« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: مؤامرة تقسيم السودان (آخر رد :النسر)       :: السفر (آخر رد :النسر)       :: إيران: هل هي أخطر من إسرائيل؟ (آخر رد :النسر)       :: مصر وربيع التقدم (آخر رد :النسر)       :: فلسطين ................نداء (آخر رد :النسر)       :: العربي التائه! (آخر رد :النسر)       :: سوريا تسلك طريق الحرية (آخر رد :النسر)       :: للتحميل كتاب ((روضة الناظرين عن مأثر علماء نجد )) للقاضي (آخر رد :محمد المبارك)       :: كاريكاتير مُعبر (آخر رد :النسر)       :: الطبيب البدوي.. ضابط ألماني مغامر "يجد وطنا" في الشرق الأوسط (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> تاريخ الأمة الإسلامية والعصر الوسيط



استنجاد صلاح الدين بالموحدين / د. محمد بن العياشي / المغرب

تاريخ الأمة الإسلامية والعصر الوسيط


 
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
قديم 18-Mar-2012, 07:39 PM   رقم المشاركة : 1
د.بن العياشي
مصري قديم



افتراضي استنجاد صلاح الدين بالموحدين / د. محمد بن العياشي / المغرب

قضية استنجاد صلاح الدين الأيوبي
بالموحدين
د. محمد بن العياشي / المغرب

يعالج المقال الأصداء الواسعة التي صاحبت قضية نصرة المغاربة للأندلس ، ومحاولة إنقاذ المسلمين بها ، والصمود في الدفاع عنها على أساس مبدأ الإنجاد الذي يكتسب شرعيته من واجب درء العدوان الذي يتعرض له بلد من بلاد المسلمين.وهي قضية كبرى من القضايا التي اعتنقهاالمغاربة في عهد المرابطين والموحدين والتي انتشر صيتها في الآفاق وبلغت أصداؤها سائر الأرجاء، حيث لم يقتصر الاستنجاد بالمغاربة على الأندلسيين ، بل تعدى ذلك إلى الشرق العربي، حيث لم يتردد سلطان مصر والشام عصرئذ البطل المجاهد صلاح الدين الأيوبي في الاستنجاد بالخليفة المغربي يعقوب المنصور، وطلب عونه وخبرة جنوده العسكرية ، وهو ما يؤكد ماذهبنا إليه من قوة المغرب واتساع صيته الجهادي في الآفاق.
وأرى من المفيد أن نعرض للرسائل المواكبة لهذه القضية،باعتبارها حججا دامغة وذلك بحكم أنها رسائل واردة على الديوان الموحدي، وبها إفادات نفيسة حول مكانة الموحدين الجهادية. وذلك بالرغم من محاولات التشويش عليها من بعض الدارسين الذين لم يرضهم موقف الخليفة المغربي من صلاح الدين، فحاولوا معالجة هذه القضية من منظور ضيق أساء كثيرا للموحدين وإنجازاتهم العظيمة في هذا الباب. ولا يمكن لباحث منصف أن يغض الطرف عن هذا الشرود في حقل البحث العلمي. ولهذا فمن وكد هذا المقال أن يتصدى لمثل هذه القضية ويزيل عنها ما علق بها من ادعاءات مزعومة إحقاقا لبعض الحق وإنصافا لأصحابه.
ولنبدأ أولا بإطلالة على رسائل صلاح الدين الأيوبي في طلب النجدة من يعقوب المنصور، ومنها رسالته التي أنشأها عنه القاضي الفاضل سنة (585هـ) ومما ورد فيها قوله منوها بجهاد الخليفة يعقوب المنصور: "لقد كان من أوائل عزمنا، وفواتح رأينا عند ورودنا الديار المصرية مفاتحة دولة سيدنا، وأن نتيمن بمكاتبتها، ونتزين بمخاطبتها؛ وننهض إليها أماثل الأصحاب، ونستسقي معرفتها استسقاء السحاب؛ وننتجعها بالخواطر، ونجعل الكتب رسلها، وأيدي الرسل سلبها، ونمسك طرفا من حبل والجهاد، يكون بيد حضرة سيدنا العالية طرفه، ونمسح غرة سبق وارثها، ووارث نورها سلفه، ونتجاذب أعداء الله من الجانبين"( ).
يكشف النص رغبة صلاح الدين الأيوبي في التيمن بمكاتبة الخليفة يعقوب المنصور، وتعميق علاقة التعاون معه في أمور الجهاد، وذلك منذ انتزاعه السلطة في مصر من يد الفاطميين، ولكنه انشغل عن ذلك –بحسب قوله- بحرب الصليبيين وتطهير بيت المقدس( )منهم، إلى أن تمكن من الانتصار عليهم. غير أنه أشار في رسالته إلى تحرك العدو من جديد واستنفاره لأهله من أجل الانتقام لهزيمته ضد المسلمين "ولما حطت لدين الكفر تيجان، وحطمت لذويه صلبان؛ وأخرس الناقوس الأذان، ونسخ الإنجيل القرآن، وفكت الصخرة من أسرها... فهنالك غلب الشرك وانقلب صاغرا، واستجاش كافر من أهله كافر واستغضب أنفاره النافرة، واستصرخ نصرانيته المتناصرة؛ وتظاهروا علينا وإن الله ولينا"( ).
يستغل صلاح الدين الأيوبي هنا وسائله التحريضية، ومنها توظيف الدين، لاستثارة حمية يعقوب المنصور لنصرته على العدو، وذلك من خلال وصفه للتحركات الصليبية وقوة عددها وعدتها، واجتماع كلمتها على قتال المسلمين، ويضاف إلى ذلك، ظهوره بمظهر العاجز عن مواجهة القوة البحرية الصليبية التي تمتلك الخبرة والدربة ووفرة الجنود، الشيء الذي لا يتوفر إلا للجيوش الموحدية القادرة على ردع هذا العدوان يقول واصفا قوة العدو البحرية:
"... وكلما يجن القتل من عددهم مائة أوصلها البحر ممن يصل وراءه بألف، وكلما قلوا في أعيننا في زحف قد كثروا فيما يليه من الزحف؛ ولو أن دربة عساكرنا في البحر كدربتها في البر لعجل الله منهم الانتصاف، واستقل واحدنا بالعشرة ومائتنا بالألف"( ).
يقارن الكاتب في هذا النص بين القوة العسكرية الصليبية والقوة الأيوبية، فيكشف عن فارق كبير بينهما بسبب ما تتميز به القوة الصليبية من خبرة بحرية تستطيع بواسطتها تعويض مائة قتيل في البر بألف محارب من البحر، ومعنى هذا أن القوة البرية الأيوبية تشكو من نقص بين في الخبرة بالحرب البحرية من شأنه التأثير في معاركهم. ولاستدراك هذا الخلل وسد هذا العجز، فقد اهتدى الأيوبي إلى الاستنجاد بالقوة البحرية ليعقوب المنصور وهو ما أشار إليه بقوله:

"ولما مخض النظر زبده، وأعطى الرأي حقيقة ما عنده، لم نر لمكاثرة البحر إلا بحرا من أساطيله المنصورة، فإن عددها واف وشطرها كاف، ويمكنه –أدام الله تمكينه- أن يمد الشام منه بعد كثيف، وحد رهيف..."( ).
ينطوي اعتراف البطل الأيوبي -وهو من شرق العالم الإسلامي- بهذه القوة البحرية الموحدية المنتسبة إلى الغرب الإسلامي على عدد من الإفادات النفيسة؛ التاريخية والحضــارية التي تسجل ما كـان يتصف به الأسطول البحري الموحدي من شهرة( ) وكفاءة فـي العالم الإسلامي تدل على قوة الموحدين وعلى عنايتهم الكبيرة بالأمور الحربية وعزمهم المتواصل على الجهاد والقتال الذي شهد( ) به الأيوبي في رسالته حين قال: "وما رأينا أهلا لهذه العزمة إلا حضرة سيدنا، أدام الله صدق محبة الخير فيه، إذ كان منحه عادة في الرضى به، وقدرته على الإجابة، ورغبة في الإنابة، ولاية لأمر المسلمين، ورئاسة للدنيا"( ).
ينطلق الأيوبي في تفاؤله وتوقعه لاستجابة الخليفة يعقوب المنصور إلى طلبه من صيت الموحدين، وما تميزوا به من عزم على الجهاد والإنجاد. ولكن يبدو أن السلطان المصري لم يتلق إجابة كما كانت أمنيته. فاضطر إلى تكرار طلبه مع شيء من العتاب كما يظهر من رسالته المؤرخة
سنة (586هـ)، والتي حملها الأمير "ابن منقذ" إلى المنصور، وهي تتضمن المعاني نفسها الواردة في الرسالة السابقة، ولكن مع زيادة البسط في ذكر الوقائع( ) والتنويه بعزم يعقوب المنصور على الجهاد وبلائه الحسن في الحروب ضد الكفار، يقول: "ولما كانت حضرة سلطان الإسلام(*)، وقائد المجاهدين إلى دار السلام، أولى من توجه إليه الإسلام بشكواه وبثه، واستعان به على حماية نسله وحرثه، وكانت مساعيه ومساعي سلفه في الجهاد الغر المحجلة، المؤامرة الكاشفة لكل معضلة، الكاسفة لكل مشكلة، والأخبار بذلك سائرة، والآثار ظاهرة، والصحف عنه باسمة، والسير به معلمة وعالمة، وكل بجهاده قد سكن إلا السيوف في أغمادها، وقد أمن إلا كلمة الكفر في بلادها"( ).
ينوه الأيوبي هنا بيعقوب المنصور باعتباره الجهة المناسبة لمعالجة هموم المسلمين, فيلمح إلى جهاده و جهاد أسلافه من أجل توحيد المغرب و إصلاح أحوال العدو: " لا يزال في سبيل الله غاديا ورائحا, و مواجها و مكافحا و مماسيا و مصابحا, يجوز لجة البحر بالمجاهدين ملوكا على الأسرة( ) وغزاة تصافح وجوهها السيوف فلا يخمد نور الأسرة, يذود الفرق الكافرة "( ).
وبغض النظر عن إطناب الأيوبي في وصف عزم يعقوب المنصور والتنويه بمواقفه الجهادية والإنجادية, فإن الدارس يجد في هذه الإشادة المطولة ما يحمل عتابا مبطنا ليعقوب المنصور، يتمثل في لومه على تأخره في الاستجابة لطلب الأيوبي مع أنه قادر على ذلك:
" كان المتوقع من تلك الدولة العالية, و العزمة الغادية, مع القدرة الوافية, و الهمة المهدية الهادية, أن يمد غرب الإسلام المسلمين بأكثر مما أمد به غرب الكفار الكافرين"( ).
يظهر من النص أن صلاح الدين الأيوبي كان يتوقع استجابة الخليفة يعقوب لمساعدته في حربه على الكفار, و ذلك بحكم طبيعة هذا الطلب الذي ينسجم مع مساعي الموحدين في الجهاد في سبيل الله, و التي خاضوا من أجل تحقيقها عددا من الغزوات البرية و البحرية التي ذاع صيتها في العالم الإسلامي. و لكن و رغم خيبة أمله لا زال يعتقد بأهمية استنفار الخليفة وبإمكانية إقناعه بالاستجابة لطلبه:
" فصرخنا به في هذه التحية , فقد تحفل السحاب و لا تمطر، إلى أن تحركها أيدي الرياح, وقد تترك النصرة فلا تظهر، إلى أن تضرع إليها ألسنة الصفاح " ( ).
يبدو أن هذه الصرخة المصحوبة بالتفاؤل لم تمطر إلا عتابا و صريخا و رفضا صريحا, وقد يندهش القارئ – و بخاصة إذا كان مشرقيا أو قليل الاطلاع و الإلمام بطبيعة العلاقة بين الموحدين والأيوبيين في العصور الوسطى – حين يعلم بأن صريخ صلاح الدين لم يلق صدى و أن رسالته لم يكن لها الأثر المرغوب – فيما يبدو – وهو اندهاش وارد – على الأقل دينيا وعاطفيا – إذ المطلوب أن يتجاوب المجاهد مع هذه القضية , لكن الخليفة يعقوب المنصور وهو المعروف بحبه للجهاد واستعداده الدائم للإنجاد، لم يستجب لهذا الطلب – فيما يظهر– فلماذا؟.
لقد بادر أحد الدارسين ( ) إلى الإجابة عن هذا السؤال حين تعرض لسيرة يعقوب المنصور حيث أخبرنا –مشكورا- بأن الخليفة كان مغرورا وكان يسعى إلى إمامة المسلمين، ومن ثم لم يتنازل بالرد على صلاح الدين يقول: "فقد تمكن من تحقيق إنجاز ضخم في تاريخ الأندلس بانتصاره العظيم على الإسبان في معركة الأرك المشهورة. ويبدو أن هذا النصر الذي حازه أصابه بالغرور، واعتقد أنه يستحق إمامة المسلمين في كل مكان وخلافتهم، ولذلك لم يتنازل بالرد على صلاح الدين الأيوبي، رحمه الله، عندما أرسل إليه رسالة مع رسول يطلب منه أن يمد المسلمين في بلاد الشام في صراعهم ضد الصليبين( ).ثم انتقل الدارس إلى تنوير القارىء حول سبب رفض الخليفة طلب المنصور، فلم يجد أمامه سوى رواية فجر من خلالها مشاعر فعمد إلى خلط الخبر بالتعليق، والدفاع عن الأيوبي حين أشار إلى يعقوب المنصور بقوله: "واحتج بأن صلاح الدين لم يخاطبه بلقب أمير المؤمنين لكنا نعتقد أن المنصور لم يكن قادرا على أي عمل من شأنه مساعدة مسلمي الشام ضد الصليبين ولو لقبه صلاح الدين بالخليفة وأمير المؤمنين وغير ذلك من الألقاب الفارغة، وذلك بسبب عجزه عن الإمداد، ولكنه غطى عجزه وغروره بهذا السبب الواهي، ناسيا أن صلاح الدين بطل عظيم من أبطال الإسلام، وأن إنجازته أعظم( ) بكثير من إنجازات المنصور"( ).
والواقع، إن في هذا الرأي الذي جاء غارقا في الذاتية والمغالطة –ما يستوجب التعقيب عليه، ولكن قبل ذلك، أود أن أنبه هنا على خطإ فادح وقع فيه الدارس وبنى عليه استنتاجاته القدحية؛ ويتمثل في زعمه بأن انتصار المنصور في معركة الأرك كان وراء "الغرور" و"الترفع" عن الرد على صريخ صلاح الدين، والحقيقة التي تفند هذا الرأي هي أن استنجاد صلاح الدين بالخليفة المنصور قد حدث قبل معركة الأرك بحوالي ست سنوات؛ حيث إن رسالة الاستنجـاد الأولى مؤرخة سنة (585هـ)، والثانية مؤرخة بعدها بعام واحد أي سنة (586هـ) ومعنى هذا أن فترة عدم الاستجابة لطلب الأيوبي استغرقت عدة سنوات قبل الأرك. وهكذا نلاحظ أن الدارس قد تجاسر على الاستنتاج –فيما يبدو- قبل ضبط معلوماته وتدقيقها، مما أسقطه في أحكام وهمية، وزاغ به عن الجادة والموضوعية، لا بل عمد أيضا إلى التغليط مع سبق الإصرار، حين ادعى أن الخليفة المنصور"احتج بأن صلاح الدين لم يخاطبه بلقب أمير المؤمنين"، والمعروف أن هذا الاحتجاج هو مجرد رواية( ) تعمد الدارس سوقها باعتبارها مسلمة من المسلمات، وذلك لتحقيق غرض في نفسه، وهو إيهام القارئ بأن الأمر مجرد صراع ألقاب، وأن الخليفة يعقوب إنما يحاول فعلا التغطية عن "عجزه". وغير خاف هنا أن الادعاء بعجز المنصور عن الإمداد هو مجرد استنتاج مغلوط تماما يتعارض وحقائق التاريخ والحضارة الموحدية، ويختلف حتى مع رسائل صلاح الدين التي شهدت بجهاد يعقوب وقدرته الحربية. وهب أن حجة عدم مخاطبته بلقب أمير المؤمنين رواية صحيحة، أليس هذا سببا وجيها لرفض تلبية طلب صلاح الدين؟ وهل نذكر الدارس "بأن اللياقة الديبلوماسية كانت ولا تزال ذات أثر بالغ في سير العلاقات بين الدول والرؤساء؟( ).
وأدلى دارس مصري بدلائه في هذا الموضوع، فعزا رفض المنصور الاستجابة لطلب الايوبي الى انشغال هذا الخليفة الموحدي عقب مصرع أبيه في موقعة شنترين سنة (580هـ)- بسلسلة من الأحداث المزعجة سواء في المغرب أو في الأندلس( ). ومع إقرارنا بانشغال المنصور الحقيقي بثورات المغرب الكبير، وبخاصة ثورة بني غانية وحشد الجيوش للجهاد بالأندلس، وضرورة توزيع أسطوله البحري في هذه الظروف بين عدة ثغور دفعا لأي هجوم محتمل، فإننا لا نعتقد بأن هذا الانشغال كان وراء رفض المنصور لطلب الأيوبي لأنه "كان من الممكن أن يضحي بقسم من هذا الأسطول لإنجاد المسلمين في الشرق" أو على الأقل كان بإمكانه أن يبعث برسالة يطمئن فيها الأيوبي بعزمه على الجهاد، ردا على طلب الأيوبي، كما عودنا على ذلك مع المستنجدين به من مسلمي الأندلس، ولكن –وحسب علمي- لا توجد رسالة في الرد على طلب الأيوبي، وإنما هناك إشارات فقط إلى حسن معاملة المنصور لمبعوث( ) الأيوبي واحتمال( ) أن يكون المنصور قد بعث فيما بعد بجزء من أسطوله البحري لإسعاف الأيوبي. والظاهر أن هناك خللا قويا ما في العلاقية السياسية( )بين الأيوبيين والموحدين حال دون تحقيق هذا الطلب.
ومهما يكن أمر، فإنني أعتقد أن ما أبداه السيد ماهر بالخصوص، من قدح( ) ومغالطة لن يكون حظه من البحث العلمي سوى قبض الريح، كما أنه لن يكون في مقدوره النيل من سجل الخليفة يعقوب الحافل بالأمجاد والبطولات الحربية، والعزم الصادق على الجهاد والإنجاد. وما الرسائل التي تعرضنا لها سابقا –بما فيها رسالة صلاح الدين- إلا شهادات قليلة عن إخلاص الموحدين وصدق طويتهم جهادا وإنجادا. وبحسبنا أن نورد هنا وصية الخليفة يعقوب الجهادية التي تركها لأبنائه وهو في رمقه الأخير وقد أزفت ساعة وفاته، والتي يقول فيها : "أيها الناس أوصيكم بتقوى الله، وأوصيكم بالأيتام واليتيمة"( ).
فقد اعتبر الأندلس يتيمة وأهل الأندلس يتامى بعد موته، يستحقون الرعاية والحماية، ومعنى هذا أن حياة الأندلس الآمنة متوقفة على الحضور المستمر للمجاهدين المغاربة لحمايتها وإنجادها من العدوان. وكذلك كان، حيث تبين لنا من خلال الرسائل الموحدية أن هاجس العزم على الجهاد والإنجاد بالأندلس لم يفارق الموحدين حتى في أحلك فترات حكمهم، وبخاصة بعد هزيمة العقاب (609هـ)حيث انحدر حكمهم وضعفت قوتهم، ومع ذلك ظلت همة الخلفاء الموحدين عالية جهادا وإنجادا، فهذا الخليفة العادل (أبو محمد عبد الله بن الخليفة المنصور) يكتب رسالة من مراكش إلى أهل الأندلس بمجرد أن استقر له الأمر بالمغرب يخبرهم فيها بعزم الموحدين على الجهاد الذي من أجله حلوا بالأندلس (التي دعاها بدار الموحدين)، "... وحلوا بدار الموحدين ومطلع الخلفاء الراشدين المهتدين، حيث الجموع وافرة، والعداد متكاثرة وطائفة الحق متعاضدة متظاهرة، وذلك حلول استدعاء واستنفار، لا حلول إقامة واستقرار، عازمين على الجهاد، والله تعالى يمضي عزائمهم، ويجبرهم على جميل معتقداتهم على جهاد أعداء الله الكفار"( ).
يخبر العادل أهل الأندلس هنا بأن حلول الموحدين ببلادهم قد جاء مباشرة بعد استعادة الموحدين لزمام أمورهم وعودة اتفاقهم وتوحيد صفوفهم، وبخاصة بعد حالة التوتر والصراع الذي اشتعل أواره بينهم حول حكم البلاد، حيث ثار العادل على الخليفة عبد الواحد المخلوع سنة 621هـ بتأييد من إخوانه الذين كانوا ولاة على أهم المدن الأندلسية، وكان أول ما قام به هو استنفار الموحدين للجهاد وبالأندلس ضد الكفار. وقد حرص العادل على توضيح نيته الخالصة في الجهاد وذلك دفعا لأي التباس أو تشكيك أو تأويل مغرض من المعارضين والثوار. ولعل في هذا الموقف ما يؤكد عناية الموحدين المبدئية بالجهاد، واستمرار وفائهم لإنجاد المسلمين، رغم انشغالهم بإطفاء نار الفتنة والخلاف الذي غلا مرجله في عهدهم سواء في الأندلس أو في المغرب.
وإجمالا، فقد قدمت لنا نماذج الرسائل المعروضة الصادرة عن الموحدين أو الواردة عليهم صورة بارزة عن مدى انشغال المغاربة بالأندلس ، وتشبتهم القوي بمبدأ النصرة والإنجاد الذي انتشر صيته في الآفاق، من المغرب إلى المشرق، والذي يعد استمرارا تاريخيا لسير المغاربة على خطوات أسلافهم من المسلمين الأوائل في درب الجهاد الشائك، ومسلكه الشاق والمرهق، وهو مسلك حبر فيه الموحدون والمرابطون – بدمائهم ونصرتهم للدين- سجل المغرب الحافل بالأمجاد وصور الحرب والشهامة والإنجاد.
الهوامش:
( ) صبح الأعشى: 6/527.
( ) كان ذلك سنة 583هـ حيث تم تحرير بيت المقدس، وفيها أيضا انهزم الصليبيون في معركة حطين.
( ) صبح الأعشى: 6/528.
( ) نفسه ص.ن.
( ) نفسه: 6/529.
( ) يقول الدكتور عباس الجراري: "وأما المنصور فقد قوي إنشاء الأساطيل في أيامه، وكثرت مصانعها ومدارس التدريب عليها لدرجة أن صلاح الدين الأيوبي استغاثه واستنجد بأساطيله في محاربة الصليبيين بالشام. وقد نشطت على عهد المنصور جميع فروع الصناعة إلى حد كان في مدينة فاس وحدها اثنا عشر مصنعا لسبك النحاس، وثلاثة آلاف مصنع نسيج، وسبعة وأربعون مصنع صابون، وأحد عشر مصنعا للزجاج، وأربعمائة مصنع للكاغد، وعشرات غيرها من المصانع المختلفة التي تكشف عما بلغته الدولة من تفوق حضاري ..." كتاب "الأمير الشاعر أبو الربيع سليمان الموحدي : 22.
( ) شهادة الأيوبي نابعة من خبرته بالملاحين المغاربة الذين اشتهروا بقيادتهم السفن الملاحية والحربية ومهارتهم في هذا الميدان. وقد خلدت المصادر أسماء العديد من المغاربة الذين استشهدوا في جهادهم ضد الصليبيين ببلاد الشام (انظر تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام لعبد العزيز سالم وأحمد مختار العبادي : 28، دار النهضة العربية، بيروت).
( ) صبح الأعشى: 6/530.
( ) يتعرض الأيوبي بتفصيل للتحركات الصليبية، كاستنفار كفار الشام لكفار الغرب، وأسماء الأمم المسيحية المستجيبة لهم وأنواع الأسلحة والأقوات التي جلبوها معهم (انظر الرسالة في المصدر نفسه 6/530).
(* ) نلاحظ هنا أن الأيوبي لم يخاطب الخليفة يعقوب المنصور بلقب أمير المؤمنين على عكس الرسالة الأولى حيث خاطبه بقوله: "حضرة سيدنا أمير المؤمنين، وسيدنا العالمين..."
( ) كتاب الروضتين لأبي شامة الدمشقي: 2/173
( ) الأسرة : مفرده سرير، والمقصود به العرش.
( ) كتاب الروضتين : ص.ن.
( ) نفسه ص.ن.
( ) نفسه ص.ن.
( ) يتعلق الأمر بمحمد ماهر حمادة. انظر كتابه "الوثائق السياسية والإدارية في الأندلس وشمالي إفريقية -دراسة ونصوص-"، ص : 90، منشورات مؤسسة الرسالة بيروت، ط 1، 1980م.
( ) الوثائق السياسية والإدارية: 90.
( ) بغض النظر عن صحة هذا الحكم من عدمه، فإن المقارنة التي تجنح إلى إثبات التفوق في المجال الحضاري الواحد، هي نعرة مشرقية قديمة جدا، كانت قد مست مختلف المجالات التاريخية والسياسية والثقافية... وعليه فقد ظل المشارقة ينظرون دائما بعين التفوق إلى إنجازاتهم، كما أنهم ينظرون إلى تاريخ الغرب الاسلامي وأدبه باعتباره صدى لثقافتهم، وأن منتجيه ومبدعيه ليسوا سوى تلاميذ مستهلكين لبضاعتهم. وهذا منطق غير سليم كما نرى ويرى معنا ذلك د. عباس الجراري الذي خبر جيدا هذه النعرة حين قال في إحدى الندوات "ولكن التلميذ لا يبقى دائما تلميذا. فقد تكونا وأحرزنا كياننا في هذا الباب، وساهمنا في هذه الثقافة، لكن إخواننا المشارقة ظلوا ينظرون إلينا على أننا التلاميذ الأبديون، وهم المعلمون الدائمون، وهذا خطأ في الرأي وخطأ غير مقبول". من كلمة د. عباس الجراري في التعقيب على العروض التي تناولت كتابه "تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب" ضمن يوم دراسي بوجدة. انظر مجلة كلية الآداب ع: 42 سلسلة ندوات ومناظرات رقم 13، إعداد: د: مصطفى الغديري، وجدة، 2001 ص: 171.
( ) الوثائق السياسية والإدارية: 90-91.
( ) رواية ابن خلكان في وفيات الأعيان : 2/693-264.
( ) المغرب عبر التاريخ: 1/276.
( ) عصر الموحدين وانهيار الأندلس الكبرى: 182.
( ) ذكر المقرى أن الخليفة يعقوب المنصور أحسن استقبال وفد صلاح الدين الأيوبي، لا بل أجاز رئيسه ابن منقذ بأربعين ألف دينار مقابل قصيدة نظمها في مدحه، وتحتوي على أربعين بيتا (أي لكل بيت من قصيدته ألف دينار)، ومع ذلك لم يجب صلاح الدين لما أراد (انظر نفح الطيب : 1/207).
( ) رجح ابن خلدون أن يكون المنصور قد بعث بمائة وثمانين قطعة من أسطوله، غير أن الدكتور حركات اعتبرها رواية من غير إسناد (انظر المغرب عبر التاريخ : 1/276).
( ) المقصود بذلك موقف الموحدين من هجوم قراقوش (مملوك الأيوبي) على إفريقية التي كانت ضمن نفوذ الدولة الموحدية.
( ) هناك مجموعة من العبارات الغارقة في القدح والمثقلة بالذاتية، والتي لا تستوجب ردا في نظري بقدر ما تحتاج إلى شيء من التنبيه؛ كقول السيد ماهر متحدثا عن الخليفة يعقوب المنصور "ولذلك لم يتنازل بالرد على صلاح الدين الأيوبي رحمه الله...". فقد استشعرت من خلال هذه العبارة بنوع من النعرة العصبية الني تهب الرحمة لمن تشاء، وتمنعها عمن تشاء، مع أن البطلين معا من موتى المسلمين رحمهم الله جميعا. وقد نبهت سابقا على قدم هذه النعرة في تاريخ العرب القديم عامة والعصر الأموي على الخصوص. ونتذكر هنا "نافع بن جبير" الذي كان إذا مرت به جنازة. قال من هذا؟ فإذا قالوا: قرشي قال: واقوماه، وإذا قالوا: عربي. قال: وابلدتاه. وإذا قالوا " مولى". قال: هو مال الله يأخذ ما يشاء ويدع ما يشاء، كما نتذكر هنا ذلك الشاعر الذي دخل على هشام بن عبد الملك، فأنشدته قصيدة يفتخر فيها بأصله الفارسي، فما أن أتمها حتى قال هشام: "غطوه في الماء"، فغط في الماء حتى كادت تزهق روحه، ثم نفاه إلى الحجاز.
( ) انظر نص الوصية بالحلل الموشية: 160.
( ) رسائل موحدية، (مجموعة جديدة)، الرسالة 109 ص: 357.







 د.بن العياشي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
 

الكلمات الدلالية (Tags)
أحمد, المغرب, الدين, العي

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي الانتقال إلى العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
من أعلام المقاومة الوطنية ضد الاستعمار فخر العرب صانعو التاريخ 1 08-Dec-2010 07:51 PM
نور الدين زنكي. guevara صانعو التاريخ 5 17-Jul-2010 07:53 PM
محمد المختار بن الحامد فخر العرب تاريخ الأمة الإسلامية والعصر الوسيط 0 27-May-2010 02:04 AM
الطريقة القادرية البودشيشية. guevara تاريخ الأديان والرسل 9 21-May-2010 11:57 PM


الساعة الآن 01:15 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع