« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: تاريخ سيناء ..التاريخ المظلوم المجهول (آخر رد :أحمد11223344)       :: ماذا تريد إيران من وراء تحسين علاقتها بمصر (آخر رد :أحمد11223344)       :: العدوان الأمريكي على العراق ... نتائجه وأبعاده القانونية1-4 (آخر رد :أبو محمد المختار)       :: احداث سوريا (آخر رد :الذهبي)       :: أبحاث علمية (آخر رد :النسر)       :: ملف العراق الجريح ( قراءات سياسية مميزة ) (آخر رد :النسر)       :: كلام بين الإخوة مسموح (آخر رد :اسد الرافدين)       :: موسوعة القبائل الكنانيه المعاصره (آخر رد :اسد الرافدين)       :: جزر الاندلس المنسية (آخر رد :مكتبةالتاريخ)       :: الحرب العالمية الثانية والشعب المصرى (آخر رد :مكتبةالتاريخ)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> المكتبة التاريخية




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 11-Feb-2012, 09:19 AM   رقم المشاركة : 1
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي زهدي الداوودي يُشيِّد جنتّه الأرضية في المنطقة المحظورة

9-2-2012 17:15:22 ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

زهدي الداوودي يُشيِّع أرواح المُؤنْفَلين بصمتٍ وخشوع
زهدي الداوودي يُشيِّد جنتّه الأرضية في المنطقة المحظورة




لندن - عدنان حسين أحمد

قد يبدو عنوان رواية "فردوس قرية الأشباح" لزهدي الداوودي فنتازياً للقارئ الذي لم يشْرع بقراءة هذا النص الروائي المُحْكَم، ولكنه ما إن يصل إلى الصفحة التي تلي المُقدَمَّة ويقرأ مرثيّة الكُرد المُؤنفَلين حتى يُدرِك أنه أمام نصٍ تراجيديٍ مُفجِع، لكنه لا يخلو من بارقة أمل في الوقت ذاته، إذ تتحول قرية الأشباح التي تعرّضت للتهجير القسري مثل سائر القرى الكردية الأخرى إلى فردوس حقيقي، ليس إلى العاشقَين، كامران وشيرين، حسب، وإنما إلى الشيخ الطاعن في السن رمضان وزوجته العجوز رَيحان اللذين تشبثا بالأرض والتصقا بها كما يلتصق الجنين برحم أمه، وإلى عناصر المقاومة السريّة التي كانت تجوب الأرض المحروقة والقرى المُخرَّبة لتعلن عن ولائها المطلق للأرض الكردية المُخضَّبة بدماء الجرحى والشهداء الكُرد المُؤنفلَين الذين واجهوا، كما المسيح، مصائرهم المأساوية لوحدهم مثل أنبياء عُزَّل مُحمّلينَ برسائل المحبة والسلام.

الشخصيات المصدومة

تشكِّل هذه المرثية عتبة نصيّة مهمة في استثارة القارئ وتهيئته لولوج المناخ التراجيدي للرواية، ولهذا فقد تجاوزَ الروائي المحترِف زهدي الداوودي لعبة التمهيد الفني للنص الروائي، وزجّنا في قلب الحدث مباشرة حيث شاهدنا كامران أو "كامه"، الشخصية المصدومة الأولى التي لم تحتمل وحشية الجنود المُداهمين وتعاملهم الفظ مع القرويين الكرد، فسقط مغشياً عليه بعد أن سحبته يدٌ قوية لا يدري إن كان صاحبها أبوه أم شقيقه الأكبر وقذفته خلف مأوى الدجاج، وسنعرف لاحقاً بأنه تعرّض إلى لطمة قويّة على رأسه أفقدته توازنه، وشوّشت ذاكرته التي كانت تسجّل بدقة مشهد الدبابة التي قوضت العديد من المنازل الطينية، والجنود المدججين بالأسلحة الذين يضربون بأفراد عائلته ويزجّون بهم في شاحنة واقفة أمام البيت.

لا تقتصر الشخصية المصدومة على "كامه" فقط، وإنما تتعداها إلى ثلاث شخصيات في الأقل وهي شخصية شيرين، الفتاة الشابة التي تبلغ الخامسة والعشرين من عمرها، وشخصية العجوز ريحان التي كانت تسمع دقّات منتظمة على الباب وترى أشباحاً لأناس طيبين يلجون البيت ويغادرونه مثل كائنات حُلُمية من دون يمسوا الطعام والشراب الذي تقدِّمه لهم. وشخصية حفيد الشيخ رمضان الذي تعرّض لصدمة مماثلة حينما أوقفت سيطرة للتفتيش أباه ورمى الجنود مشترياته على قارعة الطريق، ثم أشبعوه ضرباً وركلاً، وكسروا بعض أسنانه أمام ابنه الذي لم يستطع أن يتخلّص من هذه الصدمة النفسية لولا بركة السيد العربي، صاحب الكرامات المشهودة التي يعرفها القاصي والداني على حدٍ سواء.

المُهيمنة المثولوجية

تعتمد هذه الرواية على بعض المُهيمنات المثولوجية التي يتداخل فيها العنصر الأسطوري بالحُلُمي، أو بالكابوسي على الأصح. فقد تعرّض كامه وشيرين إلى "ضربة الجن" التي تفضي إلى الغيبوبة، والتشوش الذهني، والهذيان. كما تعرّض كامه والعجوز ريحان إلى صدمة رؤية الأشباح، خاصة أشباح الأهل الذين هُجِّروا إلى الصحراء الجنوبية في العراق ولاقوا مصائرهم المُفجعة هناك. لم ينعبث هذا الحس المثولوجي لدى الداوودي من فراغ، فلو ذهبتَ إلى أية قرية كردية في شمال العراق، أو عربية في وسطه أو جنوبه، فستسمع من دون شك عن "ضربة الجن" قصصاً عديدة، تصل بكَ إلى حدّ التصديق بأن هذه الظاهرة موجودة على أرض الواقع ويعاني منها الكثير من الناس الذين يلوذون بـ "السادة" الذين يدّعون بأنهم ينتمون إلى سلالة النبي محمد "ص" بغية علاجهم من هذا المرض الخطير الذي لا يبرأ منه "المضروب" إلاّ بأدعية السيد وحُجُبه أو بضربات عِصيّة المُوجِعة التي يزعم أنها تُخرِج الجن أو الشيطان الذي تلبّس بهذا المريض أو ذاك. وهؤلاء السادة منتشرون في كل مكان تقريباً من العراق، وبالذات في المناطق العربية أو الكردستانية المحاذية للقرى المهجّرة، تماماً، كما هو حال السيد الذي نصب خيمته السوداء بعد أن هدّموا الجزء الأكبر من بيوت القرية بما فيه بيته، وهو سليل النبي العربي الأمين، كما يدّعي، وكما تدلل أفعاله التي أفضت إلى شفاء بطَلَي الرواية وبقية المرضى الذين كانوا يتوافدون عليه قبل عملية التهجير. هكذا، إذن، يتعامل الروائي مع هذا المُعطى المثولوجي من دون أن يؤمن به أو يفنّده. أما المهيمنة المثولوجية الثانية فهي مهيمنة الأشباح التي تترأى إلى الصبي كامه الذي لم يحتز عامه الرابع عشر بعد، والعجوز ريحان التي جاوزت السبعين عاماً بكل تأكيد، فكلاهما يرى أشباح أهله وذويه المؤنفلين، وأكثر من ذلك فقد كان الضحية كامه يرى أغنامهم ومواشيهم التي تشكّل جزءاً حيوياً من مُؤثِثات المكان القروي الذي يبدو ناقصاً ومرتبكاً من دون هذه الحيوانات المسخَّرة لخدمة الإنسان. المُلاحَظ أن شخصية الشيخ رمضان هي شخصية قدَريّة أيضاً، فعلى الرغم من استهجانه التام لما فعله الجنود الذين دهموا القرية، إلاّ أنه يؤمن بالقضاء والقدر، وكأنّ كل الأحداث التي تقع أمام ناظريه إنما هي مكتوبة في اللوح المحفوظ، ولكن النتيجة النهائية، من وجهة نظره الخاصة، هي انتصار الحق على الباطل، والمظلوم على الظالم. وبحسب ذاكرته التي لم تخنْهُ حتى هذه اللحظة فإن قريته بالذات، أو بقية القرى الكردية قد تعرضت للتهجير أربع مرّات منذ العهد العثماني ولحد الآن، ولكنه لم ييأس، ولم يشعر بالقنوط، وهاهم الشخصيات الأربع يتشبثون بأرضهم ويفضلون الموت الكريم فيها على العيش الرغيد خارج أرض أجدادهم وأحفادهم.

القرى المُؤنفلة

لم أقع على أي عمل أدبي مكتوب باللغة العربية يتناول محنة الأنفال بهذا العمق الفكري والإنساني على حدٍ سواء. وعلى الرغم من محدودية رقعة المكان الجغرافي الذي يتحرك فيه الشخوص الرئيسيون في الرواية والذي ينحصر في محافظتي كركوك والموصل تحديداً، إلا أن الرواية تمتد بشكل غير مرئي إلى الصحراء الجنوبية الغربية التي أصبحت شدقاً خرافياً مفتوحاً ابتلع آلافاً مؤلفة من الضحايا المُؤنفلين الذين لا حول لهم ولا قوّة.

يمتد المكان الروائي الفعلي الذي يغلي بالأحداث من قرية الشيخ رمضان التي تدور فيها معظم الأحداث إلى القرية التي يسكن فيها السيد العربي، إضافة إلى المنطقة المحصورة بين قضاء طوزخورماتو الذي يسكن فيه الحاج رشيد وبين قرية خضر آغا، شيخ قبيلتهم التي كانت موزعة على ثلاثين قرية بوادي كفران وقد تجمّعت في نهاية المطاف بهذه القرية الخاضعة لسيطرة الحكومة العراقية. كما يرد ذكر بعض القرى الأخرى مثل قرية "خضر ولي" ومجمّعات سكنية أخرى مثل الصمود وبني صلاوة وجمجمال. كما يتسع المكان ليشمل محافظة الموصل حيث يذهب أعضاء "مفرزة انحصار التبغ" الذين يدخلون في دورة خاصة لتتغير مهمتهم بالكامل ويصبحون على أتم الاستعداد للقتل وتنفيذ الاعدامات بالمتمردين الكرد، و"سليلي الخيانة"، وبقية "خونة العراق" الذين يقاتلون إلى جانب الكرد ضد قمع الحكومة المركزية في بغداد، أو المتعاونين معهم الذين يتجسسون لمصلحة المتمردين وهي تُهمة جاهزة يمكن أن تُلصق بأي شخص كما ألصقوها بالسيد العربي الذي دهموه، وزجوه في السجن، ولم يُخلَ سبيله إلاّ بكفالة مادية تبناها ضابط كبير من عشيرته.

كانت قرية الشيخ رمضان أنموذجاً للقرية المُؤنفلة. وكان الشيخ يعتقد أول الأمر بأن عمليات الدهم والأنفلة قد شملت قريته فقط، ولكنه ما إن ذهب إلى قرية السيد العربي القريبة من المدينة حتى أيقن أن عمليات الأنفال قد غطّت عدداً كبيراً من القرى الكردية، وقد جمعوا جزءاً من هؤلاء المؤنفلين في مجمعات سكنية، بينما نقلوا القسم الآخر إلى الصحراء الجنوبية حيث دفنوهم أحياءً، ولم ينجُ منهم إلا بضعة أنفار كشفوا للعالم بشاعة الموت المرعب الذي واجهوه على أيدي أزلام النظام الدكتاتوري المقبور.

لم تدمِّر القوات العسكرية كل البيوت الطينية في قرية الشيخ رمضان، إذ تُركت المدرسة والمسجد ومنزل المختار إضافة إلى بيوت أخرى التزم أصحابها بقرار الإخلاء الذي أصدرته الحكومة قبل مدة من الزمن. كما وضعت القوات المداهمة علامة أكس باللون الأخضر على أبواب بعض البيوت التي قيل إن الحكومة تنوي إشغالها بعوائل عربية تستقدمهم من الجنوب، لكن العوائل العربية رفضت تنفيذ هذا الأمر المُجحِف.

المُهيمنة العاطفية

يُدرِك الداوودي بحسه الروائي المتطوِّر أن الرواية ستكون مؤسية، وثقيلة الدم، وخالية من الأمل إن هي اكتفت بالدوران على محور القمع والتهجير القسري الذي تعرّض له الشعب الكردي من قبِل الحكومة المركزية المُستبدة، لذلك آثر تلقيح النص بقصة عاطفية تحمل في مشهدها الخلفي محنة الأنفال بكل تداعياتها المأساوية التي باتت معروفة للجميع. فحينما اصطحب الشيخ رمضان الصبي كامه إلى السيد العربي بغية علاجه من الصدمة النفسية المريرة، وضربة الجن الأشد وطأة، صادف في طريقه فتاة شابة جميلة تدعى شيرين كانت تنتظر عودة خطيبها الذي تأنفل هو الآخر مع أهله وذويه وأبناء قريته. وكانت مصدومة هي الأخرى، وتعرضت إلى الضربة الشيطانية ذاتها التي تعرّض لها الصبي كامه. ويبدو أن خيمة السيد قد أصبحت مشفىً صحياً لهذا المرض الأسطوري والنفسي في آنٍ معاً.

وفي أثناء رحلة العلاج التي استمرت لمدة أسبوع واحد سنحت لهما الفرصة لأن يتحسسا بعضهما بعضاً، وأن يلمس مواضع متعددة من جسدها غير مرة إلى أن يشعر كلاهما بالرعشة السحرية. وحينما كان السيد يكلفهما بالخروج إلى التلال المجاورة للقرية للبحث عن الكمأة، كجزء من التفريج والعلاج النفسي، كانا يبوحان بقصة حبهما الغامضة كل بحسب وعيه، وبطريقته الخاصة. ولتعزيز هذه القصة العاطفية أسرّت له شيرين بأن خطيبها لم يلمس يدها، وأن السيد قد عالجها من مرضها.

قرّر الشيخ رمضان أن يأخذ هذه الفتاة الجميلة معه كي يؤسس عائلة حميمة تعيد له الدفء الأسري الذي افتقده بعد التهجير القسري لكي يقاوم معطيات المكان الموحش خصوصاً بعد أن تعرض للهدم والتخريب على أيدي القوات المهاجمة. هناك، في قرية الشيخ رمضان، تأخذ القصة العاطفية منحىً آخر بعد أن تتيقن الفتاة بأن هذه الحياة لم تُبقِ لها شيئاً سوى هذا الصبي الصغير الذي يحبها من أعماقه، ويروم الزواج منها كي يجعل من هذه القرية المهدمة فردوساً حقيقياً يضمهما معاً إلى جانب الشيخ والعجوز اللذين بذلا قصارى جهدهما من أجل إسعادهما. ولأن المواقف الحسيّة والإيروسية كثيرة في النص الروائي فسوف نقتصر في حديثنا على مشهد استحمامهما في حوض المدرسة، إذ لم يصدِّق كامه أذنيه حينما أصرّت شيرين على بقائه معها وحاجتها إليه لكي يستحما معاً: "أحتاجكَ كي تغسل ظهري، وأنا بدوري سأغسل ظهرك". تلعثم كامه وكأنه أُصيب بضربة جن أخرى، ولكنه التقط أنفاسه حينما أحاطت وجهه براحتيها وطلبت منه أن ينظر في عينيها في وضح النهار عند ذاك "رأى شيرين أمامه عارية بلونها القمحي وقد أدارت ظهرها إليه وهو يمرّر عليه قطعة الصابون بكل رقة.. لا يكتفي بغسل ظهرها الأملس فحسب، بل ينحدر إلى خصرها ووركيها متنقلاً إلى بطنها" ثم "تستدير إليه ببطء مطوّقة رأسه بساعديها، بحيث يصبح فمه بين نهديها النافرين" وفي تلك اللحظة التي يشعر بها أنه في فردوس حقيقي تدهمه فكرة تكدر مزاجه على الفور، إذ يشعر بأنها تعامله كطفل صغير، ولكن هذا الكدر سرعان ما يزول حينما "يطبق شفتيه على حلمتها اليمنى".

وتتعزز رجولته حينما تشعر بشيء صلب "يصطدم بساقيها ويكاد يخرقهما"، وحينما وصلا إلى لحظة حرجة استدارات خلفه وبدأت بتدليك ظهره. تتعزز علاقة الحُب بين الطرفين على الرغم من فارق السن الذي يقلق كامه، خصوصاً وأن شُبّان المقاومة الكردية الخمسة يترددون على القرية ويتوفرون على قَدَر كبير من الوسامة والرجولة التي يخشى أن تنجذب إليها شيرين التي تكبره بإحدى عشرة سنة وربما تستسلم أمام إغراءات أحدهم المادية والمعنوية. وعلى العكس من هذه التخوّفات تتعمّق العلاقة بين الاثنين، وتصبح أهدافهما مشتركة وهي البحث عن عائلتيهما في المجمعات الثلاثة "الصمود وبني صلاوة وجمجمال"، ومحاولة الانتقام من خضر آغا، رئيس عشيرتهم الذي قاد عساكر الحكومة إلى قريتهم، ونهبَ عنابر القمح كلها في رابعة النهار، وكان يتمنى أيضاً أن يرى بيت حبيبته في قريتها المؤنفلة أيضاً.

وبما أن كامه دون سن الخامسة عشر وأن الشيخ رمضان فوق السبعين فإنهما لا يقعان تحت طائلة الرمي في الأقل من قبِل دوريات الحكومة وقطعاتها العسكرية وطائراتها السمتية التي تحلّق فوق المناطق المحظورة، لذلك يستطيع كامه أن يذهب بصحبة الشيخ رمضان إلى منزل الحاج رشيد في المدينة حيث يأخذهما في اليوم الثاني بسيارته إلى قرية خضر آغا، رئيس عشيرتهم الذي تواطأ مع الحكومة ضد أبناء جلدته. وما إن سأله عن مصير العوائل المهجرة حتى جُنَّ جنونه، وقال بأنه لا يعرف شيئاً عنهم، وأتهم الحاج رمضان وأهالي قريته بالوقوف إلى جانب المتمردين، وأن كل البلاء الذي حلّ بهم قد جاء نتيجة لتهورهم وسلاطة ألسنتهم.

تمكن الحاج رشيد من تهدئة الأمور عندما قال إذا حصل الآغا على معلومات فأنا سأحيطكم علماً بالموضوع "على أن يتم الأمر بسريّة تامة"، وقد ارتاح الآغا إلى هذه العبارة التي تتوفر على قدَرٍ كبير من الحيطة والحذر، وهو يتفادى الحديث في هذه الموضوعات الحساسة، وإذا وجد نفسه مضطراً فلا يتحدث إلاّ بعد أن يفتح التلفزيون، ويشغل المذياع بصوت عالٍ جداً خشيةً من اللاقطات الصغيرة التي يمكن أن يزرعها بعض رجالات الأمن في بيته، وهو مؤمن إلى حد كبير بمقولة "للحيطان آذان"!

لعن كامه الساعة التي عزم فيها على هذه الزيارة، وألغى من رأسه فكرة الانتقام من خضر آغا، هذا الكائن الإمعّة الذي ينطبق عليه وصف حاميها حراميها! عاد الثلاثة من حيث أتوا، وحينما وصلوا إلى المنطقة التي أفضت بهم إلى الطريق العام افتعل الشيخ حجة وطلب من الحاج رشيد الوقوف جانباً لقضاء حاجة ما. وما إن ترجّل الشيخ رمضان حتى قفز كامه بسرعة خاطفة من جوف السيارة، وبخطوات متجانسة تحركا صوب قرية الأشباح إلى أن تواريا عن الأنظار، فقد كانا مسرعَين للوصول إلى قرية الأشباح التي تحولت إلى فردوس حقيقي بفعل الحُب، والأمل الكبير بعودة العوائل المهجّرة، لأن الله سوف ينتقم في النهاية من الظلّام والمستبدين مهما تقادمت الأعوام.

الشخصية التدميرية

لا تسلّط هذه الرواية الضوء على الشخصيات الايجابية فقط مثل الشيخ رمضان وزوجته ريحان، وكامه وحبيبته شيرين، والسيد العربي وزوجته، والشُبان الخمسة الذين ينتمون للمقاومة السرية الكردية، والحاج رشيد وعائلته، وإنما هناك شخصيات سلبية تدميرية تنتمي إلى الطرفين، ولكن تظل الشخصيات الكردية هي الأكثر وطأة وإيلاماً من غيرها لأنهم أبناء جلدة واحدة، ولعلي هنا أشير إلى شخصية خضر آغا الذي وصفه أبو كامه بأنه "كبير اللصوص" لأنه سرق أخوانه وأبناء عمومته، ولا يتردد عن سرقة أصدقائه ومعارفه وأبناء جلدته كما فعل حينما أفرغ عنابر القرية من القمح، وأرسل الحاصدات والدرّاسات لحصاد القمح والشعير، فلاغرابة أن يصفه الشيخ رمضان بـ "الحُثالة" و"القذارة" لأنه قاد عساكر الحكومة إلى القرى المشمولة بالتهجير، وقد عرفه الشيخ رمضان على الرغم من اللفافة التي كان يخبّئ بها وجهه الماكر. كما كان يصفه بالأنموذج المرّكب من الذئب والثعلب في آنٍ معاً، فهو محتال مخادع من جهة، وذئب بشري نهم من جهة أخرى، ولم يكتفِ بخداع أبناء عشيرته وسرقتهم، بل قاد القوات الحكومية إلى قراهم الثلاثين في وادي كفران التي تعرضت كلها للحرق والتخريب، ونهب المواشي، وسرقة عنابر القمح، ودفَع الأهالي إلى مصائرهم المحتومة.

وفي السياق ذاته هناك الجحوش الذين وقفوا إلى جانب السلطة المُستبِّدة وألحقوا ضرراً فادحاً بأهلهم وذويهم الكرد مقابل بعض الهبات والعطايا الرخيصة الزائلة. أما الشخصيات السلبية الأخرى في الجهة المقابلة فهم أعضاء مفرزة انحصار التبغ الذين دخلوا دورة خاصة وتحولوا إلى أدوات قمعية لا تجد ضيراً في كتابة التقارير، وممارسة القمع، والتعذيب، ومصادرة الحريات، وإراقة الدماء البريئة، وربما يكون مفوض المفرزة الذي صفع السيد العربي أمام زوجته وألقاه أرضاً هو خير أنموذج لهؤلاء الجلادين الذين ينفذون تعليمات السلطة الوحشية في بغداد والتي لم تكن تجد أي حرج في إبادة مواطنيها العُزّل.

صحيح أن هذه الرواية لم ترينا تفاصيل محنة المؤنلفين الذين قُدّر عددهم بـ "182" ألف مواطن بريء لم يرتكبو أي ذنب سوى كونهم أكرادا، إلا أن هذه الرواية سوف تفجِّر مخيلة القارئ من دون شك وتستفزه للبحث في الوثائق الرسمية، وبطون الكتب والمصادر عن هذه الآلاف المؤلفة البريئة التي نقلتهم الشاحنات إلى أشداق الصحراء المفتوحة في ليل دامس الظلام. إن "فردوس قرية الأشباح" هي رواية هذا العدد الكبير من الضحايا الكرد الذين آثروا الموت المشرّف على الحياة المُذلة بعيداً عن أرضهم وجذورهم وعبق طبيعتهم التي تشبههم في كل شيء. أما تشبّث الشخصيات الأربع الرئيسة التي تقاسمت البطولة الجماعية، كامه وحبيته، والشيخ رمضان وزوجته، فهم نماذج للكرد الخُلّص الذين وجدوا في قريتهم المحروقة المُخرَّبة فردوساً حقيقياً على الرغم من الخراب الكبير الذي تعرضت له.

وفي الختام لابد أن نحيي الروائي الخلّاق زهدي الداوودي على مجمل إنجازه القصصي والروائي، ولابد أن ننحني له إعجاباً وإجلالاً لهذا النص الروائي المجيد الذي يستحق عليه أرفع وسام ثقافي، ليس من حكومة كردستان حسب، وإنما من حكومة بغداد المركزية التي تدّعي أنها تقف ضد الطغاة والمستبدين في مختلف أنحاء الكرة الأرضية.













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
المحظورة, الأرضية, المنطق

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ابن شهيد صاحب "التوابع والزوابع" aliwan صانعو التاريخ 0 26-Aug-2010 08:50 PM


الساعة الآن 02:19 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع