« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: إلى محبي تاريخ العصور الوسطى والحروب الصيبية (آخر رد :حسام حفناوي)       :: "على خطى الصين يسير العالم" (آخر رد :عبد الكريم)       :: ديداكتيك التاريخ (آخر رد :ثورية)       :: دعوة لزيارة مدونتي التي أسميتها [الوعي بالماضي جسر متين لصناعة مستقبل مشرق] (آخر رد :حسام حفناوي)       :: للأسئلة و الاستفسار عن الكتب .... تفضل هنا . (آخر رد :KURDW BRZ)       :: صورة يجب أن تعلق في كل مسجد وفي كل مكان ( يسلم بسببها 6 أشخاص يوميا ) (آخر رد :ساكتون)       :: الوسوم عند التبو (آخر رد :عائشه)       :: كتب مجانية باللغة الأثيوبية للمسلمين ولغير المسلمين والتوصيل لجميع المدن ( صورة ) (آخر رد :ساكتون)       :: عضو جديد: السلام عليكم (أخوكم بوغاية) (آخر رد :النسر)       :: تصاعد حدة الصراع على السلطة وانهيار الحكم القاجاري عام 1925م. (آخر رد :احمد العلاق)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> المكتبة التاريخية




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 04-Apr-2012, 11:57 AM   رقم المشاركة : 1
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي الموت وفلسفته في لزوميات "رهين المحبسين"


غلاف لزوميات أبي العلاء المعري
الموت وفلسفته في لزوميات "رهين المحبسين"




هدى قزع*

باح المعري في لزومياته بما في ضميره عن الموت، فرآه نومًا طويلًا ، و ماثله بالنوم الإنساني مع إبانته الفرق بينهما ، فالنوم موت قصير وسينقضي على عكس الموت . قال:

"وَالمَوتُ نَومٌ طَويلٌ مالَهُ أَمَدٌ
وَالنَومُ مَوتٌ قَصيرٌ فَهو مُنجابُ"

وقد أراد بقوله هذا تعميق الغياب والتلاشي في الموت ، مقابل الانكشاف والبعث في النوم المؤقت وقد تكون مقاربته تلك نابعة من أنهما سبيل للراحة ، وأحسب أنه متأثر في الثقافة الإسلامية في هذه المقاربة . ويلفت من وجهة أخرى إلى عجب الإنسان بالحياة ، وما يحرزه من فضل ، ويعد ذلك منه ضرباً من العبث، إذ ما القيمة التي سيجنيها من فضله لحظة مطالبة الموت به؟

فالموت يحل على البشر على مرأى منا ، وقد يصيب أقرب الناس إلينا كالآباء مثلاً ، وفي النهاية لا بد أن يطالنا ؛ وما ذلك إلا لأن طبيعته تشبه الداء المعدي الذي ينتقل من إنسان لآخر. وفي هذا قال:

"لا يُعْجَبَنَّ الفَتى بِفَضلٍ
فَإِنَّهُ مُقتَضى بِوَعدِ
والِدُهُ خَصَّهُ بِعَدوى
مِن مَوتِهِ وَالحِمامُ يُعدي"

لكن من المعروف أن الوالد هو أقرب إنسان لابنه فكيف يخصه بالموت ؟ قد يكون في ذلك إشارة إلى فضل الموت ، إذ خص الأب ولده به لأنه يحبه ، وإما أن يكون علامة على حتمية الفناء ، أو دليلاً على خطأ الآباء في إيجاد الأبناء بالإنجاب مع علمهم أن المصير هو الفناء . وعدّه للموت بأنه داء نجد له جذوراً في التراث الإسلامي ، وحتمًا ان الموت في الحقيقة ليس داءً، وإنما هو عدم وفناء ، وقد تمثله داءً من قبيل المبالغة ، فهو أشد من المرض ؛ لأن المرض داء يُضْعِفُ والموت يُعْدِمُ ، أو قد يقصد بالداء هنا المرض الذي عند الموت وفراغ الأجل لأنه لا ينفع فيه الدواء.

ويرى من وجهة أخرى أنه حظ وسعادة للإنسان ، أما الحياة فهي لا تجلب إلا التعاسة والشقاء له ؛ وذلك لأنها تزيد من ذنوبه التي تسجل في صحائفه و هو حي، وفي هذا قال:

"المَوتُ حَظٌّ لِمَن تَأَمَّلَهُ
وَلَيسَ في العَيشِ أَن تُؤَمِّلَ حَظ
لا سِيَّما لِلَّذي يُخَطُّ عَلَيهِ الـ
وِزرُ إِن قالَ أَو رَنا وَلَحَظ"

وكأني به يرضى في الحياة التي يخلو المرء فيها من الذنوب ، وهذا أمر مستحيل ، ونظرة مثالية لن نجد لها تحققاً في الواقع ، لذلك رأى الموت حظاً ، وهذه الرؤية دليل على اعتقاده بالجبرية لا بالاختيار وهذا ما دفعه للإيمان بالحظ. وتبعاً لاعتقاده بالجبرية ، سنجده يعد الموت فرضاً ، إذ يقول:

"تَبارَكتَ إِنَّ المَوتَ فَرضٌ عَلى الفَتى
وَلَو أَنَّهُ بَعضُ النُجومِ الَّتي تَسري
وَهَوَّنَ مانَلقى مِنَ البُؤسِ أَنَّنا
بَنو سَفَرٍ أَو عابِرونَ عَلى جِسرِ"

وفي وجهة أخرى يجعله غاية قريبة من نفسه ، ومن نفوس البشرية جمعاء إذ يقول:

"وَأَعلَمُ أَنَّ غايَتي المَنايا
فَصَبراً تِلكَ غايَةُ كُلِّ قَومِ.."

ولكن لماذا كان الموت غاية ؟ يجيبنا عن هذا السؤال قائلًا:

"وَسامَتني إِهانَتَها اللَيالي
وَمَن لي أَن تُخَلّيني وَسَومي
وَأَيّامُ الحَياةِ ظِلالُ عِترٍ
وَمَن لي أَن يَكونَ ظِلالَ دَومِ
أَعومُ اللُجَّ وَالحيتانُ حَولي
وَما أَنا مُحسِنٌ في ذاكَ عَومي
لَعَلَّ العَيشَ تَسهيدٌ وَنَصبٌ
وَراحَتي الحِمامُ أَتى بِنَومِ"

إذا لقد حمّله الزمن الإهانة وكلفه بها ، وأما الحياة فهي كظلال وهمي لنبات قصير ، وبما أن الظل مؤقت ، كان لا بد له من أن يتساءل عن وجود ظل دائم في الحياة، وقد كان حاله وهو يستغرق في أمورها، ويحاول التخلص من شرورها وإهانتها ، يماثل من يسقط في لجّ بحر ، فهو يعوم ليتخلص منه ، وبما أنه لا يحسن العوم ، يوشك أن يهلك ، إن لم يتداركه من يستنقذه ، والحياة تُشَبَّهُ بالبحر وأهلها بالراكبين في السفينة. ولانعدام الديمومة التي كان يبحث عنها ، عدّ الحياة تسهيداً ودواء وبلاء وشراً ، ولن يجد راحته من عناها إلا بالموت ، الذي يوازي النوم الطويل. ويرى من ناحية أخرى أن الموت مزيل للنعم ، إذ يقول:

"أَلا فَاِنعَموا وَاِحذَروا في الحَياةِ
مُلِمّاً يُسَمّى مُزيلَ النِّعَم.."

يُظهر هذا البيت أنه لم ينقطع تماماً عن الحياة لذلك طلب من البشر أن ينعموا فيها ، ولكنه يحذرنا أن نسرف في تنعمنا ، لأنه سيزورنا الموت ويزيل كل النعم .وقد افترض الطبيعة المنفرة للموت ، بمعنى أنه أسبغ عليه أوصافاً تظهر مدى وحشيته ، إذ تارة يعده أسداً مفترساً ، وتارة أخرى يعده محارباً ثائراً يعادي بني البشر ويقتلهم. ولم يكن له أمام سلطة الموت، وضعفه، من خيار سوى التنقيب عن فضائل الموت، لذلك قال:

"يَدُلُّ عَلى فَضلِ المَماتِ وَكَونِهِ
إِراحَةَ جِسمٍ أَنَّ مَسلَكَهُ صَعبُ
إِذا اِفتَرَقَت أَجزاؤُنا حُطَّ ثُقلُنا
وَنَحمِلُ عِبئاً حينَ يَلتَئِمُ الشَعبُ"

فللموت فضل عظيم على الإنسان فهو يريح جسمه ، ومايؤكد ذلك أن الوصول إليه صعب ، بمعنى أننا لا نختار زمانه ولا مكانه، ومن فضائله أنه عندما تتفرق أجزاء الجسم تذهب عنه جميع الأعباء على خلاف الحال عندما تكون أجزاؤنا ملتئمة.وأحسب أن هذه رؤية فلسفية بحتة ، رمى من خلالها إلى بيان أن التئام الجسم مدعاة إلى كثرة الأعباء وكلما انحل الجسم تخفف عنه الأعباء ، فكل عضو يحمل عبئاً ، وقد يجد المعري في ذلك مواساة لنفسه ، إذ إن عماه كفاه من حمل أعباء البصر .وقال في أبيات أخرى دلل فيها على فضل الممات :

"مَن لِيَ أَن أُقيمَ في بلد أُذكَرُ فيهِ بِغَيرِ ما يَجِبُ
يُظَنُّ بِيَ اليُسرُ وَالدِيانَةُ وَالعِل مُ وَبَيني وَبَينَها حُجُبُ
كُلُّ شُهوري عَلَيَّ واحِدَةٌ لا صَفَرٌ يُتَّقى وَلا رَجَبُ
أَقرَرتُ بِالجَهلِ وَاِدَّعى فَهَمي قَومٌ فَأَمري وَأَمرُهُم عَجَبُ
وَالحَقُّ أَنّي وَأَنَّهُم هَدرٌ لَستُ نَجيباً وَلا هُمُ نُجُبُ
وَالحالُ ضاقَت عَن ضَمِّها جَسَدي فَكَيفَ لي أَن يَضُمَّهُ الشَجَبُ
ما أَوسَعَ المَوتَ يَستَريحُ بِهِ الجِس مُ المُعَنّى وَيَخفُتُ اللَجَبُ"

فهو يطلب مُعيناً على الرحيل إلى بلد لا يمدح فيه المرء كذباً ، فالناس كانوا يصفونه بعلمه وغناه ودينه بهتاناً وزوراً ؛ مع أنه في واقع الحال كان يقوم بإيذاء الناس دوماً حتى في شهر تحريم القتال وهو رجب، فالشهور لديه كانت تتتساوى .ومن الغريب تصريحه بإيذء الناس، والأغرب إقراره بالجهل وأنه لا يفهم ، وفي الحقيقة كان حكمه على نفسه يوازي حكمه على الآخرين ، فهو وهم هدر وسقط لا قيمة له.

من هنا سيكون من الطبيعي أن يضيق جسده من احتمال مثل هذه الحال ، وأن يتمنى موته ليخلص من هذا السوء والعبثية التي عبر عنها بقوله "أني وأنهم هدر". فالجسم سيسكن ويستريح بموته ، ويصبح الموت هنا مخلصاً من شرور الحياة. ومن فضائل الموت أنه يقينا من شرور الدهر ، وفي هذا يقول:

"وَلَيسَ يَأمَنُ قَومٌ شَرَّ دَهرِهِمُ
حَتّى يحُلّوا بِبَطنِ الأَرضِ أَجداثا.."

وبما أن للموت هذه الفضائل ، فإننا لن نستغرب تعامله مع متعلقات الموت بكل عفوية ورضى ، ولن نرد هذا إلى تشاؤم ويأس ، وإنما إلى انسجام في الشعور. قال:

"لَمّا ثَوَت في الأَرضِ وَهيَ لَطيفَةٌ
قُدَماؤُنا أَمِنَت مِنَ الأَحداثِ
لَم يَستَريحوا مِن شُرورِ دِيارِهِم
إِلّا بِرِحلَتِهِم إِلى الأَجداثِ.."

فالقبر هو آمن منزل ، وكل من يحله يجد فيه اللطف والرحمة والراحة ، ويستريح من مصائب وشرور البلاد التي حلّ بها في حياته ، وهو يريد بهذا أن يشعرنا بما يفتقده في حياته من هذه الأمور ، وأن يرسم في مخيلته واقعاً مختلفاً لحياة جديدة يبث فيها كل الأمل والأمنيات . وهو يبدو ساخراً حينما ينهى الآخر"المخاطَبْ" عن العيش لمدة طويلة ، مع علمه بأن هذا الأمر مقدر من عند الله وحده، وفي هذا يقول:

خَمسونَ قَد عِشتُها فَلا تَعِشِ
وَالنَعشُ لَفظٌ مِن قَولِكَ اِنتَعِشِ"

وما يؤكد سخريته قوله: " وَالنَعشُ لَفظٌ مِن قَولِكَ اِنتَعِشِ" ، وتبعاً لذلك رأى أن الموت خير له من امتداد العمر والضعف بعد القوة ، والذي عبر عنه في جري اللعاب ، والارتعاش ، وضعف البصر، حيث قال:

"وَالمَوتُ خَيرٌ لِمَن تَأَمَّلَهُ
مِن عُمرِ جاري اللُعابِ مُرتَعِشِ
لا يَقرَأُ السَطرَ بِالنَهارِ وَقَد
كانَ يُجَلّي كَالصَقرِ ثُمَّ عَشي"

ومن بليغ قوله على راحة الجسم عند الموت:

" وَمازالَ هَذا الجِسمُ مُذ فارَقَ الثَرى
عَلى تَعَبٍ حَتّى أُعيدَ إِلى الرَمسِ"

فمنذ أن صار التراب إنساناً لقي العناء والتعب واستمرت مشقته إلا أن عاد تراباً. وليس من العجب أن يتخذ المعري من محاورته لطفل فارق الحياة عِبْرَةً لكل متشبث بأغصان الحياة التي لا بد أن تنكسر وتودي بنا إلى هوة سحيقة . قال:

"أيا طِفلَ الشَفيقَةِ إِنَّ رَبّي عَلى ما شاءَ مِن أَمرٍ مُقيتُ
تَكَلَّمُ بَعدَ مَوتِكَ بِاِعتِبارٍ وَقَد أَودى بِكَ النَبأُ المَقيتُ"

وتمثل الطفل قائلًا :

"تَرَكتُ الدارَ خالِيَةً لِغَيري وَلَو طالَ المَقامُ بِها شَقيتُ
نَقَيتُ فَما دَنِستُ وَلَو تَمادَت حَياةٌ بي دَنِستُ فَما نَقيتُ
وَما يُدريكِ باكِيَتي عَساني لِسُكنى الفَوزِ في الأُخرى اِنتُقيتُ"

فالعِبَر التي نطق بها هي أن موته مبكراً كان راحة له من العناء ، ونقاء من الدنس ، ونجاة من النار ، من هنا طلب من أمه ألا تبكيه لأنه فاز بسكنى دار أخرى أفضل من هذه الحياة .ولعلنا نلمح في هذه المحاورة بعض مأساة المعري النفسية التي ترتد إلى مرحلة الطفولة لحظة فقده البصر ، فهذا الطفل الميت الذي يستدعيه هو صوت آخر له ، بمعنى أنه كان يتمنى لو أنه فقد حياته قبل أن يصيبه العمى ، لأن العمى يساوي الموت ، والحياة هي التي أماتته لمّا أفقدته إياه.

و صور المعري الطفل الذي يموت مبكرا بالوحش الذي ينجو من شبكة الصياد بقفزة ، وغريب منه أن يجمع بين الطفل الوديع والوحش المخيف إذ قال:

"كَأَنَّ وَليداً ماتَ قَبلَ سُقوطِهِ
عَلى الأَرضِ ناجٍ مِن حِبالَتِهِ طَفرا"

ولم يكن له أن يغفل عن فضل الموت في مساواته بين الخلائق إذ قال:

"وَاجبُن أَو اشجَع فَطُرُقُ المَوتِ واحِدَةٌ
وَالظَبيُّ فيهِنَّ مِثلُ السَيِّدِ وَالأَسَدِ
وَذاتُ عِقدٍ تُلاقي مِن أَذاً وَقَذىً
كَما تُلاقيهِ ذاتُ الحَطبِ وَالمَسَدِ"

فالمصير واحد مهما اختلفت الكائنات بطبيعتها، وفيه تتساوى الخلائق، إذ سيموت الإنسان والحيوان ، والشجاع والجبان ، والغني والفقير .ويوظف المعري التناص الديني ليعبر عن الشقاء والعذاب والأذى الذي تعانيه المرأة الكادحة في الحياة ، حينما قال :كَما تُلاقيهِ ذاتُ الحَطبِ وَالمَسَدِ.فهو يتناص مع قوله تعالى " وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ". ويمتد حديثه على فضائل الموت إلى الحديث على فضائل متعلقاته كالقبر مثلاً ، الذي رأى فيه أنه أفضل المنازل وأكثرها راحة إذ قال:

"أَعفى المَنازِلِ قَبرٌ يُستَراحُ بِهِ
وَأَفضَلُ اللُبسِ فيما أَعلَمُ الكَفَنُ"

وأحسب أن راحة القبر تكمن في أنه منزل دائم يعفينا من النفقة عليه وترميمه وإصلاحه بعكس منازل الحياة. ولأنه يجد أن في القبر راحة،نراه يوجه عتاباً إلى الذين يضعون ميتهم في تابوت من الخشب ، لأنهم بفعلهم هذا يحرمونه من الصاحب المؤنس وهو التراب ، وفي هذا يقول:

"قَد يَسَّروا لِدَفينٍ حانَ مَصرَعُهُ
بَيتاً مِنَ الخُشبِ لَم يُرفَع وَلا رَحُبا
يا هَؤُلاءِ اِترُكوهُ وَالثَرى فَلَهُ
أُنسٌ بِهِ وَهوَ أَولى صاحِبٍ صُحِبا"

وأظن أنه في هذه الأبيات ينتقد عادة المسيحيين في الدفن ، ويرجح عليها الطريقة الإسلامية لأنها تعيد الإنسان إلى أصله. وهو أشار المعري إلى طبائع بعض الشعوب في تعاملهم مع الميت إذ قال:

"يُحَرِّقُ نَفسَهُ الهِندِيُّ خَوفاً وَيَقصُرُ دونَ ما صَنَعَ الجِهادُ
وَما فَعلَتْهُ عُبّادُ النَصارى وَلا شَرعِيَّةٌ صَبَأوا وهادوا"

فهذه الأبيات تطلعنا على عادة أهل الهند في حرقهم لأجسادهم ، خوفاً من أن يحرقوا بنار الآخرة ، فيظنون أنهم لو حرقوا أنفسهم سينجون من العذاب لأن أجسادهم تفنى بالحرق ولا تعود .ونجده يقف مذهولاً أمام هذا الفعل ، ويرى أنه يتنافى مع جميع العقائد الدينية لأن ضرب من الانتحار ، بل ضرب من الجهل بحقيقة الموت وما بعده من الجزاء .فهم يظنون أنهم عندما يحرقون ميتهم سيريحونه من الدفن بالقبر وما يتبع ذلك من سؤال منكر ونكير ، يقول في ذلك :

"حَرَقَ الهِندُ مَن يَموتُ فَما زا روهُ في رَوحَةٍ وَلا تَبكيرِ
وَاِستَراحوا مِن ضَغطَةِ القَبرِ ميتاً وَسُؤالٍ لِمَنكَرٍ وَنَكيرِ"

إذا ذكر المعري فضائل الموت ، وكان على دراية بأنه يفارق المألوف بترحيبه بالموت حينما قال:

"أَهلاً بِغائِلَةِ الرَدى وَإِيابِها
كَيما تُسَتِّرُني بِفَضلِ ثِيابِها"

ولأنه توقع أن ترحيبه بالموت لا يجري على السنن سوغه بأن الكفن سيستره حينما يلفه . ولكن ما الذي سيستره الموت؟

أحسب أن من أظهر الإجابات على هذا السؤال ،أن الموت يستر عيوب المرء التي فعلها بحياته فلا يطلع عليها الآخرون من الأحياء ، وذلك لانقطاع الميت عنهم .أما عن تفضيله لثوب الردى فقد يكون مرده إلى اللون الذي لم يشاهده وهو الأبيض ، فلطالما كان لون العمى قاتما.
-------------
* كاتبة وأكاديمية من الأردن












التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
لزوميات, الموت, رهين المح

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أصل الرئيس الامريكي اوباما والسياسه الأمريكيه محمد الفيصل التاريخ الحديث والمعاصر 140 05-Apr-2012 10:21 AM
رحلة الموت في ديوان " فقدان المناعة" النسر المكتبة التاريخية 0 03-Mar-2012 10:02 AM
"الموت وطقوسه".. من الانفعال بالموت إلى الوعي به النسر المكتبة التاريخية 0 04-Dec-2011 12:07 PM
نبي الله إدريس عليه الصلاة و السلام - بحث مفصل أحمد11223344 تاريخ الأديان والرسل 12 07-Apr-2011 01:52 PM
ذهول الحقائق أبو خيثمة استراحة التاريخ 0 11-Jan-2011 02:34 AM


الساعة الآن 07:47 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع