« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: خاطرة نثرية عن الحب (آخر رد :sarah elshik)       :: ملف العراق الجريح ( قراءات سياسية مميزة ) (آخر رد :النسر)       :: مصر وربيع التقدم (آخر رد :النسر)       :: فلسطين ................نداء (آخر رد :النسر)       :: اخبار اسرائيل (آخر رد :النسر)       :: كاريكاتير مُعبر (آخر رد :النسر)       :: الحركات الإسلامية من الفهم المغلق إلى أفق التجديد (آخر رد :النسر)       :: سوريا تسلك طريق الحرية (آخر رد :النسر)       :: المعجزات الربانية‏..‏ مستمرة بالدعاء (آخر رد :النسر)       :: الخط العربي بين الشكل والمضمون في سورية (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> المكتبة التاريخية




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 27-Jun-2012, 01:37 PM   رقم المشاركة : 1
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي أزمة العزوف عن القراءة ومستقبل الكتاب ملاحظات وتساؤلات

في الآونة الأخيرة ومع قيام اليونسكو بتحديد يوم 23 نيسان من كل عام يوماً عالمياً للكتاب. تعالت أصوات كثيرة في عالمنا العربي تحذر من مخاطر تنامي ظاهرة العزوف عن القراءة وهجران الكتاب ووصلت لدى البعض إلى درجة الحديث عن زمن قادم ينذر بانقراض القراءة.
القراءة اليوم في المشهد الاجتماعي باتت تقتصر إن وجدت على الصحف اليومية، يبحثون فيها عن أخبار المجتمع وعن أي خبر يتعلق بزيادة الرواتب، أو عن إعلان عن قروض بلا فوائد، والبعض الآخر يقرأ أخبار الحوادث وأخريات يبحثن عن صفحات الموضة وأخبار الفن وآخرون وما أكثرهم لا يقرؤون سوى أخبار الرياضة وأخبار السيارات والأبراج وتنبؤات الطقس.
إذا ذهبت إلى المكتبات العامة في العاصمة تلاحظ بوضوح أن الضغط عليها يتركز في فترة حلقات البحث فقط، أما روادها الآخرون فهم أنفسهم على قلتهم يسعون إليها كل يوم أو يومين.... والملفت المؤلم أن الكثير من طلاب الجامعة يسارعون بعد انتهاء موسم (العملي) وتسليم حلقات البحث إلى قطع علاقتهم مع المكتبة باستعادة مبلغ التأمين وتسليم بطاقة الاشتراك.
مكتبات عامة عريقة في دمشق أغلقت أبوابها وأولها (مكتبة ميسلون) ثم تلتها مكتبة الملاح ثم الزهراء وأخرى كتبت على الواجهة «برسم البيع»...
أكثر الكتب رواجاً اليوم في أسواقنا العربية هي كتب الطبخ والسحر والشعوذة والخرافة. وأيضاً الكتب الدينية والتراثية التي غالباً ما تكون مصورة تصويراً عن طبعات قديمة بدائية دون تحقيق ولا شروحات أو فهارس، يستسهل الناشرون طباعتها لأنهم لا يدفعون عنها حقوق التأليف ويحرصون على تغليفها بتجليد راق كتب عليه بماء الذهب.
أهم كتاب و« أتخن » رواية في عالمنا العربي لا تبيع أكثر من ألف أو ألف وخمسمئة نسخة فقط.
و«تطلع روح» الناشرين لتوزيعها في معارض الكتب أو المكتبات الخاصة.
فما بالك إذا كان الكتاب (علمياً) فيكتفى منه بطبع بضع مئات من النسخ فقط تحسباً لكونها ستبقى سنوات فوق الرفوف... أما إذا كان الكتاب ديوان شعر أو مسرحية أو مجموعة قصصية فتجد الكثير من الناشرين يعتذر عن قبوله أو طبعه ويقول لك: أن آسف «واللهِ هيك كتب ما بتمشي معي» يعني: «ما إلها سوق»... و«الله يستر على اتحاد الكتاب العرب ووزارة الثقافة اللي بيقبلوا كل شيء» وعندما تتكدس الكتب لديهم في المستودعات تدفع بها إلى معارض خاصة على مبدأ كل غرض بعشرة - كما تفعل وزارة الثقافة فتبيع الكتب على نوعين حسب حجمها وقطعها: قسم بـ 25 ليرة وقسم بـ 50 ليرة... أو اتحاد الكتاب العرب الذي كان يبيع كل كتاب مطبوع قبل عام 2000 بـ 50 ل.س، مهما كان عنوانه وحجمه.
الاستطلاعات والدراسات المرتبطة بهذه الظاهرة خرجت علينا مؤخراً بأرقام مخيفة ومفجعة منها أن الشباب العربي لا يقرأ أكثر من ربع صفحة في العام الواحد.
وفي إحصاءات قدمتها اليونسكو مؤخراً جاء أن حصة الفرد الواحد من قراءة الكتب سنوياً هي 35 كتاباً، وفي بلد من العالم النامي مثل السنغال وهو بلد إفريقي تدنت هذه الحصة إلى ثمانية كتب فقط في السنة للشخص الواحد.
أما في الوطن العربي فتبيّن لهم أن كل ثمانين شخصاً يقرؤون كتاباً واحداً في السنة فقط!!
لا نرى أن المقارنة بين العالم العربي وأوروبا ستبدو موضوعية، لكن مع السنغال، ويكون كل هذا الفارق، شيء يدعو إلى ماذا؟ لا أعرف: للأسف أم للبكاء!!.
إنها بعض من صورة هذا المشهد الذي يرسم ملامح هذه الأزمة أزمة القراءة وأزمة الكتاب.
لماذا هذا العزوف عن الكتاب؟
في محاولة للإجابة على هذا السؤال: لماذا وصلنا إلى هذه الحالة، لماذا لا يقرأ العرب، أمة اقرأ لماذا لا تقرأ اليوم؟ كتب الكثيرون يتحدثون ويتذرعون بأسباب شتى منها: دور عصر الصورة والفضائيات والثورة الرقمية في العزوف عن القراءة حتى أن بعضهم لخّص حقيقة هذه المشكلة باستنتاجه أن ما نعيشه اليوم هو علامة من علامات انتهاء العصر الورقي وسيادة النشر الإلكتروني في العالم كله.
والبعض الآخر تحدث عن ضيق الحالة الاقتصادية للناس في العالم العربي وغلاء سعر الكتاب أو عن ضيق الوقت وكثرة الانشغال...
وبعضهم تحدث في تحليل سيسيو أيديولوجي عن تحطم الطبقة الوسطى في العالم العربي وأثره في ظاهرة القراءة بوصفها الطبقة القارئة الأهم في المجتمع والحامل الثقافي للبنية الاجتماعية.
وآخرون تحدثوا عن مشكلة في الكتاب نفسه وجعلوها تدور في حلقة رباعية هي: الكاتب - الناشر - الموزع - القارئ.
بعضهم قال: إن معظم ما يكتب وما يطبع في عالمنا العربي لا يستحق أن يقرأ والكتاب الجيد يفرض نفسه والناس يعرفون ماذا يختارون.
والكاتب العربي اليوم عند هؤلاء متهم بأنه يكتب دون أن يقرأ أو يكتب كثيراً ولا يقرأ إلا قليلاً، وأنه كاتب ينقصه الخيال والإبداع وتعوزه الجرأة اللازمة لقول الحقيقة، وإنتاجه يتسم بالضحالة والتكرار ومادته لا تثير شهية القارئ.
من بين هؤلاء يكتب الناقد د.عبد النبي صطيف في «الأسبوع الأدبي» تحت عنوان (أمة اقرأ تقرأ ما هو جدير بالقراءة) متسائلاً: هل يكتب العرب المعاصرون أدباً يجمع بين المتعة والفائدة حتى تقبل عليه الأمة وتقرأه؟ ويوجه سؤاله إلى الأدباء العرب الذين يشكون من قلة عدد قرائهم وضآلة عدد نسخ كتبهم المباعة... يتابع د. صطيف: الناس يقرؤون ما داموا يجدون فيما يقرؤون ما يزدادون به معرفة وخبرة وعلماً وما يعطيهم المتعة وعندما تتضاءل هذه الإضافات والسمات في الكتب التي تقدم إليهم تضعف شهيتهم للقراءة وينصرفون إلى أدوات أخرى غير الكتاب.
رغم أن تحليل د. صطيف أشار إلى بعض وجع المسألة لكنه قطعاً لم يرجع إليها بوصفها ظاهرة اجتماعية عامة ولم يتعد النخبة التي تملك حساً نقدياً في اختيارها للكتاب وهو منها إلى أسباب أخرى أكثر عمقاً جعلت الناس والجيل والشباب عامة يؤسسون موقفاً مسبقاً من القراءة والكتاب.
آخرون أيضاً تحدثوا عن طغيان الهموم المعيشية لدى الناس في العالم العربي حتى التخمة, وعن الحمى الاستهلاكية التي تجتاحنا في المدن وحتى في الأرياف وفي جميع مفاصل الحياة...
لاشك أن عصر الصورة والثورة الرقمية بعث هواجس كثيرة في العالم كله حول شكل الثقافة المقبلة لدرجة أن البعض بات يعتقد أن "الميديا" اليوم حلت محل الثقافة وأن الفكر الكوني اليوم مشغول بتقنيات الهواتف النقالة والتقنيات الإلكترونية وبنية الشبكات التي يفترض أن تنقل الثقافة أكثر بكثير من انشغاله بالثقافة ذاتها، وكما يقول الكاتب الأمريكي ديفيد بروكس (الدماغ أصبح يطغى على العقل والتصميم أصبح يطغى على الفن).
وتحدث هؤلاء عن تحول في مفهوم المثقف ومفهوم الثقافة، حيث تحولت الثقافة إلى موضة.
يقول بروكس مرة أخرى (الأمر لم يعد يتعلق بما تقرأ وبما تعرف ولا بمقدار قدرتك على فهم ما تقرؤه وتستهلكه من مواد ثقافية بل يتعلق الأمر بأن تجد لنفسك مكاناً في (فضاءات الضجيج الثقافي).
يتابع بروكس قائلاً (لم يعد ضرورياً الآن حمل كل تلك الكتب الضخمة أو احتساء تلك الكميات الهائلة من الفودكا، ولم يعد ضرورياً أن يتحمل المرء عبء غليونه طوال الوقت ولم يعد من الضروري حفظ كل تلك المقبوسات الغامضة... اليوم يمكنك أن تكون فاعلاً في النخبة الثقافية دون أن تضطر لقراءة شكسبير أو دستويفسكي أو نيتشه ويمكنك أن تناقش وتجادل في كل شيء يستطيع حاسبك الشخصي وهاتفك النقال أن يلتقطه من الإنترنت).
ويقولون إن الثقافة أصبحت سلعة سهلة المنال فقد أصبح بإمكان المواطن المعاصر في المجتمعات المتطورة أن يدرس وينهل من مناهل العلم والمعرفة دون أن يبذل الحجم ذاته من الجهد من وقته وأعصابه وماله الذي كان يبذله من سبقه بعشرين سنة، وأن يجمع من المعلومات والمهارات في شتى أنواع المعرفة في فترة وجيزة جداً كتلك التي كان يقتضيها طالب العلم باحثاً عن المراجع والكتب في مختلف المكتبات لسنوات.
ويتحدث مثقفو الغرب اليوم عن القلق من البديل الإلكتروني للكتاب مع إعلان «غوغل» عن خطة لجمع 15 مليون كتاب ووضعها على شبكة الإنترنت، وإعلان موقع « أوروبيانا » العملاق عن خطة أخرى لوضع عشرة ملايين كتاب على هذا الموقع.
ثمة هواجس حقيقية إذاً في العالم كله حول التحول الذي يطرأ على مفهوم (أدوات الثقافة)، لكن في الوقت ذاته تقول إحصاءاتهم إن القراءة في أوروبا مثلاً لم تتأثر بعصر الصورة والإنترنت، وإن نسبة بيع الكتاب الورقي في الولايات المتحدة زادت 11% عن ذي قبل ما يدل أن ثمة مبالغة في أثر هذه التحولات على زخم القراءة رغم المظاهر الجديدة التي خلقتها.
في عالمنا العربي بالرغم من أن نسبة مستخدمي الإنترنت مازالت متواضعة قياساً للدول الغربية هناك من يردد هذه الهواجس والمخاوف عينها (فهذا مصطفى الكيلاني من تونس يقول: إن الكتاب لم يعد قيمة ثقافية مرجعية؛ أما سلطة الكتاب فقد اهتزت والذي أربك وجوده هو الصورة بجاذبية تأثيرها الآسر عند مخاطبة العين، الصورة هي منافس حقيقي للكتاب اليوم).
وبالمقارنة مع الكتاب يلفت النظر في عالمنا العربي هزال المضمون الثقافي الذي تقدمه الفضائيات العربية والذي تغلب عليه الموضوعات التقليدية وقضايا التراث المستهلكة ونادراً ما تجد فيها ما يستهدف تسهيل الثقافة العلمية ونشرها وغالباً ما تميل إلى التسطيح واللجوء إلى الإثارة في الخطاب وغياب الحوار الهادف، وهذا فحوى ما يسميه البعض اليوم (ثقافة الفضائيات) التي أفرزها عصر الصورة والتي يعتقد أنها ستكون بديلاً لمرجعية الكتاب الورقي.
أما الإنترنت في عالمنا العربي والذي يعتقد البعض أن هامش الحرية الواسع الذي أتاحته في التعبير مقابل ضيق هذا الهامش في المجتمعات العربية قد دفع ملايين الشباب العرب للهروب إلى الشبكة كي يعبِّروا عن ذواتهم وأفكارهم، يرى بعضهم فيها سبباً من أسباب تراجع هؤلاء عن القراءة وتأثر سوق الكتاب بالتالي.
مع اعترافنا بما قدمته الإنترنت من خدمة لا يمكن إنكارها للبحث والمعرفة والثقافة أقلها حماية الكلمة المكتوبة، كما لم تحمَ من قبل، وجعل القراءة والمعرفة ديمقراطية على نحو أصيل, ومع أن الشبكة اخترقت حواجز المنع والمصادرة, لكنها رغم ذلك كله لم تستطع أن تزيح الكتاب الورقي من ساحة التداول، فضلاً عما يشوبها من ضعف في الصدقية والموثوقية العلمية وإمكانية تزوير الكتاب والدس فيه، عدا عن أن محبي الكتاب يعرفون أن الإنترنت لا تقوى على أن تكون بديلاً جمالياً للكتاب الذي سيبقى له سحره الخاص وحميميته التي لا تستطيع التكنولوجيا أن تقدم بديلاً عنها.
بالعودة إلى حديثنا عن دور هذه الثورة التكنولوجية في مسألة العزوف عن القراءة نعتقد أن الفضائيات والنشر الإلكتروني والصورة تصلح لتكون عرَضاً لظاهرات مستجدة ثقافياً واجتماعياً في عالمنا العربي أكثر منها سبباً.
فالمشكلة في أزمة العلاقة مع الكتاب لم تبدأ في مجتمعاتنا العربية فقط عند دخولنا عتبة عصر الصورة والثورة الرقمية أي منذ عقد ونصف من الزمن.
ويقيناً إن الذين كانوا يحبون القراءة في بلادنا قبل عصر الفضائيات على محدودية عددهم لا زالوا يحبونها ولم تنجح هذه التقنية المعاصرة بكل إغراءاتها في إرغامهم على ترك الكتاب.
ولازال هؤلاء يعتقدون أن ظهور الكتاب كان لحظة فاصلة في التاريخ ويرددون مع رسول حمزاتوف إن: (تاريخ العالم قبل ظهور الكتاب ليل والتاريخ بعد ظهوره صار نهاراً مشرقاً) ولا زال هؤلاء يتحدثون أيضاً عن ذلك المزيج المسكر من الورق، والحبر والغبار، وعما يشعرونه ولازالوا يشعرونه إزاء المكتبات من ضروب الإثارة والرهبة.
فالمكتبة لديهم ليست مجرد مستودع للكتاب؛ بل معبد يقدس فيه الحرف وحصن للذاكرة، والمكتبات عندهم ليست مجرد أماكن للقراءة وحسب, بل للتفكير الاجتماعي والاستكشاف وتبادل الأفكار وحتى للوقوع في الحب (كما عبّر أحدهم)، وبعيداً عن عصر الصورة، فهؤلاء الذين يتذرعون بضيق الوقت وكثرة الانشغال بوصفه سبباً للعزوف عن القراءة، لماذا لا يتساءلون كيف تقضى أوقات الفراغ عندنا (وما أوفرها عند الكثيرين) بتبادل الأحاديث الممجوجة والقيل والقال والنميمة ولعب الورق وطاولة الزهر وتدخين الأركيلة... وفي البيوت الوقت كل الوقت للتلفزيون لكن الكتاب لا وقت له...
وثمة آخرون يعملون ويتعبون ولكنهم رغم ذلك يجدون الوقت ليقرؤوا كتاباً لأن القراءة لديهم باتت غذاءً روحياً وطقساً من طقوسهم اليومية لا يمكن لتعب اليوم أن يقصيه.
صحيح أن غياب مناخات الحرية في العالم العربي لعقود قد أحبط جيلاً من المثقفين والقراء رغم ذلك لم يتوقف الذين يقرؤون عن القراءة.
والذين يتحدثون عن غلاء سعر الكتاب لا حجة لهم أيضاً بجعل ذلك سبباً لعدم القراءة فثمة مجال مفتوح ليستعيروا كتاباً ويقرؤوه أو يذهبوا لاستعارته من أماكن عامة قريبة أو من مكتبة صديق أو حتى شرائه من بالة الكتب القديمة وما أكثر أماكنها في العاصمة وغيرها بسعر زهيد نسبياً أو من معارض الكتاب السنوية التي تقيمها جهات عامة تبيع الكتب على اختلاف أنواعها بالجملة بأسعار جدُّ زهيدة كما أسلفنا في مطلع حديثنا هذا...
وكثيرون من أصحاب هذه الذريعة لا يتساءلون عما تصرفه شريحة من الناس في المطاعم وأماكن السهر وعلى وسائل الترفيه وما يصرفه أولادهم وبناتهم على الأزياء والتقليعات الجديدة ووسائل التسلية، لكن عندما يأتي الحديث عن الكتاب فإنه لا حصة له في حياتهم وهو آخر همومهم.
لاشك أن الحديث عن الأوضاع الاقتصادية وغلاء الكتاب هو حقيقة واقعية، لكن القراءة ليست ترفاً ولم تكن كذلك في يوم من الأيام... ولكم أن تسألوا الكثيرين كيف كانوا يحصلون على الكتاب رغم فقرهم وكيف كانوا يشترونه أو يوفرون ثمنه أو حتى يسعون لأجل استعارته وقراءته.
ما المشكلة إذاً؟ وأين تكمن أسباب هذا العزوف والصدود والابتعاد عن الكتاب والقراءة؟

بعض من أسباب الظاهرة:
القراءة عملية فكرية نفسية لغوية وأسلوب من أساليب النشاط الفكري لحل المشكلات.
هكذا يعرّفها علماء النفس والتربية ويشيرون إلى أن القراءة (وهي هنا تمثل العلاقة مع الكتاب في بناها التأسيسية) تمرّ عبر أربع مراحل:
الأولى: تكون فيها حالة مهارية حيث تنتقل حسب المرحلة العمرية من مهارة فيزيولوجية (تعرّف الحروف - النطق- سرعة القراءة) إلى مهارة عقلية (ثروة المفردات - تعرّف الاتجاهات والقيم والمثل الموجودة في النصوص).
الثانية وهي الأهم: تحول القراءة إلى عادة لدى المتعلم, فالعادة تبنى على أرضية المهارة التي غالباً ما تكون تعليمية أما العادة والاعتياد فهي مسألة اجتماعية أكثر منها تعليمية.
لذلك فتحول المهارة إلى عادة يحتاج إلى القدوة والتعزيز والتوجيه والمناخ المؤاتي.
بينما تأتي بعدها المرحلتان: الثالثة: (مرحلة شغف القراءة) والرابعة (القراءة الناقدة).
إذاً، المرحلة الفاصلة في بناء علاقة قوية مع الكتاب والمعرفة عموماً هي (مرحلة الاعتياد) مرحلة تحول القراءة إلى عادة، وعادة محببة، وهذه بدورها مرتبطة بالبيئة والمناخ الاجتماعي في الأسرة أولاً والمجتمع ثانياً، إذاً، هي في المحصلة معطى اجتماعي يرتبط بشكل أو بآخر بذهنية المجتمع ببنيته، وثقافته، وقيمه، وبتبدل وتغير هذه القيم.
يقول الدكتور محمود السيد, وهو خبير تربوي يعمل في هذا الميدان منذ نصف قرن: (لقد أخفقنا في تكوين القراءة الناقدة كما في تكوين التعلم الذاتي وفي المطالعة الحرة وفي تكوين عادة القراءة).
إذاً هذا الإخفاق الذي هو جزء من إخفاقات أكبر على صعيد تطور وتقدم المجتمع ونهضته في كل جوانب النهضة المعروفة،، يحيل إلى (الاجتماعي) في فهم هذه الظاهرة أولاً.
حيث لا يمكن البدء في تحليلها دون فهم الإطار العام للتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي غالباً ما تلازمها نزعة ثقافية أو ذهنية أو مفاهيم أو قيم محددة.
إذاً لابد من فهم بنية التخلف القائمة في المجتمع العربي والمحاولات المستمرة المخفقة للخروج من هذا التخلف وتجاوزه.
وما صاحب هذه التحولات من حالات التبعية وزيادة الاعتماد على الغرب، وما رافقها من ترسيخ أنماط من التصورات والثقافات والتوجهات والقيم الاستهلاكية التي لم تأت نتيجة التطور الطبيعي للمجتمع المديني المفترض بل جاءت بوصفها شكلاً من أشكال الطفرة المنقولة المحمولة مع السلعة المستوردة أو الإنتاج القادم المستهلك أو بحكم تقليد الضعيف للقوي.
في هذا الإطار يمكن بناء مقدمات لفهم أسباب هذا الظاهرة من خلال فهم حقيقية تشوه أو انكسار بعض القيم في المجتمع العربي في مرحلة مهمة من مراحل نهضته الأخيرة، أو ما يسميه د. حليم بركات عالم الاجتماع العربي المعروف (تبدل مفهومنا للقيم الاجتماعية).
وثمة نشوه حاد كما يقول بعضهم قد أصاب قيمتين أساسيتين تحكمان أداء مجتمعنا العربي كما تحكمان أداء أي مجتمع آخر وهما قيمتا (التعليم والعمل).
ويعبِّر عن ذلك هذا الجدل الصامت الذي يثور اليوم حول ما إذا كان التعليم هو السبيل إلى المعرفة ومن ثم الارتقاء, أم إنه السبيل للحصول على وظيفة (دون تعلم مهنة) ومجرد رخصة للحراك الاجتماعي وقد ساعد على ذلك مؤخراً في المجتمعات العربية تشوه آخر أصاب سلّم الأجور ونسب الدخول وظهور طبقة من الأثرياء حققت ما حققته بسرعة صاروخية يصعب تفسيرها علمياً وأخلاقياً.
وكذلك ظهور نماذج من الفنانين ولاعبي الكرة يوازي دخلهم أو دخل بعضهم في عام ما يحققه عالم من العلماء على مدار عمره كله.
وبالتالي نشأ سؤال زائف مهيمن: أيهما أجدى, بذل الجهد والوقت والعرق للحصول على حد الكفاف, أم استخدام الطرق الملتوية للحصول على الكثير من دون عرق أو جهد.
وعندما أصبح ذلك سائداً ويفرض نفسه على المجتمع العربي في أمثلته الكثيرة تراجع العلم وتراجعت المعرفة والثقافة بالتالي بوصفها القيمة الأساسية في الحراك الاجتماعي.
وأصبحت الشهادات العلمية مجرد ورقة أو جواز سفر إلى المرحلة العملية التالية.
وكان من الطبيعي تفشي ظواهر كثيرة في العالم العربي مثل الغش في الامتحانات العامة، وانتحال شهادات الدكتوراة وشرائها ونيلها بالمراسلة لمن يدفع.
هذا التبدل في فهمنا للقيم انعكس بشكل عام على موقفنا من كل ما يمت للثقافة والمعرفة بصلة ومن بينها التثقيف الذاتي والقراءة والمطالعة الحرة.
أيضاً ثمة أسباب ليست بعيدة عن الجانب الاجتماعي مرتبطة بتاريخية التطور في المجتمع العربي، ومن هنا يأتي خطأ المقارنة في تحليل ظاهرة العزوف عن القراءة بين المجتمع العربي والمجتمعات الغربية فهي مقارنة أبسط ما يقال عنها أنها تفتقر إلى المنطقية لأننا نقارن بين مجتمعات متقدمة مستقرة دولاً ومؤسسات منذ ثلاثة قرون على الأقل وأخرى متخلفة (ونعني هنا المجتمعات العربية) لا يزال يثقل كاهلها الفقر والحروب الأهلية والعسكرة والاستبداد والقلق والتخبط في البحث عن الهوية.
من ناحية أخرى نصف السكان العرب على الأقل يقيمون في الأرياف ولا تتوافر لهم الخدمات الأساسية فما بالك بالخدمات الثقافية والمكتبات، فضلاً عن وجود 90 مليون أمي من أصل 360 مليون عربي.
ربما تكمن المشكلة في أن هذا الجيل لم يشجعه أحد على القراءة لأن علاقة الإنسان مع الكتاب في مجتمعنا ضعيفة بالأصل، وذلك بسبب نمط التربية الذي لا يشجع على القراءة وهذا يحيلنا إلى القراءة وعادة القراءة بوصفها قضية تربوية أولاً.
فالمسؤولية عن إهمال عادة القراءة في مجتمعاتنا العربية يتقاسمها بالتساوي البيت والمدرسة معاً، في البيت ليس ثمة قدوة حسنة وليس ثمة من يقرأ، وفي أحيان كثيرة ليس ثمة مكتبة أو كتب وفي الكثير الكثير من البيوت لا تكاد تعثر على مجلة أو حتى أوراق بيضاء.
في المدرسة لم تعطَ المكتبة الأهمية المطلوبة ولم يتعِب نفسه أحد في بناء علاقة مدروسة ومنتجة بين الطالب والكتاب، وباتت القراءة من خارج المنهاج جريمة يعاقب عليها الأستاذ ويعاضده الأهل خاصة الحريصون منهم بشدة على تفوق وتحصيل وعلامات أبنائهم.
وكرس التعليم أو النظام التعليمي عندنا بوصفه تعليماً تلقينياً والامتحان بوصفه أداة لقياس التحصيل وليس الإبداع علاقة سيئة وتعسفية مع الكتاب المدرسي ذاته فأصبحت القراءة عبئاً قائماً على الإكراه ممثلة بالامتحان، ولا أدلّ على ذلك من منظر الكتب والدفاتر الممزقة حول جدران مدارسنا بعد انتهاء امتحانات آخر السنة، هذه ظاهرة تتكرر أمام أعيننا أهلاً وتربويين كل سنة في الكثير الكثير من مدارسنا لكنها لم تلفت انتباه أحد، ولم يتعب أحد نفسه حتى من الباحثين في عناء تأملها فضلاً عن دراستها وتبيان مدى خطورتها ودورها في تكريس علاقة عدائية وعلاقة كراهية مع الكتاب (كل كتاب) ممثلاً في رمزيته بالكتاب المدرسي.
هذه بعض من الأسباب العميقة حسب رأينا للمشكلة ومن يعرف الأسباب الحقيقية يمكن له أن يتعامل بصورة صحيحة معها وبالتالي يمكن له أن يجد الطريق لتجاوزها وحلها.
في ختام هذه الملاحظات السريعة لسنا في معرض تقديم حلول تنظيرية تتعلق بإصلاح المجتمع وضرورة تصحيح سلم القيم الاجتماعية أو إزالة ما لحقه من تشويه أو تهدم فهذا يحتاج إلى سياسات وطنية عامة ومشروع بناء نهضوي جديد قائم على أسس جديدة.
نحن نعلم أن المشكلة مع التغيرات الجذرية في بنية الثقافة وأدواتها وعولمة الثقافة عموماً هي أعقد وأعمق من أن تختصرها هذه الملاحظات المتواضعة التي قدمناها، رغم ذلك يمكن لنا تقديم بعض مقترحات بسيطة ممكنة وغير مكلفة وضرورية لتأسيس علاقة صحيحة في وقت مبكر بين أبنائنا والقراءة أو بين أبنائنا والكتاب، بمعزل عن الجوانب الأخرى للمشكلة والتي تمتد إلى الإطار الاجتماعي الأوسع والأبعد.
هذه المقترحات تنطلق من تساؤل هام وضروري يقول: كيف يمكن لنا أن نبني علاقة جديدة مع الكتاب قائمة على الحب والحميمية؟ وكيف لنا على موازاة ذلك أن نحوِّل القراءة إلى عادة عند أطفالنا؟
قبل كل شيء دعوا أطفالكم يروا آباءهم يقرؤون، اقرؤوا لهم قبل النوم، اقتنوا مكتبة صغيرة في بيوتكم، دعوا صغاركم يروا تلك الكتب (في مرحلة الطفولة المبكرة)، دعوهم يألفوها حولهم بوصفها جزءاً أساسياً من مكونات بيئتهم، اشتروا كتباً ملونة لأطفالكم وقصصاً ملونة، اصطحبوا أطفالكم معكم إلى المكتبات الخاصة ومعارض الكتب، دعوهم يشتروا الكتب بأنفسهم، دعوهم يختاروا ما يريدون منها.
أطفئوا التلفزيون بعض الوقت وخصصوا ساعة للقراءة، دعوا أطفالكم يحكوا لكم ماذا قرؤوا، استمعوا لهم حاوروهم، أبدوا إعجابكم بحديثهم، وكتبهم، دعوهم يكتشفوا متعة القراءة ومتعة المعرفة، دعوهم يتساءلوا ويتأملوا, اجعلوا أطفالكم يشعروا أن القراءة وسيلة إلى السعادة والفرح والمتعة إلى جانب كونها وسيلة لمعرفة العالم وتوسيع المدارك.
بدون ذلك كله لن تتكون عادة القراءة ولن يصبح الكتاب صديقاً لأبنائنا ولن يحبّوه. وبموازاة ذلك لابد أيضاً من منهجية جديدة في نظامنا التعليمي تعيد النظر في بنية الامتحان كي تجعله أداة لكشف وتعزيز وقياس الإبداع وليس مجرد معيار تحصيلي فقط، لعل ذلك يخفف من وطأة حالات القسر والإكراه التي ترافقه.
لابد من منهجية جديدة في نظامنا التعليمي تقوم بصياغة دور جديد للمكتبة وكتبها بوصفها أهم مصادر التعليم والتعلم.
إذاً، لابد من (مناخ) اجتماعي عام في البيت والمجتمع والمدرسة يعيد صياغة العلاقة مع القراءة والكتاب.

وتأكيداً على دور القدوة الحسنة في البيت والمدرسة نختم بهذه الواقعة الطريفة والمعبرة:
في الثمانينيات من القرن المنصرم أي منذ بضعة عقود دعا أحد المثقفين والتربويين الكبار في بلادنا في محاضرة له إلى سنّة جديدة أو عادة اجتماعية جديدة تتعلق بالكتاب، فقال مقترحاً: عندما يمرض أحدنا بدلاً من أن نقدم له صحناً من الشوكولا أو باقة من الزهر حبذا لو نقدم له كتاباً يقرؤه هو وأبناؤه...
وكان بين الحضور مدير لمجلة المعلم العربي فأعجب بالفكرة أيما إعجاب، وكان عيد المعلم بعد أيام قليلة فما كان منه إلا أن اشترى كتاباً لمكارينكو المربي الروسي المعروف وهو في طبعة أنيقة وغلّفه بورق الهدايا وأعطاه لابنته في الصف الخامس الابتدائي وأخذت الطفلة هذه الهدية إلى معلمتها، وما كان من المعلمة إلا أن جمعت الهدايا ووضعتها على الطاولة وأخذت تفك غلاف كل هدية، فعندما تكون الهدية عطراً تبتسم أساريرها، وعندما وصلت إلى هدية الطفلة وفتحتها قالت: من جاء بهذه الهدية؟ وقربت حاجباً من حاجب، فقالت الطفلة: أنا يا آنستي، فقالت لها المعلمة: يا بنتي أنا فاضية اقرأ...؟؟



المصدر : الباحثون العدد 59 - ايار 2012













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
ملاحظات, أزمة, العزوف, ال

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أزمة العزوف عن القراءة ومستقبل الكتاب ملاحظات وتساؤلات أبو خيثمة المكتبة التاريخية 0 27-Jun-2012 01:30 PM
كتب عن البطل المجهاد صلاح الدين الايوبى مكتبةالتاريخ المكتبة التاريخية 1 12-Feb-2012 09:37 AM
تاريخ وعقائد الكتاب المقدس النسر المكتبة التاريخية 1 26-Jul-2011 04:07 PM
غياب القراءة الواعية واستلاب فكري جلي النسر التاريخ الحديث والمعاصر 0 13-Dec-2010 10:31 AM
منهج البحث التاريخي MR.Ashraf الكشكول 2 18-May-2008 12:27 PM


الساعة الآن 01:38 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع