأزمنة المبكرة هي المذكورة في نهاية المقدمة أعلاه ولا أرى داعياً لتكرار ذكرها الآن. ولكن أعتى هذه القوى وأكثرها تأثيراً من الوجهة العسكرية، هم الفرس الذين ما انفكوا يضغطون غرباً باتجاه مدن اليونان التي كانت تنتشر على السواحل الغربية الجنوبية للأناضول، مثل إفسوس وبيرغامون وفوقايا، وإلى هذه الأخيرة سنعود بعد قليل [الشكل 1]. كما كانت تنتشر المدن اليونانية على السواحل الشرقية لإيطاليا إضافة إلى موطنها الأصلي بشبه جزيرة البلقان، وظل الخطر الفارسي يتهدّد المدن والأراضي اليونانية إلى أن جاء بيركليس بنصره الذي حرّر اليونان في القرن الخامس (450 ق.م) وتبعه الإسكندر المقدوني في القرن الرابع ليجتاح بلاد الفرس والمشرق.
أما السؤال الثاني، وهو ما الذي أتى باليونانيين إلى الموقع، فلعل الإجابة الأقرب إلى الصواب تكمن في حقيقة أن التجار اليونانيين القادمين من مدينة فوقايا على السواحل الغربية لأيونيا، فيما هو تركيا اليوم، بدؤوا يفقدون أسواقهم على شرق المتوسط لسببين هامين: أولهما سيطرة الفينيقيين أصلاً على تجارة وموانئ هذا الجزء من المتوسط، ثم، لاحقاً فيما بعد، الضغط الفارسي القادم من الشرق، الأمر الذي دفعهم نحو الغرب بحثاً عن الأمان وعن أسواق جديدة لتصريف بضائعهم ومنتجاتهم المعدنية والفخارية وغيرها، ما أوصلهم إلى " ماسّاليا " (مرسيليا اليوم) ومنها إلى أمبورياس [الشكل 1].
الموقع قبل الاستيطان اليوناني:
قبل وصول تجار "فوقايا" أو التجار البحارة الفوقِيّيْن (أي من مدينة فوقايا) إلى الموقع، كانت تقطنه جماعة صغيرة من السكان الأصليين الإيبيريين، ولما قدم التجار البحارة القادمين من منطقة إيونيا الواقعة على السواحل الغربية لآسيا الصغرى، فإن هؤلاء التجار كان همّهم إقامة مجموعة من المحطات في الغرب المتقدم الأبعد من إيطاليا للاتجار ببضائعهم ومنتجاتهم، لأن "فوقايا" مدينتهم الأم نفسها كانت، في الأصل، سوقاً لإعادة توزيع البضائع التي كانت تشتريها من مناطق أخرى أو تقوم بصناعتها، وهكذا أسّسوا مدينة ماسّاليا (مرسيليا اليوم) لتكون المركز الرئيس للتوزيع، وعنها تفرعت محطات تجارية أخرى لعل أهمها والأقرب إليها كانت مدينة أمبورياس، موضوع بحثنا هذا، ثم إن هذه المحطة التجارية تطورت مع الأيام لتصبح مدينة قائمة بذاتها، كما سنرى لاحقاً.
لم تكن أمبورياس المحطة الوحيدة التي أنشأها التجار الفوقيون (القادمون من فوقايا) بل إحداها، ونعلم أن ثمة العديد من هذه المحطات نذكر منها Rode التي هي اليوم مدينة Roses التي تقع أمبورياس على خليجها، كما نعلم بوجود مستعمرات تجارية أخرى تقع على السواحل الجنوبية لشبه الجزيرة الإيبيرية وهي Hemeroscopeion وMainake وAkra Leuke. وأخيراً نعرف مدينة Tartessos (ترشيش؟) التي وصلها الفوقيون (أي من مدينة فوقايا) في القرن السابع قبل الميلاد حسب تأريخ هيرودوتس [ Herodotus I,163-5 ].
ولكي نستحضر الصورة الحقيقية للواقع التجاري في حوض المتوسط، يجب أن لا نغفل حقيقة هامة، وهي أن الفينيقيين سبقوا اليونانيين إلى إنشاء مستعمراتهم التجارية بقرون، وكانوا سادة التجارة والإبحار في المتوسط قبل أن يفكر اليونانيون بذلك. ونذكر هنا أن الفينيقيين كانوا قد أسسوا مدينة " كيتيون" التجارية على الساحل القبرصي في القرن التاسع قبل الميلاد وقرطاج في العام 814 ق.م في القرن التاسع أيضاً. ولدينا شهادة على استفادة التجار اليونانيين من الخدمات التجارية للفينيقيين القرطاجيين أوردها المؤرخ ذيوذوروس الصقلي هذا تعريبها عن أصلها اليوناني: [بخصوص الفينيقيين كانوا يتاجرون ويتعاملون مع السكان المحليين الذين كانوا يجهلون استخدام الفضة، وكانوا يشترونها مقابل كميات قليلة من بضائع متنوعة. وهكذا، فقد كان الفينيقيون يحملونها إلى اليونان وإلى آسيا وإلى كل الأمم الأخرى، وكانوا يحصلون بذلك على منافع جمة. ووصل التجار إلى مرحلة متقدمة بفضل التجارة التي قاموا بها، ففاض عندهم الكثير من الفضة وقايضوها بالرصاص ليستفيدوا من استخدامات الرصاص. ولذا فإنهم بعد أن تعاطوا هذه التجارة لأعوام عديدة، راحوا يؤسسون العديد من المستعمرات].
أطلق اليونانيون على مستعمرتهم الأولى اسم Εμπόριον إمبوريون، من اليونانية أي السوق التجارية، ومنها أتى اسم أمبورياس الإسباني. ونشير هنا إلى أن المدلول الدقيق للاسم في اليونانية القديمة إنما هو (سوق إعادة توزيع البضائع) لبيعها بالجملة والمفرق على حد سواء.
في البداية، وكما ذكرنا قبل قليل، لم يكن الموقع خالياً بل كانت تشغله قرية صغيرة يقطنها سكان أصليون من الجزيرة الإيبيرية، ويبدو أن العلاقة ما بين هؤلاء التجار الدخلاء الفوقيين اليونان وبين السكان كانت سلمية الأجواء وتعايشية في طبيعتها، وتشير غالبية المصادر الكتابية إلى أن هؤلاء التجار قدموا من ماسّاليا التي كانت أهم محطة يقيمها التجار البحارة الفوقيون هناك. ويستثنى منهم المؤرخ الروماني Titius Livius المعروف أكثر باسم " ليفي" الذي يذكر أن هذه المستعمرة أسسها أناس قدموا من فوقايا دون الإشارة إلى ماسّاليا، وعلى أية حال فإن التحريات والدراسات الأثرية أثبتت أسبقية إنشاء ماسّاليا على إمبوريون بفترة وجيزة، كما أثبتت أيضاً وجود صلات تجارية وثيقة بين الأولى والثانية.
الموقع جغرافياً:
تقع مدينة أمبورياس على خليج Roses [الشكل 2] وهي محصورة بين مصبّ نهر Fluvia إلى الشمال ونهر El Ter إلى الجنوب. وتظهر خريطة المدينة [الشكل 3] أن الموقع يشمل تجمعاً سكانياً (1) إلى اليمين، وهو الأقدم ويدعى Palaiapolis (من اليونانية أي المدينة القديمة) وآخر (2) إلى اليسار أحدث منه عهداً ويدعى Neapolis (أي المدينة الجديدة) بينما تمثل الرقعة الكبيرة (3) المدينة الرومانية. وتظهر الصورة الجوية التالية [الشكل 4] المواقع الأربعة التي أشرت إليها على الخريطة.
الموقع الأقدم للمستعمرة التجارية اليونانية أو الباليابوليس هو مشغول اليوم بقرية صغيرة تدعى Sant Marti d'Empuries (سانت مارتي دامبورياس). يفيدنا سترابون في مؤلفه Geographika, III, 4,8 مايلي: " [ وقبل هذا سَكَنَ الإمبوريّون (مؤسسوا أمبورياس) على جزيرة صغيرة تجاور الشاطئ مباشرة وتعرف اليوم – أي في أيام سترابون – بالباليابوليس]. تظهر لنا الحفريات الأثرية التي تمت في المدينة القديمة الباليابوليس (سانت مارتي دامبورياس) [الشكل 5] أن البيوت التي أنشاها الفوقيون الأوائل تفوق في صلابتها ومتانتها الأكواخ الطينية التي كان يبنيها الأهالي الإيبيريون الأصليون، وكانت الغرف السكنية أشبه بالمستطيلة تتخللها مواقد تتكون من أرضية حصوية تتخللها كسر فخارية تحيق بها حواف طينية مستديرة، وقد أظهرت الحفريات أيضاً صناعات تقليدية لأوانٍ ومصنوعات معدنية تبيّن أهم اللقى الأثرية من حفريات المدينة القديمة [الشكل 6].
وقبل الانتقال إلى موقع المدينة الجديدة Neapolis إليكم هذه الخريطة لإيبيرية [الشكل 7] مبيّن عليها مدى سعة انتشار البضائع المستوردة في القرن السادس ق.م، تشير النقاط السوداء الدائرية إلى المواضع التي عثر فيها على لقى أثرية يونانية المنشأ تعود للقرن السادس ق.م من قبيل تلك التي عرضنا صوراً لها في الشكل 5.
مع توطيد العلاقات بين المستوطنين الأوائل والسكان الأصليين خلال فترة وجيزة، يبدو أنه سرعان ما تبيّن للجميع ضرورة التوسع والانتقال إلى الأرض الصلبة المجاورة لموقع المدينة القديمة Palaiapolis من جهة الجنوب، وقد كشفت الحفريات التي تمت في العام 1908 الطبقة العلوية من المدينة الجديدة كشفاً كاملاً بما في ذلك تحصيناتها وأبراجها الدفاعية. غير أن المدينة المكشوفة هذه التي نراها اليوم ليست إلا آثار المدينة الأحدث التي تعود إلى الدور الروماني، ويجب أن لا يغيب عن ذهن الزائر للموقع حقيقة أن المدينة اليونانية الجديدة تقع تحت سوية هذه التي تعود للفترة الرومانية، وهذا دليل على استمرار الاستيطان في المدينة الجديدة التي غالباً ما كشفت التحريات الأكثر عمقاً عن الآثار التي تعود إليها. وقد أثبتت الحفريات في نواة هذه المدينة أن بداية بناء هذه النواة تعود إلى منتصف القرن السادس ق.م، وقد حدث ذلك في وقت كانت تجري فيه أحداث جسام في المتوسط. فقد سقطت مدينة فوقايا الأمّ من جملة بقية المدن اليونانية الأخرى في الأناضول ومنطقة أيونيا إثر اجتياح الفرس الأخمينيين للمنطقة، وكان هذا في العام 540 ق.م. وقد دفع الغزو الفارسي القادم من الشرق بالمزيد من المهاجرين التجار البحارة من أيونيا غرباً إلى مستعمراتهم هناك، وخاصة إلى ماسّاليا التي توسعت إثر ذلك لتصبح أمّاً للمدن، ولم تكن إمبوريون بمنأى عن هذه الهجرات فتوسعت بدورها بفعل هذه الأحداث.
إن تناول مخطط المدينة الجديدة بالتفصيل ليس من ضمن منظور هذا البحث، لذا فإننا سنكتفي بما قلّ ودلّ منه، وسنقتصر في حديثنا على تحصينات المدينة ومعبد أسكليبيوس وخزانات الماء والأغورا والرواق وأخيراً عيِّنة من البيوت السكنية وبعض اللقى الأثرية هناك. تظهر خريطة المدينة الجديدة [الشكل 8] أجزاء من التحصينات الدفاعية المكونة من أسوار وأبراج مربعة تشغل الزاوية الجنوبية الغربية من المدينة مع إعادة إنشاء تخيّلي للكيفية التي كانت عليها تحصينات القرن الرابع ق.م.
ننتقل إلى معبد إله الشفاء الإغريقي أسكليبيوس [الشكل 9] الكائن عند الزاوية الجنوبية الغربية للمدينة الجديدة داخل الأسوار، وستعيننا هذه الصورة في الاطلاع على ما تبقى اليوم من المعبد الهام الذي كان مخصصاً لأسكليبيوس بما فيه خزانات المياه المخصصة للمعبد (في أسفل الصورة) إضافة إلى تلك التي كانت مخصصة للمدينة (إلى أعلى يمين الصورة).
الأغورا أو "السوق العامة" والرواق: وكمثل كافة المدن اليونانية، كان في "إمبوريون" الأغورا أو "السوق العامة" بالإضافة إلى ما يعرف بالرواق [الشكل 10] وتشكل الأغورا قلب الحركة والنشاط في المدينة اليونانية، وفيها تتمّ اللقاءات والصفقات والعقود والمبادلات التجارية وكل النشاطات المرتبطة بالحياة التجارية اليومية للسكان والوافدين على حد سواء.
ومن أرضيّة أحد البيوت [الشكل 11] تأتينا فسيفساء أرضية تحمل رسوماً هندسية زخرفية الطابع تحمل كتابة يونانية تـقرأ: Η ΔΥΚΟΙΤΟΣ (إِ ذيكيتوس) تعريبها: "يا ما أحلى الكسل" الأمر الذي يشير إلى حالة من الرخاء تنبئنا عنها الغرفة التي وجدت فيها، وهي مخصصة للاستراحة والولائم.
إمبوريون أو "أمبورياس" بين القرطاجيين والرومان:
حتى الآن تعرضنا إلى إنشاء مستعمرة الفوقيين (أهالي مدينة فوقايا) وتطورها من القرن السابع إلى القرن الرابع ق.م، ولعل أهم المؤثرات التي تعرضت لها هو احتكاكها مع الرومانيين خلال فترة الحروب التي نشبت بين روما وقرطاج [الشكل 1] للسيطرة على المتوسط. هذه الحروب التي تدعوها المصادر اللاتينية بالـ Punic Wars والتي سنعرفها بـ"الحروب الفونيقية"، ونعرف أن ثلاث جولات رئيسية منها وقعت ما بين الأعوام 228 و146 ق.م.
وبسبب خوف الإمبوريّيْن من تعاظم القوة العسكرية للقرطاجيين الذين باتوا يهددون روما في عقر دارها بقيادة الزعيم القرطاجي الكبير حنيبعل [الشكل 12]، فإنهم دأبوا في الثلث الثالث من القرن الثالث على تعزيز تحصينات مدينتهم بأسوار إضافية بلغت سماكتها قرابة المترين، في زمن كان القائد القرطاجي العظيم يزحف باتجاه روما. وقد استنجد الإمبورِيـّون بروما لأن معظم مستعمراتهم التجارية ومرافئهم الأخرى كانت تقع في الأراضي التي تسيطر عليها روما، هذا ناهيك عن تحكم روما بطريق الإمدادات البحرية بين فوقايا وإمبوريون. وعلى الرغم من وجود معاهدة سابقة بين روما والقرطاجيين تعود للعام 226 ق.م، تحدد نهر Ebro على إنه الحد الفاصل بين القرطاجيين والرومان، إلا أن النزاعات استمرت إلى أن قام القرطاجيون بمحاصرة مدينة Saguntum الأمر الذي أشعل فتيل الحرب الفونيقية الثانية التي وقعت عام 218 ق.م، وكان أن شهدت هذه الحرب زحف حنيبعل بن حميلقار برقا القرطاجي، حنيبعل هذا الذي تعترف معظم المصادر التاريخية بأنه من أقدر وأبرع القادة العسكريين الذين عرفتهم البشرية، هذا القائد الذي لم يخسر ولا معركة واحدة خلال زحفه إلى روما، وحقق القرطاجيون اجتياحاً كاملاً لإيبيريا. غير إنه لم يتمكن من تأليب أتباع روما عليها، الأمر الذي اضطره لمهادنة روما والعودة إلى قرطاج، ولكن سبقه إلى هناك القائد الروماني "سكيبيو أفريكانوس" Scipio Africanus فما كان لحنيبعل بدّ من مواجهته بجيشه المنهك في معركة زاما الشهيرة التي وقعت عام 202 ق.م والتي لم يقيّض له فيها النجاح. أما بالنسبة لإمبـوريون فـقد وصـل إلـيها جيـــش رومــاني بقيـادة الجنـرال "سكيبيو غنايوس كورنيليوس" Gnaeus Cornelius Scipio ومنذئذ أصبحت إمبوريون ثغراً لِرَوْمَنَةِ إسبانيا بعد ما كان قد سيطر القرطاجيون عليها بشكل كامل فيما سلف.
ولكن نهاية قرطاج المأساوية كانت عام 146 ق.م على يد القائد الروماني "سكيبيو أميليانوس" Scipio Aemilianus الذي اقتحم أسوارها، فانبرت له حاميتها وأهاليها بدفاع مستميت في قتال من شارع إلى شارع ومن بيت إلى بيت خلال حرب الأيام الستة، سقطت المدينة بعدها وأضرم الرومان فيها لعشرة أيام وفرشوا أرضها بالملح حقداً لكي لا تعود أراضيها قادرة على الإنبات وأهلها على الإنجاب المزيد من الأبطال.
نأتي الآن إلى الطور الأخير من حياة مدينة إمبوريون المتمثل بالحقبة الرومانية، ونعود للتذكير بخريطة الموقع العام التي تظهر عليه مواقع المدن الثلاث ومنها، بل وأحدثها، المدينة الرومانية المستطيلة الشكل والأكبر رقعة في الخريطة.
كما سبق وأشرنا منذ قليل، كانت الحرب الفونيقية الثانية تعني بداية السيطرة الرومانية على إيبيرية وشمال إفريقيا، وقد فرض الرومان على الأهالي المحليين جزية باهظة، مـا دفـع بعـض القبـائل للثورة ضـد الرومـان، إلا أن "بورشيوس كاتو" M. Porcius Cato سحقها وأخضعهم. وظلت السيادة الرومانية غير كاملة حتى الحرب الفونيقية الثالثة عام 146 ق.م والتي أخرجت القرطاجيين من على خشبة مسرح التاريخ مع سقوط قرطاج كما أسلفنا.
بدأ الرومان بتأسيس معسكر لجيوشهم يطل على إمبوريون للسيطرة على المدينة، ثم ما لبث هذا المكان أن تطور فيما بعد إلى مدينة كاملة، ولكن بعد إزالة المعسكر بالكامل والشروع ببناء المدينة وفقاً لتخطيط المدينة اليونانية Polis وذلك بدءاً من مطلع القرن الأول ق.م، الأمر الذي يؤكد على حقيقة استمرار وتعاظم الدور التجاري والاستراتيجي الذي لعبته المدينة. إن الحديث عن المدينة الرومانية [الشكل 13] يطول بما يستحق محاضرة خاصة، ولكننا سنكتفي بالتعريف السريع بأهم معالمها.
المسرح البيضاوي Amphitheater والبوابة الرئيسية في وسط السور الجنوبي والتي تنفتح على الشارع الرئيس Cardo Maximus، وفي وسط رقعة المدينة منشأة مركزية هامة هي السوق العامة أو الفوروم التي تشكل قلب المدينة، ويستمر بعدها شارع رئيس آخر باتجاه الشمال يقع إلى الشرق منه حي سكني يضم عدداً من المنازل.
الفوروم Forum، وهو التسمية اللاتينية للأغورا، أو "السوق العامة"، ويقع في وسط المدينة ويخترقه محورياً شارع الكاردو الرئيس المتصل بالبوابة. والفوروم عبارة عن باحة مستطيلة يحيط بها رواق على شكل حرف U يتمركز حول المعبد الكابيتولي، وهو الآخر يتكون من رواقين: علوي وسفلي تحت الأرض. المعبد برواقيه العلوي والسفلي مكرسٌ لعبادة الأرباب الثلاثة الرئيسة في روما وهي: جوبيتير كبير الآلهة وجونو ربة الحرب ومينيرفا ربة الحكمة.
فسيفساء غنية من أرضية إحدى مقصورات البيت [الشكل 14]، تصور لنا مشهداً أسطورياً كاملاً يمثل التضحية بالأميرة الحسناء Iphigenia قرباناً بشرياً للربة أرتميس من قبل أبيها الملك أغاممنون ليسترضي الربة أرتميس التي كانت قد أسكنت الريح ولم تستطع سفنه الحربية أن تتحرك من ميناء آوليس، ذلك أن أرتميس غضبت منه لأنه قتل وعلاً يخصها، إلا أن أرتميس رأفت بالأميرة واختطفتها لحظة الشروع بالتضحية بها لتجعلها كاهنة لها في Tauris. وتذكرني بلوحة تماثلها في موضوعها محفوظة اليوم في متحف أنطاكيا وتأتي من منطقة (دافني) أو الحربيات جنوب أنطاكيا.
الخاتمة:
بعد كل هذا الذي عرفناه عن قصة هذه المدينة، تتضح أمامنا جملة من الحقائق، أولها، بل وعلى رأسها، هو أن ثقافات المتوسط لم تكن بمنأى بعضها عن بعض، فكلها تمازجت وتفاعلت إلى الحد الذي لا يستطيع أحد أن يدّعي أنه قام بمفرده بمعزل عن غيره، فليس من صفاء ثقافي بحت، تماماً كما أنه ليس من صفاء عرقي بحت بين الشعوب. أما الحقيقة الثانية فهي أن الحضور الثقافي المشرقي كان سباقاً وفاعلاً ومؤثراً على ساحة المتوسط قبل أن يدخل الإنسان التاريخ، بل وأن إنساننا المشرقي الذي عاش ما بين خليجه ومتوسطه، بين فراته ودجلته، هو الذي أدخل البشرية في التاريخ المدوَّن من أوسع بواباته لأنه هو الذي ابتكر الكتابة (والتدوين) وطَوَّرَها وأَبْجَدَها وأهداها إلى شعوب المتوسط مرفقة بصناعاته وفنونه وعقائده، وذلك من خلال تجارته البحرية وغير البحرية، وهذه حقائق اكتسبت قوة المُسَلَّمات، ومثلما أعطى إنساننا فإنه لا يجوز إنكار أنه أخذ.
وإذا كانت هذه هي الحقائق فعلاً، أفلا يحق لنا التساؤل ولو بشيء من التفكير الطوباوي، أو لِنَقُلْ الأفلاطوني المثالي، لماذا ترتكب الشعوب حماقة الحرب والاقتتال؟ أفلا تدرك الشعوب هذه الحقائق؟ أفليس ذلك خيراً لها من الصراع والاقتتال؟ أم أن الحقيقة هي غير ذلك بالمرة؟ لأنه مثلما كان هناك رحمن فإن هناك شيطان أيضاً! حفظنا الله من شر هذا الأخير. ودمتم أنصاراً للعقل والثقافة والخير والسلام.



المصدر : الباحثون العدد 52 تشرين الأول 2011













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى


الساعة الآن 06:59 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع