« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: تاريخ سيناء ..التاريخ المظلوم المجهول (آخر رد :أحمد11223344)       :: ماذا تريد إيران من وراء تحسين علاقتها بمصر (آخر رد :أحمد11223344)       :: العدوان الأمريكي على العراق ... نتائجه وأبعاده القانونية1-4 (آخر رد :أبو محمد المختار)       :: احداث سوريا (آخر رد :الذهبي)       :: أبحاث علمية (آخر رد :النسر)       :: ملف العراق الجريح ( قراءات سياسية مميزة ) (آخر رد :النسر)       :: كلام بين الإخوة مسموح (آخر رد :اسد الرافدين)       :: موسوعة القبائل الكنانيه المعاصره (آخر رد :اسد الرافدين)       :: جزر الاندلس المنسية (آخر رد :مكتبةالتاريخ)       :: الحرب العالمية الثانية والشعب المصرى (آخر رد :مكتبةالتاريخ)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام العامة
> استراحة التاريخ



البرجعاجيّون

استراحة التاريخ


إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 11-Feb-2012, 10:08 AM   رقم المشاركة : 1
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي البرجعاجيّون


البرجعاجيّون
عبد الرحمن الجوهري


في كلِّ منخفض من الأرض تجتاح الرغبة العوالم للبَحْث عن مكان رفيع، مقاومة للجاذبية، وبعدًا عن الحضيض، وليس الأمر بِمُنْتهٍ كذلك؛ إذ ليس كل ارتفاع بارتفاع، والنسر نسر سواء حلّق شاهقًا، أو هبط على أجمة من صعيد، إنَّ أكبر إشكال يمكن أن يكون، حين يقاوم السقوط المعنوي بارتفاع مادي، وهذا ما سيكون حديثنا هنا.
أزمة المثقف حين يراهن من نفسه أنموذجًا صالحًا نقيًّا، وجوهرة سريعة الخدش والعطب، غير صالح لمعاشرة بقية الكائنات الأخرى. أولئك الذين يهبطون به لفكر السوق، جاعلين منه رقمًا في خانة القطيع، وَالِجين به ضياعًا تامًا في تُرَّهات المجتمع السطحي البليد، يفقد المجتمع بذلك تسوية المثقفين له، ويبتعد المثقفون عنه، فتنشأ فكرة البرجعاجية، ويرحل المجتمع في غيابات تخلُّف سحيق.
النصف مثقف يجد في عزلته مهربًا عن كشف حقيقته، إنّه يعتذر عن أي احتكاك حقيقي بالمجتمع، يجد في هذا الهرب معينًا لازمًا لتسوية أبنيته الهشَّة، إعلاء طوابق يَقِينيّاته الساذجة، وكلَّما استفرد بوحدانيته ازدادت أحجام مُسلَّماته، ولم يرَ في المرايا غيره، ولم يمشِ في شوارعه سواه، وبذلك يستحيل لـ«كانت» جديد، و«برغسون» لم تشهد أزقة باريس مثله.
نحن لا نطلب المثقف أن يكون يومًا في مكتبه بين أدراج بحوثه، ويومًا في شارعه بين ذرَّات غباره. ولا نرجوه أن يترك القلم من أجل المِعْوَل، ولا القهوة من أجل العَرَق، نحن نطالب به أن يكون شعبويًّا نخبويًّا، يحسّ ما يلامس أبشار البشر، ويعرف ما الذي يعانون، إننا لا نطلبه مشاركة العناء، قدرَ ما نطلبه معرفتَه.
إنْ كتب يكتب عن قول لا يفقهه هو، بحكم كونه ذا الثقافة الرفيعة ولم يفقه هذا، ماذا يكون إذا حال البسيط الشعبي حين يمرّ بعينيه المنهكتيْن على رقعة كلامه صبحًا، يستعيذ بالله من الشيطان والشعوذة، ويطلب الله التعويض في الآخرة. إنه بكتابته ما لا يفهم، يقِي نفسه شرَّ النقاد الذين لن يفهموه، والقارئين الذين لا يدرون أي بلاء هذا، ويملأ من الصحيفة مكانًا كان يمكن أن يكون فيه نَعْي لمواطن آخر غيره.
وبمثل هذا التعالِي على غير جناح، والرّسو على غير شطّ، تُمْعن فيه الأيام تسوية وإعلاء وتنطيحًا لسماوات الجهالة. إنَّ قدر المثقف النصف هذا، حين تَبْتَلِيه الأيام بباقعة تستنزل منه الأول والآخر، وتتحول حروفُه السابقات لشواهد لمقابره الجديدة، ويغدو بعد ذلك مَيِّتًا من كمدٍ وهلع وحسرة، يعوّضه: أن هذا المجتمع لم ولن يليق به، وبكون الابتلاء درب العظماء وثوّار المجتمعات، وبكون الأنبياء من قبله، ابتلوا بأكثر مما حصل له، بمعنى.. «بقيت عليه!»
المثقف الهارب من مجتمعه، إما أنه لا يليق بلقب المثقف، ولذا يختبئ كي لا يكشفه أحد، وإما أن يصل لمرحلة من الوعي والنضج والثقافة لا يليق بعليائها سفول هذا المجتمع، فينعزل حفاظًا على وَعْيه العظيم من ارتكاسٍ ما، وهذا مما لا يحقّ له أن يطلقه هو على نفسه، بل يكون رهنًا لمجتمع يُطالِعه ويشاهد منتوجه ورُؤاه، وبعد ذلك، لو كان جديرًا بهذه الثقافة وهذه العزلة، لاقتحمت أسواره زرافات المجتمع هذا، تبحث عن مثقف مجتهد قدير، وما "منجويل" عنا ببعيد.
المثقف لا يهرب، المثقف يُواجه، يبحث، يمحص، يكشف، يعلِّم ويتعلّم. المثقف الهارب مشروع جاهل يتوارَى خلف ما تثيره أقدامه الهاربة من غبار. من كان يظنّ في نفسه أنه ليس ضمن قطيع الشعب، ولا رقم المجموع، من كان يظنّ هذا بنفسه، فهو ليس لتميزه، قدر ما هو لكونه لا يليق أن يكون قطيعًا في الأصل، لا يصلح أن يكون ضمن المجموع، حيث يلزمه الكثير من سنوات وخبرات ورُؤى كي يضمه هذا الشعب المجتمع المجموع إلى جنباته.
إنَّ الكثيرين ممن يعيشون هذا الدور، دور القائل: أنا أحسن منكم علمًا، وأكثر رأيًا، وأعز فكرًا. الكثير من أولاء مجموعة لا يشكلون مجموعًا، وفرادَى لا تحق فيهم الصدقة ولا القسمة حتى، وضغثًا وإبَّالة وشيئًا من هشيم تذروه رياح أول معركة تمحيص، وتبعثره صولات الأيام، وتفتته صخرة الواقع، لذا اتركوهم، وحدها الشواهد في المقابر المنسية مَن ستحتفظ بأسمائهم.
ليست المشكلة أن تكون مثقفًا، وتعتزل، المشكلة أن تكون معتزلاً غير ذي ثقافة، وتحسبك معلم جهالة البشرية الأخير، الفنار المتبقي في محيط الظلمات، المرشد الذي لم يحالفه الحظّ ليتبعه أحد.
جزء من الثقافة، بل أعلاها: السلوك. كيف يمكن أن تساير الناس، وأن تُعلِّمهم كيف يسايروك، بوصفك أنموذج الثقافة، الثقافة التي تريك تضاؤل حجم أنويتك بازدياد حجومات ثقافتك، والتي تنفي عنك النرجسية، بمنحك وعيًا آخر جديدًا.
الذين اعتادوا شزر النظر من أجل جرعتي كتاب مترجم، وجهامة الوجه لأجل حفظ خمسة أسماء أعجمية، وحدة الزاوية لقراءة ما يمنع داخل محيطهم قصد المباهاة مع الأصدقاء ذوي الرتابة، أو لأجل الحصول على شهادة من شقة مأجورة مستأجرة. عليهم أن يُدْرِكوا أن الثقافة ليست ردم هوات العقل وملء بحيرات الرأس الأجوف بأية هباءة تطير أو نفاية ترمى، وليست بتنشية الثياب، ومكيجة القفَا، وتلميع صورة واثنتين في مجلات التموين والتمويل، وصوالين مجالس الثقافة الخاصة المعتزلة المعزولة.
إنه لا ينكر ما لثقافة الكتلة والقراءة والبحث والتمحيص والعزلة والنظر والتأمل من وجاهة ونفع، لكننا أحوج لمثقف البلد، وناصح الحي، ومعلم الصبية، وأفلاطون واقعي متَّزن، أكثر منا لسقراط حالم مُتَمَنّ معتزل في دير كنيسة مهجورة.
من يقرأ ديوانًا ليعتزل شبرًا، ويحفظ صفحة ليتوارَى أسبوعًا، نقول له: إنَّ قرصًا واحدًا، بخمسة ريالات يحفظ من الشعر ما لا تحفظ لا أنت ولا أبوك ولا قبيلتك، وإنَّ أيقونة واحدة على الشبكة، لتَعْرِف من العلم والأمر والثقافة ما لا يمكنك تحصيله ولو قضيت ألف عام من العزلة لا مائة فحسب.
إنَّ المجتمع لا يحتاج لمثقف الكمية، قدر ما يحتاج لمثقف الكيفية، من يعرف كيف يعالج بؤس جهالاته، ويداوِي عليل أسقامه. أما المؤرشفون من «الرجال الجوف»، من لا يصلحون سوَى علائم على طريق التِّيه، وأطلالاً في متاحف التاريخ. أولئك ليس المجتمع بحاجتهم، هم عبء عليه وعار، وأبأس من ذلك أن يتذمرون: هذا المجتمع لا يصلح لنا، ولا نصلح له، لقد تأخرنا في المجيء، أو بكرنا فوق المعتاد.
ومن الجيد أن ندرك أنَّ المثقف يمكن أن يكون رجل دين أو واعظًا أو لاعب كرة أو مهندس اتصالات أو صيدليًا. من يحصر المثقف في دائرة «الأندية الأبدية» ومجالس وزارة الثقافة وملتقياتها وحملة الدالات ومرتادي أبهية المكتبات للمباهاة، جاهل لا يدرك طبيعة الثقافة ولا من حاملوها.
المثقف، كائن يمكنه أن يكون جرسونًا ونادلاً وطبيبًا وإمامًا وعامل ورشة تصنيع وحلاقًا ومأذونًا، المثقف ليس حليق الوجه، أملط القفا، قارئ الصحف الأجنبية، شارب القهوة صباحًا، مستمع بيتهوفن ليلاً، والنائم في غياب جبة عزلته بعيدًا عن صخب المدينة، وضجيج الشارع المهموم. ينبغي أن ندرك هذا، أن نعيشه، أن يصبح المثقف كل رجل هنا، كي نراهن على مجتمع واعٍ مدركٍ ومثقف.
انتهى زمن التمثيل الثقافي، زمن المثقف ذي القبعة والرياش والصحيفة، وبدأ عهد واضح صريح، إما أن تكون مثقفًا حقيقيًا، واعيًا واقعيًا، وإلا فإنَّ اسمًا مستعارًا في شبكة وهمية، سيعري كل موسوعات الوهم التي تملك، شئت أم أبيت، إنَّ شقق الشهادات العالية، وحملة الدالات الزائفة، ينبغي أن تقف، يجب أن ترفع في وجهها أكفّ الثقافة المناضلة الحقيقية.
إن الثقافة ليست ربطة عنق، ولا شماغًا منشى، الثقافة همٌّ وواجب، توعية ومسؤولية. الثقافة ليست مصلاً ضد العامة، ولا واقيًا تحذيريًا منهم، ولا بعدًا مرجفًا عنهم. وليست أيضًا معاريض نياحة ولا دوام تشك وتصدية. إنَّ أكبر ما يبتلى به مجتمع من ناحية مثقفيه، المثقف النائحة. النائحة ليس على هموم مجتمعه وآلامه، قدر ما هو على مستوى «حزمة» كتبه وشهاداته، والتي هي بعض منح المجتمع عليه.
أن يظل ديدن المثقف في كتبه ومقالاته وحواراته الصراخ والإجلاب على أعدائه الوهميين، من المؤمنين والكافرين، من لم يقدروا مواهبه، ولم يدركوا حجم الحقل/ العقل الذي منحه الله. حين يصبح قدر المثقف اللعن بسفول، والشتم بنزول كل من لم يعترف بألمعيته ولم ينادِ بعبقريته. حين يصبح المثقف حصانًا مسرجًا للردّ على كل طريدة تدخل حمى جهالاته، وسيفًا لامعًا للمبارزة والرقص. حين يصبح كذلك، تغدو البرجعاجية في أوج اعتلاءاتها، ولا يلزم المثقف حين ذاك، مع اقترابه من وهم السماء، إلا أن يسوّي حساباته الدنيوية، علَّ الله أن يعوِّضه في الآخرة ما حرمه البشر اللامنصفون في الدنيا الأرضية.
ذلك أنَّ الثقافة ضد الأنوية، عكس النرجسية. وكلما ازداد وعي المثقف كلما توطأت أكنافه أكثر، وكلما اعتلَى برج المثقف ازدادت أنويته، واعتلى ضجيجه وصخبه. وإنَّ من المعلوم، كون الشيء كلما ارتفع ولو وهمًا، كلما كانت وقعته واقعًا، أشدّ إيلامًا وكسرًا.












التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
البرجعاجيّون

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى


الساعة الآن 02:20 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع