« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: البدوى يسهل سيطرة اللوبى اليهودى على الإعلام (آخر رد :أمان)       :: نساء مصر المملوكية من "المخدع" إلى "التسلطن" (آخر رد :النسر)       :: أصل الرئيس الامريكي اوباما والسياسه الأمريكيه (آخر رد :النسر)       :: مصر وربيع التقدم (آخر رد :النسر)       :: ملف العراق الجريح ( قراءات سياسية مميزة ) (آخر رد :النسر)       :: اخبار اسرائيل (آخر رد :النسر)       :: تونس وعواصف الحرية (آخر رد :النسر)       :: تفكيك أيديولوجيا السلطة في "مولانا" لإبراهيم عيسى (آخر رد :أبو روعة)       :: كاريكاتير مُعبر (آخر رد :النسر)       :: التزكية ومعرفة النفس (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> تاريخ الأمة الإسلامية والعصر الوسيط




 
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
قديم 06-Dec-2012, 12:02 PM   رقم المشاركة : 1
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي "أهمّية ودور العالم الثّقافيّ في عمليّة البناء الحضاريّ للأمّة الإسلاميّة"

الزّبير أبوشيخي التّلمساني

الثقافة والحضارة خصوصيتان لكل أمة عريقة، وهاتان الخاصيتان تكتسيان معالمهما من عقيدة الأمة أولاً ثم من نشاطها الثقافي الذي ينبثق عنها ويقوم على خدمتها فتعرف بهما كخصوصيّة ثقافيّة وهويّة حضاريّة، وما دمنا نعيش في أيامنا هذه عصر الربيع الإسلامي في مختلف ديار الإسلام، وهذا الربيع يهدف أول ما يهدف إلى تجديد الإسلام فهمًا، ودورًا للمسلمين والأمّة المسلمة، لهذا كلّه اقتضى أن نحدّد أهمّية بناء منظومة العالم الثّقافيّ للأمّة الإسلاميّة في استراتيجيّة تجديدها الحضاريّ.
يتكوّن العالم الحضاريّ من أربعة محاور أساسيّة:
أوّلا: محور بناء منظومة العالم المعرفيّ.
ثانيًا: محور بناء منظومة العالم الرّوحيّ.
ثالثًا: محور منظومة بناء العالم السّلوكيّ.
رابعًا: محور بناء عالم الخبرات الإنجازيّة.

المحور الأوّل


محور بناء منظومة العالم المعرفيّ

إنّ العقل المسلم بحاجة ماسّة إلى "الحسّ السّنني"، ونقصد به ذلك الحسّ القائم على إدراك سنن الله تعالى النّفسيّة والآفاقيّة؛ فنحن معشر المسلمين بحاجة ماسّة في الوقت الحاضر إلى فقه اكتشاف السّنن وكيفية التّعامل معها من أجل تحسين الأداء الاجتماعيّ للأفراد والمؤسّسات والمجتمعات داخل الأمّة.
إنّ هذا لا يتأتّى إلاّ بالقضاء على الجراثيم الفكرية "الأفكار القاتلة والميّتة" كما سمّاها المفكّر الإسلاميّ الأستاذ مالك بن نبيّ؛ لأنّه بغير هذا التّنظيف و هذه التّصفية لعالم أفكارنا لن نخلق الجوّ المناسب لتكاثر الأفكار الحيّة وتفاعلها فيما بينها.
ومن أجل تحقيق هذا المحور في الواقع، لابدّ من بناء العوامل التالية:
أ- بناء العالم العقديّ:
إنّ تصفية العقيدة الإسلاميّة من كلّ ما شابها من خرافات وبدع وترّهات هو أوّل الطّريق نحو بناء منظومة العالم المعرفي؛ فقد ظهرت في تاريخ الفكر الإسلاميّ قضايا فلسفيّة وكلاميّة وصوفيّة لا صلة لها بالإسلام عقيدة وشريعة البتّة، رغم أنّ الإسلام دين يسيرٌ فهمُه وتطبيقُه، يعرف كيف يتعامل مع الفطرة البشريّة ولايصطدم معها.
هذه الخزعبلات والخرافات والبدع قد أثّرت سلبًا ومن دون أدنى شكّ على البعد الإجتماعيّ والتّربويّ لدى الإنسان المسلم، فالمشكلة ليست هي بناء عقيدة المسلم من جديد بقدر ما هي مشكلة تفعيل الجانب الاجتماعيّ العقديّ للإنسان المسلم، "وعليه فليست المشكلة أن نعلّم المسلم عقيدة هو يملكها، وإنّما المهم أن نردّ إلى هذه العقيدة فاعليّتها وقوّتها الإيجابيّة وتأثيرها الاجتماعيّ، وفي كلمة واحدة: إنّ مشكلتنا ليست في أن (نبرهن) للمسلم على وجود الله، بقدر ما هي أن نشعره بوجوده، ونملأ به نفسه بصفته مصدرًا للطّاقة"(1).
ب- بناء العالم الفكريّ:
يُعدّ هذا المحور رأس المشكلة التي يعاني منها المسلمون بسبب فساد مناهج التّفكير، بل حتى القدرة على إعمال الفكر، فقد غدا المسلم يفكّر له من أجل حلّ أبسط المشاكل اليوميّة التي تواجهه رغم أن القرآن الكريم يحثّنا ويأمرنا بإعمال الفكر والتدبّر في خلقه سبحانه وتعالى، كما في قوله عزّ وجلّ: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق)(2)، وقال أيضًا: (ذلكم الله ربّكم فاعبدوه أفلا تذكّرون)3 وقال أيضًا: (كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلّكم تعقلون) (أتحدّثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجّوكم به عند ربّكم أفلا تعقلون). [البقرة:73،76].
إنّ سلوكات الإنسان ناتجة عن كيفيّة تفكيره وهي مرتبطة به ارتباطًا محكمًا؛ لأن الاعتقادات تُوجدُ الأفعال والسّلوكات، والأقوال تعبيرٌ عن تلك الاعتقادات التي يتمسّك بها الإنسان. يقول رئيس جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين الإمام عبد الحميد بن باديس-رحمه الله- في هذا الموضوع ما نصّه: "سلوك الإنسان في الحياة مرتبط بتفكيره ارتباطًا وثيقًا...لأنّ أفعاله ناشئة عن اعتقاداته، وأقواله إعرابٌ عن تلك الاعتقادات، واعتقاداته ثمرة إدراكه الحاصل عن تفكيره و نظره"(3).
لهذا لا بدّ من من تزويد المسلم المعاصر بمنظومة فكريّة صحيحة خالية من كلّ الأمراض الفكريّة التي أصابت العقل المسلم، فأزّمته وكبحت جماحه في أن ينطلق ليحلّ مشاكله المعاصرة.
ولعلّ من بين أهم الأزَمَات التي تعرّض لها العقل المسلم-على سبيل الذكر لا الحصر-:
عدم التمييز بين معارف الوحي ومدركات العقل، وبين ما هو نصّ قطعيّ الدّلالة لا يحتاج إلى اجتهاد فيه من أجل فهمه، وما هو اجتهاد للبشر المعرّضين للخطأِ والصّواب.
تعطيل قانون السببيّة ودراسة علل الأشياء، وفي هذا يقول الأستاذ عمر عبيد حسنة: "ومشكلة العقل المسلم اليوم: فقدان التّوازن في هذه القضيّة؛ فهو متردّد بين موقفين: تأليه الأسباب، وبين تعطيلها، مستدلاًّ ببعض ظواهر النّصوص المقطوعة عن سياقها وحكمتها، ونسَقها العامّ من خلال الرّؤية القرآنيّة الشّاملة...والجدل النّظريّ حول الموضوع أضاع الكثير من الإنجاز، وفوّت الكثير من فرص التّصويب، والمراجعة، واكتشاف الخطأِ، ومعالجته، ورتّب على ذلك الخلط بين التوكّل على الله، الذي يعني فعْل المقدّمات كاملة، وتعاطي الأسباب، ثمّ الاتّكال على الله في إدراك النّتائج، والقيام بالمراجعة ومعرفة موطن الخلل، عند عدم إدراكها-وذلك تعامل مع السّنن وقوانين التّسخير كما شرعها الله لعباده التي تمثّل في الحقيقة أقداره التي تعبّد الإنسان بها، للوصول إلى النتائج، وترتّب الثّواب والعقاب- وبين التّواكل الذي يعني القعود عن فعل المقدّمات، وتعاطي الأسباب، وانتظار وقوع المعجزات وحصول الخوارق"(4).
ولا ينفع أمّة من الأمم اهتمامها ببناء عالم الأشياء من أجل أن ترتقي، بل إنّ الأمر النّافع لها هو بناؤها لعالم أفكارها، فإنّ الغنى في الأفكار يورث الغنى في الأشياء، ذلك لأنّ الشيء وليد الفكرة.
ج- بناء المنظومة المنهجيّة:
إنّ سلامة وصحّة المنظومة الفكريّة في أبعادها المعرفيّة والمنهجيّة لدى الأفراد والمجتمع من أقوى أسباب الاهتداء إلى حقائق الوجود الإلهيّ، والوجود الكونيّ، والوجود الإنسانيّ والسّير المنتظم على ضوئها في مناكب الأرض(5).
انطلاقًا من هذه النقطة، نلحظ أنّ المنهجيّة ذات أهميّة قصوى في بناء المنظومة الفكريّة؛ لأنّ بناء المنظومة المنهجيّة للعقل المسلم المعاصر يعني تزويده بآليّات تحصيل المعارف االعلميّة الصّحيحة عن الله تعالى كخالق الكون ومالكه وعن الكون والحياة، كلّ هذا عن طريق فهم سنن الله تعالى في النّفس والآفاق.
إنّ ما نراه من ظاهرة التراوح والاستئنافية في العمل الإسلاميّ رغم الجهود الجبّارة المبذولة من أجل إخراج الأمّة من الضّنك الحضاريّ الذي تتخبّط فيه ناتج عن غياب الرّؤية المنهجيّة لدى المسلمين لله تعالى وللكون وللحياة؛ فلا معرفة تستقيم بدون البعد المنهجي؛ لأنّ المنهج أساس المعرفة وعمودها الفقريّ.
لا شكّ أنّه في العالم الإسلاميّ، تُبذل جهود إسلاميّة محمودة لا تخلو من حسن النّوايا وصدقها، ولكنّ النّتائج لا تأتي بثمارها المرجوّة أو تكاد تأتي بعكس ما يُنتظر منها في غالب الأحيان، والسّبب في ذلك هو غياب التّخطيط المنهجيّ.
لقد كانت المحاولات في العالم الإسلاميّ بخاصة متفاوتة في عمقها؛ لأنّها لا تستند على ((نظريّة)) محدّدة للأهداف والوسائل، وعلى تخطيط للمراحل، فالواقع أنّ المصلح الإسلاميّ لم يهتمّ بأن يرسم برنامجه الإصلاحيّ، مقدّرًا أنّ الزّمن سيوفّق في حلّ المشكلات...ولم يكن طموحه متوجّهًا إلى الخلق والإبداع، أكثر ممّا هو متوجّه إلى التقليد، فإذا حلّلنا جهوده وجدنا فيها حسن النيّة، ولكنّنا لا نجد فيها رائحة منهج"(6).
د- بناء المنظومة النّقديّة:
ونقصد بذلك بناء آليّات المراجعة والتّقويم للأفكار والعمال والنتائج؛ إذ إنّه ليس من العبث أن جعل رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم -بذل النّصيحة وقبولها من الدّين، حين قال: «الدّين النّصيحة»، قلنا لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم»(7).
فالنّقد والنّصيحة في عمليّة البناء الحضاريّ ذاتا أهمّية بالغة؛ لأنّ حرمان العمليّة البنائيّة الحضاريّة من هذا المحور يعني أنّ أعمال البناء مهما كانت معوجّة ومنحرفة، فإنّه يُتغاضى عنها، ممّا يسبّب مضاعفات سلبيّة خطيرة منها:
* إطالة عمر الظّاهرة الاستئنافيّة أو ظاهرة التّراوح في العمل الإسلاميّ، وهي تلك الظّاهرة التي تنطلق من الصّفر كبداية ثم تعود إليه في كلّ مرّة، ممّا يؤدّي إلى ضياع جهود وطاقات دون نتائج ملموسة.
* تكرار نفس الأخطاء المرتكبة سواء على الصّعيد الفكريّ أو المنهجيّ أو الرّوحيّ وهلّم جرّا.
* تكريس الانحطاط الفكريّ وتوريثه للأجيال المتعاقبة.
* تكريس البضاعة الفاسدة على مستوى إنجاز العمال وعلى مستوى أداء المهمّات.
وكلّ هذه النتائج والمضاعفات السّلبيّة، تصبّ في مجرى ((المديونيّة الحضاريّة)) التي تزيد الأمة ضعفًا وقابليّة للانغماس في أوحال التّبعيّة الحضاريّة، وتباعد بينها وبين أهدافها النّهضويّة والرّساليّة(8).
فغياب آليّة المراجعة والتّقويم العلميّ الموضوعيّ لحركة البناء الحضاريّ للأمّة، أثّر بقوّة على سير حركة التجديد الحضاريّ، عندما حرمها من فرز ما هو إيجابيّ ممّا هو سلبيّ في منظومتي المفاهيم ومنهجيّة الإنجاز، ولم يسمح للوعي الحضاريّ بالانتشار في الأمّة، لتخليصها من الفكر الطفيليّ المأزوم، وتحريرها من الكوابح الفكريّة والنّفسيّة والاجتماعيّة، التي أثقلت كاهلها، وحدّت من فعاليّتها الحضاريّة(9).
والجدير بالذكر أنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر نوعان هامّان في منظومة القدرات النقديّة ذلك أنّهما ينمّيان في الإنسان المقدرة على انتقاد الواقع السلبيّ وتغيير المنكر إلى معروف، والأمر بالاستمرار في فعل الخيرات.
لا بدّ من تربية العقل المسلم على النّقد السّليم غير الغامض؛ حتّى يتسنّى لجميع الفئات في المجتمع المسلم أن تفهمه، فإمّا أن تقبله عن اقتناع أو أن ترفضه عن علم ويقين.
فإذا تخلّى النّقد عن حقّه للتّقليد والرّضا بالواقع فإنّ القضيّة تنتهي عند التّسوية، من أسفل، في الحياة الأخلاقيّة والفكريّة، فتجمّد الأفكار والطّاقات الاجتماعيّة، وينتهي التّقدّم في الوطن(10).
إنّ البلاد التي أدركت هذا الخطر، كإنجلترا -تعتزم على تكوين معارضة بجانب الحزب الذي يتولّى الحكم(11)، لتقوم في النّشاط السياسيّ ((بواجب)) النّقد. وليس هذا ((الواجب)) بالشّيء البسيط، فهو يتضمّن معنيين: أحدهما يتّصل بالجانب الأخلاقيّ عندما يؤدّي النّقد وظيفة ((الشّهادة)) للحكم القائم بأنّه أصاب، ويتّصل الثّاني بالجانب الفنّي في صورة ((حكم)) على أعمال الذين بيدهم مقاليد السّياسة.
وهكذا ترتبط فعاليّة النّقد بشرطين: الإخلاص للشّهادة والكفاءة للحكم.
ولا يغني شرط منهما عن الآخر؛ إذ لو توفّرت الكفاءة اللازمة للجانب الفنّي وحدها، فربما تكون ((المهارة)) في السّياسة مجرّد شعوذة ودجل، كما لو توفّر الشّرط الأخلاقيّ، الإخلاص، دون الشّرط الفنيّ، فمن الممكن أن تكون السّياسة في أيدي صبيان مخلصين في منتهى البساطة(12/13).

المحور الثّاني


محور بناء منظومة العالم الرّوحي

الروح أسمى الأشياء التي يتمتّع بها الإنسان قي هذا الوجود؛ ذلك أنّها من روح الله تعالى، قال عزّ من قائل: (فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)(14). فهذا الإنسان الذي يتركّب من جزئين متناقضين: الرّوح التي هي من الله تعالى أي من أعلى شيء في الوجود، والجسم الذي هو من طين الأرض وترابها يعني من أحطّ مادّة فيها، هو بحاجة إلى إعادة الدّيناميكيّة الرّوحيّة فيه؛ لأنّه بواسطتها يتمكّن من تحقيق إنسانيّته على وجه الأرض، ويقوم بمهام الاستخلاف والائتمان والعمران التي من أجلها خلق.
إن الرّوح إذا لم تطمئنّ فإنها لن تتحرّك إلاّ إلى السلبيّ: إلى الانتحار مثلاً، كما هو جارٍ في عصرنا؛ إذ إنّنا نجد الفراغ الروحيّ يدفع بأصحابه إلى اغتيال أنفسهم رغم غناهم الماديّ. إنّ البعد الرّوحيّ هو ميزان الكيان البشريّ، فيه تتوازن قوى الإنسان وطاقاته، ومن دونه تختلّ هذه القوى والطّاقات ممّا يدفع الإنسان إلى فقدان توازنه الاجتماعيّ، ودليل ذلك مشكلة الزّي والملابس(15) على سبيل المثال، عندما ينتقل الإنسان من بيئته التي وُلد فيها إلى بيئة أخرى مختلفة تمامًا ممّا يؤثّر سلبًا عليه، إلاّ إذا كان له عمق روحيّ وتربية روحيّة تحفظه من فقدان توازنه.
ومن أجل تحقيق سلامة البناء الروحيّ لا بدّ من العمل على الأصعدة التالية:
- إعادة ربط الصّلة المتينة بين المسلم وربّه.
- تفعيل عقيدة المسلم عن طريق تطهيرها من الخرافات والبدع والبساطة السّاذجة وربطها بقيم الاستخلاف والإعمار والإنقاذ.
- توجيه الأشواق الإيمانيّة للمسلم إلى التفاعل مع الله تعالى من خلال جعله يحسّ بمراقبة الله تعالى في كلّ مكان وزمان وقربه منه.
- جعل الإنسان المسلم يتطلّع إلى ما عند الله تبارك وتعالى من الكرم والفضل والبركة.
- تربية الإنسان المسلم على الإخلاص في العمل وتحرّي الصّواب فيه من أجل تحقيق نتائج أفضل.
فبناء العالم الرّوحي للإنسان المسلم يساهم في مضاعفة فعاليّته بشكل مثاليّ رائع، كما يشير إلى ذلك الحديث القدسيّ الجليل: «من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضتُه عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه، فإن أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه ». (رواه البخاري)(16).

المحور الثالث


محور بناء منظومة العالم السلوكيّ

للبعد السلوكيّ في البناء الحضاريّ الإسلاميّ قيم حضاريّة يجب العمل على ترسيخها في قلب المسلم وعقله من أجل بناء الشّخصيّة الإسلاميّة على المستوى الفرديّ وعلى المستوى الجماعيّ أيضًا، ومن هذه القيم مايلي:
(أ)- المنطق العمليّ:
لسنا نعني بالمنطق العمليّ ذلك الشيء الذي دُوّنت أصوله ووُضعت قواعده منذ أرسطو، وإنّما نعني به كيفيّة ارتباط العمل بوسائله ومعانيه، وذلك حتى لا نستسهل أو نستصعب شيئًا، بغير مقياس يستمدّ معاييره من واقع الوسط الاجتماعيّ، وما يشتمل عليه من إمكانيّات. إنّه ليس من الصّعب على الفرد المسلم أن يصوغ مقياسًا نظريًّا يستنتج به نتائج من مقدّمات محدّدة، غير أنّه من النّادر جدًّا أن نعرف المنطق العمليّ، أي استخراج أقصى ما يمكن من الفائدة من وسائل معيّنة(17).
إنّ المسلم المعاصر لا ينقصه منطق الأفكار؛ لأنّه متضمّن في الكتاب الكريم والسنّة النبويّة المطهّرة، بل ينقصه المنطق العمليّ الذي يحوّل تلك الأفكار والمبادئ إلى أعمال نلمس نتائجها في واقعنا المعيش.
إنّ غياب المنطق العمليّ في سلوكاتنا أدّى إلى أن نتكلّم تبعًا لمبادئ القرآن الكريم، ولكنّنا أبعد ما نكون من العيش طبقًا لمبادئه وتعاليمه التي تحثّنا على القيام بالأعمال وإنجازها، فالقرآن الكريم يقول لنا(اقرأ باسم ربّك الّذي خلق)(18)، ونحن لا نقرأ القراءة المطلوبة منّا، ويقول لنا: (واقصد في مشيك)(19) ونحن لا نقصد في مشينا، ويقول لنا: (ولا تمشِ في الأرض مرحا)(20) ونحن نمشي في الأرض مرحين فرحين كأنّه لم يحدث لنا ما يدعو إلى بذل الجهد ليل نهار للخروج من الإمّعيّة الحضاريّة التي غرقنا فيها.
يقول مالك بن نبي -رحمه الله-: "إنّنا نرى في حياتنا اليوميّة جانبًا كبيرًا من (اللاّفاعليّة) في أعمالنا؛ إذ يذهب جزء كبير منها في العبث، والمحاولات الهازلة. وإذا ما أردنا حصرًا لهذه القضيّة فإنّنا نرى سببه الأصيل في افتقادنا الضّابط الذي يربط بين عمل وهدفه، بين سياسة ووسائلها، بين ثقافة ومثلها، بين فكرة وتحقيقها: فسياستنا تجهل وسائلها، وثقافتنا لا تعرف مُثُلها العليا، وإنّ ذلك كلّه يتكرّر في كلّ عمل نعمله وفي كلّ خطوة نخطوها"(21).
(ب)- الجديّة:
إنّ صناعة التّاريخ لا تتحقّق من دون: "تخليص الفرد المسلم من عقد النّقص، والإحساس بالحاجة إلى الوصاية، والميل إلى التّقليد، وتثبيت قيم المنافسة على الخير، وارتياد آفاق المجهول، وشقّ الطّرق الجديدة للمجتمع، والاستقلال الفكريّ... في نفسه"(22)، وهذا هو المقصود بالطّموح الجدّي الذي يمنح النّفس ذلك التّوتّر نحو إيجاد دروب جديدة في الحياة، من أجل الاكتشاف والفهم والتّطبيق، ومن أجل التّطوّر في شتّى مناحي الحياة الثقافيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة واالتّجاريّة والعسكريّة والتكنولوجيّة.
(ج)- الحس الجماليّ:
لقد أولى ديننا الحنيف أهمّية كبرى وعناية قصوى للحسّ الجمالي في شخصيّة الإنسان المسلم سواء على الصّعيد الفرديّ أو على الصعيد الجماعيّ؛ فقد أكّد الإسلام مرارًا وتكراراّ على طهارة النفس والجسم والبيئة إلى حدّ اعتبار إزالة الأوساخ والأذى من الطّريق شعبة من شعب الإيمان.
فالجمال هو الإطار الذي تتكوّن فيه الحضارات؛ فما من حضارة إلاّ ونجد فيها البعد الجماليّ واضحًا في تراثها أو في إنجازاتها.
فالذّوق الجماليّ له أهمّيته الحيويّة الكبيرة في البناء الحضاريّ؛ لأنّ تمكّن هذا الحسّ في نفس الفرد يدفعها دومًا إلى النّزوع نحو ((الإحسان)) في العمل، وتوخّي الكريم من العادات، والنّفور من الفوضى وعدم النّظام وكلّ ما هو قبيح. فالذّوق الجماليّ هو المنبع الذي تنبع منه الأفكار، وتصدر عن هذه الأفكار أعمال الفرد في المجتمع(23).
(د)- النّزوع الغيريّ (الجماعيّ):
لا بُدّ من إعادة الرّوح الجماعيّة للمسلمين؛ إذ إنّها شرط أساسيّ في عمليّة التّجديد الحضاريّ فإنَّ: «يد الله مع الجماعة» (الحديث).
وما تكالبت الأمم على المسلمين إلاّ عند فقْدهم لهذه الرّوح ولهذه النّزعة الجماعيّة علمًا بأنّ القوّة والمنعة في الاتّحاد والاجتماع على الكلمة الواحدة. إنّ فقدان الرّوح الجماعيّة سبب جوهريّ من أسباب النّكسات والأزَمَات التي حلّت بالأمّة الإسلاميّة.
إنّ النّزوع الجماعيّ معناه تنمية القدرة على الانسجام الاجتماعيّ، واندماج الفرد في الجماعة وانخراطه في العمل المشترك لترقية المجتمع ودعم علاقاته الاجتماعيّة(24).
وأهميّة النزوع الغيريّ أو بتعبير آخر العيش في إطار شبكة العلاقات الاجتماعيّة بالغة الخطورة، ذلك أنّ حدوث خلل في هذه الشّبكة يؤدّي إلى الخلل على مستوى البناء الحضاريّ للأمّة، فيُصبح العمل المشترك صعبًا أو مستحيلاً؛ إذ يدور النّقاش حينئذ لا لإيجاد حلول للمشكلات بل للعثور على أدلّة وبراهين(25).
لهذا كان أوّل عمل قام به النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- في المدينة المنوّرة بعد بناء المسجد النّبويّ هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار؛ نظرًا لأهميّة شبكة العلاقات الاجتماعيّة في عمليّة بناء الأمّة وتحقيق قوّتها واستقرارها، ومن ثمّ عطائها الحضاريّ، وكما يقول مالك بن نبي: "إنّ شبكة العلاقات هي العمل التاريخيّ الأوّل الذي يقوم به المجتمع ساعة ميلاده"(26).

المحور الرّابع


محور بناء عالم الخبرات الإنجازيّة

لا يستغني البناء الحضاريّ الإسلاميّ عن عالم الخبرات المتواجدة داخليًّا وخارجيًّا عن طريق نقلها وتكييفها من أجل الاستفادة منها استفادة صحيحة وإلى أقصى درجة ممكنة.
ويُقصد بمنظومة الخبرات الإنجازيّة: كلّ ما يساعد الفرد والمجتمع من الخبرات التّسييريّة والإداريّة والفنّيّة أوالتقنيّة...لتحسين أدائها الاجتماعيّ، ورفع مستوى استفادتها من الإمكانات المتوفّرة، والظّروف المحيطة(27).
إنّ العمل على جمع الخبرات والإطارت ذات الكفاءة العلميّة يحقّق للأمّة خدمة جليلة تتمثّل في تقدّمها خطوات عملاقة في مجال البناء الحضاريّ بما يختزل من زمن، وبما يوفّر من جهود وأوقات، وبما يسهّل من السّرعة في الإنجاز والتّشييد...
وتبدو أهميّة التّخطيط والتّنظيم والإدارة والتّسيير بالغة الخطورة، وعليه فلا بدّ من توجيه خيرة الطّلبة داخل الأمّة الإسلاميّة إلى التّخصّص في هذه المجالات من أجل ضمان حسن التّسيير والتّنظيم والتّخطيط والإدارة مع ما يتوفّر عليه العالم الإسلاميّ من الثّروات الطبيعيّة، من أجل توجيهها التّوجيه الصّحيح والسّليم؛ إذ ينقصنا توجيه الإنسان؛ فاليابان على الرغم من فقرها المدقع في مجال الثّروات الطبيعيّة؛ إذ إنّ مساحتها الجغرافيّة الصغيرة عبارة عن جزر بركانيّة جبليّة تكثر فيها الزّلازل والبراكين، ولكن رغم ذلك هي الآن أوّل دولة صناعيّة! لماذا؟ لأنّهم اهتمّوا بتوجيه الثّروات والطّاقات البشريّة، لقد اهتمّوا بالإنسان الذي يصنع الحضارة، الإنسان المفكّر الذي يجد حلولاً لمشاكله اليوميّة، والمتناغم في شبكة علاقاته الاجتماعيّة مع أفراد مجتمعه الآخرين. وبالتّالي استطاع هذا الإنسان اليابانيّ أن يجلب إلى بلده معظم الثّروات الطّبيعيّة ثم يصنّعها، وينتج منها ما جادت به عقليّته الفذّة، حتى تراكمت لديه الكثير من الخبرات والإنجازات العظيمة.
فالاستفادة من خبرات الآخرين اختصار للطّريق، واختزال للزّمن في عملية البناء الحضاريّ.
وصلّى الله تبارك وتعالى وسلّم وبارك على نبيّه الأمين محمّد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

المراجع:
1. القرآن الكريم
2. الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيّامه، محمّد بن إسماعيل البخاري، دار الفكر، بيروت، 2003.
3. صحيح مسلم، مسلم بن الحجّاج القشيري، دار الكتب الإلمعيّة، بيروت، لبنان، 2008.
4. موقع المسألة الثقافية من إستراتيجية التجديد الحضاري عند مالك بن نبي، الأستاذ الطّيّب برغوث، الجزائر، 1988
5. ميلاد المجتمع، مالك بن نبي، دار الفكر، دمشق، سوريا، 1987
6. شروط النهضة، مالك بن نبي، دار الفكر، دمشق، سوريا، 1987
7. فقدان التوازن الاجتماعي-مشكلة الزي والملابس- جودت سعيد، دار الفكر، دمشق، سوريا، 1991
8. الجمعية الإسلاميّة للبناء الحضاري، مقدمات في الرؤية والمنهج، الأستاذ الطّيّب برغوث.
9. في مهب المعركة، مالك بن نبي، دار الفكر، دمشق، سوريا، 1987.
10. المنهج النبوي في حماية الدعوة، الأستاذ الطّيّب برغوث،المعهد العالمي للفكر الإسلاميّ، 1993
11. بين الرشاد والتيه، مالك بن نبي، دار الفكر، دمشق، سوريا، 1987.
12. مراجعات في الفكر والدعوة والحركة، عمر عبيد حسنة، الدار العالمية للكتاب الإسلاميّ، الرياض، المملكة العربية السعودية، 1991م.
13. وجهة العالم الإسلاميّ، مالك بن نبي، دار الفكر، دمشق، سوريا، 1987.

الهوامش:
(1) مالك بن نبي،وجهة العالم الإسلامي، ص: 55.
(2) العنكبوت: ٢٠
(3) الطيب برغوث، موقع المسألة الثقافية من إستراتيجية التجديد الحضاري عند مالك بن نبي، نقلا عن تفسير ابن باديس، ص145.
(4) عمر عبيد حسنة، مراجعات في الفكر والدعوة والحركة، ص 104- 105. وللمزيد من الاطلاع على إصابات العقل المسلم، انظر المرجع نفسه للمؤلف ذاته.
(5) الطيب برغوث، موقع المسألة الثقافية من إستراتيجية التجديد الحضاري عند مالك بن نبي، نقلاً من كتاب: المنهج النبويّ في حماية الدّعوة لنفس المؤلف.
(6) مالك بن نبي، بين الرشاد والتيه، ص78.
(7) رواه مسلم عن تميم الداري رضي الله عنه، ج2، ص 27.
(8) الطيب برغوث، موقع المسألة الثقافية من إستراتيجية التجديد الحضاري عند مالك بن نبي، ص 7.
(9) المرجع نفسه، والصفحة نفسها.
(10) مالك بن نبي، في مهب المعركة، ص 141.
(11) كتب هذا المقال في 22-1-1954.
(12) المرجع نفسه والصفحة نفسها.
(13) استشهدنا بهذا القول للأستاذ مالك بن نبي في بناء المنظومة النقدية رغم حصره له في موضوع السياسة لما فيه من أهمية، إذ أنّ السياسة وحسن التسيير من الأهمية بمكان في عملية التجديد الحضاري للأمة.
(14) سورة الحجر: ٢٩، وسورة ص:27.
(15) لمزيد من التفصيل يُنظر:جودت سعيد، فقدان التوازن الاجتماعي-مشكلة الزي والملابس-.
(16) الجمعية الإسلامية للبناء الحضاري، مقدمات في الرؤية والمنهج، الطّيّب برغوث ص17.
(17) الجمعية الإسلامية للبناء الحضاري، مقدمات في الرؤية والمنهج، الطّيّب برغوث ص18
(18) العلق: ١.
(19) لقمان: ١٩.
(20) لقمان: ١٨، الإسراء:37.
(21) شروط النهضة، ص96.
(22) الطيب برغوث، موقع المسألة الثقافية من إستراتيجية التجديد الحضاري عند مالك بن نبي، ص24.
(23) الطيب برغوث، موقع المسألة الثقافية من إستراتيجية التجديد الحضاري عند مالك بن نبي، ص24.
(24) مالك بن نبي، ميلاد المجتمع، ص40.
(25) المرجع نفسه، ص40.
(26) المرجع نفسه، ص25.
(27) الطيب برغوث، موقع المسألة الثقافية من إستراتيجية التجديد الحضاري عند مالك بن نبي، ص26.












التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
 

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي الانتقال إلى العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى


الساعة الآن 02:54 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع